قواعد ابن رجب - ت مشهور (ابن رجب الحنبلي) القسم: علوم الفقه والقواعد الفقهية الكتاب: تقرير القواعد وتحرير الفوائد [المشهور بـ «قواعد ابن رجب»]المؤلف: زين الدين عبد الرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي (ت ٧٩٥ هـ)المحقق: أبو عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان الناشر: دار ابن عفان للنشر والتوزيع، المملكة العربية السعودية الطبعة: الأولى، ١٤١٩ هـعدد الأجزاء: ٤ (الرابع فهارس)[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]تاريخ النشر في راميشر: ١ يوليو ٢٠٢٦.
قواعد ابن رجب - ت مشهور - جـ ١تقرير القواعد وتحرير الفوائد تصنيفالإمام الحافظ زين الدين عبد الرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي(٧٣٦ - ٧٩٥ هـ) وبآخرهفهرست كتاب تقرير القواعد وتحرير الفوائدتصنيفجلال الدين أبي الفرج نصر الدين البغدادي ضبط نصه وعلق عليه ووثق نصوصه وخرج أحاديثه وآثارهأبو عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان [المجلد الأول]
بسم الله الرحمن الرحيم [وهو حسبي ونعم الوكيل] (١) [(رب يسر وأعن)قال الشيخ، الإمام، العالم، العلامة، أبو الفرج، زين الدين، عبد الرحمن [بن أحمد] (٢) بن رجب، الحنبلي، [البغدادي] (٢)] (٣) [رحمه الله ورضي عنه] (٤):الحمد للَّه الذي مهد قواعد الدين (٥) بكتابه المحكلم، وشيَّد معاقد العلم بخطابه وأحكم، وفقَّه في دينه (٥) من أراد به خيرًا من عباده وفهَّم،(١) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع و (أ) و (ج).(٢) ما بين المعقوفتين سقط من (ج).(٣) ما بين المعقوفتين سقط من (أ) و (ب).(٤) بدل ما بين المعقوفتين في المطبوع: "تغمده اللَّه برحمته وأسكنه فسيح جنته".(٥) قولة: "قواعد" و"فقه": فيها ما يسمى عند علماء البلاغة ببراعة الاستهلال، وهو الإتيان بما يدل على المقصود في الخطبة (ع).
وأوقف من شاء على ما شاء من أسرار مراده وألهم؛ فسبحان من حكم فأحكم! وحلل وحرَّم! وعرف وعلم! علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم.وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له شهادة تهدي (١) التي الطريق الأقوم، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله المخصوص بجوامع الكلم (٢) وبدائع الحكم وودائع العلم والحلم والكرم، صلى اللَّه عليه وعلى آله وصحبه وسلم.أما بعد؛ فهذه قواعد مهمة وفوائد جمة، تضبط للفقيه أصول المذهب، وتطلعه من مآخذ الفقه على ما كان عنه قد تغيب، وتنظم له منثور المسائل في سلك واحد، وتقيد له الشوارد، وتقرب عليه كل متباعد؛ فلينعم (٣) الناظر فيه النظر، وليوسع العذر؛ إنَّ اللبيب مَنْ عذر؛ فلقد سنح بالبال على غاية من الإعجال؛ كالارتجال أو قريبًا من الارتجال؛ في أيام يسيرة وليال، ويأبى اللَّه العصمة لكتاب غير كتابه، والمنصف من اغتفر قليل خطإ المرء في كثير صوابه (٤).واللَّه المسؤول أن يوفقنا لصواب القول والعمل، وأن يرزقنا اجتناب أسباب الزيغ والزلل؛ إنه قريب مجيب لمن سأل، لا يخيب من إياه رجا وعليه توكل.(١) في (ب): "نُهدَى بها".(٢) فيه أن هذه القاعدة تكون جامعة. (ع).(٣) كذا في (أ) و (ب)، وفي (ج) والمطبوع: "فليمعن".(٤) الإنسان لا يخلو من الخطأ، لكن المنصف يرى الصواب ويرى الخطأ، فإذا صار الصواب أكثر، فليغتفر الخطأ، وإن كان الخطأ أكثر؛ اضمحل به الصواب. (ع).
[(القاعدة الأولى)] (١)الماء الجاري؛ هل هو كالراكد (٢)، أو كل جرية منه لها حكم الماء المنفرد؟فيه خلاف في المذهب ينبني عليه مسائل[إحداها] (٣): لو وقعت فيه نجاسة؛ فهل يعتبر مجموعه؟ فإن كان كثيرًا لم ينجس [بدون تغير] (٤) وإلا نجس، أو تعتبر (٥) كل جرية بانفرادها، فإن بلغت قلتين لم [تنجس] (٦)، وإلا نجست (٧)؟(١) في (أ) و (ب): "قاعدة"، والترقيم من (ج) والمطبوع.(٢) الماء الجاري والراكد هل هما سواء أم يختلفان؟ فيه خلاف في المذهب، وهذه عندي ليست من القواعد، لكنها مسألة تتفرَّعُ عليا مسائل؛ فهي أشبه ما تكون بالمسائل التي يترتب عليها الخلاف، وتنبني عليها فوائد كثيرة. (ع).(٣) في المطبوع: "أحدها"، والتصوب من (أ) و (ب) و (ج).(٤) كذا في المطبوع و (أ)، وفي (ب) و (ج): "بغير".(٥) كذا في المطبوع و (ج)، وفي (أ) و (ب): "يعتبر".(٦) كذا في المطبوع و (أ) و (ج)، والتصويب من (ب).(٧) الجرية: عبارة عن الدفعة من الماء.إنْ قلنا: كل جرية بحكم المنفرد؛ فإنه ينجس بمجر الملاقاة، فإنه إذا نجس الذي يقابل النجاسة نجس الذي بجانبه وهكذا؛ فيعم الماء كله.وإن قلنا: إن المعتبر هو المجموع؛ فحين ذلك ينظر: هل هو كثير فلا ينجس إلا =
فيه روايتان حكاهما الشيرازي وغيره.(والثانية): المذهب عند القاضي، والثانية: لو غمس الإناء النجس في ماء جار، ومرت عليه سبع جريات (١)؛ فهل ذلك غسلة واحدة أو سبع غسلات؟= بالتّغيُّر؟ومنه: لو سقط في هذا الماء الجاري بعير ميت؛ فهل ينجس؟يقولون: إنْ قلنا: كلَّ جرية تعتبر منفردة؛ فالذي يحيط بالبعير كبير، وعليه؛ فلا ينجس إلا بالتغير، ولو سقطت فيه شعرة من كلب نجس؛ صار نجسًا؛ لأن الذي يلي الشعرة لا يبلغ قلَّتين، فينجس بالملاقاة، فيؤدي إلى أن ينجس نهر كبير من شعرة كلب، ولا ينجس بجيفة بعير، ولهذا كان القول الراجح في هذه المسألة: إنهما يعتبران شيئًا واحدًا، مع أن الصحيح على كل تقدير: أن الماء لا ينجس إلا بالتَّغير. (ع).قلت: انظر تخربج حديث القلَّتين في تعليقي على "الطهور" (ص ٢٢٧ - ٢٢٩) لأبي عبيد و"الخلافيات" (٣/ رقم ٩٣٥) للبيهقي، وفي الأخير بيان رجحان نجاسة الماء بالتغير، واللَّه الهادي.(١) استدل الحنابلة على تسبيع غسل النجاسة بحديث ابن عمر: "أمرنا بغسل الأنجاس سبعًا"، ذكره ابن قدامة في "المغني" وذكره في "الشرح الكبير" وقال: "ذكره القاضي" (يعني: أبا يعلى)، وعزاه في "شرح الإقناع" إلى القاضي، ولم يذكره الشيخ أبو محمد في "الكافي"، ولم يتعرض له الحافظ ضياء الدين المقدسي في "تخريج أحاديث الكافي"، ولكنه ذكر حديثًا لابن عمر، فقال: "روي عن ابن عمر أنَّه قال: كانت الصلاة خمسين، والغسل من الجنابة سبع مرات، والغسل من البول سبع مرات؛ فلم يزل النبي صلى الله عليه وسلم يسأل حتَّى جعلت الصلاة خمسًا، والغسل من البول مرة، والغسل من الجنابة مرة"، رواه الإمام أحمد في "مسنده" (٢/ ١٠٩)، وأبو داود في "سننه" (رقم ٢٤٧).قال الموفق والضياء: "في رواته أيوب بن جابر، وهو ضعيف"، أفاده ابن بدران في "العقود الياقوتية في جيد الأسئلة الكويتية" (ص ١٤٥) وزاد: =
على وجهين حكاهما أبو الحسن بن الغازي تلميذ الآمدي، وذكر أن ظاهر كلام الأصحاب أن ذلك غسلة واحدة، وفي "شرح المذهب" (١) للقاضي: أن كلام أحمد يدل عليه، وكذلك لو كان ثوبًا ونحوه وعصره [عَقِيب] (٢) كل جرية (٣).= "وقد كشفتُ عن الأثر المسؤول عنه أكثر كتب الحديث المشهورة حتَّى "مصنف ابن أبي شيبة"؛ فلم أجد له أثرًا، لكن رأيتُ في كتاب "الانتصار في المسائل الكبار" (١/ ٢/ ٤٨٧) للإمام أبي الخطاب الكلوذاني ما نصه: روى موسى بن عقبة صاحب "المغازي" عن ابن عمر: أنَّه قال. . . (وذكره)، وكذلك عزاه القاضي أبو يعلى في كتابه "المفردات" إلى موسى بن عقبة، ولم يعزه هو ولا أبو الخطاب التي غيره، وهما إمامان كبيران؛ فيقتضي صنيعهما أنَّه لم يروه غيره؛ لأنهما ذكراه في مقام الاحتجاج على الخصم، وهو يقتضي تقوية الاستدلال، ثم إن من بعدهما قلّدهما فيه، واحتج به من غير عزوٍ إلى مخرجه ايهامًا للخصم، ومع ذلك؛ فحديث أبي داود المتقدم -على ضعفه- أقل منه، وأولى بالاعتبار".ثم أفاض الكلام على ما قصد الأصحاب من ذكر هذا الأثر، وبسط الكلام على مسألة غسل النجاسات؛ فراجع كلامه.(١) سيأتي التعريف به (ص ٣٣).(٢) كذا في المطبوع و (أ)، وفي (ب) و (ج): "عقب".(٣) رجل معه إناء نجس، وأراد أن يطهره بماءٍ جارٍ، فإذا قلنا: كل جرية غسلة منفردة؛ فمتى مر عليه سبع جريات صار طاهرًا، لأنَّ كل جرية غسلة، والجرية تباشر الشيء إذا مر عليه الماء سبع مرات طهره، وإذا قلنا؛ إن الجاري كالراكد؛ فلا بد أن يخرجها من الماء ثم يعيدها ثم يخرجها ثم يعيدها حتَّى تتم سبع مرات.كذلك لو وضع فيه ثوبًا نجسًا ومر عليه سبع جريات، فإن قلنا: إن كل جرية لها حكم المنفرد ومر عليه سبع جريات، طهر، وإلا؛ فلا بد من إخراجه ثم عصره خارج الماء، وهذا كله مبني على أنَّه لا بد من سبع غسلات، والصحيح أنَّه لا يجب سبع غسلات إلا في سؤر الكلب، وأما في غيره؛ فمتى زالت النجاسة؛ طهر بأيِّ عددٍ كان. (ع).
(والثالثة): لو انغمس المحدث حدثًا أصغر في ماء جار للوضوء، ومرت عليه أربع جريات متوالية؛ فهل يرتفع بذلك حدثه أم لا؟على وجهين، أشهرهما عند الأصحاب: أنَّه يرتفع حدثه.وقال أبو الخطاب في "الانتصار" (١): ظاهر كلام أحمد أنَّه لا يرتفع [حدثه] (٢)؛ لأنه لم يفرق بين الجاري والراكد.قلت: بل نص أحمد على التسوية بينهما في رواية محمد بن الحكم، وأنه إذا انغمس في دِجْلَة؛ فإنه لا يرتفع حدثه حتَّى يخرج [حدثه] (٣) مرتبًا (٤).(١) (١/ ٢٨١) قال: "نص عليه [أي: أحمد]: إذا دخل الماء وهو يريد الوضوء، فإذا أخرج رأسه؛ جاز عنه غسل الوجه، ويتمضمض، ويستنشق، فإذا أخرج يديه؛ جاز عنه غسل يديه، ويمسح رأسه، ولم يفرق بين الماء الراكد والجاري".وقد نقله عنه صاحب "الفروع" (١/ ١٥٤) وصاحب "الإنصاف" (١/ ١٣٩).(٢) ما بين المعقوفتين سقط من (ب).(٣) ما بين المعقوفتين زيادة من المطبوع، ولعل الصواب حذفها.(٤) من فروع هذا الخلاف:إنسان محدث حدثًا أصغر، فانغمس في الماء الذي يجري، ومر عليه أربع جريات، لماذا قلنا أربع؟ لأن فيه أربعة أعضاء، والترتيب لا بد منه، الجرية الأولى للوجه، والثانية لليدين، والثالثة للرأس، والرابعة للرجلين، نقول أربعة لأجل الترتيب؛ فهل يرتفع حدثه؟ يقول المؤلف: ينبني على الخلاف:إن قلنا بأن الماء الجاري كل جرية منه لها حكم المنفرد؛ فإنه يطهر، وإن قلنا: إنه واحد -الجاري كأنه راكد- ما يرتفع حدثه لو مر عليه أربعين مرة، لا بد أن يخرج منه مرتبًا، وهذا بقول: وهو الذي نص عليه الإمام أحمد رحمه الله.لا بد أن يخرج مرتبًا، لا بد أن يخرج وجهه أولًا، ثم يديه.، ثم رجليه، وهذا الأخير =
(والرابعة): لو حلف لا يقف في هذا الماء، وكان جاريًا؛ لم يحنث عند أبي الخطاب وغيره؛ لأن الجاري يتبدل ويستخلف شيئًا فشيئًا؛ فلا يتصور الوقوف فيه، وقياس المنصوص أنَّه يحنث؛ لا سيما والعرف يشهد له، والأيمان مرجعها إلى العرف، ثم وجدت القاضي في "الجامع الكبير" (١) ذكر [نحو هذا] (٢)، [واللَّه أعلم] (٣).= هو الصواب بلا شك، ولو أنَّه انغمس في الماء الراكد وليس الجاري؛ يغسل وجهه، ثم يغسل يديه وهو داخل الماء -ما خرج من الماء-، ثم يمسح رأسه وكل رجليه، الظاهر في أنَّه يكفي، وظاهر كلامه أنَّه لا يكفي؛ لكن الظاهر أنَّه يكفي؛ لأن كل ماء يباشر عضوًا، فهو غير الماء الذي يباشر العضو الآخر؛ فلا يقال هنا: إن الرجل استعمل الماء مرتين لعضوين؛ لأن من المعلوم أن الماء الذي غسل به الوجه غير الذي يلي الدين، وهكذا، ولكن مع هذا نقول: إن الأحوط والأولى أن تخرج وتتوضأ مرتبًا كل عضو بعد الآخر، ولكن هذه المسائل التي يقولها العلماء تجدها مسائل نادرة عند الناس، ربما تقع إذا كنت في بحر تسبح فيه أو في نهر أو في مجمع ماء كبير، ويمكن أن يفعل هذا في بركة كبيرة: أنت واقف في ماء، أول جرية تأتي؛ تقول: هذه للوجه، والثانية لليدين، والثالثة للرأس، والرابعة للرجلين، أنت تقدرها، وهنا رتب لأنه نوى، عمل الجرية الأولى لما انفصلت ضاعت، أتت جرية جدبدة من جديد، والدلك ليس شرطًا؛ لأن الغسل في اللغة يطلق على مجرد وصول الماء المغسول بدون دلك، لكن التدلك أفضل. (ع).(١) صاحبه القاضي أبو يعلى محمد بن الحسين بن محمد بن خلف بن أحمد البغدادي، أكثر المصنف من النقل عنه في كتابنا هذا، ونقل كثيرًا من كتابه هذا "الجامع الكبير"، وقد عمل المصنف قطعة منه ولم يُتمّه، توفي سنة (٤٥٨ هـ).انظر: "ذيل طبقات الحنابلة" (٢/ ١٩٣ - ٢٣٠)، و"سير أعلام النبلاء" (١٨/ ٨٩).(٢) في (أ) و (ب): "ونحوه"، ولعله الصواب.(٣) إذا قلنا: الجاري كالراكد يحنث، وإذا قلنا: الجاري ليس كالراكد، وكل جرية =
(القاعدة الثانية) (١)شعر الحيوان في حكم المنفصل عنه لا في حكم المتصل، وكذلك الظفر.هذا (٢) هو جادة المذهب، ويتفرع على ذلك مسائل:- (منها): إذا مس شعر امرأة بشهوة لم ينتقض وضوؤه، وكذلك ظفرها، أو مسها بظفره أو شعره (٣).ولهذه المسألة مأخذ آخر: وهو أن هذه الأجزاء ليست بمحل للشهوة (٤) الأصلية، وهي شرط لنقض الوضوء عندنا (٥).= لها حكم المنفرد؛ فإنه لا يحنث، والصحيح أنه يحنث، إحالة له على العرف، ولو أنّ المؤلف قد جاء بالمثال السابق في (الشعرة والبعير)؛ لأضعف القول بأنّ كلّ جرية لها حكم المنفرد. (ع).(١) في (أ) و (ب): "قاعدة".(٢) كذا في المطبوع و (أ) و (ب)، وفي (ج): "وهذا".(٣) في المطبوع و (أ): "بشعره".(٤) في (أ): "لمحل الشهوة".(٥) المذهب أنه اذا مسها بشهوةٍ انتقض وضوؤه، ولكن إذا مسَّها بشعره أو بظفره، أو مسَّ شعرها أوظفرها لم ينتقض! لأن الشعر في حكم المفصل، وكذلك الظفر، وقيل: لا ينتقض من مأخذ آخر، وهو أن هذه الأجزاء ليست محلًّا للشهوة الأصلية، وهذا التعليل =
- (ومنها): أن الشعر لا ينجس بالموت ولا بالانفصال على المذهب، وكذا (١) ما طال من الظفر على احتمال فيه، أما على المشهور، فإن انفصل من آدمي (٢)؛ لم ينجس على الصحيح، ومن غيره ينجس؛ لأنه كانت فيه حياة ثم فارقته حال انفصاله، فمنعه الاتصال من التنجيس (٣)، فإذا انفصل؛ زال المنع، فنجس (٤).- (ومنها): غسله في الجنابة والحدث.فأما الجنابة؛ ففي وجوب غسله وجهان، والذي رجحه صاحب "المغني" (٥) وذكر أنَّه ظاهر كلام الخرقي: عدم الوجوب؛ [طردًا] (٦) للقاعدة، ومن أوجبه؛ فيقول: وجب تعبدًا.نعم، إن كان وصول الماء إلى البشرة لا يمكن بدون غسله؛ وجب= فيه نظر، والصحيح خلاف هذا، بل الشعر يكون محلَّ شهوةٍ، والصحيح عدم النقض. (ع).(١) كذا في المطبوع و (أ)، وفي (ب)، (ج): "وكذلك".(٢) في (ج): "الأدمي".(٣) كذا في المطبوع و (ب)، وفي (أ) و (ج): "التنجس".(٤) المذهب المشهور: أن ما انفصل من الحيوان -ولكن بشرط أن يكون طاهرًا في الأصل-؛ فهو طاهر، وما انفصل من حيوان نجس؛ فهو نجس؛ فشعر الكلاب مثلًا نجس؛ لأنه انفصل من حيوان نجس، وشعر الهر وشعر الشاة وما أشبهها طاهر، وشعر الآدمي طاهر، وكذلك الظفر. (ع).(٥) قال في "المغني" (١/ ٢٢٧) مع "الشرح الكبير": ". . . ولأن الشعر ليس من أجزاء الحيوان؛ بدليل أنَّه لا ينجس بموته ولا حياة فيه، ولا بنقض الوضوء مسه من المرأة ولا نطلق بطلاقه؛ فلم يجب غسله كثيابها".(٦) ما بين المعقوفتين سقط من (أ) و (ب).
لضرورة وجوب إيصال الماء إلى ما تحته، وأما في الحديث الأصغر؛ فلا يجب غسل المسترسل منه على الصحيح (١)، وأما المحاذي [لمحل الفرض] (٢)؛ فيجزئ إمرار الماء على ظاهره إذا (٣) كان كثيفًا (٤)؛ لأن إيصال الماء إلى الحوائل في الوضوء كافٍ؛ وإن لم تكن متصلة بالبدن اتصال خلقة (٥)؛ كالخف والعمامة والجبيرة (٦)؛ فالمتصل خلقة (*) أولى (٧).(١) ما استرسل من الشعر متجاوزًا لمحل الفرض لا يجب غسله في الجنابة ولا في الحدث الأصغر، لأنه في حكم المنفصل، هذا قول.وهناك قول آخر: أنَّه يجب، ولكن تعبدًا أن يغسل في الجنابة، والذين قالوا بوجوب غسله في الجنابة يمكن أن يعللوا بتعليل آخر، وهو أنه تابع للرأس؛ فوجب غسله.أما في مسألة الوضوء؛ فإنَّ ما تجاوز محل الفرض لا يجب مسحه، وظاهر كلام المؤلف حتى في اللحية، وهذا خلاف المشهور، وهو أن شعر اللحية يجب غسله، ويعللون ذلك بأن الوجه مأخوذ من المواجهة، ومسترسل اللحية تحصل به المواجهة، بخلاف الرأس؛ فإنه مأخوذ من الترأس وهو العلو، وما استرسل من شعره ليس من ذلك، لا شك أنَّ غسل ما استرسل من الشعر احتياطًا أفضل، وهو ظاهر المذهب، هذا في الجنابة، أما في الحدث الأصغر، فما استرسل من الشعر فلا يجب مسحه. (ع).(٢) بدل ما بين المعقوفتين في (ب): "اللفرض".(٣) بدل ما بين المعقوفتين في (ج): "إنْ".(٤) فإذا كان ما استتر بشيء من غير الخلقة؛ لم يجب غسله، فمن باب أولى أنْ المستتر بشيء من أصل الخلقة لا يغسل. (ع).(٥) كذا "خلقة" في المطبوع و (ب) و (ج)، وفي (أ): "حلقة"؛ بالحاء المهملة المفتوحة.(٦) كذا في المطبوع و (ج)، وفي (أ): "كالجبيرة والخف والعمامة"، وفي (ب): "كالجبيرة والعمامة والخف".(٧) المشهور من المذهب أن إيصال الماء إلى ما تحت الشعر في غسل الجنابة =
- (ومنها): لو أضاف طلاقًا أو عتاقًا أو ظهارًا إلى الشعر أو الظفر؛ لم يثبت [به] (١) الطلاق ولا العتاق ولا الظهار على الأصح (٢).- (ومنها): لو كان جيبه واسعًا تُرى (٣) منه عورته في الصلاة، لكن له لحية كبيرة تستره؛ فالمذهب أنَّه يكفيه (٤) في الستر.قال في "المغني" (٥): "نص عليه"، مع أنَّه قرر في كتاب الحج: إن= واجب، وفي الحديث الأصغر غير واجب، ويقال -بزيادة تفصيل-: إن ما تحت الشعر باعتباروصول الطهور إليه ينقسم ثلاثة أقسام:الأول: في الجنابة، فيجب إيصال الماء إلي ما تحته خفيفًا كان أو ثقيلًا.الثاني: في طهارة التراب (التيمم) لا يجب إيصال التراب إلى ما تحته، سواء كان في الجنابة أو في الحديث الأصغر، خفيفًا كان أو كثيفًا.الثالث: في الوضوء ففيه تفصيل: فإن كان كثيفًا؛ لم يجب إيصال الماء إلى ما تحته، وإنْ كان خفيفًا؛ وجب إيصال الماء إلى ما تحته، فصار عندنا شيئان مطلقان، وواحد فيه التفصيل، المطلقان هما: غسل الجنابة: يجب إيصال الماء إلى ما تحته مطلقًا، والتيمم؛ لا يجب مطلقًا، أما إذا كان وضوءً، ففيه تفصيل: إن كان خفيفًا؛ وجب الإيصال، وإن كان كثيفًا؛ لم يجب.هذه هي قاعدة المذهب في الشعر بالنسبة إلى إيصال الماء إلى ما تحته أو إيصال الطهور. (ع).(١) ما بين المعقوفتين سقط من (أ)، (ب)، (ج).(٢) في (أ): "على الصحيح".وقال الشيخ ابن عثيمين حفظه اللَّه: "إذا قال: شعرك طالق؛ لم تطلق، وإذا قال: ظفرك طالق؛ تطلق؛ لأن [الأول] في حكم المنفصل، و [الثاني] في حكم المتصل".(٣) في (ب): "يرى".(٤) كذا في المطبوع و (أ) و (ب)، وفي (ج): "يكفي".(٥) قال في "المغني" (١/ ٣٤٠/ ٨١٢): "فعلى هذا متى ظهرت عورته له أو =
الستر بالمتصل كاليد [ونحوها] لا فدية فيه (١).وخالفه صاحب "شرح الهداية" (٢)، وقال: هو ستر في الموضعين.= لغيره؛ فسدت صلاته، فإن لم تظهر لكون جيب القميص ضيقًا، أو شد وسطه بمئزر، أو حبل فوق الثوب، أو كان ذا لحية تسد الجيب فتمنع الرؤية، أو شد إزاره، أو ألقى على جيبه رداءً أو خرقة فاستترت عورته به؛ أجزأه ذلك، وهذا مذهب الشافعي" اهـ.(١) قال في "المغني" (٣/ ١٥٣/ ٢٣٦٧): "ولنا: أن هذا لا يقصد به الستر غالبًا، فلم تجب به الفدية؛ كما لو وضع يده [أي: المحرم] عليه".ثم قال: "وإن ستر رأسه [أي: المحرم] بيديه، فلا شيء عليه لما ذكرنا، ولأن الستر بما هو متصل به لا يثبت له حكم الستر، ولذلك لو وضع يديه على فرجه لم تجزئه في الستر".قلت: وما بين المعقوفتين سقط من (أ) و (ب).(٢) شَرَحَ "الهداية" -وهو من تأليف محفوظ بن أحمد بن حسن الكَلْوذاني، (المتوفى سنة ٥١٠ هـ)، مطبوع بالرياض في جزئين- جمعٌ، منهم:عبد اللَّه بن الحسين بن عبد اللَّه العُكبَري محبُّ الدين أبو البقاء، المعروف بـ "الضرير" (ت ٦١٦ هـ)، له ترجمة في "ذيل طبقات الحنابلة" (٢/ ١٠٩ - ١١٠) و"السير" (٢٢/ ٩١ - ٩٣).ومنهم: أسعد -ويسمى محمد- بن المُنْجَّى بن بركات بن المؤمل التَّنوخي، (ت ٦٠٦ هـ)، من كتبه "النهاية في شرح الهداية" في بضعة عشر مجلدًا، له ترجمة في "ذيل طبقات الحنابلة" (٢/ ٤٩ - ٥١)، و"السير" (٢١/ ٤٣٦ - ٤٣٧)، وذكره في "كشف الظنون" (٢/ ٢٠٣١) وقال: "بلغ نصفه إلى عشر مجلدات".ومنهم: إبراهيم بن دينار بن أحمد بن الحسين النّهرواني الرزَّاز، (ت ٥٥٦ هـ)، له "شرح الهداية"، قال ابن رجب: "كتب منه تسع مجلدات، ومات ولم يُكمله"، له ترجمة في "ذيل طبقات الحنابلة" (١/ ٢٣٩ - ٢٤١) و"المنهج الأحمد" (٢/ ٣٢٢ - ٣٢٤) و"الدُّر المنضَّد" (ص ٨٠) ولمجد الدين ابن تيمبة شرح عليه، سيأتي التعريف به في (ص ٢٦١)، وينقل المصنف منه كثيرًا، ولعله المراد هنا. وانظر عن سائر شروحه: "المدخل =