الواضح في أصول الفقه (أبو الوفاء ابن عقيل) القسم: أصول الفقه الكتاب: الواضح في أصول الفقه المؤلف: أبو الوفاء، علي بن عقيل بن محمد بن عقيل البغدادي الظفري، (ت ٥١٣ هـ)المحقق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي الناشر: مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت - لبنان الطبعة: الأولى، ١٤٢٠ هـ - ١٩٩٩ معدد الأجزاء: ٥[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]تاريخ النشر في راميشر: ١ يوليو ٢٠٢٦.
الواضح في أصول الفقه - جـ ١الوَاضِح في أصُولِ الفِقه تأليفأبي الوَفاء عَلي بن عَقيل بن مُحمَّد بن عَقيلالبَغدادي الحَنبلي (٥١٣ هـ) تحقيقالدكتور عَبد الله بن عَبد المُحسن التركيوزير الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد الجزء الأول مؤسسة الرسالة
الوَاضِح في أصُولِ الفِقه١
بسم الله الرحمن الرحيم جَميع الحقُوق مَحفوظة للناشِرالطبعة الأولى١٤٢٠ هـ - ١٩٩٩ م مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر والتوزيعوطى المصيطبة - شارع حبيب أبي شهلا - بنايه المسكن، بيروت - لبنانتلفاكس: ٣١٩٠٣٩ - ٨١٥١١٢فاكس ٦٠٣٢٤٣ ص. ب: ١١٧٤٦٠ AL- Resalah PUBLISHERSBEIRUT/LEBNON - Telefax: ٨١٥١١٢ - ٣١٩٠٣٩fax: ٦٠٣٢٤٣ - P.O.Box: ١١٧٤٦٠Email: Resalah@Cyberia.net.lb
بسم الله الرحمن الرحيموالحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلواتُه على سيِّدنا محمدٍ وآلِه الطَّاهرين، أَمّا بعدُ:فإنَّ كثيراً من أصحابنا المتفقَهةِ سألوني تأليفَ كتابٍ جامعٍ لأصول الفقهِ، يوازي في الإِيضاحِ والبَسْطِ وتسهيلِ العبارةِ التي غَمُضتْ في كتب المتقدِّمين، ودَقَّتْ عن أفهام المبتدِئين، كتابيَّ الكبيرين الجامعين للمذهب والخلافِ (١)، وأستوفي فيه الحدودَ والعقودَ، ثم أشِير إلى الأقرب منها إلى الصِّحًة، وأُمَيز المسائلَ النًظريًاتِ بدلائلَ مُسْتَوْفاةٍ، واسئلهٍ مُسْتقْصاةٍ، ليَخْرُجَ بهذا الإِيضاحِ عن طريقةِ أهل الكلام وذوي الإِعجام إلى الطريقة الفقهيَّةِ، والأساليب الفُرُوعيًةِ، فأجَبْتُهم إَلى ما سَأَلُوا، مَعتمداً على اللهِ سبحانه في انتفاَعي على النَّمَط الذي طَلَبُوا وأَملُوا، مع بَذْلِ وُسْعِي في ذلك، واستقصائِي فيه، ولن يَخِيبَ عن دَرْك البُغْيَةِ مَنْ صَدَقَ نفسَه الطَّلَبَ، وبَلَغَ جِدَّه في الاجتهاد لدَرْك المَطْلب، ثم فَزِعَ إلى الله سبحانه فيما وراءَ جُهْدِه، طالباً للإعانة على دَرْك الإَصابةِ في قَصْده بحُسْن التوفيقِ والهدايةِ، واثقاً بقوله سبحانه: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} [العنكبوت: ٦٩](١) لعله أراد كتابيه "الفصول" و"التذكرة"، انظر "ذيل طبقات الحنابلة" ١/ ١٥٦، و"المدخل إلى مذهب الِإمام أحمد بن حنبل" ص ٤١٨.
من حيثُ كونُه إقراراً.وإنما ابتُدىءَ بكتاب اللهِ تعالى؛ لأنه قَطْعِيٌ من جهة النَقْلِ المعصوم، ومن جهة الإِعجازِ المأمونِ معه التَحريفُ والزَيادةُ والنُقصانُ؛ إذ لا يَقبلُ غيرَه من الكلام، ولا يَختلِطُ به شيءٌ من القول المُتضمِّنِ للأحكامِ وغيرِ الأحكامِ، هذا تقديمٌ أوجَبَتْه قُوَّةُ الدَلالةِ.والثاني (١): أنه أفضلُ الأدلَّةِ؛ إذ كان كلاماً الله سبحانه. فصلودَلالةُ الكتابِ الكريمِ من وجهين: نَصٍّ وظاهِرٍ.والعمومُ أحدُ قِسْمي الظاهرِ على قولِ مَنْ أثْبَتَ له صيغةً (٢)، ومَنْوإسناد هذا الحديث ضعيف. انظر كلام أهل العلم عليه مستوفى في "سلسلة الأحاديث الضعيفة" للشيخ الألباني ٢/ ٢٧٣ - ٢٨٦.(١) أي الطريق الثاني للدلالة على أنه يبتدأ بكتاب الله سبحانه.(٢) هذا مذهب جماعة الفقهاء، وجمهور الأصوليين والمتكلمين؛ فبه قال أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وداود الظاهري، وعامة أصحابهم، وهو قول جماهير المعتزلة. انظر "المعتمد" ١/ ١٩٥، و "البرهان" ١/ ٣٢١، و "المستصفى" ٢/ ٣٦، و"إلِإحكام في أصول الأحكام " للآمدي ٢/ ٢٩٣، و "الوصول إلى الأصول" ١/ ٢٠٦، و "البحر المحيط" ٣/ ١٧ - ١٨، و"أصول السرخسي" ١/ ١٣٢، و"فواتح الرحموت" ١/ ٢٦٠، و"العدة" ٢/ ٤٨٥ - ٤٨٩، و"المسودة" ص ٨٩، و "التمهيد" ٢/ ٦، و"منتهى الوصول والأمل" ص ٧٥، و"إحكام الفصول" ص ١٣٣، و"الإحكام" لابن حزم ٣/ ٩٨، و"إرشاد الفحول" ص ١١٥.
فصلفي بيان معنى قولِنا: أُصولُ الفِقْهِفالفقهُ في الأصل اللغَويِّ: الفَهْمُ، وقيل: العلمُ، قال سبحانه: {وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} [الإسراء: ٤٤]، وقولُه: {مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ ضَعِيفًا} [هود: ٩١]، أي: لا نفهم، وقالَ صلى الله عليه وسلم:"نَضَّرَ" (١) اللهُ امْرَأً سَمعَ مَقالَتِي فوعاها، فأَدَّاها كما سَمِعَها، فَرُبَّ حامل فِقهٍ غيرُ فقيهٍ، ورُبَّ حاملِ فقهٍ إلى مَنْ هو أفْقَهُ منه" (٢).وهو في عُرْفِ قومٍ: عبارةٌ عن فَهْم الأحكامِ الشَّرْعِيَّةِ بطريق النًظَرِ.وقال قومٌ: هو العِلْمُ بالأَحكام الشَرعةِ بطريق النَظَر والاستنباطِ (٣).وأصولُه: هي ما تُبْنَى عليه الأحكام الفِقْهيَّةُ من الأدلَّةِ على(١) كتبت في الأصل فوق السطر وتحتها: "رحم".(٢) أخر جه أحمد ٤/ ٨٠، ٨٢، والدارمي ١/ ٦٥، وابن ماجه (٢٣١) والحاكم ١/ ٨٧، والطحاوىِ في "مشكل الآثار" ٤/ ٢٨٣، وابن عبد البر في "جا مع بيان العلم" ١/ ٤١، والطبراني في الكبير (١٤٥١) و (١٥٤٤) من حديث جبيربن مطعم.وفي الباب عن زيد بن ثابت، وا بن مسعود، وأبي الدرداء، وأنس، وابن عمر وغيرهم.(٣) - وقد ذكر الطوفي عدة تعريفات لمعنى الفقه اصطلاحاً، وما يرد على كل تعريف، انظر "شرح مختصر الروضة" بتحقيقنا ١/ ١٣٣ - ١٧٥.
اختلافِ أنواعِها، ومراتِبها: كالكتاب ومراتب أدلَّتِه؛ من نصٍّ، وظاهرٍ، وعمومٍ، ودليلِ خِطابه، وفَحْوى خَطابهِ، وَالسُّنةِ ومراتبها، والقياسِ، وقولِ الصَّحابىِّ- علَى الخلاف- واستصحاب الحالِ مع انقسامِه، فهذه أصولٌ تَنْبَنِي عليها الأحكامُ (١).ولا ينصرفٌ إطلاقُ الفقهِ إلى العلم جملةً، بدليل علمِ النحْوِ، والطب، واللغة، والهَنْدَسةِ، والحِساب؛ فإن العلماءَ المبرزين فيها لا يَقَعُ عليهم اسمُ الفقهاءِ، ولا علىَ علومِهم اسمُ الفقهِ (٢)، وكذلك العلماءُ بأصولِ الدين، العارفون بالجواهر، والأعراضِ، والأجناسِ، والأنواع، والخاصةِ، والفَصْلِ، والاستدلالِ بالشاهدِ على الغائبِ، لا يقعُ علَيهم اسمُ فقهاءَ؛ لعدم علمِهم بأحكام الشرْع، ولا تسمَّى علومُهم أصولاً للفقه.وإن كانت الأدلة التي ذكرنا بالأصولِ تَنْبَنِي على العلوم التي يُبْنى عليها إثباتُ أصولِ الدين؟ من حَدَثِ العالمِ، وإثباتِ الضَانعِ، وأنه واحدٌ، وما يَجبُ له، ويجوزُ عليه، وما لا يجوزُ عليه، وبعْثَةِ الرُّسُلِ وصِدْقِهم، إلى أمثال ذلك، ولكنْ لمَّا كانت أخص بكَونها أصولًا للدِّين؛ لم يُطْلَقْ عليها ما انْبَنى على ما دونها من الأصولِ، كما لا يقالُ في اللغه أصولُ الذينِ، وإن كانتِ الأحكامُ الشرعيةُ مبنيةً على الألفاظ اللغوية.(١) وهو ما قاله شيخه أبو يعلى، انظر "العدة"١/ ٧٠، و "شرح مختصر الروضة" ١/ ١٢٥ - ١٢٦، و"شرح الكوكب المنير" ١/ ٤١.(٢) انظر "شرح الكوكب المنير" ١/ ٤٢.
لكنَّ العلماءَ علَّقوا الأسماءَ على الأقرب والأخصَ دونَ الأبعدِ والأعمِّ، كما فعلوا ذلك في الأنساب، والدَّلائَلِ، فلم يُحيلُوا بدَلالة الإِجماعِ على الإِعجازِ الذي هو دليلُ صدقِ النُّبُوَّةِ، لكن احالوا بحُجَّةِ الإِجماعِ على قولِ الصادق؛ لأنها أقربُ، دونَ دَلالةِ صدق الصَّادقِ؛ لأنها أبعدُ.فمَنْ قال: إنه الفهْمُ، تعلقَ بقوله صلى الله عليه وسلم: "فرُبَّ حاملِ فقهٍ إلى من هو أفْقهُ منه"، ولا شَكَّ أن الحاملَ سَبَقَ المحمولَ إليه بالعلمِ بما نَقَلَهُ، لكنَّ الأفقهَ خبَرَ منه بجودةِ فهمِه ما لم يَخبُرْه.واعتلَّ من قال: إنه العلمُ- وهو المعوَّلُ (١) عليه عند علمائِنا- بأن الفهمَ قد اشتركَ فيه العامِّيُّ والمجتهدُ، وانفردَ أهلُ الاجتهادِ بكونهم علماءَ، وليس كلُّ فَهِمٍ عالماً، وكل عالمٍ فَهِم، والله أعلم.(١) في الأصل: "المعمول".
فصل في العلمِ وتحديدِه وأقسامِهإذ حَدًدْنا الفقهَ بعلم الأحكامِ الشرعيَّةِ، فلابُدَّ أن نُوَضحَ عن حقيقةِ العلمِ الذي حدَّدْنا به الفقهَ حسبَ ما أوضحْنا من حقيقة الفقهِ، وقد اخْتبَطتْ فيها أقوالُ العلماءِ على اختلاف مقالاتِهم وآرائِهم.والكُل معترَضٌ بطريقين:أَحدهما: بالخلاف فيما انْبَنى عليه التَّحديد.والثاني: بطريق التَّحقيقِ، وأن في القَوْلِ فيه والتَحديدِ له قصوراً عنه، وإِجمالًا (١) لا يَصْفو معه كشف حقيقتِه.فقال قوم: معرفةُ المعلومِ على ما هو به (٢).وقال قومٌ: معرفةُ الشَيءِ على ماهو به (٣).فمَنْ قال: معرفة المعلوم. اعْتُرِضَ قولُه بأنه صَرفَ من اللفظة قبلَ بيانِ معناها، وقولُنا: معلوَم، مصرف من عَلِمَ، كمضروبٍ من(١) في الأصل: (إجمال).(٢) وهو ما اختاره الشيرازي في "شرح اللمع في أصول الفقه" ١/ ٨٤.(٣) أورد القاضي أبو يعلى عدة تعريفات للعلم، وذكر ما يرد على كل منها. انظر "العدة" ١/ ٧٦ - ٧٩.
ضَرَبَ، ومن لا يعرفُ الأصلَ لا يعرفُ المصرَّفَ منه، وما هذا إِلا بمثابةِ من حَدَّ السوادَ بما سَودَ الجسمَ، ونحن لم نَعْلَمْ سواداً، فكيف نعرفهُ بما صُرفَ منه؟!ومن قال: معرفةُ الشيءِ. معترَض بأنه يَخرجُ منه العلمُ بالمعدومِ، فإنه علمٌ، وليس بمعرفةٍ بشيءٍ، وإن بناه على ذلك الأصلِ، فهو فاسدٌ بالأدلة القاطعةِ في أصول الدِّينِ. ولو كان ذاتاً في العدَم، لكان مُستغنِياً بذاته عن القديمِ، وهذا نفسُ القولِ بقِدَم العالَمَ، وموافقةٌ لأصحابِ الهوى، فهَذان حدَّان متقاربان معترَضان.وقال قوم: تَبَيُّنُ المعلوم على ماهو به (١). والحدُ للحقيقةِ ينتظمُها شاهداً وغائباً، واللهُ سبحانه يَتعالى عن أن يوصفَ بأنه متبيِّنٌ، لِمَا في طبعِ هذه الكلمةِ وجوهرها من العثورِ على الشَّيءِ بعد خفائِه، والظهورِ بعد استبهامِه، وهو بالعثورِ بعد الخفاءِ أخصُّ منه بالمعرفة المطلقةِ.وقال قومٌ: اعتقادُ الشَيءِ على ما هو به مع سكونِ النفسِ إلى معتقَدهِ (٢). واعْتُرضَ بأن ما تعتقدُه العامةُ من الجهالاتِ، وتَسْكُنُ إليه من التقاليدِ ليست علوماً، وسكونها إلى ما تعتقدهُ تَبْعُدُ إزالتهُ بالتشكيك فيه بأنواعِ الحُججِ والبراهينِ، فضلًا عن الإزاحةِ عنه، وقولهُم: الشَيء. قد أفسَدْناه واعْتَرَضْناه بما دل على إفساد مقالةِ أهلِ المعدومَ.(١) انظر "البرهان في أصول الفقه" للجويني ١/ ١١٥.(٢) أورد أبو إسحاق الشيرازي هذا القول ونسبه للمعتزلة، وذكر الاعتراضات التي ترد عليه. انظر "شرح اللمع" ١/ ٨٤ - ٨٦.
وقال قوم: إدراكُ المعلوم أو الشَيءِ على ما هو به. وإدراك، لفظ عام يَشترك بين دَرْكِ الحواس والعلومِ، والحدُ بالمشترَكِ لا يجوزُ، وإنما يُحَدُّ الشيءُ بخصيصة.وقال قوم: الإِحاطةُ بالمعلوم. وهو معترَض بأن الإِحاطةَ تشتَرِكُ أيضاً، يقالُ: أحطتُ به رؤيةً وسَماعاً.وقال الشيخُ أبو القاسمِ بنُ بَرْهانَ (١): هو قضاءٌ جازم في النًفْس.والقضاءُ بالحكم أخص منه بالعلمِ.واحسَنُ ما وجدتُه لبعضِ العلماءِ أنْ قال: هو وِجْدانُ النفس الناطقةِ لامورِ بحقائقِها (٢).وقال بعضُ المتأخًرين: العلمُ هو ما أَوجبَ لمن قامَ به كونَه عالماً (٣). وهذا أبعدُ من الكلِّ؛ لما فيه من الِإحالةِ على كون العالِم بما قامَ به عالماً، ونحن لم نعلمْ ما قامَ به، وعن ذلك سُئِلَ، وكونُه عالماً اسمٌ، لكنْ لحقيقةٍ بَعْدُ ما عَلِمْناها، وما ذلك إلا بمثابةِ مَنْ سُئِل عن السوادِ فقالَ: هيئةٌ يصيرُ بها الجسمُ اسودَ (٤)، وأسودُ مشتقٌّ من(١) عبد الواحد بن علي بن برهان، أبو القاسم العكبري، شيخ العربية والنحو والأنساب، توفي سنة (٤٥٦) هـ. "سير أعلام النبلاء" ١٨/ ١٢٤.(٢) ذكر الطوفي هذا التعريف الذي اختاره ابن عقيل، وأورد عليه اعتراضين. انظر "شرح مختصر الروضة" ١/ ١٦٩ - ١٧٠.(٣) ذكره الجويني، وصرح بنسبته لأبي الحسن الأشعري. انظر "البرهان" ١/ ١١٥.(٤) في الأصل: "أسوداً".
سوادٍ، فقد أحالَ على اسمٍ ما عَقَلْنا بعدُ الحقيقةَ التي لأجلها سُمِّيَ أَسودَ، ويُفضي إلى الدَّوْرِ، فيُعَرِّفُ السَّوادَ بالأسود، والأسود بالسَّوادِ، وما عَرَفْنا الحقيقةَ التي صَدَرَ عنها إلا بتميينر.وقال بعض المتاخَرين من المحقَقين (١): لا حَدَّ له عندى، وإنما هذه كلُّهارسومٌ (٢).فإن قيل: فالحدود كلها تعطي حد الشَيءِ بنفسِه، فإن المعرفةَ هي العلمُ، والتَّبَينَ هو العلمُ، والإِدراكَ هو العلم، فمن قال: العلم المعرفةُ، كمن قال: العلمُ العلمُ.قيل: أَجمعَ العلماءُ على أنه لا يجوز حَدُّ المحدودِ بغيرِه، بل لا يُحَدُّ إلا بنفسِه؟ فالسائل عن حَدِّ الشَّيءِ لا يسألُ إلا لجهالتِه بحقيقةِ ما سألَ عنه، فلو أتَيْنا عند سؤالِه عن حقيقةِ الشيءِ بالغيرِ، جَهَّلْناه بحقيقتهِ، إذ أَشَعَرْناه بغيره، وبَعَّدْناه عن مقصودِه، ولو أعدنا عليه ما سألَ عنه، بأنْ يقولَ لنا: ما العلمُ؟ فنقولَ: العلمُ، لَمَا افَدْناه، فقد نطقَ باسم ما عرفَ حقيقته، فإذا أعدنا عليه اللَّفظةَ لم أَفِدْه شيئاً، فإذا بطلَ الأمران، لم يَبْقَ أن يكونَ الجوابُ إلا الفَزَعَ إلى الأوجزِ عبارةً، وأخصِّ خصيصةً؛ لنكشفَ عن حقيقتهِ بإيجازِها، وتخصُّصِها، وكشفِها عن جوهريَّتهِ وطبيعتِهِ، فنكون بذلك مقرِّبين إلى فهمِه معنى ما سألَ عنه، لا عادلين إلى غيرِه، ولا معيدين لِمَا سألَ عنه، بل موضِّحين كاشفِين عن حقيقةِ ما سألَ عنه.(١) في الأصل:"المحقين".(٢) وهو ما قاله الغزالي في "المستصفى" ١/ ١٦ - ١٧.
يوضًحُ هذا: أن أهلَ العلمِ أجمعُوا على أن للحدِّ حقيقةً، وهو قولُهم: حدُّ الحدِّ، فقالوا: هو قول وجيزٌ يُنْبِىءُ عن حقيقةِ الشيءِ.وقال بعضُهم: الجامعُ لجنسِ ما فَرَّقَه التَّفصيلُ.وقال قوم: هو الجامعُ المانعُ.وقال قوم: قولٌ وجيزٌ محيطٌ بالمحدودِ، دالٌّ على جنسِهِ.وقيل: قولٌ وجيزٌ يدورُ على المحدودِ بالانعكاسِ، كقولك: كلُّ جسمٍ فهو جَوْهَرٌ آخِذٌ في الجهاتِ، وكلُّ جوهرٍ آخذٍ في الجهات فهو (١) جسم.وقيل: الحدُّ ما أحاطَ بالمحدودِ، فمَنَعَ أن يَدْخُلَ فيه ما ليس منه، أويَخْرُج عنه ما هو منه (٢).وقيل: الحدُ هو الجوابُ في سؤالِ ما هو؟ وأصلُه: المنعُ في اللغة، ومنه سُمَّيَ البوَّابُ حَدّاداً لمنعِه، وسُميَ الإِحدادُ في العِدَّةِ لمنع المرأةِ به التَّطَيُّبَ ودواعيَ الجماع، وسُمِّىَ الحديدُ حديداً لمنع السِّلاحِ (٣)، كما قال سبحانه: {لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ} [الأنبياء: ٨٠]،وسمي الحدُّ المشروعُ حدًّا لمنعِه من ارتكابِ الجرائمِ، وحدودُ الدار والملكِ هو المانعُ من دخولِ ملكِ غيرهِ فيه، فهو مشترَكٌ بين هندسيٍّ، وفلسفيٍّ، وفقهيٍّ، وأصلُه: الجَمْعُ والمَنْعُ، وإن اختلفت(١) تحرفت في الأصل إلى: "فهم".(٢) انظر فيما قيل في الحد "العدة" ١/ ٧٤ - ٧٥، وشرح اللمع " ١/ ٨١ - ٨٢.(٣) عبارة أبي يعلى في "العدة" ١/ ٧٥: "لأنه يمنع من وصول السلاخ الى المتحصن به".