ميزان الأصول في نتائج العقول (علاء الدين السمرقندي) القسم: أصول الفقه الكتاب: ميزان الأصول في نتائج العقول المؤلف: علاء الدين شمس النظر أبو بكر محمد بن أحمد السمرقندي (ت ٥٣٩ هـ)حققه وعلق عليه وينشره لأول مرة: الدكتور محمد زكي عبد البر، الأستاذ بكلية الشريعة - جامعة قطر، ونائب رئيس محكمة النقض بمصر (سابقا) الناشر: مطابع الدوحة الحديثة، قطر الطبعة: الأولى، ١٤٠٤ هـ - ١٩٨٤ معدد الصفحات: ٧٨٩[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]تاريخ النشر في راميشر: ١ يوليو ٢٠٢٦.
ميزان الأصول في نتائج العقول - جـ ١ميزان الأصول في نتائج العقول«المختصر»
ما تفرع من أصله، وما لم يتفرع منه فليس من نسله، فكان (١) من الضرورة أن يقع التصنيف في هذا الباب على اعتقاد مصنف الكتاب. وأكثر التصانيف في أصول الفقه لأهل الإعتزال المخالفين لنا في الأصول (٢)، ولأهل الحديث المخالفين لنا في الفروع (٣)، والإعتماد على تصانيفهم إما أن يفضي إلى الخطأ في الأصل، وإما إلى الغلط في الفرع، والتجافي (٤) عن الأمرين واجب في العقل والشرع.(١) كذا في ب، وفي الأصل: "وكان".(٢) قال الشهرستاني في الملل والنحل (١: ٤١ - ٤٣) في معنى الأصول والفروع: "قال بعض المتكلمين: الأصول معرفة الباري تعالى بوحدانيته وصفاته، ومعرفة الرسل بآياتهم وبيناتهم. وبالجملة: كل مسألة يتعين الحق فيها بين المتخاصمين فهي من الأصول. ومن المعلوم أن الدين إذا كان منقسماً إلى معرفة وطاعة، والمعرفة أصل والطاعة فرع، فمن تكلم في المعرفة والتوحيد كان أصولياً، ومن تكلم في الطاعة والشريعة كان فروعياً. فالأصول هو موضوع علم الكلام، والفروع هو موضوع علم الفقه. وقال بعض العقلاء: كل ما هو معقول ويتوصل إليه بالنظر والإستدلال فهو من الأصول، وكل ما هو مظنون ويتوصل إليه بالقياس والإجتهاد فهو من الفروع".والمسائل التي تكلم فيها أهل الأصول - من المعتزلة- واختلفوا فيها مع أهل السنة هي: التوحيد والعدل والوعد والوعيد والسمع والعقل (انظر بيان ذلك في الشهرستاني، الملل والنحل، الموضع المشار إليه فيما تقدم).(٣) قال الشهرستاني في الملل والنحل (١: ٢٠٦ - ٢٠٧): "ثم المجتهدون من أئمة الأمة محصورون في صنفين لا يعدوان إلى ثالث: أصحاب الحديث وأصحاب الرأي. أصحاب الحديث وهم أهل الحجاز: هم أصحاب مالك بن أنس وأصحاب محمد بن إدريس الشافعي وأصحاب سفيان الثوري وأصحاب أحمد بن حنبل وأصحاب داود بن علي بن محمد الأصفهاني. وإنما سموا أصحاب الحديث لأن عنايتهم بتحصيل الأحاديث ونقل الأخبار وبناء الأحكام على النصوص ولا يرجعون إلى القياس الجلي والخفي ما وجدوا خبراً أو أثراً. وقد قال الشافعي: إذا وجدتم لي مذهباً ووجدتم خبراً على خلاف مذهبي فاعلموا أن مذهبي ذلك الخبر … أصحاب الرأي وهم أهل العراق: هم أصحاب أبي حنيفة النعمان بن ثابت … وإنما سموا أصحاب الرأي لأن أكثر عنايتهم بتحصيل وجه القياس والمعنى المستنبط من الأحكام، وبناء الحوادث عليها وربما يقدمون القياس الجلي على آحاد الأخبار، وقد قال أبو حنيفة: علمنا هذا رأي وهو أحسن ما قدرنا عليه، فمن قدر على غير ذلك فله ما رأى ولنا ما رأينا … تفرقة وتذكرة: اعلم أن بين الفريقين اختلافات كثيرة في الفروع، ولهم فيها تصانيف وعليها مناظرات وقد بلغت النهاية في مناهج الظنون حتى كأنهم أشرفوا عل القطع واليقين .. إلخ" وانظر: أحمد أمين، فجر الإسلام، الطبعة السابعة، ص ٢٣٥ وما بعدها. ومصطفى عبد الرازق، تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية، ص ٢٠٥ وما بعدها.(٤) كذا في: ب. وفي الأصل "والتحامي". وتجافى عنه نبا أو تباعد عنه. وتجافاه تجنبه (انظر المعجم الوسيط).
وتصانيفِ أصحابنا رحمهم الله في هذا النوع قسمان:قسم وقع في غاية الإحكام والإتقان، لصدوره (١) ممن جمع الفروع والأصول، وتبحر في علوم (٢) المشروع والمعقول، مثل الكتاب الموسوم بـ "مآخذ الشرائع" والموسوم بكتاب "الجدل" للشيخ الإمام الزاهد رئيس أهل السنة: أبي منصور المتريدي السمرقندي (٣) رحمه الله" ونحوهما من تصنيف أستاذيه وأصحابه رحمهم الله (٤).وقسم وقع في نهاية التحقيق والمعاني، وحسن الترتيب والمباني، لصدوره ممن تصدى لاستخراج الفروع من ظواهر المسموع. غير أنهم لما لم يتمهروا (٥) في دقائق الأصول. في قضايا العقول أفضى رأيهم إلى رأي المخالفين في بعض الفصول.ثم هجر القسم الأول: إما لتوحش (٦) الألفاظ والمعاني، وإما لقصور الهمم والتواني. واشتهر القسم الآخر (٧)، لميل الفقهاء إلى الفقه المحض، وإن وقع في البعض شوب (٨) المخالفة والنقض. وكلا أن يكون ذلك منهم عن قصد واعتقاد، فظن (٩) السوء في أمثالهم إثم وعناد - لكن إصابة (١٠) التفريع بدون إحكام الأصل، والأمن عن الزلل، خارج عن العقل.(١) في ب: "بصدوره".(٢) في ب: "في علم".(٣) راجع ترجمته في الهامش ٥ ص ط من المقدمة.(٤) تخرج أبو منصور الماتريدي بأبي نصر العياضي، وتفقة على أبي بكر أحمد الجوزجاني عن أبي سليمان الجوزجاني عن محمد بن الحسن الشيباني (الفوائد ١٩٥. والجواهر، ٢: ١٣٠ - ١٣١).(٥) في ب: "يمهروا" وكلاهما صحيح. يقال مهر فيه وتمهر فيه حذق فيه (المعجم الوسيط).(٦) الوحش، بالحاء المهملة، حيوان البر. وبلد وحش قفر. وكل شيء يستوحش عن الناس فهو وحش. ووخش بالخاء المعجمة الرديء من كل شيء ورذال الناس وسقاطهم (القاموس والمصباح). انظر فيما بعد الهامش اص ٢٢.(٧) في ب: "الأخير".(٨) في ب: "ثبوت". والثوب ما اختلط بغيره من الأشياء وبخاصة السوائل (المعجم الوسيط).(٩) كذا في ب. وفي الأصل: "وظن".(١٠) كذا في ب. وفي الأصل: "إجابة".
ولم يقدم من المتأخرين ممن جبل على الذكاء والفهم، وتبحر في النوعين من العلم، على تصنيف في هذا الباب لرفع (١) هذا الخلل والإضطراب، لأعذار عندهم صحيحة ولموانع (٢) كثيرة، والتوفيق عزيز، والله تعالى (٣) يؤتي ملكه من يشاء. وليس من الشفقة والنصيحة إهمال هذا الأمر، وما للقادر عليه في الإمهال عذر - فرأيت الإقدام على إتمام هذا المرام حقاً واجباً، وفرضاً لازماً، على نفسي، بقدر الوسع والطاقة، مع القصور في البضاعة، فأسرعت في الإقدام، خوفاً من الإثم في الإعراض والإغماض (٤)، مع الإمكان، وإشفاقاً عن زوال نعم الله تعالى علي، بالكفران، مع ما أرجو من الله تعالى بذلك: ثواباً دائماً، وذكراً وشرفاً، إلى قيام الساعة قائماً.ولما صممت على (٥) هذا العزم، رأيت (٦) من الشفقة على هذه الطبقة أن أكتب جملا من الفصول، في هذا النوع من الأصول، وأذكر في كل فصل منها (٧) مذاهب أهل السنة والجماعة، وعقائد أهل البدع والضلالة، ليكونوا على بصيرة من المذهب الصحيح، فلا يقعوا (٨) في شيء من المعتقد القبيح، إذ الفقيه المحض لا يقف على ذلك بخاطره، فربما (٩) يتشبث بالمذهب القبيح بحسن ظاهره، وتكون هذه الفصول إلى(١) في ب: "لدفع".(٢) كذا في ب. وفي الأصل: "والموانع".(٣) "تعالى" من ب.(٤) أغمضت العين إغماضاً وغمضتها تغميضاً أطبقت الأجفان. ومنه قيل: أغمضت عنه إذا تجاوزت. وغمض الكلام: أبهمه. والغامض من الكلام خلاف الواضح (القاموس والمصباح).(٥) صمم في كذا أو عليه مضى في رأيه ثابت العزم (المعجم الوسيط).(٦) كذا في ب. وفي الأصل: "ورأيت".(٧) "منها" من ب.(٨) كذا في ب. وفي الأصل: "فلا يقع".(٩) في ب: "وإنما".
محض الحق هادية، وإلى رفض الهوى والبدع (١) داعية، ثم (٢) من علت همته يتتبع (٣) ما لأهل الحق من الدلائل، وما للخصوم من الشبه في المسائل - مع أني أشير في كل مسألة إلى دلائل يعتمد عليها، وعند التحقيق مال الكلام إليها، وسميت هذا الكتاب: "ميزان الأصول في نتائج العقول" ليزن العاقل قضايا العقول (٤) بهذا الميزان، حتى يظهر له الحق مثل العيان، فيعتقد الحق الصريح، ويرد الباطل المليح (٥)، وأطمع منه أن يذكرني بصالح الدعاء (٦)، قضاء لحق الإخاء، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب (٧).* * *(١) كذا في ب. وفي الأصل: "البدعة".(٢) "ثم" ليست في ب.(٣) في ب: "يتبع".(٤) كذا في ب. وفي الأصل: "العقل".(٥) ملح الماء صار ملحاً وهو مليح أيضاً. وملح الشيء ملاحة بهج وحسن منظره فهو مليح (المعجم الوسيط).(٦) في ب: "دعائه".(٧) تذكرنا هذه المعاني والألفاظ بما قاله المؤلف نفسه في مقدمة كتابه "تحفة الفقهاء" وفيما يلي ما قاله في هذا الصدد (١: ١ - ٢): " اعلم أن المختصر المنسوب إلى الشيخ أبي الحسين القدوري رحمه الله جامع جملا من الفقه مستعملة، بحيث لا تراها مدى الدهر مهملة. يهدى بها الرائض في أكثر الحوادث والنوازل، ويرتقي بها المرتاض إلى أعلى المراقي والمنازل. ولما عمت رغبة الفقهاء إلى هذا الكتاب، طلب مني بعضهم، من الإخوان والأصحاب، اْن أذكر فيه بعض ما ترك المصنف من أقسام المسائل، وأوضح المشكلات منه، بقوي من الدلائل، ليكون ذريعة إلى تضعيف الفائدة، بالتقسيم والتفصيل، ووسيلة بذكر الدليل، إلى تخريج ذوي التحصيل، فأسرعت في الإسعاف والإجابة، رجاء التوفيق من الله تعالى، في الإتمام والإصابة، وطمعاً من فضله في العفو والغفران والإنابة، فهو الموفق للصواب والسداد، والهادي إلى سبل الرشاد، وسميته "تحفة الفقهاء" إذ هي هديتي لهم، لحق الصحبة والإخاء، عند رجوعهم إلى موطن الآباء. فليقبل هديتي هذه من شاء كسب العز والبهاء، وليذكرني بصالح الدعاء في الحياة والممات، فهو غرضي ونيتي. والأعمال بالنيات، وقابل الأعمال عالم بالخفيات، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب".
ثم لما شرعت في الشرح والبيان، على وجه الإحكام والإتقان، ولم أملك عنان القلم في فيض (١) ما فوض (٢) من الكلم، وكرهت أيضاً أن يفوتني ما يظهر من الحكم، فقيدتها بالكتابة والرقم - التفت الكتاب إلى التطويل والإطناب، فملت إلى ما هو المتوسط في الباب: لا (٣) القصير المقصر، ولا الطويل المنفر. ثم خطر ببالي أن ذا مما يمل به بعض الطلاب، وإن كان يراه البعض من أصوب (٤) الصواب، إذ الطلبة بين ريض مبتدئ، وبين مرتاض منته، والمبتدئ إلى الإختصار أميل، لأن حفظه وضبطه أسهل، والمنتهي يميل إلى الإطناب والإكثار، ليختار برأيه ما هو المختار- رأيت الأصوب في أن أتمم (٥) المتوسط الذي كنت فيه شارعاً، وأحذف الزوائد (٦) عنه، فيكون مختصراً جامعاً، ويتم الأمران على الصحبة والقرآن، إذ الشروع (٧) في قصد التقرب ملزم، والإعراض عن الخير أشام.ولما كان الكتابان متحدين من حيث الغرض، وإن تصورا مختلفين من حيث العرض (٨)، جعلت مقدمتهما واسمهما واحداً، وإن كان أحدهما في الطول والعرض زائداً، بل ازدادت كل مقدمة "المختصر" لما (٩) مهدت فيه من العذر المعتبر.(١) و (٢) في ب: "في قبض". والفيض الكثير الغزير. وفاض الماء فيضاً وفيوضاً وفيضاناً كثر حتى سال. وفوض إليه الأمر رده إليه (المعجم الوسيط، والقاموس).(٣) "لا" ليست في ب.(٤) في ب: "من أصول الصواب".(٥) في ب: "رأيت من الأصوب أن أتمم".(٦) في ب كذا: "وأعيد الرواية".(٧) في ب: "الشرع".(٨) في ب: "الغرض".(٩) في ب: "بما". و "المختصر" هو هذا.
فمن شاء (١) اقتصر على هذا "المختصر" فهو الكفاية لذوي العناية، والهداية إلى ما هو النهاية. ومن شاء (٢) تجاوز عن (المختصر) واختار "المبسوط" (٣): فهو الدرجة القصوى، والأمد الأقصى، في طلب الفضل والعلى، إذ هو الجامع للرواية والدراية، على أصول أهل السنة، المنزه عن شوب الهوى والبدعة، المشتمل على شبهات (٤) الخصوم، وحلها، على وجه يرتضيه كل منصف عاقل، وتقر به عين كل فاضل، وهو في قلوب المبتدعة سهم قاتل.وفقنا الله تعالى على إتمامهما على وجه الإتقان، في أسرع الزمان، فهو الموفق والمستعان.و (٥) حسبنا الله ونعم الوكيل، نعم المولى ونعم النصير.* * * إذا عرفنا هذه المقدمة جئنا إلى الكتاب وهو "المختصر".* * *(١) كذا في ب. وفي الأصل: "ثم من شاء".(٢) "شاء" ليست في ب.(٣) في ب: "المتوسط".(٤) كذا في ب، وفي الأصل: "شدهات" وقد تقدم في الصفحة قبل السابقة: "وما للخصوم من الشبه في المسائل".(٥) الواو من ب.
اعلم أن (١) العلم المحدث نوعان: ضروري، واستدلالي:فالضروري ما حصل في العالم بإحداث الله تعالى وتخليقه، من غير أن يكون للعالم فيه فعل الكسب والإختيار ولا (٢) قدرة التحصيل والترك.والإستدلالي ما حصل في العالم بإحداث الله تعالى وتخليقه (٣)، وللعالم فيه فعل الكسب والإختيار وقدرة التحصيل أو (٤) الترك.نظيره: الفعل المحدث وينقسم (٥) إلى نوعين: ضروري وإختياري:فالضروري ما حصل (٦) في الذات القائم به، بإحداث الله تعالى وتخليقه، من غير أن يكون للذات فيه فعل الكسب والإختيار، ولا قدرة التحصيل والترك، نحو حركة المرتعش وسكون اليد الشلاء وغيرهما.والفعل الإختياري ما حصل في الذات القائم به، بإحداث الله تعالى وتخليقه أيضاً، لكن للذات فيه فعل الكسب والإختيار، وله (٧) قدرة التحصيل أو (٨) الترك، كالذهاب والمجيء والقيام والقعود.* * * ثم العلم الضروري أنواع ثلاثة:- العلم الحاصل بالحواس الخمس.- والعلم الحاصل بالأخبار المتواترة، نحو العلم بالبلدان النائية والملوك الماضية.(١) كذا في ب وفي الأصل "بأن".(٢) "لا" ليست في ب فقيها: "وقدرة".(٣) "وتخليقه" من ب.(٤) في ب: "و".(٥) في ب: "نظيره للفعل المحدث: فإنه ينقسم".(٦) في ب: "ما يحصل".(٧) "له" من ب.(٨) في ب: "و".
- والعلم الحاصل ببدائه العقول، من غير تأمل ونظر (١) في الأصول، كعلم الإنسان بوجود نفسه، وما يحدث فيه من الألم واللذة، وأن كل الشيء أكبر وأعظم (٢) من جزئه، ونحو ذلك.وأما العلم الإستدلالي فنوعان: عقلي وسمعي:- فالعقلي ما يعرف بمجرد العقل، بالتأمل والنظر في المحسوسات والبدائه (٣)، من غير واسطة الدليل السمعي، كالعلم بحدوث (٤) العالم وثبوت الصانع وقدمه وتوحيده، ونحو ذلك.- والسمعي ما يعرف بالنظر العقلي في المسموعات، ولا يعرف بالعقل وحده بدون واسطة (٥) السمع، كالعلم بالحلال والحرام، وسائر ما شرع الله تعالى من الأحكام.فالعلم العقلي يوجب العلم (٦) قطعاً ويقيناً (٧)، وهو يسمى "علم الكلام" و "علم التوحيد" و "علم أصول الدين" في عرف لسان الفقهاء والمتكلمين.وأما العلم السمعي فنوعان:أحدهما - ثابت بطريق القطع واليقين، وهو ما ثبت بالنص المفسر (٨) من الكتاب، والخبر المتواتر والمشهور (٩)، والإجماع (١٠).(١) في ب: "من غير نظر وتأمل".(٢) في ب: "وأن الشيء أعظم".(٣) "في المحسوسات والبدائه" ليست في ب.(٤) كذا في ب. وفي الأصل: "بحدث".(٥) في ب: "إلا بواسطة".(٦) كذا في ب. وفي الأصل "الحكم".(٧) "ويقيناً" ليست في ب.(٨) "المفسر" ليست في ب. وانظر فيما بعد ص ٣٥١ وما بعدها.(٩) انظر في - حكم المشهور: هل يوجب علم طمأنينة أو علماً يقينياً - ٤٢٨ - ٤٣٠(١٠) سيأتي بيان كل هذه الألفاظ. انظر فيما بعد ص ٣٥٦ وما بعدها و ٤٢٢ وما بعدها و ٤٢٨ وما بعدها. ٤٨٩ وما بعدها.
والثاني - ثابت بطريق الظاهر، بناء على غالب الرأي وأكبر الظن. وهو ما ثبت بظواهر الكتاب والسنة المتواترة (١)، وما ثبت بخبر الواحد، والقياس الشرعي (٢).وهذا النوع بقسميه يسمى "علم الشرائع والأحكام" ويسمى "علم الفقه" في عرف الفقهاء وأهل الكلام، وإن كان اسم الفقه لغة وحقيقة لا إختصاص له بهذا النوع من العلم، بل هو اسم للوقوف على المعنى الخفي الذي يتعلق به علم (٣) يحتاج فيه (٤) إلى النظر والإستدلال مطلقاً، كعلم النحو واللغة والطب وغيرها (٥) - يقال "فلان فقيه في النحو والطب واللغة" (٦) إذا كان قادراً على الإستنباط والإستخراج في ذلك (٧).وكذا الدلائل السمعية (٨) التي تعاق بها هذا العلم يسمى "أصول الفقه" في عرف الشرع.وكذا الكتاب الذي يذكر فيه تقسيم هذه الأحكام ووجوه (٩) تعلقها بهذه الأصول وكيفية إستخراج المعاني المسماة بالفقه من الأصول - يسمى "أصول الفقه" في عرف الفقهاء.(١) أي وبظواهر السنة المتواترة.(٢) انظر فيما بعد: ص ٤٤٨ وما بعدها وص ٥٥١ وما بعدها.(٣) كذا في ب. وفي الأصل "الذي تعلق به حكم".(٤) "فيه" ليست في ب.(٥) في ب: "وغيرهما".(٦) "واللغة" من ب.(٧) في القاموس والمصباح: الفقه بالكسر العلم بالشيء والفهم له والفطنة. وقال ابن فارس: وكل علم لشيء فهو فقه ولكنه غلب على علم الدين لشرفه. فالفقه على لسان حملة الشرع علم خاص.(٨) راجع ما تقدم عن العلم الإستدلالي السمعي (ص ٩ - ١٠)(٩) في ب: "وجوه".
وإذا كان عرف أهل اللسان، وعرف الشرع، في إطلاق هذا الإسم ما ذكرنا - تركنا (١) بيان معنى "الفقه" و "الأصل" من حيث اللغة والحقيقة، تمسكاً بالعرف، إذ هو القاضي على الوضع، وجعلنا الكتاب المسمى بـ "أصول الفقه" في العرف على فصلين:"فصل في بيان الأحكام" المسماة بالفقه."وفصل في بيان ما يعرف به الأحكام".وبدأنا بفصل "الأحكام" ثم بفصل "الدلائل" فيتم الكتاب بذكر الفصلين (٢) بتوفيق الله تعالى وعونه (٣).(١) "تركنا" ليست في ب.(٢) "بذكر الفصلين" من ب. انظر ص ١٣ وما بعدها. وص ٦٧ وما بعدها.(٣) "وعونه" ليست في ب.
أما نحن فإن إيماننا بالفقه الإسلامي يزداد على الأيام قوة. وكل ما نرجوه أن يأخذ الله بيدنا إلى ما نبغي من خدمة شريعته، وأن يقوي فينا هذا الإحساس، وأن يؤتينا العزم والتوفيق والرشاد.والكتاب الذي ننشره اليوم هو "تحفة الفقهاء" لعلاء الدين السمرقندي: عثرنا عليه أثناء الاطلاع على مخطوطات الفقه الإسلامي، لتحضير رسالتنا للدكتوراه. وقد راعنا هذا الكتاب وعزمنا منذ يومئذ على القيام بنشره، وسنتكلم على الكتاب ومؤلفه ومنهجنا، في المقدمة التالية للتقديم الذي تفضل به أُستاذنا الجليل الشيخ على الخفيف. وإنا لنرجو أن يكون باكورة نتبعها بنشر مخطوطات أخرى (١). والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.القاهرة في مايو سنة ١٩٥٥.الدكتور محمّد زكى عَبدِ البرّ(١) وقد وفقنا الله سبحانه ويسر لنا نشر "تحفة الفقهاء" لأول مرة في ثلاثة أجزاء. وها نحن اليوم -بمعونة الله سبحانه وتعالى ننشر لأول مرة أيضاً كتابه "ميزان الأصول".
فصل في بيان الأحكام (١)(١) الفصل الثاني ص ٦٧ وما بعدها.
القواعد راسخ الأساس سليم المبادئ صحيح النتائج متفقاً مع الأعراف الصحيحة والعادات الحسنة والأخلاق الكريمة، يهدف إلى الإصلاح لا الهدم، ويدعو إلى السمو وينأى بجانبه عن الركود والقعود.ولقد كان هذا الفقه وليداً لقيام الدولة الإسلامية وظهور دينها، منه استمدت أصوله وأحكامه، وبقدر حاجتها تعددت فروعه وامتدت أغصانه، فكان في عهده الأول على قدر الحاجة إليه حلولاً لما حدث من مسائل وما اشتجر من خلاف وما وجد من نزاع في تلك البيئة القصيرة المدى المحدودة الرقعة المتقاربة الأركان البدوية الحياة الخشنة العيش المتجانسة الميول والعادات، حتى إذا نعم عيشها ونما ثراؤها واتسعت أطرافها وامتدت حدودها فشملت أقطاراً وضمت أُمماً ودولاً تختلف في عاداتها وتقاليدها ومعيشتها وأناظيمها (١) وأقاليمها وأجوائها، نما الفقه الإسلامي بنمائها واتسع بإتساعها وامتدت فروعه بإمتداد حدودها وآتى أُكله وبدأت حلوله تقوم على أُصول تدرس وترتد إلى قواعد تبحث ومبادئ تؤسس وعندئذ تم للفقه الإسلامي نموه واكتمل له ازدهاره فتنوعت بحوثه وتفرعت مسائلهواتسعت جوانبه وامتدت حدوده وتعددت فروعه.كان الفقه الإسلامي أول ما وجد عبارة عن طائفة من الأحكام والفتاوي التي صدرت من الرسول صلوات الله وسلامه عليه فيما عرض عليه من خلاف وما استفتي فيه من مسائل لا يتجاوزها إلى غيرها وكان فيها حاجات الناس يومئذ وكان وجوده بينهم كفيلاً بتكميل أي نقص وسد أية حاجة، فإذا حدث ما لم يكن قد رفع إليه فزعوا إليه فقضى بينهم فأسلموا لقضائه ولم يكن لهم فيه خيرة ولا عنه محيد.ثم انضم إلى هذه الطائفة بعد وفاته صلى الله عليه وسلم ما استنبطه أصحابه من أحكام وفتاوي لما استجد من الحوادث وما نزل بهم من وقائع مما لم يحدث ولم ينزل بهم في زمنه صلى الله عليه وسلم مسترشدين بأحكامه وفتاويه التي حفظوها عنه مستهدين بهديه حين كان يشرع لهم ويقضي بينهم ويجتهد لهم.وكانت هذه الطائفة من الأحكام تمتاز عن الأولى بالكثرة وتعدد الآراء ووجود الخلاف وكان أصحابها يعملون بها بظن أنها توافق حكم الله وإن احتملت أن تكون(١) جمع "أنظومة" أي الأنظمة أو النظم (القاموس والمعجم الوسيط).