روضة الناظر وجنة المناظر - ت شعبان (ابن قدامة)القسم: أصول الفقهالكتاب: روضة الناظر وجنة المناظر في أصول الفقه على مذهب الإمام أحمد بن حنبلالمؤلف: موفق الدين عبد الله بن أحمد بن قدامة الجماعيلي (٥٤١ - ٦٢٠ هـ)قدم له ووضح غوامضه وخرج شواهده: الدكتور شعبان محمد إسماعيل [ت ١٤٤٣ هـ]الناشر: مؤسسة الريّان للطباعة والنشر والتوزيعالطبعة: الطبعة الثانية ١٤٢٣ هـ-٢٠٠٢ معدد الأجزاء: ٢[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]تاريخ النشر في Ramisher: ١ يوليو ٢٠٢٦.
المجلد الأولمقدمة…بسم الله الرحمن الرحيممقدمةإن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.وبعد:فمن فضل الله -تعالى- على عباده: أنه -سبحانه- بعد أن استخلفهم على هذه البسيطة لم يتركهم يخططون منهاج حياتهم، لأن العقل البشري مهما أوتي من الفطنة والذكاء يعتريه القصور، وتنتابه الشوائب، ولا يعلم الغيب، وتختلف مدارك الناس حول المصلحة الحقيقية التي ينشدونها، ولذلك: يحسّن بعض الناس ما هو عند غيرهم قبيحًا وبالعكس، بل قد يحسن الإنسان اليوم ما كان في نظره بالأمس قبيحًا ويقبح ما كان عنده قبل ذلك حسنًا.
ومن هنا تولى الله -سبحانه- عباده من أول الأمر بالعناية والتوجيه، وبيان المنهج الذي يجب أن يسيروا عليه. جاء ذلك واضحًا في قصة أبي البشر، بعد أن أهبطه الله -تعالى- إلى الأرض هو وزوجه "حواء" يقول الله -تعالى-: {قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى، وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى، قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا، قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى، وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآياتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى} ١.وتتابعت الشرائع بعد ذلك توضح منهج الله -تعالى- لكل أمة حسب ظروفها ومقتضيات أحوالها، عن طريق رسول منها، بلغتها التي تتخاطب بها {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} ٢.ولما شاء الله -تعالى- أن يختم هذه السلسلة المباركة من الأنبياء والمرسلين، اختار أفضل خلقه، وأكمل رسله، فحمّله الرسالة الخاتمة التي جمعت كل ما تحتاج إليه البشرية في حياتها الدنيوية، وما تعدّ له في حياتها الآخرة، فكانت بمثابة حجر الزاوية الذي يمسك أركان البناء. قال تعالى: {بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ} ٣.وقال صلى الله عليه وسلم: "مثلي في النبيين كمثل رجل بنى دارًا فأحسنها وأكملها وأجملها، وترك فيها موضع لبنة لم يضعها، فجعل الناس يطوفون بالبنيان ويعجبون منه ويقولون: لو تم موضع هذه اللبنة؟ فأنا في١ سورة طه الآيات ١٢٣-١٢٧.٢ سورة إبراهيم الآية ٤.٣ سورة الصافات الآية: ٣٧.
النبيين موضع تلك اللبنة" ١.ومقتضى كون شريعة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم خاتمة المطاف، ومتضمنه لمنهج الله -تعالى- في صورته الأخيرة، مقتضى ذلك:أ- حفظ أصول هذا الدين من التحريف والتبديل {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} ٢.ب- جعل معجزته الأساسية في كتاب يخاطب العقل، ويحقق مقتضيات الفطرة والصفات الإنسانية الثابتة، ليكون مستمر الإعجاز والتأثير إلى يوم القيامة، على عكس ما كان من معجزات السابقين، حيث كانت محصورة في المحسوسات، باعتبارها مؤقتة بوقت معين، ولأناس معينين.أما شريعة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فكانت، ولا تزال إلى كل البشر، وعلى جميع المستويات، حتى يرث الله الأرض ومن عليها.ج- جمعه بين ما هو ثابت لا يتغير، وبين ما هو متغير حسب ظروف الناس وأحوالهم، ولذلك كانت الأحكام الشرعية شاملة للقطعي الذي لا مجال فيه للاجتهاد والرأي، لأن المصلحة في ثباته، كما شملت ما يسمى بالظني الذي فيه سعة ومجال للبحث والنظر، وهي ما تسمى بالأمور الاجتهادية، تمشيًا مع طبيعة الحياة وتغير ظروف الناس، حتى تكون الشريعة متسعة لكل ما يجدّ للناس من وقائع، فيجد فيها المسلم حاجته، ولا يحتاج -بعد ذلك- إلى شيء من التشريعات الوضعية التي يظهر نقصها من حين لآخر.١ رواه البخاري ومسلم عن جابر وأبي هريرة، ومسلم عن أبي سعيد الخدري، والترمذي عن جابر وأبي بن كعب، وأحمد عن الأربعة "الفتح الكبير ٣/ ١٣٤".٢ سورة الحجر الآية: ٩.
وبذلك تواكب الشريعة الإسلامية حركة الحياة في نموّها وازدهارها، من خلال وضع القواعد والضوابط التي تحقق مصالح العباد في العاجل والآجل.ولذلك: كان من أهم الخصائص التي تميزت بها هذه الشريعة: أن أحكامها وتشريعاتها المختلفة قائمة على الحجة والدليل، ورد الأمور المتنازع فيها إلى الوحي الإلهي، المتمثل في القرآن والسنة، وما يلحق بهما عن طريق الاجتهاد من العلماء المؤهلين لذلك.قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} ١.فالرد إلى الله -تعالى- هو الرجوع إلى القرآن الكريم، والرد إلى الرسول صلى الله عليه وسلم يكون بالرجوع إليه صلى الله عليه وسلم في حياته وإلى سنّته بعد مماته كذا قال عمرو بن ميمون٢.وقال -تعالى- {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ......} ٣.والمراد بأولي الأمر -في هذه الآية- هم العلماء.قال الشوكاني في تفسير قوله تعالي: {لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} أي: يستخرجونه بتدبرهم وصحة عقولهم٤.ومعنى ذلك: أن العلماء المجتهدين هم الذين يستطيعون أن يفتوا١ سورة النساء الآية: ٥٩.٢ انظر: تفسير الطبري "٥/ ١٥١" والقرطبي "٥/ ٢٦١".٣ سورة النساء من الآية: ٨٣.٤ فتح القدير "١/ ٥٥٢".
في الوقائع التي ليس فيها نص معين، على ضوء قواعد الشريعة ومقاصدها العامة، وروحها السمحة، وعلى أساس دلالات الألفاظ اللغوية، باعتبار أن القرآن الكريم نزل من عند الله -تعالى- بلسان عربي مبين، وكذلك السنة النبوية، فهي كلام أفصح العرب على الإطلاق، سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.وبذلك يظهر دور أصول الفقه في تطبيق هذه الخاصية، خاصية قيام الشريعة الإسلامية على الدليل والبرهان، فهو الذي يبين مصادر التشريع الإسلامي، ويذكر حجتها، ومراتبها في الاستدلال، وكيفية استخراج الأحكام من هذه المصادر، كما يبين صفات الشخص الذي يستطيع أن يستبط الأحكام من هذه المصادر، وهو المجتهد.ولذلك عرّفه البيضاوي بقوله: "أصول الفقه: معرفة دلائل الفقه إجمالًا، وكيفية الاستفادة منها، وحال المستفيد"١ والمستفيد هنا: المجتهد الذي يستفيد حكم الله -تعالى- من الدليل.وهذا يقتضي أن يكون المتصدي للاجتهاد واستنباط الأحكام الشرعية على درجة علمية تؤهله لذلك، وهي التي يعبر عنها علماء الأصول بشروط الاجتهاد.وهذه الأهلية كانت موجودة لدى الصدر الأول من الصحابة رضي الله عنهم حيث كانوا أفقه الناس لروح الإسلام، وأعلمهم بمقاصده ومراميه، فقد تربوا في الحضرة النبوية، وعاشوا نزول الآيات وأسبابها، وورود الأحاديث النبوية، مع سلامة الفطرة ونور البصيرة، وجودة الفهم، وتمكن من اللغة، حيث كانت سليقة وسجية طبعوا عليها منذ نعومة أظفارهم.١ انظر: شرح البدخشي على المنهاج "١/ ١٣-١٤" طبعة صبيح.
وقد علّمهم الرسول صلى الله عليه وسلم كيف يواجهون الأمور التي لم يرد فيها نص، وذلك بالاجتهاد وتبادل الرأي بين أهل العلم والصلاح.روى سعيد بن المسيب عن علي رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله، الأمر ينزل بنا لم ينزل فيه قرآن، ولم تمض لك فيه سنّة؟فقال صلى الله عليه وسلم "اجمعوا له العالمين، أو قال: العابدين من المؤمنين فاجعلوه شورى بينكم، ولا تقضوا فيه برأي واحد" ١.وقد طبق الصحابة رضي الله عنهم ما وجههم إليه الرسول صلى الله عليه وسلم في كل شئونهم.روى الدارمي والبيهقي عن ميمون بن مهران قال: "كان أبو بكر إذا ورد عليه الخصوم نظر في كتاب الله، فإن وجد فيه ما يقضي به قضى به بينهم، وإن لم يجد في كتاب الله نظر: هل كانت من النبي صلى الله عليه وسلم فيه سنّة؟ فإن علمها قضى بها، فإن لم يعلم، خرج فسأل المسلمين فقال: أتاني كذا وكذا … فلم أجد في ذلك شيئًا، فهل تعلمون أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى في ذلك بقضاء؟فربما قام إليه الرهط فقالوا: نعم، قضى بكذا وكذا، فيأخذ بقضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقول عند ذلك: الحمد لله الذي جعل فينا من يحفظ عن نبينا.فإن أعياه ذلك دعا رءوس المسلمين وعلماءهم فاستشارهم، فإذا اجتمع رأيهم على أمر قضى به"٢.وكذلك كان يفعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه وكتابه إلى١ روى الطبراني مثله في الأوسط، انطر مجمع الزوائد "١/ ١٧٨".٢ إعلام الموقعين "١/ ٨٤".
شريح القاضي مشهور ومعروف.قال الشعبي: "قال عمر بن الخطاب: ما في كتاب الله وقضاء النبي صلى الله عليه وسلم فاقض به، فإذا أتاك ما ليس في كتاب الله ولم يقض به النبي صلى الله عليه وسلم فما قضى به أئمة العدل، وما لم يقض به أئمة العدل فأنت بالخيار، إن شئت أن تجتهد رأيك، وأن شئت تؤامرني، ولا أرى في مؤامرتك إياي إلا أسلم لك"١.وفي بعض رواياته: " … إذا جاءك أمر فاقض فيه بما في كتاب الله، فإن جاءك ما ليس في كتاب الله فاقض بما سنّ رسول الله، فإن جاءك ما ليس في كتاب الله ولم يسنه رسول الله فاقض بما أجمع عليه الناس، فإن جاءك ما ليس في كتاب الله ولم يسنه رسول الله ولم يتكلم به أحد، فاختر أي الأمرين شئت، فإن شئت فتقدم واجتهد رأيك، وإن شئت فأخره، ولا أرى التأخير إلا خيرًا لك"٢.وقد نقل عن بعض الصحابة رضي الله عنهم وقائع كثيرة تدل على تطبيقهم لهذا المنهج، وأن القواعد الأصولية التي يذكرها علماء الأصول -بعد التدوين- كانت موجودة لدى الصدر الأول من الصحابة رضي الله عنهم وإن لم تعرف بهذه التسمية، لأنه ما دام هناك فقه، فلا بد وأن تصحبه قواعد وأصول يتفرع عنها هذا الفقه:أ- روى مالك في الموطأ: كتاب الأشربة "أن عمر بن الخطاب استشار في الخمر يشربها الرجل، فقال علي بن ابي طالب: نرى أن تجلده ثمانينن جلدة، فإنه إذا شرب سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، فأرى عليه حد القذف، أو كما قال، فجلد عمر في الخمر ثمانين"٣.١ أخرجه وكيع في أخبار القضاة "٢/ ١٨٩".٢ المصدر السابق.٣ أخرجه البخاري "٨/ ١٨٥" مع الفتح، ومسلم "٢/ ٥٦" وأحمد في المسند "٢/ ٤٩" والشافعي في مسنده "٦/ ٩".
فهو بهذا ينهج الحكم بالمآل، أو بسد الذرائع، وكلاهما من قواعد الأصول.ب- روي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن عدة الحامل المتوفى عنها زوجها بوضع الحمل، مهما كانت المدة بعد الوفاة قليلة أو كثيرة، أخذًا بقول الله تعالى: {وَأُولاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ … } ١. ويرى أن هذه الآية ناسخة لآية سورة البقرة وهي قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا....} ٢. ويستدل على ذلك بقوله: "ومن شاء باهلته أن سورة النساء القصرى نزلت بعد قوله تعالى: {.... أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا … } ٣.ويقصد بسورة النساء القصرى: سورة الطلاق، فإنها تزلت بعد سورة البقرة.ج- قتل الجماعة بالواحد:فقد روي أن امرأة بصنعاء غاب عنها زوجها، وترك في حجرها ابنًا له من غيرها غلامًا يقال له "أصيل" فاتخذت المرأة بعد زوجها خليلًا، فقالت له: إن هذا الغلام يفضحنا فاقتله، فأبى، فامتنعت منه، فطاوعها، فاجتمع على قتل الغلام: الرجل ورجل آخر والمرأة وخادمها فقتلوه، ثم١ سورة الطلاق من الآية: ٤.٢ سورة البقرة من الآية: ٢٣٤.٣ أخرجه عنه البخاري: كتاب التفسير، باب {وَأُولاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} وأبو داود: كتاب الطلاق، باب في عدة الحامل، والنسائي: كتاب الطلاق، باب عدة الحامل المتوفى عنها زوجها وكذلك ابن ماجه.
القسم الرابع: "كل" و"جميع": كقوله تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْت} ١، و {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ} ٢، و {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْء} ٣.القسم الخامس: النكرة في سياق النفي، كقوله تعالى: {وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَة} ٤، {وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ} ٥.= مرفوعًا بلفظ: "أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل". كما أخرجه عنها: الترمذي: كتاب النكاح، باب ما جاء لا نكاح إلا بولي، وقال: "حديث حسن"، وابن ماجه: كتاب النكاح، باب لا نكاح إلا بولي، وأحمد في مسنده "٦/ ٤٧"، كما رواه الدارمي والدارقطني والحاكم وغيرهم. انظر: نصب الراية للزيلعي "٣/ ١٨٤-١٨٥".١ سورة آل عمران من الآية "١٨٥".٢ سورة الأعراف من الآية "٣٤".٣ سورة الزمر من الآية "٦٢".٤ سورة الأنعام من الآية "١٠١"٥ سورة البقرة من الآية "٢٥٥".أما النكرة في سياق الأمر: ففيها خلاف بين العلماء، فمنهم من قال: تفيد العموم مثل النكرة في سياق النفي، ومنهم من قال: لا تفيد العموم، وهو رأي الجمهور.ومن أمثلته: "أعتق رقبة" فالجمهور يقولون: إنه لا يفيد العموم، لأنه مطلق، والمطلق ليس بعام، كما تقدم في تعريفه.وقال البعض: إنه يعم؛ لأنه لو لم يكن عامًّا، لما خرج المأمور عن عهدة الأمر بعتق أي رقبة كانت.قال الطوفي: "وفي هذا نظر؛ لأنه إنما خرج عن عهدة الأمر بذلك؛ لأنه مأمور برقبة مطلقة، والمطلق يكفي في امتثاله إيجاد فرد من أفراده؛ لأن الواجب فيه تحصيل الماهية، وهي حاصلة بفرد من أفراده، كما لو قال: صلِّ صلاةًَ، أو: صم يومًا. والله تعالى أعلم". شرح مختصر الروضة "٢/ ٤٧٣".
أما زيد بن ثابت: فيشبه الجد بساق الشجرة وأصلها، والأب بغصن منها، والإخوة بخوطين١ تفرعا عن ذلك الغصن، وأحد الخوطين إلى الآخر أقرب منه إلى أصل الشجرة، ألا ترى أنه إذا قطع أحدهما امتص الآخر ما كان يمتص المقطوع، ولا يرجع إلى الساق٢.هـ- تأبيد المرأة التي تتزوج في العدة:فمن المسائل التي قضى فيها الصحابة رضي الله عنهم بالاجتهاد والرأي: ما إذا تزوجت المرأة وهي في العدة، ماذا حكمها؟روي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه فرق بين طليحة الأسدية وبين زوجها راشد الثقفي، لما تزوجها في العدة، من زوج ثان وقال: "أيما امرأة نكحت في عدتها، فإن كان زوجها الذي تزوجها لم يدخل بها، فرّق بينهما، ثم اعتدت بقية عدتها من الأول، ثم كان الآخر خاطبًا من الخطاب، وإن كان قد دخل بها، فرق بينهما، ثم اعتدت بقية عدتها من الأول ثم اعتدت من الآخر، ثم لا يجتمعان أبدًا"٣.وذهب علي رضي الله عنه إلى أن للزوج الثاني نكاحها بعد انقضاء عدتها من الرجلين.قال الشافعي: "أخبرنا عبد المجيد عن ابن جريج قال: أخبرنا عطاء أن رجلا طلق امرأته فاعتدت منه، حتى إذا بقي شيء من عدتها نكحها١ الخوط -بالضم-: الغصن الناعم لسنة، أو كل قضيب. القاموس المحيط.٢ أخرج مثله ابن عبد البر في كتابه: جامع بيان العلم وفضله "٢/ ١٣١" والبيهقي في السنن الكبرى "٦/ ٢٤٧".٣ رواه مالك في الموطأ: كتاب النكاح -باب جامع ما لا يجوز من النكاح، كما أخرجه الشافعي في كتاب النكاح- الباب الخامس في العدة، وعبد الرزاق في المصنف: كتاب الطلاق، باب نكاحها في عدتها.
قالوا١: لأن أقل الجمع مستيقن، وفيما زاد مشكوك، يحتمل أن يكون مرادًا، وأن لا يكون مرادًا، فيحمل على اليقين٢.ولأن٣ وضع هذه الصيغ للعموم: إما أن يعلم بعقل، أو بنقل.فالعقل لا مدخل له في اللغات.والنقل: إما تواتر، وإما آحاد:فالآحاد لا يحتج بها.والتواتر لا يمكن دعواه.ثم لو كان لأفاد علمًا ضروريًّا.ولأنا٤ لما رأينا العرب تستعمل الألفاظ المشتركة في جميع مسمياتها: قضينا بأنها مشتركة، وأن من ادعى أنها حقيقة في أحدهما، مجاز في الآخر: كان متحكمًا.وهذه الصيغ تستعمل في العموم والخصوص، بل استعمالها في الخصوص أكثر في الكتاب والسنة، وليس أحدهما أولى من الآخرن فهما قولان متقابلان، فيجب تدافعهما، والقول والاعتراف بالاشتراك.ولأنه٥ يحسن الاستفهام، فلو قال: "من دخل داري فأعطه درهمًا"= أصحاب أبي حنيفة، شرح فقه الإمام أبي حنيفة، واحتج له، كان يميل إلى الاعتزال، ولد سنة "١٨١هـ" وتوفي سنة "٢٦٦هـ" انظر: الوافي بالوفيات "٣/ ١٤٨" والأعلام "٦/ ١٥٧".١ أي: الواقفية ومن معهم. وهو منسوب لأبي الحسن الأشعري، وأبي بكر الباقلاني، وبعض المتكلمين.٢ هذا هو الدليل الأول لهم.٣ هذا هو الدليل الثاني٤ هذا دليل ثالث لهم.٥ هذا دليل رابع.
فلم يكن الصحابة ولا التابعون رضي الله عنهم في حاجة إلى معرفة القواعد والضوابط التي عرفت -فيما بعد- بأصول الفقه والاستنباط، لأنها كانت -كما قلت- مركوزة في أذهانهم وسجية لهم، فكانوا يعرفون الخاص والعام الذي أريد به العموم، والعام الذي يراد به الخصوص، والمطلق والمقيد، والمشترك والمفرد، والناسخ والمنسوخ، وما إلى ذلك من القواعد التي تدرس في هذا العلم.أما بعد أن طال الزمن، وفسد اللسان العربي، نتيجة لاتساع البلاد الإسلامية، واختلاط الأعاجم بالعرب، وجدّت حوادث ووقائع كثيرة، وكثر الاجتهاد والمجتهدون، واختلفت طرقهم في الاستنباط، وظهر في الأفق الاتجاهان المعروفان باتجاه أهل الحديث بالحجاز، واتجاه أهل الرأي بالعراق، وأسرف كل فريق في الطعن على الفريق الآخر، فعاب أهل الرأي على أهل الحديث الإكثار من الرواية التي هي مظنة لقلة الفهم والتدبر، كما عاب أهل الحديث على أهل الرأي بأنهم يأخدون في دينهم بالظن، ويحكمون العقل في الدين١، فلما اتسع النزاع بين المدرستين المذكورتين، أرسل الإمام عبد الر حمن بن مهدي -عالم الحديث بالمدينة المنورة المتوفى سنة "١٩٨هـ"- إلى الإمام الشافعي -رحمه الله تعالى- يطلب منه وضع قواعد يحتكم إليها، وأسس يسير عليها العلماء في اجتهادهم، وكيف يتعاملون مع الأدلة الشرعية، فأجابه الإمام الشافعي، وبعث إليه بهذه القواعد، والتي عرفت فيما بعد باسم "الرسالة".= إذا أشهد، وفي باب فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وباب ما يحذر من زهرة الدنيا، كما رواه الترمذي وأحمد وغيرهما.١ تاريخ التشريع للخضري ص١٤٦.
وقد بين الإمام الشافعي -في هذه الرسالة- أهمية رسالة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وأهمية الكتاب العزيز "القرآن الكريم" وأنه لا تنزل بأحد نازلة إلا في كتاب الله -تعالى- حكم لها، إما نصًّا وإما إلحاقًا بالنص، وأن مهمة الرسول صلى الله عليه وسلم تبيين ما نزّل إلى الناس، ثم أتبع ذلك بباب: "كيف يكون البيان" ثم تحدث عن علاقة السنة بالقرآن، وعن حجية السنة وأنها المصدر الثاني للتشريع، كما بين حجية خبر الآحاد بصفة خاصة، ثم أتبع ذلك الكلام على الإجماع، والقياس وحجيته وشروطه، وألحق به باب الاجتهاد، ثم الاستحسان، ثم ذكر الاختلاف بين العلماء، والمذموم منه والممدوح، وأنهى رسالته بموضوع "أقوال الصحابة" رضي الله عنهم، ومدى الاستدلال بها.فكانت هذه الرسالة بمثابة اللبنة الأولى في هذا العلم، من حيث التأليف والتدوين، وأن الإمام الشافعي صاحب السبق في ذلك.وإن كان هناك من ينازع في ذلك، ويدّعي أن هناك من سبق الإمام الشافعي في ذلك، كالإمامين: أبي يوسف، ومحمد بن الحسن، صاحبي الإمام أبي حنيفة رحمهم الله جميعًا- كما ادعت الشيعة ذلك أيضًا.وهي مجرد دعوى لا دليل عليها، فلم يصلنا من هذه المؤلفات شيء، كما وصلتنا رسالة الإمام الشافعي.وفي تصوّري: أن ما يدعيه هؤلاء، إنما هو من قبيل القواعد التي ترد في بعض المسائل الفقهية بطريقة عارضة، وهو أمر مسلم به؛ فإن كل إمام من الأئمة المجتهدين كانت له قواعده وأصوله التي يسير عليها، ويحتكم إليها في اجتهاده، وسبق أن قلنا: إن هذا كان موجودًا ومطبقًا في عصر الصحابة والتابعين رضي الله عنهم وفرق كبير بين تطبيق القواعد
والاحتكام إليها، وبين تأليف كتاب مستقل متكامل مستوعب لأبواب العلم١.ثم تتابع العلماء بعد ذلك في التأليف وإضافة بعض الموضوعات إلى رسالة الإمام الشافعي، شأنه في ذلك شأن سائر العلوم، تبدأ قليلة، ثم تنمو وتتسع.وقد سلك العلماء -بعد الإمام الشافعي- مسالك مختلفة:أ- فمنهم من اتجه نحو تحرير المسائل الأصولية وتقرير القواعد تقريرًا منطقيًّا يقوم على الدليل العقلي، دون نظر إلى ما يتفرع عنها من فروع فقهية، وسمي هذا الاتجاه: باتجاه المتكلمين؛ لأنهم أشبهوا علماء الكلام في إقامة الأدلة، ودفع شبه المخالفين.ومن أمهات الكتب المؤلفة على هذه الطريقة:١- كتاب "العمد" للقاضي عبد الجبار بن أحمد الهمذاني المعتزلي المتوفى سنة ٤١٥هـ.٢- كتاب "المعتمد" لأبي الحسين البصري: محمد بن علي الطيب البصري المعتزلي المتوفى سنة ٤٣٦هـ.٣- كتاب "البرهان" لإمام الحرمين: عبد الملك بن يوسف الجويني المتوفى سنة ٤٧٨هـ.٤ - كتاب "المستصفى" للإمام أبي حامد: محمد بن محمد الغزالي المتوفى سنة ٥٠٥هـ.فكانت هذه الكتب الأربعة بمثابة المرجع في الأصول على هذه١ انظر: التمهيد للإسنوي ص٤٥، ٤٦ تحقيق الدكتور محمد حسن هيتو.