شرح التبصرة والتذكرة ألفية العراقي (العراقي) القسم: علوم الحديث الكتاب: شرح (التبصرة والتذكرة = ألفية العراقي) المؤلف: أبو الفضل زين الدين عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحمن بن أبي بكر بن إبراهيم العراقي (ت ٨٠٦هـ)المحقق: عبد اللطيف الهميم - ماهر ياسين فحل الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان الطبعة: الأولى، ١٤٢٣ هـ - ٢٠٠٢ معدد الأجزاء: ٢[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]تاريخ النشر في راميشر: ١ يوليو ٢٠٢٦.
شرح التبصرة والتذكرة ألفية العراقي - جـ ١ـ[شرح ألفية العراقي]ـ المؤلف: أبو الفضل زين الدين عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحمن بن أبي بكر بن إبراهيم العراقي (المتوفى: ٨٠٦هـ)المحقق: عبد اللطيف الهميم - ماهر ياسين فحل الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان الطبعة: الأولى، ١٤٢٣ هـ - ٢٠٠٢ معدد الأجزاء: ٢[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
بسم الله الرحمن الرحيمالْحَمْدُ لِلَّهِ نَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنا مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَاّ اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَاّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} .{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} .{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} .أما بعد:الحمد لله ثُمَّ الحمد لله الذي مَنَّ علينا بتحقيق كتاب " شرح التبصرة والتذكرة " للإمام العلاّمة الحافظ العراقي، والحمد لله الذي مَنَّ علينا بالصحة والتمكين حتَّى أنهينا هذا السفر العظيم المبارك، والحمد لله الذي مَنَّ علينا بمعرفة السُّنَّة النبوية وخدمتها، والله وحده عليم بالجهد الذي بذلناه في خدمة هذا الكتاب النفيس، الذي نعدّه موسوعة في مصطلح الحديث؛إذ أن لهذا الكِتَاب أهمية بالغة بَيْنَ بقية كتب مصطلح الْحَدِيْث؛ لِمَا فِيْهِ من دراسات قلَّ نظيرها، ولِمَا فِيْهِ من استدراكات وإضافات عَلَى أعظم إمام كَتَبَ في المصطلح ألَا وَهُوَ ابن الصَّلَاح، إذ يعدّ عمل ابن الصَّلَاح في كتابه " مَعْرِفَة أنواع علم الحديث " نواة لكتاب الحافظ العراقي هذا، إذ قام الحافظ بإضافات واستدراكات، وأوضح ما خفي وشرح ما كان يستحق الشرح، حتَّى أصبح هذا الكتاب أنفس كتاب في مصطلح الحديث وأحسنها.ومن العجب أنّ كُتُباً أقلّ شأناً منه قد عني بها المحقّقون، غير أن أحداً منهم لم يأخذ على عاتقه خدمة هذا السفر العظيم، من هنا شمّرنا عن ساعد الجدّ وأخذنا على
أنفسنا تحقيق هذا الكتاب الفريد، وقطعنا دونه جميع الأعمال والأشغال حتَّى خرج بهذه الحُلّة التي بين يديك. طبعات الكتابطبع الكتاب عدة طبعات، بلغت - حسب علمنا - ثلاثاً، فيما يأتي وصف موجز لكلّ منها:أ. الطبعة المصرية القديمة: طبعة خطأً باسم " فتح المغيث بشرح ألفية الحديث "، صحّحها رجال جمعية النشر والتأليف الأزهرية، وعلَّق عليها محمود ربيع، سنة ١٣٥٥ هـ- ١٩٣٧ م. ولم يتيسر لنا الاطلاع عليها.ب. الطبعة الفاسية: وهي الطبعة التي حقّقها الأستاذ محمد بن الحسين العراقي الحسيني، في سنة ١٣٥٥ هـ- ١٩٣٧ م، وطبعت بالمطبعة الجديدة بفاس في المغرب.وهي طبعة تكاد تخلو من علامات الترقيم والشكل سواء لمتن الألفية أو لشرحها، علاوة على ما فيها من التصحيف والتحريف والخطأ والذهول، والخلط في تعيين الرجل المقصود بالكلام، ومن غير تخريج للأحاديث والآثار، ولا مراجعة لموارد العراقي في شرحه، … إلى غير ذلك مما لا يخفى على لبيب.جـ. طبعة دار الكتب العلمية: وهي طبعة مُخْرَجَةٌ عن الطبعة الفاسية، لم يكن فيها جديد إلاّ إعادة تنضيد حروفها.فلمّا رأينا الأمر زاد عن حدّه، حتّى انقلب الصواب إلى ضدّه، مع حاجة الناس إليه، وكثرة تعويلهم عليه، استخرنا الله تعالى في إعادة العمل في خدمته بما ييسره لنا جلّ ذكره، فكان هذا الذي يراه القرّاء الكرام أمام أنظارهم وبين أياديهم الكريمة، محتسبين لله ما صرفناه فيه من الجهد والمال ابتغاء للمثوبة ورجاء الفوز يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا مَن أتى الله بقلب سليم.اللهم فأحسن عاقبتنا في الأمور كلّها، وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة.
القسم الأول: الدراسةالباب الأول: ابن الصلاح ومقدمتهالباب الثاني: العراقي وكتابه " شرح التبصرة والتذكرة "
الرِّوَاْيَةُ مِنَ النُّسَخِ الَّتِي إسْنَاْدُهَا وَاحِدٌ ٦٦١.... وَالنُّسَخُ الَّتِي بِإِسْنَادٍ قَطُ … تَجْدِيْدُهُ فِي كُلِّ مَتْنٍ أَحْوَطُ٦٦٢.... وَالأَغْلَبُ الْبَدْءُ بِهِ وَيُذْكَرُ … مَا بَعْدَهُ مَعْ وَبِهِ وَالأَكْثَرُ٦٦٣.... جَوَّزَ أَنْ يُفْرِدَ بَعْضاً بِالسَّنَدْ … لآِخِذٍ كَذَا وَالإِفْصَاحُ أَسَدْ٦٦٤.... وَمَنْ يُعِيْدُ سَنَدَ الْكِتَابِ مَعْ … آخِرِهِ احْتَاطَ وَخُلْفَاً مَا رَفَعْ النسخُ التي إسنادُ أحاديثِها إسنادٌ واحدٌ كنُسخةِ همَّامِ بنِ مُنَبِّهٍ عن أبي هريرةَ رضي الله عنه روايةُ عبدِ الرزاقِ عن مَعْمرٍ عنهُ ونحوِها. الأحوَطُ أنْ يُجَدِّدَ ذكرَ الإسنادِ عندَ كُلِّ حديثٍ منها. ومن أهلِ الحديثِ مَنْ يفعلُهُ. ويوجدُ ذلكَ في كثيرٍ من الأُصولِ القديمةِ، وأَوجبَ بعضُهم ذلكَ، وأشرتُ إلى الخلافِ بقولي في آخرِ الأبياتِ: (وخُلْفاً ما رَفَعْ) . والأغلبُ الأكثرُ أنْ يُبدأَ بالإسنادِ في أوَّلها، أو في أَوَّلِ كُلِّ مجلسٍ من سماعِها، ويُدْرَجُ الباقي عليهِ، بقولهِ، في كُلِّ حديثٍ بعدَ الحديثِ الأوَّلِ، وبهِ، أو وبالإسنادِ، ونحوِ ذلكَ. ثُمَّ إنَّ مَنْ سمعَ هكذا يذكرُ السندَ في أوَّلهِ. وإدراجُ ما بعدَهُ عليهِ هلْ لهُ أنْ يُفردَ ما بعدَ الحديثِ الأولِ بالسندِ المذكورِ في أولِهِ؟ ذهبَ الأكثرونَ إِلَى الجوازِ منهمْ وكيعٌ وابنُ معينٍ والأسماعيليُّ؛ لأَنَّ المعطوفَ لهُ حُكمُ المعطوفِ عليهِ وهوَ بمثابةِ تقطيعِ المتنِ الواحدِ في أبوابٍ بإسنادِهِ المذكورِ في أوَّلهِ. وذهبَ أبو إسحاقَ الإسفرايينيُّ وبعضُ أهلِ الحديثِ إلى المنعِ، إِلَاّ معَ بيانِ كيفيةِ التحمُّلِ. وعلى القولِ بالجوازِ،
الباب الأول: ابن الصلاح ومقدمته ويشمل:الفصل الأول: دراسة تحليلية لسيرة ابن الصَّلَاح.الفصل الثاني: دراسة عن مقدمة ابن الصَّلَاح.
إذا قالَ الشَّيْخُ: مِثْلَهُ، أَوْ نَحْوَهُ ٦٦٨.... وَقَوْلُهُ مَعْ حَذْفِ مَتْنٍ مِثْلَهُ … أَوْ نَحْوَهُ يُرِيْدُ مَتْنَاً قَبْلَهُ٦٦٩.... فَالأَظْهَرُ الْمَنْعُ مِنْ انْ يُكَمِّلَهْ … بِسَنَدِ الثَّاني وَقِيْلَ: بَلْ لَهْ٦٧٠.... إِنْ عَرَفَ الرَّاوِيَ بِالتَّحَفُّظِ … وَالضَّبْطِ وَالتَّمْيِيْزِ لِلتَّلَفُّظِ٦٧١.... وَالْمَنْعُ فِي نَحْوٍ فَقَطْ قَدْ حُكِيَا … وَذَا عَلَى النَّقْلِ بَمِعْنَى بُنِيَا٦٧٢.... وَاخْتِيْرَ أَنْ يَقُوْلَ: مِثْلَ مَتْنِ … قَبْلُ وَمَتْنُهُ كَذَا، وَيَبْنِيإذا رَوَى الشيخُ حديثاً بإسنادٍ لهُ، وذكرَ متنَ الحديثِ. ثُمَّ أتبعَهُ بإسنادٍ آخرَ، وحذفَ متنَهُ، وأحالَ به على المتنِ الأوَّلِ، بقولِهِ: مِثْلُهُ، أو نحوُهُ، فهلْ لِمَنْ سمعَ منهُ ذلكَ أنْ يقتصرَ على السندِ الثاني، ويسوقَ لفظَ حديثِ السندِ الأوَّلِ؟ فيهِ ثلاثةُ أقوالٍ:أظهرُهَا منعُ ذلكَ، وهو قولُ شعبةَ. فروينا عنهُ أَنَّهُ قالَ: فلانٌ عن فلانٍ: مِثْلُهُ، لا يُجْزِئُ. وروينا عنهُ أيضاً، أنَّهُ قالَ: قولُ الراوي: نحوَهُ، شكٌّ.والثاني: جوازُ ذلكَ إذا عُرِفَ أنَّ الراوي لذلكَ ضابطٌ مُتَحَفِّظٌ، يذهبُ إلى تمييزِ الألفاظِ وَعَدِّ الحروفِ، فإنْ لم يُعْرَفْ ذلكَ منهُ، لم يَجُزْ. حكاهُ الخطيبُ عن بعضِ أهلِ العلمِ. وروينا عن سفيانَ الثوريِّ قالَ: فلانٌ عن فلانٍ مِثْلهُ يُجْزِئُ، وإذا قالَ: نحوَهُ، فهو حديثٌ.
الفصل الأول:دراسة تحليلية لسيرة ابن الصلاح المبحث الأول:اسمه ونسبه وولادته:هو تقي الدين، أبو عَمْرو، عثمان بن صلاح الدين أبي القاسم عبد الرحمن بن عثمان بن موسى بن أبي نصر النصري الكردي الأهل الشرخاني الشهرزوري الأصل، الموصلي النشأة، الدمشقي الموطن والوفاة، الشافعي المذهب. ولد سنة (٥٧٧) هـ، بشهرزور. المبحث الثانيأسرته ونشأته وطلبه للعلم:نشأ ابنُ الصلاح في بيت عِلم وورع ورئاسة في الفقه، إذ كان والده إماماً مُفتياً رأساً في الفقه على مذهب الإمام الشافعي رحمه الله، وولي فيما بعد التدريس في إحدى المدارس بحلب، فكان والده أوّل مشايخه وأبرزهم.كما تلقّى ابن الصلاح علومه على مشايخه في مسقط رأسه، والذين كان أغلبهم من الأكراد، ومما يدلّ على نباهته وعلو همته ونشاطه في طلب العلم-وَهُوَ لم يزل في مقتبل العمر- ما يذكر من أنّه أعاد على والده قراءة كتاب " المهذب " أكثر من مرة، ولم يختطّ شاربه بعدُ. ومن ثَمَّ انتقل به والده إلى مدينة الموصل، فاشتغل بها مدة وسمع بها.
ولم تقرّ عين أبي عمرو بأن يأخذ العلم عن شيوخ بلده فقط، فارتحل في طلب بغيته، وسافر إلى بغداد، وإلى قزوين، فلازم بها الإمام الرافعي، حتى أتقن عليه جملة من العلوم، وإلى بلاد خراسان وأقام هناك زمناً، وأكثر فيها من سماع الحديث وتحصيله.ومن ثَمَّ ألقى ابن الصلاح عصا ترحاله في بلاد الشام، وكان أوّل مقامه في مدينة القدس، ثُمَّ ورد دمشق بصحبة أبيه وأسرته فاتخذها سكناً، وذلك في سنة٦٣٠هـ.ولا يفوتنا أنْ نذكر أنّه سافر إلى بلاد الحجاز لأداء فريضة الحجّ. المبحث الثالثشيوخه:… تتلمذَ ابنُ الصلاح على عدّة من الشيوخ، سواء كانوا من مسقط رأسه، أو من البلد التي استوطنها، أو من البلاد الأخرى خلال أسفاره ورحلاته، وكانت السمة المميزة لمشايخه أن أكثرهم كانوا من أهل الحديث، وأبرزهم:١ - أبو جعفر عبيد الله بن أحمد بن السمين.٢ - ضياء الدين أبو أحمد عبد الوهاب بن أبي منصور علي بن علي البغدادي المعروف ابن سكينة، ت ٦٠٧ هـ.٣ - عماد الدين أبو حامد محمد بن يونس بن محمد الموصلي الفقيه ت ٦٠٨ هـ.٤ - أبو القاسم عبد الكريم بن محمد بن عبد الكريم القزويني الرافعي ت ٦٢٤ هـ، وغيرهم.
المبحث الرابعتلامذته… رُزِق أبو عمرو القبول بين الناس، فتسابق طلاب العلم على التتلمذ عليه، والانتهال من معين ما أوتيه من العلوم، ومن أبرز تلامذته:١ - شمس الدين عبد الرحمن بن نوح بن محمد المقدسي. ت ٦٥٤ هـ.٢ - شمس الدين أبو العباس أحمد بن محمد بن إبراهيم بن خلّكان الإربليت (٦٨١) هـ.٣ - الحَافِظ أمين الدين عَبْد الصمد بن عَبْد الوهاب بن الحسن بن عساكر الدمشقي، ثُمَّ المكي. ت (٦٨٦) هـ.٤- تاج الدين عبد الرحمن بن إبراهيم الفزاري المشهور بالفركاح. ت (٦٩٠) هـوغيرهم المبحث الخامستدريسهكان أبو عمرو ملماً بجوانب متعددة من فنون العلوم المختلفة، زيادةً إلى طيب خلقه وكرم أصله، مع الزهد والتواضع وحب الخير، فوقع عليه الاختيار ليتولى التدريس في العديد من المدارس آنذاك، منها:١ ـ المدرسة الناصرية بالقدس.٢ ـ المدرسة الرواحية بدمشق.٣ ـ دار الحديث الأشرفية، وهو أول من وليها ودرّس فيها من أهل الحديث، وبقي في مشيختها ثلاث عشرة سنة، وفيها أملى كتابه " علوم
الحديث ".٤ ـ مدرسة ست الشام (زمرد خاتون بنت أيوب) ت ٦١٦ هـ.… ولقد أدّى ما أسند إليه حقّ القيام، وكان يتحمل أعباء المدارس ثلاثتها (الرواحية، وست الشام، ودار الحديث الأشرفية) من غير إخلال أو تقصير. المبحث السادسآثاره العلميةلَمَّا كان ابن الصلاح متضلِّعاً من تلك العلوم، استطاع بفضل الله أولاً، ثُمَّ بما تمتع به من ذكاء وحافظة وجودة فَهْم، أنْ يصنف العديد من المؤلفات، منها:١ - أدب المفتي والمستفتي.٢ - شرح الورقات لإمام الحرمين في أصول الفقه.٣ - صيانة صحيح مسلم من الإخلال والغلط وحمايته عن الإسقاط والسقط.٤ - فتاوى ومسائل ابن الصلاح في التفسير والحديث والأصول والفقه.٥ - علوم الحديث، أو مقدمة ابن الصلاح. وغيرها.المبحث السابعوفاته… بعد عمر مِلْؤُهُ العلم والخير والصلاح، انتقل الحافظ أبو عمرو ابن الصلاح إلى جوار ربه الكريم، وذلك صباح يوم الأربعاء الخامس والعشرين من شهر ربيع الآخر سنة ٦٤٣ هـبدمشق، ودُفن في مقابر الصوفية خارج دمشق - تغمده الله برحمته -.
الفصل الثانيدراسة عن مقدمة ابن الصلاحالمبحث الأولآراء العلماء في الكتابلقد كتب الله سبحانه وتعالى لهذا الكتاب - أعني علوم الحديث لابن الصلاح - القبول لدى الناس، ولابد لمصنَّف ألّفه مثل هذا الإمام أن يصبح مَدْرَسَ أهل العلم وطلبته وفلكهم الذي لا يجاوزوه، ومنهلهم الذي لا يصدرون إلا عنه ولا يردون إلا منه، فهو الحَكَم لمشكلاتهم، والفصل لمعضلاتهم أبان لهم عن جوهر معانيه، واستزادهم فائدة عما فيه، فأقبل الناس عليه، وأصبح أحد دعائم مسلماتهم، وانتهى إليه المتعلِّمون، وبه استنار المستبصرون. وليس أدلّ على ما قدّمناه ممّا سطّرته أياديهم، إشادة بهذا المصنَّف والمصنِّف، فقد قال الإمام النووي (ت ٦٧٦ هـ) : ((هو كتاب كثير الفوائد، عظيم العوائد، قد نبَّه المصنِّف رحمه الله في مواضع من الكتاب وغيره، على عظم شأنه، وزيادة حسنه وبيانه، وكفى بالمشاهدة دليلاً قاطعاً، وبرهاناً صادعاً)) .وقال الخويي (ت ٦٩٣ هـ) في منظومته: وخير ما صنف فيها واشتهر … كتاب شيخنا الإمام المعتبروهو الذي بابن الصلاح يعرف … فليس من مثله مصنف وقال ابن رشيد (ت ٧٢١ هـ) : ((الذي وقفت عليه وتحصل عندي من تصانيف هذا الإمام الأوحد أبي عمرو ابن الصلاح رحمه الله كتابه البارع في معرفة أنواع علم الحديث وإنّه كلّما كتبت عليه متمثلاً: لكل أناس جوهر متنافس … وأنت طراز الآنسات الملائح)) وقال ابن جماعة (ت٧٣٣هـ) : ((واقتفى آثارهم الشيخ الإمام الحافظ تقي الدين أبو عمرو بن الصلاح بكتابه الذي أوعى فيه الفوائد وجمع، وأتقن في حسن تأليفه ما صنع)) .
وقال الزركشي (ت ٧٩٤ هـ) : ((وجاء بعدهم الإمام أبو عمرو بن الصلاح فجمع مفرّقهم، وحقّق طرقهم، وأجلب بكتابه بدائع العجب، وأتى بالنكت والنخب، حتى استوجب أن يكتب بذوب الذهب)) .وقال الأبناسي (ت ٨٠٢ هـ) : ((وأحسن تصنيف فيه وأبدع، وأكثر فائدةوأنفع: "علوم الحديث" للشيخ العلاّمة الحافظ تقي الدين أبي عمرو بن الصلاح فإنّه فتح مغلق كنوزه، وحلّ مشكل رموزه)) .وقال ابن الملقن (ت ٨٠٤ هـ) : ((ومن أجمعها: كتاب العلامة الحافظ تقي الدين أبي عمرو بن الصلاح - سقى الله ثراه، وجعل الجنة مأواه - فإنه جامع لعيونها ومستوعب لفنونها)) .وقال العراقي (ت ٨٠٦ هـ) : ((أحسن ما صنف أهل الحديث في معرفة الاصطلاح كتاب " علوم الحديث " لابن الصلاح، جمع فيه غرر الفوائد فأوعى، ودعا له زمر الشوارد فأجابت طوعاً)) .وقال ابن حجر (ت ٨٥٢ هـ) : ((فجمع شتات مقاصدها، وضمَّ إليها من غيرها نخب فوائدها، فاجتمع في كتابه ما تفرق في غيره، فلهذا عكف الناس عليه وساروا بسيره، فلا يحصى كم ناظم له ومختصر، ومستدرك عليه ومقتصر، ومعارض له ومنتصر)) .وقال السيوطي (ت ٩١١ هـ) : ((عكف الناس عليه، واتخذوه أصلاً يرجع إليه)) .وبهذا نكاد أن ننقل إجماع الأئمة، منذ أن رأى كتاب " علوم الحديث " النور إلى يوم الناس هذا، دليلاً على مكانته، وغزارة علمه وفوائده شاهداً على علوِّ كعبه ونصرة حزبه، فرحم الله مؤلفه وجامعه، وأسبل عليه نعمه وفضائله، إنّه سميع مجيب.
المبحث الثانيتوظيف العلماء جهودهم خدمة لكتاب ابن الصلاح:لعلّ كتاباً في مصطلح الحديث لم يخدم كما خدم كتاب ابن الصلاح؛ إذ كَانَ هُوَ المحرك الفعلي الَّذِي تولدت عَنْهُ عشرات، بل مئات المؤلفات التي أغنت المكتبة الإسلامية، وساهمت بمجموعها في إكمال حلقات هذا العلم المبارك.وقد اختلفت اتجاهات المؤلفين في طبيعة بحوثهم لتطوير وتعزيز القيمة العلمية لهذا الكتاب فمنهم الناظم، ومنهم الشارح، ومنهم المختصر، ومنهم المنكت توضيحاً واستدراكاً فلهذا ارتأينا - خدمة لتقسيمات البحث العلمي المنظم - أن نوزعها على النحو الآتي، وبالله التوفيق. أ. المختصرات:لعلّ هذا الطابع من التصنيف الذي كان كتاب ابن الصلاح المحفِّز لها هو الأكثر نظراً إلى أن من ألّف في هذا اللون يبغي تقليص حجم الكتاب الأصلي؛ وذلك باختزال الألفاظ وتكثيف الفكر والمعاني، وحذف الأمثلة التي لا حاجة لها والابتعاد عن المناقشات غير الضرورية، وزيادة الفوائد والآراء، مع مخالفة ترتيب الأصل أحياناً، تسهيلاً لطلبة العلم وغيرهم.ومن أبرز تلك المختصرات:١- إرشاد طلاب الحقائق إلى معرفة سنن خير الخلائق، للإمام النووي (ت ٦٧٦ هـ) .٢- التقريب والتيسير لمعرفة سنن البشير النذير، للإمام النووي أيضاً وهو اختصار لكتابه السابق.٣- المنهج المبهج عند الاستماع لمن رغب في علوم الحديث على الاطلاع، لقطب الدين القسطلاني (ت ٦٨٦ هـ) .