تهذيب الكمال في أسماء الرجال (المزي، جمال الدين)القسم: التراجم والطبقاتالكتاب: تهذيب الكمال في أسماء الرجالالمؤلف: جمال الدين أبو الحجاج يوسف المزي (٦٥٤ - ٧٤٢ هـ)حققه وضبط نصه وعلق عليه: د بشار عواد معروفالناشر: مؤسسة الرسالة - بيروتالطبعة: الأولى، (١٤٠٠ - ١٤١٣ هـ) (١٩٨٠ - ١٩٩٢ م)عدد الأجزاء: ٣٥[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]تاريخ النشر في Ramisher: ١ يوليو ٢٠٢٦.
ـ[تهذيب الكمال في أسماء الرجال]ـالمؤلف: يوسف بن عبد الرحمن بن يوسف، أبو الحجاج، جمال الدين ابن الزكي أبي محمد القضاعي الكلبي الْمِزِّيّ (المتوفى: ٧٤٢هـ)المحقق: د. بشار عواد معروفالناشر: مؤسسة الرسالة - بيروتالطبعة: الأولى، ١٤٠٠ - ١٩٨٠عدد الأجزاء: ٣٥[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو مذيل بالحواشي وضمن خدمة التراجم]
المجلد الأولبسم الله الرحمن الرحيمقالوا في الإمام المزي١- ووجدت بدمشق من أهل العلم الإمام المقدم والحافظ الذي فاق من تأخر من أقرانه ومن تقدم أبا الحجاج المزي، بحر العلم الزاخر، وحبره القائل من رآه: كم ترك الاوائل للاواخر.ابن سيد الناس اليعُمَري ت (٧٣٤)٢- كان خاتمة الحفاظ، وناقد الأسانيد والألفاظ، وهو صاحب معضلاتنا، وموضح مشكلاتنا، ما رأيت أحدًا في هذا الشأن أحفظ من الإمام أبي الحجاج المزي.الذهبي ت (٧٤٨)٣- ولم أَرَ في أشياخي بعد شيخنا أثير الدين في العربية مثله.الصلاح الصفدي ت (٧٦٤)٤- هو إمام المحدثين، والله لو عاش الدارقطني، لاستحيى أن يدرس مكانه.تقي الدين السبكي ت (٧٥٦)٥- شيخنا وأستاذنا وقدوتنا الشيخ جمال الدين أبو الحجاج المزي، حافظ زماننا، حامل راية السنة والجماعة، والقائم بأعباء هذه الصناعة، والمتدرع جلباب الطاعة، إمام الحفاظ كلمة لا يجحدونها، وشهادة على أنفسهم يؤدونها، ورتبة لو نشر أكابر الأعداء، لكانوا يودونها، واحد عصره بالإجماع، وشيخ زمانه الذي تصغي لما يقول الأسماع.التاج، السبكي ت (٧٧١)
قالوا في التهذيب١- وصنف كتاب"تهذيب الكمال"في أربعة عشر مجلدا، كسف به الكتب المتقدمة في هذا الشأن، وسارت به الركبان، واشتهر في حياته.الصلاح الصفدي٢- وصَنَّف"تهذيب الكمال"المجمع على أنه لم يصنف مثله.التاج السبكي.٣- كتاب عظيم الفوائد، جم الفرائد، لم يصنف في نوعه مثله، لأن مؤلفه أبدع فيما وضع، ونهج للناس منهجا لم يشرع.علاء الدين مغلطاي ت (٧٦٣)٤- أتى فيه بكل نفيسة، وبالغ ولم يأل في استيفاء شيوخ الشخص ورواته، وغرائبه وموافقاته، وعدالته وجرحاته، ومناقبه وهناته، وعُمَره ووفاته، فبقي حسرةً على من لم يحصله من الفضلاء، ولهفةً على من أعوزه الامكان.الإمام الذهبي
بسم الله الرحمن الرحيممقدمة المحققالحمدلله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد؛فهذه دراسة تناولت فيها سيرة المزي، وكتابه"تهذيب الكمال"، وجعلتها في أربعة فصول:خصصت الفصل الاول لحياة المزي ومكانته العلمية.والفصل الثاني لمنهج كتابه تهذيب الكمال ومنزلته بين الكتب التي من بابته، وبيان تفضيله على جميع الكتب السابقة واللاحقة في فنه.والفصل الثالث لعناية العلماء بهذا الكتاب النفيس استدراكا واختصارا.والفصل الرابع وصفت فيه المنهج الذي اتبعته في تحقيق هذا الكتاب.ثم ختمت الدراسة بوصف النسخ المعتمدة، وطباق السماعات التي عليها
روى نحواً من مئة حديث، وهو في الرواية صالح لا بأس به (١) .قال أبو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ منجويه (٢) : مات سنة إحدى وأربعين ومئة (٣) .روى له الجماعة، إلا البخاري.ومن الأَوهام:١٣٦- مد: أبان بن سلمان (٤) .(١) ووثقه محمد بن سعد وذكره في الطبقة الخامسة من الكوفيين (الطبقات: ٦ / ٣٦٠) ، ووثقه ابن حبان البستي (١ / الورقة ١١) وخرج حديثه في صحيحه، وَقَال أَبُو عَبْد اللَّهِ الحاكم: كان قاص الشيعة، وهو ثقة. وذكره الحافظ أبو حفص بن شاهين في كتابه عن الثقات ونقل توثيق عَبد الله بن أحمد بن حنبل له عَن أبيه (الورقة: ١٠) وَقَال مغلطاي: ولما ذكره الحافظ أبو نعيم الأصبهاني في كتاب جمع فيه مسنده قال: قال ابن عجلان: حَدَّثَنَا أبان بن تغلب رجل من أهل العراق من النساك ثقة، وهو الذي دل شعبة على الحديث وحمله إليه. قال أبو نعيم: ومدحه سفيان بن عُيَيْنَة بالفصاحة والبيان" (١ / الورقة: ٤٢) وَقَال الإمام الذهبي في "الميزان" (١ / ٥ - ٦) : شيعي جلد، لكنه صدوق، فلنا صدقه وعليه بدعته. وقد وثقه أحمد بن حنبل، وابن مَعِين، وأبو حاتم، وأوره ابن عدي، وَقَال: كان غاليا في التشيع، وَقَال السعدي: زائغ مجاهر. (قال الذهبي) : فلقائل أن يقول: كيف ساغ توثيق مبتدع وحد الثقة العدالة والاتقان؟ فكيف يكون عدلا من هو صاحب بدعة؟ وجوابه: ان البدعة على ضربين: فبدعة صغرى كغلو التشيع، أو كالتشيع بلا غلو ولا تحرف، فهذا كثير في التابعين وتابعيهم مع الدين والورع والصدق. فلو رد حديث هؤلاء لذهب جملة من الآثار النبوية، وهذه مفسدة بينة. ثم بدعة كبرى، كالرفض الكامل والغلو فيه، والحط على أبي بكر وعُمَر رضي الله عنهما، والدعاء إلى ذلك، فهذا النوع لا يحتج بهم ولا كرامة..ولم يكن أبان بن تغلب يعرض للشيخين أصلا بل قد يعتقد عليا أفضل منهما". وأخذ ابن حجر هذا الكلام فذكره في تهذيبه من غير إشارة للذهبي. وقد تناولته كتب الشيعة ووثقته فذكره النجاشي (ص: ٧) والطوسي في فهرسته (ص: ١٧) وصاحب أعيان الشيعة: (٥ / ٤٧ - ٦١) .(٢) رجال صحيح مسلم، الورقة: ٣ (نسخة البلدية بالاسكندرية) ، ومثله قال ابن حبان في الثقات (١ / الورقة: ١١) .(٣) قال مغلطاي: وَقَال أبو نعيم الفضل بن دكين في تاريخه - رواية ابن عقدة: مات سنة أربعين ورأيته، وكان غاية من الغايات.. وَقَال أحمد بن سيار المروزي عن عَبد الله بن يحيى بن بكير: مات بعد سنة إحدى وأربعين". (١ / الورقة ٤١) واكتفى ابن سعد بالقول: توفي بالكوفة في خلافه أبي جعفر، وعيسى بن موسى وال على الكوفة" (٦ / ٣٦٠) .(٤) لم يذكره أبو محمد المقدسي في "الكمال" (١ / الورقة: ١٦١) .وَقَال مغلطاي: =
الفصل الاولحياة المزي ومكانته العلميةمصادر ترجمته:تناول المزي جملة كبيرة من المؤرخين، فترجموا له تراجم تختلف في طولها وقصرها ونوعية المعلومات التي تقدمها ونجد بينهم رفاقا له في طلب العلم، وتلامذة، وتلامذة لتلامذته وهلم جرا إلى عصور متأخرة.وقد ترجم له من معاصريه: ابن سيد الناس اليعُمَري (ت ٧٣٤) (١) ، وعلم الدين البرزالي (ت ٧٣٩) (٢) ، وشمس الدين الذهبي (ت ٧٤٨) (٣) ، وابن الوردي (ت ٧٤٩) (٤) ، وصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤) (٥) ، وابن شاكر الكتبي (ت ٧٦٤) (٦) ، وشمس الدين الحسيني (ت ٧٦٥) (٧) ، وتاج الدين السبكي (ت ٧٧١) (٨) ، وجمال(١) أجوبة ابن سيد الناس (نسختي المصورة عن الاسكوريال رقم ١١٦٠) .(٢) في معجم شيوخه، ولم يصل إلينا، ولكن وصلت بعض ترجمة المزي منه في المصادر الاخرى منقولة عنه.(٣) تذكرة الحفاظ: ٤ / ١٤٩٨، وذيل دول الاسلام: ٢ / ٢٤٧، ومعجم شيوخه الكبير: ٢ / الورقة: ٩٠ من نسختي المصورة، والمعجم المختص بمحدثي العصر، ولم تصل إلينا ترجمته فيه ولكن نقلت منها المصادر الاخرى مثل طبقات السبكي والدرر لابن حجر وغيرهما.(٤) تتمة المختصر: ٢ / ٣٣٢.(٥) أعيان العصر: ١٢ / الورقة: ١٢٨ ١٢٣ من نسختي المصورة وهي بخطه.(٦) عيون التواريخ، الورقة: ٥٩ (كيمبرج: ٢٩٢٣) ، وهو بخطه، وفوات الوفيات: ٤ / ٣٥٣ من طبعة العالم إحسان عباس.(٧) الذيل على ذيل العبر: ٢٢٩.(٨) طبقات الشافعية الكبرى: ١٠ / ٣٩٥.
الدين الاسنوي (ت ٧٧٢) (١) وتقي الدين ابن رافع السلامي (ت ٧٧٤) (٢) ، وصهره عماد الدين ابن كثير (ت ٧٧٤) (٣) .وترجم له بعد عصره جماعة، منهم: ابن ناصر الدين الدمشقي (ت ٨٤٢) (٤) ، والمقريزي (ت ٨٤٥) (٥) ، وابن قاضي شهبة (ت ٨٥١) (٦) ، وابن حجر العسقلاني (ت ٨٥٢) (٧) ، وابن تغري بردي (ت ٨٧٤) (٨) ، والسخاوي (ت ٩٠٢) (٩) ، والسيوطي (ت ٩١١) (١٠) ، والنعيمي (ت ٩٢٧) (١١) ، وابن طولون (ت ٩٥٣) (١٢) ، وطاش كبري زادة (ت ٩٦٧) (١٣) ، وابن هداية الله المصنف (ت ١٠١٤) (١٤) ، وابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩) (١٥) ، والشوكاني (ت ١٢٥٠) (١٦) ، وغيرهم (١٧) .(١) طبقات الشافعية: ٢ / ٤٦٤.(٢) الوفيات، الورقة: ٤٤ (الترجمة: ٢٨٦ بتحقيق تلميذنا الفاضل صالح مهدي عباس، ولم تطبع بعد) .(٣) البداية والنهاية: ١٤ / ١٩١ وفي غير موضع قبل هذه الصفحة.(٤) التبيان، الورقة: ١٦٦، والرد الوافر: ١٢٨.(٥) السلوك: ج ٢ ق ٣ ص: ٦١٦.(٦) التاريخ، الورقة: ٣٦ (وفيات ٧٤٢ من نسخة باريس: ١٣٩٨) ، وطبقات الشافعية، الورقة: ١١٩ (دار الكتب: ١٥٦٨ تاريخ) .(٧) الدرر الكامنة: ٥ / ٢٣٣.(٨) المنهل الصافي والمستوفي بعد الوافي، الورقة: ٨٥٧ (أحمد الثالث: ٣٠١٨) ، والنجوم: ١٠ / ٧٦ (٧٩)(٩) وجيز الكلام في ذيل دول الاسلام: وفيات ٧٤٢ من نسخة كوبرلي: ١١٨٩ وله ذكر في غير صع من كتابة: الاعلان بالتوبيخ.(١٠) طبقات الحفاظ: ٥١٧.(١١) الدارس: ١ / ٣٥.(١٢) القلائد الجوهرية: ٣٢٩، والمعزة فيما قيل في المزة: ١٠.(١٣) مفتاح السعادة: ٢ / ٣٦٧.(١٤) طبقات الشافعية: ٢٢٧.(١٥) شذرات الذهب: ٦ / ١٣٦.(١٦) البدر الطالع: ٢ / ٣٥٣.(١٧) وله ذكر أو ترجمة في كل من: كشف الظنون لحاجي خليفة: ١ / ١١٦، ٢ / ١٥٠٩، ١٥١٠، ١٦٩، وإيضاح المكنون: ١ / ٢٤١، وهدية العارفين للبغدادي: ٢ / ٥٥٦، وإعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء للطباخ: ٤ / ٥٧٩، والرسالة المستطرفة لمحمد بن جعفر الكتاني: ١٦٨، ٢٠٨، وفهرس الفهارس لمحمد عبد الحي الكتاني: ١ / ١٠٧، والاعلام للعلامة المرحوم خير الدين الزركلي: ٩ / ٣١٣، وتاريخ الادب لبروكلمان: ٢ / ٧٥، والملحق: ٢ / ٦٦ (بالالمانية) ، ومقدمة تحفة الاشراف وغيرها.
وغالبا ما ينقل هؤلاء الواحد عن الآخر، لكننا وجدنا أكثر التراجم أصالة ومنفعة هي تراجم الذهبي والصفدي والسبكي وابن كثير وابن حجر لما حوته من معلومات متنوعة.بيئة المزي ونشأته:كانت بلاد الشام منذ النصف الثاني من القرن السابع الهجري (الثالث عشر الميلادي) تعيش في ظل دولة المماليك البحرية التي قامت على أنقاض الدولة الايوبية، وأصبحت من أعظم مراكز القوى في العالم الاسلامي بسبب قدرتها على إيقاف التقدم المغولي المدمر الذي قضى على الخلافة العباسية ببغداد.وعاشت دمشق آنذاك وهي تشهد عز الاسلام..عيدت أولا في سنة (٦٥٨) على خير عظيم حينما تمكنت جيوشها من هزيمة جيوش المغول المدمرة شر هزيمة في "عين جالوت"غربي بيسان من أرض فلسطين الصابرة، وتنظيف البلاد الشامية من فلولهم المدحورة..وعيدت ثانية في السنة نفسها بولاية مجاهد عظيم عليها هو السلطان العظيم الملك الظاهر ركن الدين أبو الفتوح بيبرس"٦٥٨ ٦٧٦"، ثم شهدته بعد ذلك الانتصار وهو يكيل الضربات القوية للعدو الصليبي المخذول يحاول إزاحته من أرض العَرُوبَة والاسلام حتى أوهنه وأوهاه وأنحله وأضناه، وحرر القسم الاكبر من السواحل الشامية التي كانت بأيدي الغزاة الصليبيين (١) ، فأعاد بذلك سيرة السلطان المجاهد صلاح الدين يوسف الايوبي رضي الله عنه في الجهاد.ثم شهدت هذه المدينة المجاهدة في سنة (٦٩٠) تحرير آخر(١) تاريخ الاسلام للذهبي، الورقة ٣٥ ٣٤ (أيا صوفيا: ٣٠١٤) .
شبر من أرض العَرُوبَة والاسلام وتنظيف البلاد من الغزاة الصليبيين على عهد السلطان الملك الاشرف صلاح الدين خليل (١)..سمعت المنادي في مستهل ربيع الاول من السنة ينادي للغزاة في سبيل الله إلى عكا، وشاهدت المطوعة، وفيهم المحدثون والفقهاء والمدرسون والصالحون ينضمون إلى الجيش. قال الإمام الذهبي: وكان يومها شابا في السابعة عشرة من عُمَره: وجاءت إليه جيوش الشام بأسرها، وأمم لا يحصيهم إلا الله تعالى من المطوعة، فكانوا قدرالجندمرات" (٢) ..شاهدت هؤلاء الأئمة الاعلام، وهم يجرون عجل المنجنيقات يرتلون القرآن الكريم، ويقرؤون أحاديث الجهاد، يتجهون نحو تحرير الارض، وصيانة حرمة الاسلام، فلم يلبث أن فتح المسلمون عكا في يوم واحد، كان يوم الجمعة المبارك السابع عشر من جمادى الاولى من السنة. وتوالت الانتصارات بعد فتح عكا، ففتحت صور، وصيدا، وبيروت، وغيرها حتى حررت جميع السواحل الشامية ونظفت من دنس الغزاة (٣) .وكانت بلاد الشام إلى جانب ذلك قد أصبحت مركزا كبيرا من مراكز الحركة الفكرية، فيها من المدارس العامرة، ودور القرآن والحديث العدد الكثير، عمل على تعميرها حكامها وبعض المياسير من أهلها، ونشطت في عهد الشهيد نور الدين محمود بن زنكي. وكانت العناية بالدراسات الدينية من تفسير وحديث وفقه وعقائد وما يتصل بها(١) قال الذهبي في ترجمة من تاريخ الاسلام: جلس على تخت الملك سنة تسع وثماني وست مئة، واستفتح الملك بالجهاد فسار ونازل عكا وافتتحها ونظف الشام كله من الفرنج..ولو طالت حياته لاخذ العراق وغيرها، فإنه كان بطلا شجاعا مقداما مهيبا عالي الهمة يملا العين ويرجف القلب رأيته مرات.." (الورقة: ٢٢٥ من مجلد أيا صوفيا ذي الرقم ٣٠١٤) .(٢) تاريخ الاسلام للذهبي، الورقة: ٢٠٥ من المجلد المذكور.(٣) البرزالي: المقتفي لتاريخ أبي شامة (حوادث سنة ٦٩٠) من نسختي المصورة عن أحمد الثالث ٢٩٥١، وتاريخ الاسلام للذهبي: ٢٠٧ ٢٠٥ من المجلد المذكور، والبداية لابن كثير: ١٣ / ٣٢١.
من علوم العربية هي السمة البارزة لهذا العصر، فأنتجت هذه الحركة أكلها في القرن الثامن الهجري الذي تبوأت فيه دمشق السيادة العلمية والفكرية في جميع أنحاء العالم الاسلامي بما أنتجت من تراث فكري، وأنجبت من علماء بارزين في هذه الميادين.لكننا لاحظنا، ونحن نرصد هذه الحركة تباينا شديدا في قيمة الانتاج الفكري لهذه الفترة وأصالته، فوجدنا الكثير من المؤلفات الهزيلة التي لم تكن غير تكرار لما هو موجود في بطون الكتب السابقة، ثم وجدنا بعض المؤلفات التي امتازت بالاصالة والابداع والمناهج العلمية المتميزة. وقد زاد من صعوبة الابداع وخاصة في العلوم الدينية أن الواحد من العلماء كان يجد أمامه تراثا ضخما ممتدا عبر القرون في الموضوع الذي يوم التأليف فيه، وهو في وضعه هذا يختلف عن المؤلفين الاولين الذي لم يجابهوا مثل هذا التراث الغزير (١) .في هذه البيئة السياسية والفكرية ولد الحافظ جمال الدين أبو الحجاج يوسف ابن الزكي عَبْد الرَّحْمَنِ بْن يُوسُف بْن علي بن عبد الملك بن علي بن أَبي الزهر الكلبي القضاعي المزي في ليلة العاشر من شهر ربيع الآخر سنة (٦٥٤) بظاهر حلب (٢) من عائلة عربية الاصل ترجع إلى قبيلة كلب القضاعية التي استوطنت البلاد الشامية منذ فترة مبكرة.وانتقل جماد الدين إلى دمشق، فسكن المزة (٣) القرية الكبيرة الغناء الواقعة في وسط بساتين دمشق جنوب غربيها والظاهر أن الكلبيين كانوا يكونون القسم الاكبر من سكانها منذ العهود الاسلامية الاولى،(١) ينظر كتابنا: الذهبي ومنهجه: ٧٥ فما بعد (القاهرة: ١٩٧٦) .(٢) الذهبي في معجم الشيوخ: ٢ / الورقة: ٩٠، وعيون التواريخ لابن شاكر، الورقة: ٥٩، وأعيان العصر للصفدي، الورقة: ١٢٣، وطبقات السبكي: ١٠ / ٤٠٠.(٣) انظر عن"المزة"معجم البلدان لياقوت: ٤ / ٥٣٢.
لذلك قيل فيها: مزة كلب"، قال الشاعرابن قيس الرَّقِّيّات:حبذا ليلتي بمزة كلب • غال عني بها الكوانين غولوبها على ما يروى قبر الصحابي دحية بن خليفة بن فروة الكلبي القضاعي (١) ، فلعل هذا هو الذي يفسر اختيار هذا المكان من دمشق سكنا له، إذ ربما كان له فيها بعض الاقرباء. ولا نعلم فيما إذا كان قدم دمشق وحده أم صحبة عائلته حيث تسكت المصادر عن ذلك، كما لا نعلم متى كان قدومه، ولكن يظهر أنه قدم منذ فترة مبكرة لقول تلميذه ورفيقه الإمام الذهبي: نشأ بالمزة" (٢) .وقرأ يوسف القرآن الكريم وشيئا من الفقه، لكن عائلته على ما يظهر، لم تعتن به العناية الكافية ولم توجهه إلى طلب الحديث منذ فترة مبكرة كما فعلت عائلة رفيقه وتلميذه الإمام الذهبي (٣) ، ويبدو أنها لم تكن عائلة مشهورة بالعلم والطلب، ولم يكن والده من العلماء المشهورين (٤) ، فلم يكن له إلا أن يطلبه هو بنفسه حينما بلغ الحادية والعشرين من عُمَره، فكان أول سماعه في سنة (٦٧٥) (٥) ، فلو كان له من يعتني به، ويستجيز له، ويوجهه، لادرك إسنادا عاليا، قال تلميذه(١) معجم البلدان: ٤ / ٥٣٢، وراجع الاسيتعاب لابن عَبد الْبَرِّ: ٢ / ٤٦١.(٢) تذكرة الحفاظ: ٤ / ١٤٩٨، ومعجم الشيوخ: ٢ / الورقة: ٩٠.(٣) انظر كتابنا: الذهبي ومنهجه: ٨١ ٧٨. ووجدنا أخا الذهبي من الرضاعة أبا الحسن بن العطار"٧٢٤ ٦٥٤"يستجيز للذهبي جملة من مشايخ عصره في سنة مولده"الدرر لابن حجر: ٣ / ٤٢٦) . وقد انتفع الذهبي بهذه الاجازة انتفاعا شديدا (وراجع معجم شيوخ الذهبي: م ١ / الورقة: ٨ و١٢ و١٨ و٨٠ و٩٠ م ٢ / الورقة: ٦ و٣١ و٥٩ و٦٠ و٨٧ و٨٨ وغيرها) .(٤) وصف الذهبي في معجم شيوخه والد المزي بأنه"الشيخ العالم المقرئ زكي الدين عبد الرحمن"، لكن الكتب المعنية بالقراء لم تترجم له! (٥) أعيان العصر: ١٢ / الورقة: ١٢٣، وتذكرة الحفاظ: ٤ / ١٤٩٨، ومعجم الشيوخ: ٢ / الورقة: ٩٠. وذكر الشيخ عبد الصمد شرف الدين في مقدمة تحفة الاشراف أن ذلك كان سنة ٦٧٤ (١ / ٢٢ من المقدمة) ولم نجد لذلك أصلا.
الصلاح الصفدي: ولم يتهيأ له السماع من ابن عبد الدائم (١) ولا الكرماني (٢) ولا ابن أَبي اليسر (٣) ونحوهم، ولا أجازوا له، مع إمكان أن تكون له إجازة المرسي (٤) والمنذري (٥) وخطيب مردا (٦) واليلداني (٧) وتلك الحلبة" (٨) ، وَقَال الحافظ ابن حجر العسقلاني: ولو كان له من يسمعه صغيرا، لسمع من ابن عبد الدائم والكرماني وغيرهما، ولكنه طلب بنفسه في أول سنه خمس وسبعين"٩.سماعه وشيوخهكان أول سماعه الحديث على الشيخ المسند المعمر زين الدين أبي الْعَبَّاس أَحْمَد بْن أَبي الخير سلامة بن إبراهيم الدمشقي الحداد الحنبلي (٦٧٨ ٥٨٩) ، فسمع أول ما سمع كتاب"الحلية"لابي نعيم ثم أكثر عنه (١٠) ، قال إمام المؤرخين شمس الدين الذهبي: وقرأ عليه المزي شيخنا شيئا كثيرا، وسمع منه"حلية الاولياء"، ورثاه بابيات بعد موته، وسألته عنه، فقال: شيخ جليل متيقظ، عُمَر، وتفرد بالرواية عن كثير من مشايخه، وحدث سنين كثيرة وسمعنا منه الكثير، وكان سهلا(١) زين الدين أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الدائم بن نعمة المقدسي الحنبلي مسند الشام"٦٦٨ ٥٧٥" (تاريخ الاسلام في سنة وفاته أيا صوفيا ٣٠١٣، والعبر: ٥ / ٢٨٨)(٢) بدر الدين عُمَر بْن مُحَمَّد بْن أَبي سعد التاجر"٦٦٨ ٥٧٠.(٣) مسند الشام تقي الدين أبو محمد إسماعيل بن إبراهيم بن أَبي اليسر شاكر التنوخي"٦٧٢ ٥٨٩" (تاريخ الاسلام، الورقة: ٩ (أيا صوفيا: ٣٠١٤) ، والعبر: ٥ / ٢٩٩) .(٤) شرف الدين أَبُو عَبْد اللَّهِ مُحَمَّد بْن علي بْن مُحَمَّد بْن عَبد الله السلمي الاندلسي"٦٥٥ ٥٧٠" (تاريخ الاسلام في سنة وفاته أيا صوفيا: ٣٠١٣) .(٥) زكي الدين عبد العظيم بن عبد القوي بن عَبد الله المنذري الشامي الاصل المِصْرِي"٦٥٦ ٥٨١" (ينظر كتابنا: المنذري وكتابه التكملة، النجف: ١٩٦٨) .(٦) أَبُو عَبْد اللَّهِ مُحَمَّد بْن إسماعيل بن أحمد المقدسي الحنبلي"٦٥٦ ٥٦٦" (تاريخ الاسلام، وفيات: ٦٥٦ من مجلد أيا صوفيا: ٣٠١٣) .(٧) تقي الدين عبد الرحمن بن المنعم بن عبد الرحمن، من أهل يلدان (المعروفة اليوم بيدا في دمشق جنوب شرقيها""٦٥٥ ٥٦٨" (تاريخ الاسلام، وفيات سنة ٦٥٥ من مجلد أيا صوفيا: ٣٠١٣) .(٨) أعيان العصر: ١٢ / الورقة: ١٢٣.(٩) الدر لابن حجر: ٥ / ٢٣٣.(١٠) تذكرة الحفاظ: ٤ / ١٤٩٨، والدرر: ٥ / ٢٣٣.
في الرواية" (١) . وكانت لأحمد هذا مكانة علمية رفيعة دللت عليها رواية جملة من ثقات العلماء عنه منهم: شرف الدين الدمياطي، وابن الحلوانية، وابن الخباز، وابن العطار، وشيخ الاسلام التقي ابن تيمية، والبرزالي، وطائفة سواهم، بل سمع منه ابن الحاجب الاميني بعرفات سنة (٦٢٠) وخرج له في معجمه (٢) ، وعاش ابن سلامة هذا بعد ابن الحاجب ثمانية وأربعين عاما (٣) .ومنذ ذلك الحين اتجهت همة المزي إلى سماع الحديث، فسمع من الجم الغفير، سمع عليهم الكتب الكبار الامهات مثل: الكتب الستة، ومسند الإمام أحمد، والمعجم الكبير لابي القاسم الطبراني، وتاريخ مدينة السلام بغداد للخطيب البغدادي، وكتاب النسب للزبير بن بكار، والسيرة لابن هشام، وموطأ الإمام مالك، والسنن الكبير، ودلائل النبوة كلاهما للبيهقي بحيث قال تلميذه الصلاح الصفدي: وأشياء يطول ذكرها، ومن الاجزاء ألوفا" (٤) . وذكروا أن مشيخته نحو الالف شيخ (٥) ، أورد الذهبي الكثير منهم في تاريخ الاسلام، وكان يسأله عن أحوال بعضهم (٦) .وتجول المزي في المدن الشامية، فسمع بالقدس الشريف، وحمص، وحماة، وبعلبك، وحج وسمع بالحرمين الشريفين. ورحل إلى البلاد المِصْرِية، فسمع بالقاهرة، والاسكندرية، وبلبيس، وكانت رحلته إليها في سنة (٦٨٣) (٧) ، وكان بالاسكندرية في سنة (٦٨٤) حيث قرأ فيها على صدر الدين سحنون المتوفى سنة (٦٩٥) (٨) .(١) تاريخ الاسلام، الورقة: ٥٩ (أيا صوفيا: ٣٠١٤) .(٢) معجم شيوخ الذهبي: ١ / الورقة: ٦، وتاريخ الاسلام، الورقة: ٥٩ (أيا صوفيا: ٣٠١٤) .(٣) لان ابن الحاجب توفي سنة ٦٣٠ كما هو معروف، وتوفي ابن سلامة سنة ٦٧٨.(٤) أعيان العصر: ١٢ / الورقة: ١٢٣.(٥) نفسه، والدرر: ٥ / ٢٣٣.(٦) انظر مقلا تاريخ الاسلام، الورقة: ١٦١، ١٦٢، ١٤٧ (أيا صوفيا: ٣٠١٤) .(٧) تذكرة الحفاظ: ٤ / ١٤٩٨.(٨) تاريخ الاسلام، الورقة: ٢٤٧ (أيا صوفيا: ٣٠١٤) .
وقد ذكر الصلاح الصفدي طبقات شيوخه على الاختصار، وذكر أبرزهم، فقال: سمع من أصحاب ابن طَبَرْزَذَ، والكندي، وابن الحرستاني وحنبل، ثم ابن ملاعب، والرهاوي، وابن البناء، ثم ابن أَبي لقمة، وابن البن، وابن مكرم والقزويني. ثم ابن اللتي، وابن صباح، وابن الزبيدي.وأعلى ما سمع بإجازة ابن كليب وابن بوش، والجمال، وخليل بن بدر، والبوصيري وأمثالهم. ثم المؤيد الطوسي، وزاهر الثقفي، وعبد المعز الهروي.وسمع أبا العباس ابن سلامة، وابْنُ أَبي عُمَر، وابْنُ عَلانَ، والشيخ محيي الدين النووي، والزواوي، والكمال عَبد الرحيم، والعز الحراني، وابن الدرجي، والقاسم الاربلي، وابن الصابوني، والرشيد العامري، ومحمد بن القواس، والفخر ابن البخاري، وزينب، وابن شيبان، ومحمد بن محمد بن مناقب، وإسماعيل بن العسقلاني، والمجد ابن الخليلي، والعماد ابن الشيرازي، والمحيي ابن عصرون، وأبا بكر بن الانماطي، والصفي خليلا، وغازيا الحلاوي، والقطب ابن القسطلاني وطبقتهم. والدمياطي شرف الدين، والفاروثي، واليونيني، وابن بلبان، والشريشي، وابن دقيق العيد، والظاهري، والتقي الاسعردي وطبقتهم. وتنازل إلى طبقة سعد الدين الحارثي (١) وابن نفيس (٢) " (٣) .وعني المزي بدراسة العربية، فأتقنها لغة وتصريفا، ففاق أقرانه في ذلك بحيث قال الصلاح الصفدي فيه: ولم أر في أشياخي بعد(١) قاضي القضاة سعد الدين أبو محمد مسعود بن أحمد بن مسعود بن زيد الحارثي العراقي المِصْرِي الحنبلي"٧١١ ٦٥٢" (تذكرة الحفاظ: ٤ / ١٤٩٥) .(٢) أبو الحسن علي بن مسعود ابن نفيس الموصلي"٧٠٤ ٦٣٦" (ذيل العبر للذهبي: ٢٦، والذيل لابن رجب: ٢ / ٣٥١) .(٣) أعيان العصر: ١٢ / الورقة: ١٢٤ ١٢٣.