مدارج السالكين - ط عطاءات العلم (ابن القيم)القسم: الرقائق والآداب والأذكارالكتاب: مدارج السالكين في منازل السائرين[آثار الإمام ابن قيم الجوزية وما لحقها من أعمال (٣١)]المؤلف: أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب ابن قيم الجوزية (٦٥٩ - ٧٥١)الناشر: دار عطاءات العلم (الرياض) - دار ابن حزم (بيروت)الطبعة: الثانية، ١٤٤١ هـ - ٢٠١٩ م (الأولى لدار ابن حزم)عدد الأجزاء: ٤جـ ١: تحقيق (محمد أجمل الإصلاحي)، تخريج (سراج منير محمد منير)، مراجعة (سليمان بن عبد الله العمير، عبد الرحمن بن صالح السديس)جـ ٢: تحقيق (نبيل بن نصار السندي)، مراجعة (سليمان بن عبد الله العمير، محمد أجمل الإصلاحي)جـ ٣: تحقيق (محمد عزير شمس)، مراجعة (سليمان بن عبد الله العمير، محمد أجمل الإصلاحي)جـ ٤: تحقيق (علي بن محمد العمران، محمد عزير شمس، نبيل بن نصار السندي، محمد أجمل الإصلاحي)، مراجعة (سليمان بن عبد الله العمير، محمد أجمل الإصلاحي)جـ ٥: تحقيق (علي بن محمد العمران، محمد عزير شمس)، تخريج (إبراهيم بن محمد شلبي)، مراجعة (سليمان بن عبد الله العمير، عبد الله بن علي الشهراني)جـ ٦: تحقيق (محمد عزير شمس)، تخريج (حسين بن حسن باقر)، مراجعة (سليمان بن عبد الله العمير، عبد الرحمن بن صالح السديس)قدمه للشاملة: مؤسسة «عطاءات العلم»، جزاهم الله خيرا[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]تاريخ النشر في Ramisher: ١ يوليو ٢٠٢٦.
آثار الإمام ابن القيم الجوزية وما لحقها من أعمال (٣١) مدارج السالكين في منازل السائرين تأليفالإمام أبي عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب ابن قيم الجوزية(٦٩١ هـ - ٧٥١ هـ) دار عطاءات العلم - دار ابن حزم
راجع هذا الجزء سليمان بن عبد الله العميرعبد الرحمن بن صالح السديس
البصائر فيه تأمُّلًا وتفكيرًا(١) زادها هدايةً وتبصيرًا(٢). وكلّما بجَسَتْ مَعينَه فجَّر لها ينابيع الحكمة تفجيرًا. فهو نور البصائر من عماها(٣)، وشفاء الصُّدور من أدوائها وجواها؛ وحياة القلوب، ولذّة النُّفوس، ورياض القلوب، وحادي الأرواح إلى بلاد الأفراح، والمنادي بالمساء والصّباح: يا أهل الفلاح، حيَّ على الفلاح.نادى به منادي الإيمان على رأس الصِّراط(٤) المستقيم: {يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} [الأحقاف: ٣١]. أسمَعَ واللهِ لو صادف آذانًا واعيةً، وبصَّر لو صادف قلوبًا من الفساد خاليةً. لكن عصفت على القلوب هذه الأهواء، فأطفأت مصابيحَها. وتمكّنت منها آراء الرِّجال، فأغلقت أبوابَ رشدها، وأضاعت مفاتيحَها(٥). وران عليها كسبُها، فلم تجد حقائقُ القرآن فيها منفذًا. وتحكّمت فيها أسقامُ الجهل، فلم تنتفع معها بصالح الغِذا.واعجبًا لها! جعلت غذاءها من هذه الآراء التي لا تُسْمِن ولا تُغني من جوعٍ، ولم تقبل الاغتذاء(٦) بكلام ربِّ العالمين، ونصِّ نبيِّه المرفوع! سبحان الله! كيف اهتدت في ظُلَم الآراء إلى التّمييز بين الخطأ والصّواب،(١) ما عدا ق، ش: "تفكرا".(٢) ل، ج، ع: "تبصرا".(٣) م: "عن عماها". ج، ع: "من عمائها".(٤) ج: "السراط".(٥) العبارة: "وتمكنت منها … مفاتيحها" ساقطة من ع.(٦) ج، ع: "الغذاء".
مقدمة التحقيقالحمد لله، والصلاة والسلام على أفضل الخلق سيدنا محمد بن عبدالله، وعلى آله وصحبه أجمعين.أما بعد، فضمن مشروع «آثار الإمام ابن قيِّم الجوزية وما لحقها من أعمال» الذي شارف على التمام بحمد الله تعالى، يأتي إخراجنا لهذا الكتاب المهم في موضوعه، حيث يبحث في طريق السلوك إلى الله، ومنازل العبد التي يسير فيها في الطريق إليه … مستجلاةً من الكتاب العزيز، من فاتحة الكتاب الكريم التي هي لبّ القرآن وخلاصته، ومن قوله: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} التي هي خلاصة الفاتحة ولبها. ومستجلاةً من سنة النبي صلى الله عليه وسلم وسيرته العطرة، ومن طريق سلف الأمة؛ علمائها وصالحيها وزهّادِها.ورغم أن هذا الكتاب لقي عناية من جهات متعددة تولت إخراجه، في رسائل جامعية أو في مراكز بحثية أو أعمال فردية، وبعضها اعتمد على أصول خطية، إلا أنه لم يلق العناية التي تستكمل شرائط الإخراج العلمي والاطّراد المنهجي، فأكثر الأصول الخطية التي اعتمدها محققو الطبعات السابقة كانت نُسَخًا متأخرة، كثير منها بعد ١٣٠٠ هـ، وفاتتهم نسخ مهمة للكتاب، منها النسخة التي كتبت في حياة المؤلف وقرئت عليه، وفاتت نسخٌ عديدة قريبة العهد بالمؤلف. ومعلوم أن الاعتماد على النسخ الخطية النفيسة من ركائز العمل العلمي الصحيح لإخراج نص تراثيّ، ما دام بالإمكان تحصيلها والوقوف عليها. وسيأتي الحديث عن طبعات الكتاب في موضعه من هذه التقدمة.
ولا تقتصر جوانب النقص في التحقيقات السابقة على قضية النُّسخ الخطية ــ على أهميتها ــ فحسب، بل تتعدى إلى سقوط نصوص كثيرة من عامة الطبعات، ومن هذه المواضع سقوط «منازل» بتمامها أو صفحات بكاملها، فقد سقط من طبعة رشيد رضا ومن طبعة الفقي (٢/ ٣١٤) مبحثٌ كامل في خمس صفحات، من قوله: «على قطع أصول … » إلى «بطريق الرياضات .. »، وسقط من طبعة دار الصميعي ــ وهي رسائل جامعية ــ (٣/ ٢٣٠٠) منزلة كاملة، وهي منزلة البسطة أو الانبساط نحو ستّ صفحات، وسقطت عدة صفحات من طبعة دار ابن خزيمة تحقيق عامر علي ياسين (٢/ ٣٦٢) بسبب سقوط ورقة مِن مصوّرة نسخته الخطية الوحيدة!إلى ملاحظات أخرى، سيأتي طائفة منها عند الكلام على طبعات الكتاب.وقد عملنا على إخراج الكتاب على عشر نسخ خطية، وهو في عامة نُسَخه مكوّن من مجلدين، فُقِد المجلد الثاني في غالبها، فصار لدينا نسخ وفيرة عالية للمجلد الأول (يمثل المجلدين الأول والثاني من المطبوع)، وشح في النسخ القديمة للمجلد الثاني (يمثل الثالث والرابع) مما دعانا للنزول إلى بعض النسخ المتأخرة للاستعانة بها والاستئناس في قراءة نص المجلدين الأخيرين كما سنشرح ذلك فيما سيأتي من هذا التقديم.وقد قدمنا عدة مباحث للكلام على الكتاب ومتعلقاته، وهي:- تحرير عنوان الكتاب- توثيق نسبة الكتاب للمؤلف- تاريخ تأليفه
- موضوع الكتاب وترتيب مباحثه- منهج المؤلف فيه- «منازل السائرين» وشروحه- مقارنة الكتاب بأهم شروح «المنازل»- تعقبات ابن القيم على الهروي- موارد الكتاب- أثره في الكتب اللاحقة- مختصرات ودراسات عن الكتاب- نسخ الكتاب الخطية- طبعات الكتاب- منهج التحقيقثم صنعنا فهارس لفظية متعددة للكتاب، وفهارس علمية كاشفة لعلومه وفوائده.ونرجو بهذا العمل أن نكون قد خدمنا الكتاب خدمة تليق به، مع أملنا في الحصول مستقبلًا على نسخ أخرى أكثر جودة للنصف الثاني من الكتاب، آملين من القرّاء الكرام تزويدنا بملاحظاتهم ومقترحاتهم على الإيميل أدناه، ليصل العمل إلى ما يرجونه ونرجوه جميعًا إن شاء الله تعالى.علي بن محمد العمرانAliomraan@hotmail.com
تحرير عنوان الكتابلم يسمِّ المؤلف رحمه الله كتابه في مقدمته، ولا سمَّاه في كتبه الأخرى التي وصلت إلينا إلا في موضع واحد، ولم تتفق النسخ الخطية أيضا على عنوان الكتاب، غير أن السيد رشيد رضا رحمه الله لما طبع الجزء الأول من الكتاب سنة ١٣٣١ سماه «مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين» تبعًا للنسخة الخطية التي اعتمد عليها في الجزء المذكور، وكانت نسخة كويتية متأخرة كتبت سنة ١٣١٦، أي قبل طبع الكتاب بخمس عشرة سنة. ومنذ ذلك الحين اشتهر الكتاب بهذا الاسم، ولكن الغريب أنه لم يرد في شيء من النسخ النفيسة القديمة التي بين أيدينا.وقد ظهرت بعد الطبعة السابقة نشرة الشيخ محمد حامد الفقي رحمه الله الذي صرَّح بأنه راجعها على أربع نسخ محفوظة في دار الكتب، ومنها «نسخة قيمة جدًّا كتبت في سنة ٨٢٣»، وكانت تحمل عنوان «مدارج السالكين في منازل السائرين»، وقد وضع الشيخ صورة صفحة العنوان منها في أول الكتاب، ومع ذلك قلَّد في تسميته نشرة السيد رشيد رضا.وإليكم ما وقفنا عليه من عناوين الكتاب في مخطوطاته وكتب المؤلف وكتب التراجم وما إليها:١) مراحل السائرين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعينبهذا العنوان ذكره المؤلف في «مسألة السماع» (ص ١٠٠). وهو الذي ذكره ابن رجب في «ذيل طبقات الحنابلة» (٥/ ١٧٥). ومنه نقله العليمي في «المنهج الأحمد» (٥/ ٩٤)، والداودي في «طبقات المفسرين» (٢/ ٩٢)، وابن العماد في «شذرات الذهب» (٨/ ٢٨٩).
٢) مدارج السالكين في منازل السائريناتفقت عليها نسخة قيون المقروءة على المؤلف، ونسخة حلب المقابلة على النسخة السابقة سنة ٧٧٣، ونسخة جامعة الإمام ٨٨٦٠ ج ١ (القرن الثامن)، ونسخة دار الكتب ١٠٣ تصوف قوله (سنة ٩٣٦) ونسخة التيمورية ١٥٥ تصوف ج ٢ المنقولة من نسخة مكتوبة سنة ٧٦٥.٣) مدارج السالكين في شرح منازل السائريناتفقت عليها نسخة ولي الدين ١٧٣٢ (سنة ٧٨٧) ونسخة شستربيتي (الثامن تقديرا) ونسخة دار الكتب طلعت ١٥٢٢ (سنة ٨٢٣).٤) إرشاد السالكين إلى شرح منازل السائرينانفردت به نسخة قره جلبي زاده (سنة ٧٨٠). وتبعتها نسخة ولي الدين ١٧٣٠ (سنة ٧٨٤) المنقولة منها.٥) شرح منازل السائرينذكره بهذا العنوان الحافظ ابن حجر في «الدرر الكامنة» (٥/ ١٣٩) ومن تابعه كالشوكاني، والسيوطي في «الحاوي للفتاوي» (٢/ ١٣٦)، وغيره. والظاهر من صنيعه أنه ليس من غرضه النص على اسم الكتاب، وإنما أراد الإشارة إليه.٦) مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعينوقع هذا العنوان في النسخ المتأخرة النجدية ونحوها مثل نسخة الغاط (سنة ١٣١٧) ونسخة حائل (سنة ١٣١٨) ونسخة دارالكتب ٨٧٤ تصوف (سنة ١٣٢٠).
ومعلوم أن قطعة من الكتاب قد طبعت في الهند سنة ١٨٩٤ م (١٣١١/ ١٣١٢ هـ) ــ وكانت هي أول طبعة للكتاب ــ باسم «مدارج السالكين شرح منازل السائرين من منازل إياك نعبد وإياك نستعين» ولا شك أنه عنوان ملفَّق، زيد فيه «من منازل … » إلخ.أما العنوان المشهور «مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين»، فهوعنوان جميل رائق عُرف به الكتاب منذ قرن من الزمن، إذ طبعه السيد رشيد رضا بهذا العنوان وتَبِعه الناشرون الذين جاؤوا من بعده جميعًا، ولكنه كما قلنا لم يرد في شيء من الأصول النفيسة القديمة، وإنما نراه في النسخ المتأخرة التي كتب معظمها في القرن الماضي! ونخشى ــ إن لم يكن هذا العنوان منقولا من النسخ القديمة ــ أن يكون ملفقًا أيضًا، فأُخِذ الجزء الأول «مدارج السالكين» من العنوانين الثالث والرابع، والجزء الثاني «بين منازل … » إلخ من العنوان الأول الذي ذكره المؤلف وتلميذه ابن رجب. ويرشحه أن المؤلف استهلَّ كثيرًا من أبواب الكتاب بقوله: «ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين».وإذا صرفنا النظر عن العنوان الرابع الذي انفردت به إحدى النسخ (وتابعتها أخرى منقولة منها) بقيت ثلاثة عناوين، وأقواها في الظاهر أولها، وهو «مراحل السائرين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين»، فإن المؤلف نفسه أحال عليه بهذا العنوان، ثم ذكره تلميذه ابن رجب في ثبت مؤلفاته. ولكن يُضعفه أنه لم يرد أيضًا فيما وصل إلينا من نسخ الكتاب قديمة كانت أو متأخرة. أما النسخة المحفوظة في جامعة الإمام برقم ٨٩٦٣ المكتوبة سنة ١٢٦٧ (في بطاقة النسخة: ١٢٧٨، خطأ) المخرومة من أولها، فإن ناسخها
هو الذي سماها: «مراحل السائرين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين الشرح (بشرح؟) منازل السالكين (كذا) للشيخ شمس الدين … ». وهي الجزء الثاني من الكتاب، أما الجزء الأول منها برقم ٨٩٩١ فعنوان الكتاب فيه: «مدارج السالكين في شرح منازل السائرين».أما العنوان الثاني، وهو «مدارج السالكين في منازل السائرين»، فسمي به الكتاب في عدة نسخ نفيسة أحسنُها نسخة قيون أوغلو، ولم يصل إلينا منها إلا المجلد الأول. هذه النسخة مقروءة على المؤلف، ولكن العنوان المذكور الوارد في أول النسخة وآخرها كتب بعد وفاة المؤلف. وفي أسفل صفحة العنوان عشرة أبيات في مدح الكتاب لابن أبي العِزّ الحنفي (ت ٧٩٢) كتبها بخطه، أولها:صاحِ هذي مدارجُ السالكينا … قد بدت في منازل السائرينا وقد نظم فيه ــ كماترى ــ العنوان الوارد في النسخة. وهذه الأبيات واردة بخطه في أول نسخة حلب أيضًا. وفي آخر جزئيها أنها قوبلت على أصل مقابل بأصل مؤلفه مقروء عليه سنة ٧٧٣. والظاهر أن ابن أبي العز هو الذي قابلها بنسخة قيون السابقة.أما العنوان الثالث، فإنه أيضًا ورد في نسخ قديمة، والغالب أنه من وضع المصنف. ولا غرو، فإن الكتاب شرح لمنازل السائرين للهروي، ومن ثم يسميه الحافظ ابن حجر وغيره اختصارًا: «شرح منازل السائرين».وبالتأمل في العناوين الثلاثة يبدو لنا أن العنوان الأول أقدمها، وهو يدل على أن الكتاب تأليف مستقلّ يدور حول منازل إياك نعبد وإياك نستعين
ويشرح مراحل السائرين بين هذه المنازل، وليس في العنوان إشارة من قريب أو بعيد إلى أنه شرح لكتاب منازل السائرين للهروي. وإذا نظرنا إلى قول المؤلف في مقدمة الكتاب: «ونحن ننبه على هذا بالكلام على فاتحة الكتاب وأم القرآن وما تضمنته من الرد … وما تضمنته من منازل السائرين ومقامات العارفين … »، ثم إلى الفصل الذي عقده «في منازل (إياك نعبد) التي ينتقل فيها القلب منزلة منزلة في حال سيره إلى الله»، وشروعه بعد ذلك في الكلام على المنازل ونَقْل كلام الهروي وشرحه وتعقبه، ثم إلى افتتاحه أكثر المنازل بقوله: «ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين … » = إذا نظرنا إلى كل ذلك رأينا العنوان مطابقًا لمنهج الكتاب، ومحتواه، وسياسة المؤلف في تأليفه. فإن الغرض من إنشاء الكتاب: بيان المنهج الصحيح لتزكية النفس، وإصلاح التصوف من خلال الكلام على منازل السائرين للهروي بالإضافة إلى تبرئته مما يزعمه أصحاب وحدة الوجود أنه منهم؛ فلم يَعْقِد المؤلفُ كتابَه ابتداءً على شرحِ كتابِ المنازلِ أو انتقاده.ولكن يبدو أنه خشي فيما بعد أن هذا العنوان الذي يطابق بناء الكتاب قد يضر بغرض تأليفه، إذ ليس في ألفاظ العنوان ما يجذب طلاب التزكية والراغبين في كتب المتصوفة إلى قراءة هذا الكتاب، فأحبَّ أن يصرّح في العنوان بأنه في شرح «منازل السائرين» ليقبلوا عليه، ويحصل المقصود، فاختار «مدارج السالكين في شرح منازل السائرين».ولا شك أن الكتاب شرح «منازل السائرين»، ولكنه ليس شرحًا كالشروح المعروفة، ولم يتَّبع فيه المنهج المألوف في شرح الكتب كما سيأتي، ثم هذا العنوان لا ينبئ بأن الكتاب في مادته ومنهجه يختلف عن شرح
كتاب معين. فكأن المؤلف رحمه الله رأى قصورًا في العنوانين، فإن أحدهما يزري باستقلال الكتاب، والآخر يضرّ بغرض تأليفه، فكأنه لاح له عنوان ثالث بحذف كلمة «شرح»، وهو: «مدارج السالكين في منازل السائرين».ولما كان هذا العنوان هو الثابت في أصح أصولنا وأقدمها رجَّحناه على العنوان المشهور الذي لم نره إلا في النسخ المتأخرة.هذا العنوان الجديد يفهم منه أنه كتاب مستقل غرضُه بيان مدارج السالكين ومراتبهم في منازل السلوك، فحرف الجر «في» متعلق هنا بلفظ المدارج، وفي الوقت نفسه فيه تلميح إلى كتاب «منازل السائرين» أيضًا، فجاء هذا العنوان بتصريحه وتلميحه وافيًا بالغرضَين. والله أعلم.ونشير في آخر هذا المبحث إلى وهم البغدادي في «هدية العارفين» (٢/ ١٥٨)، إذ عدَّ «مراحل السائرين» و «مدارج السالكين في شرح منازل السائرين» كتابين اثنين!* * *
توثيق نسبة الكتاب للمؤلفكتابنا ثابت النسبة إلى مؤلفه ابن قيم الجوزية رحمه الله، ولم يشك في صحتها أحد فيما نعلم. وقد ذكر صاحب «كشف الظنون» (٢/ ١٦٤٠) كتابًا لابن الجوزي باسم «مدارج السالكين»، ولا ندري ما مصدره، وهو أيضًا لم يقف على نسخة منه ليذكر أولها. وقد رأينا أنه يحدث الخلط أحيانًا بين ابن الجوزي وابن قيم الجوزية، ولكن حاجي خليفة لم يخلط بين الكتاب الذي نسبه إلى ابن الجوزي وبين كتابنا الذي سمَّاه «مدارج السالكين في شرح منازل السائرين»، فذكرهما كتابين مستقلين. هذا في حرف الميم، ثم ذكره مرة أخرى ضمن شروح «منازل السائرين». والدلائل على صحة نسبة الكتاب إلى ابن القيم متوافرة متظافرة، نذكر هنا جملة منها:١) فأولها ذكرُه في ثبت مؤلفاته في كتب التراجم، وأهمُّ هذه الكتب: «ذيل طبقات الحنابلة» لتلميذه الحافظ ابن رجب الحنبلي، ذكره أولًا في ترجمة شيخ الإسلام الهروي (١/ ١٥٠)، ثم في ترجمة شيخه ابن القيم (٥/ ١٣٥). وذكره الحافظ ابن حجر في «الدرر الكامنة» (٥/ ١٣٩). وعلى كتابَي ابن رجب وابن حجر اعتمدت الكتب الأخرى في ذكر كتاب المدارج ضمن مؤلفات ابن القيم.٢) ومن الدلائل: إجماع نُسَخ الكتاب الخطية، القديمة منها والمتأخرة، على نسبته إلى ابن القيم.٣) ومنها ما اقتبسه العلماء من كتابنا مع الإحالة الصريحة عليه، وسيأتي ذكر هذه النقول في مبحث الصادرين عن الكتاب.
٤) ومنها أن المؤلف نفسه أحال عليه في كتابه «مسألة السماع» (ص ١٠٠) وسمَّاه «مراحل السائرين بين إياك نعبد وإياك نستعين». وقد أشار إليه أيضًا في «زاد المعاد» (٤/ ٢٥٣) في الظاهر، وقد نبهنا في التعليق على هذا الموضع من «الزاد» أن الشيخ الفقي رحمه الله قد زاد في المتن هنا: «مدارج السالكين» بين شرطتين من عنده خلافًا للنسخ، وتبعته طبعة الرسالة.٥) وكذلك أحال رحمه الله في هذا الكتاب على كتب أخرى من تأليفه، منها ما وصل إلينا وطبع وهي خمسة كتب:- مفتاح دار السعادة ومطلب أهل العلم والإرادة (١/ ١٤٠، ٤/ ٥١٠)- الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة (٤/ ٣٠٦)- سفرالهجرتين وطريق السعادتين (١/ ١٤٠، ٢/ ٣، ١٣٠، ٢٨٨)- إغاثة اللهفان في طلاق الغضبان (٤/ ٢٣٤)- الوابل الصيب ورافع الكلم الطيب (٣/ ٢١٩)والمسائل التي أحال لبحثها على هذه الكتب كلها مبحوث فيها، كما سترى في تعليقاتنا على المواضع المذكورة.ومن مؤلفاته التي أحال عليها وهي لا تزال في عداد المفقود كتابان:- قرة عيون المحبين وروضة قلوب العارفين- تحفة النازلين بجوار رب العالمينأما الكتاب الأول فقال في «المدارج» (١/ ١٤١): «وقد بينا فساد قولهم