إعلام الموقعين عن رب العالمين - ت مشهور (ابن القيم) القسم: أصول الفقه الكتاب: إعلام الموقعين عن رب العالمين المؤلف: أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب المعروف بابن قيم الجوزية (ت ٧٥١ هـ)قدم له وعلق عليه وخرج أحاديثه وآثاره: أبو عبيدة مشهور بن حسن آل سلمانشارك في التخريج: أبو عمر أحمد عبد الله أحمد الناشر: دار ابن الجوزي للنشر والتوزيع، المملكة العربية السعودية الطبعة: الأولى، ١٤٢٣ هـعدد الأجزاء: ٧ (الأول مقدمة التحقيق والأخير فهارس)[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]تاريخ النشر في راميشر: ١ يوليو ٢٠٢٦.
سلسلة مكتبة ابن القيم [٦] إعلام الموقعين عن رب العالمين (المقدمة) صنعةأبو عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان [المجلد الأول] دار ابن الجوزي
إِعلامُ الموقِّعِين عَن رَبِّ العَالمين(الْمُقدمَة)[١]
حُقُوق الطَّبْع مَحْفُوظَة لدار ابْن الْجَوْزِيّالطبعة الأولىرَجَب ١٤٢٣ هـ حُقُوق الطَّبْع مَحْفُوظَة © ١٤٢٣ هـ لَا يسمح بِإِعَادَة نشر هَذَا الْكتاب أَو أَي جُزْء مِنْهُ بِأَيّ شكل من الأشكال أَو حفظه ونسخه فِي أَي نظام ميكانيكي أَو إلكتروني يُمكن من استرجاع الْكتاب أَو تَرْجَمته إِلَى أَي لُغَة أُخْرَى دون الْحُصُول على إِذن خطي مسبق من الناشر دَار ابْن الْجَوْزِيّ للنشر والتوزيعالمملكة الْعَرَبيَّة السعوديةالدمام - شَارِع ابْن خلدون ت: ٨٤٢٨١٤٦ - ٨٤٦٧٥٨٩ - ٨٤٦٧٥٩٣ص ب: ٢٩٨٢ - الرَّمْز البريدي: ٣١٤٦١ - فاكس: ٨٤١٢١٠٠الإحساء - الهفوف - شَارِع الجامعة ت: ٥٨٨٣١٢٢جدة ت: ٦٥١٦٥٤٩الرياض ت: ٤٢٦٦٣٣٩
مقدمة المحققإن الحمد للَّه، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ باللَّه من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده اللَّه؛ فلا مضل له، ومن يُضلل؛ فلا هادي له.وأشهد أن لا إله إلا اللَّه، وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله.{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: ١٠٢].{يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)} [النساء: ١].{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)} [الأحزاب: ٧٠، ٧١].أما بعد:فهذه طبعة جديدة من كتاب "إعلام الموقعين عن رب العالمين" للإمام الرباني، وشيخ الإسلام الثاني (ابن قيم الجوزية)، رحمه اللَّه تعالى، يأخذ مكانه اللائق به في المكتبة التراثية، بعد ضبط نصه، ومقابلته على عدة نسخ خطية (١)، والتعليق عليه (٢)، وتخريج أحاديثه وآثاره، وتوثيق نقولاته، مع مقارنة مواضعه بمواطن بحثها في كتبه الأخرى (٣). * نسبة الكتاب لمؤلفه:نسبة هذا الكتاب لابن القيم صحيحة بيقين، والأدلة على ذلك كثيرة جدًّا، منها:(١) يأتي وصفها إن شاء اللَّه تعالى.(٢) ذكرتُ جميع تعليقات مشاهير المحققين الأقدمين، وعزوتُها لهم، ورمزت لكل واحد منهم برمز، وسيأتي بيان ذلك.(٣) اعتمدتُ في ذلك على "تقريب فقه الإمام ابن القيم" للعلامة الشيخ بكر أبو زيد حفظه اللَّه.
أولًا: نسبه له بعنوان: "إعلام الموقعين عن رب العالمين" جماعة من العلماء ممن ترجم له، منهم: تلميذه ابن رجب في "ذيل طبقات الحنابلة" (٢/ ٤٥٠)، وقال: "ثلاث مجلدات"، وعنه ابن العماد في "شذرات الذهب" (٦/ ١٦٩).وذكر له أيضًا بالعنوان نفسه: ابن حجر في "الدرر الكامنة" (٣/ ٤٠٢)، والداودي في "طبقات المفسرين" (٢/ ٦٠٣)، والسيوطي في "بغية الوعاة" (١/ ٦٣)، والشوكاني في "البدر الطالع" (٢/ ١٤٤)، والعليمي في "المنهج الأحمد" (٥/ ٩٤)، و"الدر المنضد" (٢/ ٥٢٢)، وابن ضويان في "رفع النقاب" (٣٢٠)، وحاجي في "كشف الظنون" (١/ ١٢٥)، والبغدادي في "هدية العارفين" (٢/ ١٥٨)، والزِّركلي في "الأعلام" (٦/ ٥٦)، والطريقي في "معجم مصنفات الحنابلة" (٤/ ٢٧٦).ونسبه له بعنوان مقارب (١): تلميذه خليل بن أيبك الصفدي في "أعيان العصر" (٤/ ٣٦٩)، و"المنهل الصافي" (٣/ ق ٦٢).ثانيًا: ذكره المصنف في ثلاثة من كتبه: "الفوائد" (ص ٣٠ - ط دار اليقين)، و"التبيان في أقسام القرآن" (ص ١٤٦ - ط طه شاهين)، و"إغاثة اللهفان" (١/ ٢٢ - ط الفقي)، وأحال في هذه الكتب على مباحث موجودة في كتابنا "الإعلام"، وسيأتي بيان هذا مفصلًا قريبًا تحت عنوان (ضبط اسمه).ثالثًا: الموجود على النسخ الخطية المعتمدة في التحقيق (٢)، وغيرها، فإنها جميعًا مطبقة على صحة نسبة هذا الكتاب لابن القيم.رابعًا: نقولات العلماء الكثيرة المستفيضة على اختلاف أمصارهم وأعصارهم، وتنوِّع مذاهبهم وفنونهم ومشاربهم منه، وهذا النقل قد يقع بالحرف، على طول فيه أحيانًا، أو اختصار، أو بالإحالة على بحث مسألة على وجه فيه تحرير وتدقيق، وهذا بعض ما يدلّل على ذلك، واللَّه الموفق:١ - قال برهان الدين إبراهيم بن محمد بن مفلح (ت ٨٨٤ هـ) في كتابه "المبدع" (٧/ ٦٨): "وقوى في "إعلام الموقعين"، أن الرجل أشدُّ شهوة من المرأة، وأنَّ حرارته أقوى من حرارة المرأة، والشهوة تتبعها الحرارة، بدليل أن الرجل إذا جامع امرأة، أمكنه مجامعة غيرها في الحال"، وهذا موجود في نشرتنا (٢/ ٣٢٦).(١) سيأتي تفصيل ذلك تحت عنوان (ضبط اسمه).(٢) سيأتي وصفها إن شاء اللَّه تعالى.
٢ - وقال أيضًا في (٧/ ٧٤): "وفي "إعلام الموقعين": وظاهره أنه إذا لم يجد طولًا لحرة مسلمة ووجد طولًا لحرة كتابيه أن له نكاح الأمة، قاله في "الانتصار" لظاهر الآية، وصرح الأكثر بعدم اشتراط الإسلام. . . " وهذا موجود في نشرتنا (٤/ ٢٦٨).٣ - ونقل في (٧/ ٨٦)، مسألة (تزويج عبده بمطلقته) (١)، وقال: "قاله في "إعلام الموقعين"" وهذا موجود في نشرتنا (٤/ ٤٤٨ - ٤٤٩). في نقولات عديدة جدًّا، تراها مزبورة في هذه المقدمة، تحت العناوين: (ضبط اسمه)، (أهمية الكتاب وفائدته وأثره فيما بعده)، (موضوعه).* ضبط اسمه (٢):ذُكِر هذا الكتاب على وجوه وألوان، الصحيح والقوي منها اثنان:الأول: "إعلام الموقعين عن رب العالمين"، وبهذا اشتهر عند العلماء والباحثين، مع التنويه على اختلافهم (٣) في ضبط همزة (إعلام) هل هي بالكسر أم بالفتح؟ فذهب بعضهم إلى أنه بالكسر، وهذا هو الدارج على ألسنة علماء العصر، وسمعتُه هكذا -بالكسر- بالنطق من مجموعة من المشايخ والعلماء، منهم: شيخنا المحدث محمد ناصر الدين الألباني، وشيخنا الفقيه العلامة مصطفى الزرقاء، مع قوله: "لا يوجد -فيما أعلم- دليل يصلح للقطع بأن مؤلفه رحمه الله وضعه هكذا أو هكذا، لأني أتذكر أني تتبعتُ الدلائل كثيرًا، فلم أصل إلى نتيجة قطعية. ولكلٍ دليل:فذِكرُه -أي ابن القيم- كبارَ أهل الفُتيا والقضاء من الصحابة والتابعين على نطاق واسع: يُوحي بالفتح جمعًا (لِعَلَم) (٤). وكونُه -أي الكتابْ- يتضمّن كثيرًا من الفقه والتوجيه والتأصيل الشرعي في رأيهِ وفهمِه واجتهاده: يُوحي بالكسر،(١) سيأتي ذكر لفظ ابن القيم لها بحروفها، تحت عنوان (أهمية الكتاب وفائدته وأثره فيما بعده) في النقل الثاني للمرداوي في "الإنصاف" من كتابنا هذا.(٢) انظر في ذلك: هامش "قواعد علوم الحديث" (٩٧ - ٩٩) للتهانوي، "ابن قيم الجوزية حياته وآثاره" (ص ١٢٧ - ١٣٠)، "القواعد الفقهية المستخرجة من إعلام الموقعين" (ص ٨٣).(٣) أعني اختلاف الباحثين والعلماء والمطلعين المعاصرين، إذ لم يطرق الأقدمون -فيما نعلم- هذا الضبط. ولا أعرف مصنفًا في ضبط أسماء الكتب خاصة.(٤) للفتح توجيه آخر أدق وأضبط، سيأتي قريبًا في كلام الشيخ بكر أبو زيد.
كأنما هو خطاب للمتصدّين للفتوى والقضاء، الموقّعين عن اللَّه، فهو إعلام لهم. فتكون القضية فيه قضيةَ ترجيح لأحد الوجهين، استحسانًا باختلاف التقدير، لا قضيةَ خطأ وصواب، لأنّ مدار الخطأ والصواب في أحدهما إنما هو معرفةُ ما وضَعَ المؤلف وأراد، وهذا لم يُعرف".وأما الفتح، فهذا الذي ذهب إليه الأستاذ العلامة الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد، في الطبعة التي اعتنَى بإخراجها، وطُبعت بمطبعة السعادة بالقاهرة سنة ١٣٧٤ في أربعة أجزاء، فقد أَثبت الهمزة فوق الألف في كلامه لبيان اختتام كل جزء من الأجزاء الأربعة، وفي مفتتح فهرس كل جزء منها، وفي ختام كل فهرس منها أيضًا، مما دَلَّ على أن ذلك مقصود له للإشارة إلى هذا الضبط.وقد قوّى الشيخ بكر أبو زيد (الفتح) وجوز (الكسر) في جهد بذله في مطابقة العنوان للمضمون فقال: "الإعلام -بكسر الهمزة- بمعنى (الإخبار) "، كما قال الراغب وغيره.والموقع بمعنى المفتي والقاضي. فيكون المعنى مع تقدير متعلق الخبر (إخبار الموقعين من القضاة والمفتين عن ربّ العالمين بأحكام أفعال العبيد).وهذا التقدير لمتعلق الخبر واضح من قول ابن القيم في مقدمته للكتاب:"أما بعد: فإن أولى ما يتنافس فيه المتنافسون، وأحرى ما يتسابق في حلبة سباقه المتسابقون، ما كان بسعادة العبد في معاشه ومعاده كفيلًا، وعلى طريق هذه السعادة دليلًا" (١).ثم قال:"ولما كان العلم للعمل قرينًا وشافعًا، وشرفه لشرف معلومه تابعًا، كان أشرف العلوم على الإطلاق علم التوحيد، وأنفعها علم أحكام أفعال العبيد" (٢).وقد أفاض ابن القيم رحمه اللَّه تعالى في أجزاء الكتاب بأحكام أفعال العبيد في جملة من أبواب الدين ومسائله.ويضاف إلى هذا التوجيه: أن عامة الذين ذكروا هذا الكتاب من مترجميه جاء رسمه بكسر الهمزة، لكن -في الواقع- أن هذا لا يعني كثيرًا من الناسخ أو الطابع أو غيرهما".(١) "أعلام الموقعين" (١/ ٧).(٢) "أعلام الموقعين" (١/ ٨).
ثم ذكر الفتح، ووجهه بقوله:"ولم يزل في نفسي معرفة توجيه هذا القول من علماء الآفاق الذين ينطقونه هكذا (أعلام. .) بفتح الهمزة فوجدتهم يطبقون على التوجيه بأن ابن القيم رحمه اللَّه تعالى، قد ذكر في صدر كتابه جماعة من فقهاء الأمصار من الصحابة رضي الله عنهم فمن بعدهم فهو جمع (عَلَم) بمعنى شخص له أثره؛ جمعه (أعلام). فالمعنى (كبار أهل العلم من القضاة والمفتين الموقعين عن ربّ العالمين) "، ثم ذكر طرفًا من كلام شيخنا الزرقا السابق، فيه توجيه الفتح بنحو الذي ذكره، ورده بقوله:"وفي الواقع أن هذا التوجيه ليس بالقائم، فإن ما ذكره ابن القيم في هذا الكتاب من كبار أهل الفتيا والقضاء هو: في نحو عشرين صحيفة في صدر الكتاب. والكتاب يقع في أربعة مجلدات تحوي نحو ألف صحيفة مادتها مباحث في الفقه والتوجيه والتقعيدات الشرعية فيكون هذا الاسم (أعلام. .) بهذا التوجيه لا يصدق إلا على نحو عشرين صحيفة لا غير، والاسم لا بد من دلالته على المسمى. فالتسمية والحالة هذه لا تدل عليه. فالفتح إذًا بناء على هذا التعليل سبيله الرفض واللَّه أعلم" ثم قال تحت عنوان (توجيه آخر) ما نصه:"وإنني بعد التأمل والرجوع إلى مادة (عَلَم) في كتب اللغة تبين لي أن الذي ينبغي التعليل والتوجيه به لمن قال (أعلام الموقعين) بفتح الهمزة هو أن يقال:إن العلَم في اللغة ما ينصب في الفلوات للاهتداء به وما يجعل على الطرق من منارات ومعالم ليستدل به على الأرض. وجمعه (أعلام) بالفتح.ومنه قيل للراية (علَم) والجمع (أعلام). وقيل أيضًا للجبل (علم) ويجمع أيضًا على (أعلام).وعليه يكون معنى الكتاب بالفتح (أعلام الموقعين. . .) هو: (الأحكام التي تصدر عن القضاة والمفتين الموقعين عن رب العالمين) فهي أعلام لهم تدلهم وتهديهم إلى الطريق السّوي والمَشْرع الرّوي. وهذا تساعد عليه مادة الكتاب التي تدور في معظمها على الأحكام لا على الأعلام وتتركز على أحكام الأشخاص.ونستطيع من هذا أن نقول: بجواز الفتح والكسر لهمزة (أعلام) وهو بكسر الهمزة أشهر، وبالفتح أولى؛ لعدم الحاجة إلى تقدير متعلق للخبر كما تقدم" (١).(١) وأكد ذلك بالتسمية الثانية له، وهي "معالم الموقعين"، انظر عنها ما سيأتي قريبًا.
ووقعت تسميته هكذا -بهمزة في أوله-: "إعلام الموقعين" في مطبوعات كثير من الكتب، وبعضها لتلاميذ المصنف والمعتنين بكتبه، المهتمين بها، مثل: "ذيل طبقات الحنابلة" (٢/ ٤٥٠) لابن رجب (ت ٧٩٥ هـ)، و"المبدع" (٧/ ٦٨، ٧٤، ٨٦) لبرهان الدين إبراهيم بن مفلح (ت ٨٨٤ هـ) و"تصحيح الفروع" (٦/ ٢٨١، ٤٢٨ - ط دار الكتب العلمية) و"الإنصاف" (٦/ ٣٤٥ - ط الفقي و ٢٠/ ٤٣٣ - ط التركي) كلاهما لعلاء الدين المرداوي (ت ٨٨٥ هـ) و"التوضيح في الجمع بين المقنع والتنقيح" (٢/ ٧٩٤) لأحمد بن محمد الشويكي (ت ٩٣٩ هـ)، و"شرح الكوكب المنير" (٤/ ٥٢٦، ٥٤٥، ٥٤٦) لابن النجار (ت ٩٧٢ هـ) وذكره ابن حجر (ت ٨٥٢ هـ) هكذا في "الدرر الكامنة" (٣/ ٤٠٢) وذكره في "فتح الباري" (١٢/ ٣٣٦) مختصرًا هكذا "الإعلام"، وكذا في زياداته على "تهذيب الكمال" في "تهذيب التهذيب" ترجمة (يحيى بن أبي إسحاق الهنائي) (١) (١١/ ١٥٧)، في جمع آخرين، يأتي ذكر بعضهم.وهكذا سمِّي في جُلِّ النسخ الخطية (٢) المعتمدة في التحقيق، وهكذا يسميه المعاصرون في أبحاثهم ومؤلفاتهم وتحقيقاتهم، ومن صنف في التراجم منهم، مثل: عمر رضا كحالة في "معجم المؤلفين" (٩/ ١٠٧) والزِّركلي في "الأعلام" (٦/ ٥٦)، وهكذا وقع اسمه في "كشف الظنون" (١/ ١٢٥).والآخر: "معالم الموقعين عن رب العالمين".هكذا سماه خليل بن أيبك الصفدي (ت ٧٦٤ هـ) -وهو من تلاميذ المصنف- في "الوافي بالوفيات" (٢/ ١٩٦) و"أعيان العصر وأعوان النصر" (٤/ ٣٦٩) و"المنهل الصافي والمستوفى بعد الوافي" (٣/ ق ٦٢)، وأبو ذر أحمد بن الإمام برهان الدين سبط بن العجمي (ت ٨٨٤ هـ) في كتابه "تنبيه المعلم مبهمات صحيح مسلم" (ص ١٠٧ - بتحقيقي) ذكره مختصرًا هكذا: "معالم الموقعين".وقد ذكره ابن القيم (المصنف) مختصرًا هكذا "المعالم" في غير كتاب من كتبه، وهذا الذي وقفتُ عليه منها:- قال في "الفوائد" (ص ٣٠ - ط دار اليقين) بعد كلام: "وقد ذكرنا هذا القياس وأمثاله من المقاييس الواقعة في القرآن في كتابنا "المعالم"؛ بيّنا بعض ما(١) انظر: "أعلام الموقعين" (٤/ ٨٨) وتعليقي عليه.(٢) سيأتي ذكرها ووصفها.
فيها من الأسرار والعبر" وهذا البيان في نشرتنا (١/ ٢٥١ - ٢٥٣).- وقال في "التبيان في أقسام القرآن" (ص ١٤٦ - ط طه شاهين): "وقد بيّنّا في كتاب "المعالم" بطلان التحيل وغيره من الحيل الربوية من أسماء الرب وصفاته" قلت: وهذا في نشرتنا (١/ ١٢٦ - ١٢٧).- وقال في "إغاثة اللهفان" (١/ ٢٢ - ط الفقي) بعد ذكر المثالين: الناري والمائي في أوائل سورة البقرة (الآية ١٧، ١٨): "وقد ذكرنا الكلام على أسرار هذين المثلين وبعض ما تضمّناه من الحكم في كتاب "المعالم" وغيره".وكلامه على هذه الحكم في نشرتنا (١/ ٢٧٠ - ٢٧١).فهذه ثلاثة مواطن صرح فيها المصنف باسم كتابه هذا: "المعالم" هكذا، وهو "معالم الموقعين" على ما ذكر بعض مترجميه والناقلين عنه فيه.وأثبت ناسخ أصل (ك) على طرة الجزء الثالث منه: "كتاب "معالم الموقعين عن رب العالمين" وضرب على "معالم" وأثبت فوقها "إعلام"، وعنوان الكتاب في نسخة (ن): "معالم الموقعين عن رب العالمين" (١).قال الشيخ العلامة بكر أبو زيد -حفظه اللَّه تعالى- بعد ذكره التسميتين السابقتين: "إعلام" و"معالم":"وهذا غير ممتنع أن يسمي المؤلف كتابه باسمين، وله نظائر في أسماء مؤلفاته، وهو مسلك مألوف عند أهل العلم.وهذه تسمية سليمة تنتظم موضوع، الكتاب ومادتَه، لأن (معالم) جمع (معلم) ومعلم الشيء دلالته، ومنه معلم الطريق، وما يستدل به عليه من أثر ويجمع على (معالم).وتكون تسمية الكتاب بهذا (معالم الموقعين) مطابقة تمامًا لمن سماه بلفظ (أعلام الموقعين) بناء على التوجيه الذي استظهرته قريبًا واللَّه أعلم".بقي بعد هذا التنبيه على ورود اسم الكتاب على وجهٍ فيه تطبيع أو خطأ، وجاء هذا أيضًا على وجهين، هما:الأول: "إعلام -بكسر الهمزة- الموفقين -بالفاء- عن رب العالمين" هكذا أُثبِت في مطبوع "هدية العارفين" (٢/ ١٥٨) للبغدادي، وهذا خطأ قطعًا، يُعلم(١) ذكره "معالم الموقعين" هكذا: ناشر "زاد المعاد"، الطبعة النظامية الهندية، سنة ١٢٩٨ هـ.
ذلك يقينًا من خلال المرور على الكتاب، فإن الأوهام والأخطاء والتطبيعات كثيرة فيه، والآخر: "أعلام -بفتح الهمزة- الموفقين -بالفاء- أيضًا".هكذا ذكره محمد أنور الكشميري (ت ١٣٥٢ هـ) في كتابه "فيض الباري على صحيح البخاري" (٢/ ٢٦٧) عند كلامه على مسألة (قبض اليدين في الصلاة)، قال وأغرب قلمه: "ومر عليه ابن القيم في "أعلام الموقعين" (والصحيح أنه "أعلام الموفقين")، وقال: إن الحديث رواه ابن خزيمة. . . ".قلت: هذا الوجه كالذي قبله، "غريب، يُعدُّ من سبق القلم، وتغيير الاسم العَلَم، وهو ليس بجائز إلا بنصٍّ عن صاحبه. وقد تابعه على هذه التسمية تلميذه الشيخ محمد بدر عالَم الميرتهي رحمه الله في تعليقاته على "فيض الباري" وهي من إملاءات الكشميري أيضًا، وذلك في مواضع، منها: (٢/ ٢٥٩ و ٣/ ٢٤١)، فأثبته "أعلام الموفّقين". وقد علمت ما فيه، فلا تَهِم فيه" (١).والخلاصة أن الصواب "إعلام الموقعين" و"معالم الموقعين"."وأنه ليس هناك نص من المؤلف أو من قدماء النقلة على فتح الهمزة أو كسرها في "إعلام"، وأن كسر الهمزة هو الأكثر المستفيض، والاستفاضة طريق من طرق الحكم الشرعي في فك الخصام وفي النزاع برد الحقوق إلى مستحقيها، فهي هاهنا من باب الأولى والأحرى. فيجوز النطق بكسرها.كما يجوز نطقه بفتحها؛ لأنه تضمن قواعد وأحكامًا يُهتدى بها، والفتح بهذا التعليل يساعده ويقويه ورود تسمية الكتاب بلفظ (معالم الموقعين)، وأن تعليل فتح الهمزة بأنه يحوي جملة من أسماء القضاة والمفتين غير متوجه، كما أن تسميته بلفظ (أعلام الموقعين) لا مستند لها، بل هي تسمية غريبة وشاذة، واللَّه أعلم" (٢). * حجمه:طبع الكتاب أكثر من مرة (٣)، وجل طبعاته في أربع مجلدات وأصله في ثلاث، وقد وصفه تلميذ المصنف صلاح الدين خليل بن أيبك الصفدي (ت ٧٦٤ هـ) بقوله في "أعيان العصر" (٤/ ٣٦٩) و"الوافي بالوفيات" (٢/ ١٩٦)(١) من هامش "قواعد في علوم الحديث" (ص ٩٨ - ٩٩).(٢) "ابن القيم الجوزية: حياته وآثاره" (ص ١٣٢).(٣) سيأتي الكلام على طبعاته.
عنه: "سِفر كبير"، وقال ابن رجب (١) في "ذيل طبقات الحنابلة" (٢/ ٤٥٠): "ثلاث مجلدات"، وكذلك قال الداودي في "طبقات المفسرين" (٢/ ٦٣) وصديق حسن خان في "أبجد العلوم" (٣/ ١٤٠) والحجوي في "الفكر السامي" (٢/ ٢٠ - ط الرباط و ٢/ ٢٩٢ - ط الباز).وقال علاء الدين المرداوي في "الإنصاف" (٢٠/ ٤٣٣ - ط عبد اللَّه التركي) بعد مسألة: "قال ابن القيم رحمه الله في "إعلام الموقعين" في الجزء الثالث في "الحيل" وقال في "تصحيح الفروع" (٦/ ٤٢٨ - ط دار الكتب العلمية أو ٦/ ٤٩٤ - ط عالم الكتب) في مسألة في (الحيل) -وهي (تضمين المفتي) -: "قال ابن القيم في "إعلام الموقعين" في الجزء الأخير. . "، فحاصل هذين النَّقلين أن نسخته ثلاثة أجزاء، فتأمل.وظهر الكتاب مطبوعًا في ثلاثة أجزاء في مطبعة فرج اللَّه الكردي (٢)، سنة ١٣٢٥ هـ - ١٩٠٧ م، بمصر وهكذا وقعت تجزئة الكتاب في كثير من أصوله الخطية، مثل نسخة (٣) (ك) من أصولنا المعتمدة، وكذلك النسخة المحفوظة في العراق بخط نعمان الآلوسي رحمه اللَّه تعالى، وغيرهما. * موضوعه ومباحثه:- توطئة:زعم بعض المعاصرين (٤) أنه كتاب في (التوحيد)! وهذا ليس بصحيح، وفي الحقيقة أن ترتيب مؤلفات ابن القيم بالنسبة إلى موضوعها، أعني: العلم الذي يبحث فيه كل مؤلف -بحيث نقول: إن هذا الكتاب في التوحيد، وهذا في الحديث، والآخر في الأصول- أمر عسر، لأنّ أي مؤلف من مؤلفاته لا يعالج موضوعًا وفنًّا واحدًا، فكتابنا هذا على الرغم أنه ليس في التوحيد، إلا أن فيه استطرادات (٥) في(١) وعنه ابن العماد في "شذرات الذهب" (٦/ ١٦٩) وصديق حسن خان في "أبجد العلوم" (٣/ ١٤٠).(٢) انظر: "معجم المطبوعات العربية والمعربة" (١/ ٢٢٣) "ذخائر التراث العربي" (١/ ٢٢٠).(٣) سيأتي إن شاء اللَّه تعالى وصفُها.(٤) هو يوسف سركيس الدمشقي في كتابه "معجم المطبوعات العربية والمعربة" (١/ ٢٢٣ رقم ٣).(٥) انظر -مثلًا-: كلامًا في (الإرجاء) في (٣/ ١٤٤) وكلامًا في (العلو) في (٣/ ٧٥) وكلامًا في (المقارنة بين الشرائع) في (٢/ ٣٠٣ - ٣٠٤)، ففي هذه المواطن تقر عين الموحد، ويفرح ببرد اليقين الذي يجده عنده، بخلاف غيرهم من أهل البدع والعقائد الفاسدة، واللَّه الهادي.
التوحيد، لا تكاد تجدها بالوضوح والقوة المطروقة فيه في الكتب المختصّة بذلك، وهكذا.ومن هاهنا؛ نستطيع أن نقرر أن الغالب على كتابنا هذا (مباحث أصولية) واستطرادات (فقهية) (١)، جمعها عقدُ (أسرار الشريعة)، وأنها (قواعد) مطردة، والغالب عليها أنها (معلَّلة)، ولم يشذ منها شيء عن (العقل) الصحيح، و (القلب) السليم، و (الذوق) الجيد، التابع ذلك كله لنصوص الوحيين الشريفين، وآثار السلف الصالحين ومنهجهم في التلقِّي والاستنباط والفتوى، البالغ (الذروة)، بحيث اصطفاهم اللَّه لنبيِّه صلى الله عليه وسلم، كما اصطفى (نبيَّه) صلى الله عليه وسلم لسائر الخلق، فهم القدوة، وفي منهجهم -فقط- يُعبد اللَّه بحق، وتأتي -حينئذٍ - العبادة بثمارها وبركاتها وآثارها، فينال صاحبها خيري الدنيا والآخرة، ويتقلب في مرضاة اللَّه عز وجل في الدور الثلاثة: الدنيا، والبرزخ، والآخرة.(١) يجد الناظر في قائمة مصادر دراسات المعاصرين عند تقسيمهم إياها على (الموضوعات) اضطرابًا في (تصنيف) كتابنا هذا، فمثلًا، ذكره الدكتور مصطفى جمال الدين في كتابه "البحث اللغوي عند الأصوليين" (ص ٣١٨) تحت (مصادر متنوعة في التفسير والحديث والتاريخ والطبقات وأمثاله)! وذكره الدكتور سالم الثقفي في كتابه "الزيادة على النص" (ص ١٣٢) تحت (مراجع عامة ومعاجم لغوية ودوائر معارف)! وذكره بعضهم تحت (كتب الفقه) قال المحمصاني في كتابه "المجاهدون في الحق" (ص ١٦٩) عن ابن القيم: "وأهم كتبه الفقهية كتاب "أعلام الموقعين"" وذكره آخرون تحت (كتب الأصول) كما فعل الشيخ راغب الطباخ في كتابه: "الثقافة الإسلامية" (ص ٤٠٩ ط سنة ١٣٦٩ هـ) وذكره غيرهم تحت (كتب الحنابلة)! مع أنه لم يرد له ذكر في "المنهج الفقهي العام لعلماء الحنابلة".ويعجبني وصفه بـ "موسوعة فقهية أصولية" كما في "مقاصد الشريعة" (ص ١١١).ومما يستحق الذكر بهذا الصدد، قول صاحب "من أحكام الديانة" (السفر الأول) (ص ١٥١): "وأصول الفقه والفقه علمان، لهما علم يشتركان فيه، ينبغي أن يكون فرعًا مستقلًا باسم (علوم علم الفقه وأصوله)، فيدخل فيه آداب المفتي والمستفتي، وأهلية الأصولي والفقيه، وتاريخ التشريع" انتهى.قال أبو عبيدة: ومباحث كتابنا: "الأعلام" هي المشتركة بين علمَي: الفقه والأصول، وإن كانت تارة إلى الفقه أظهر، بل بعض المسائل فيه فقهية خالصة، ولكن ساقها لتعلّقِ لها بالأصول، أو لإظهار حكَمِها وأسرارها، أو تأييدًا لمسألة شبيهة بها، أو نحو ذلك، مع مراعاة بنائه المسائل على الآثر بتَوسع، فهو كتاب فقه، توسع فيه في الاستدلال والتأصيل والتحليل؛ ولذا ذكره الشيخ بكر أبو زيد في "المدخل المفصل" (٢/ ٨٩٤) تحت عنوان (الكتب الجوامع في الفقه وغيره) وذكره (٢/ ٩٩٠) ضمن (الكتب الجوامع)، أيضًا.