درر الحكام في شرح مجلة الأحكام (علي حيدر) القسم: علوم الفقه والقواعد الفقهية الكتاب: درر الحكام في شرح مجلة الأحكام المؤلف: علي حيدر خواجه أمين أفندي (ت ١٣٥٣هـ)تعريب: فهمي الحسيني الناشر: دار الجيل الطبعة: الأولى، ١٤١١هـ - ١٩٩١معدد الأجزاء:٤[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]تاريخ النشر في راميشر: ١ يوليو ٢٠٢٦.
[الْكِتَابُ الرَّابِعُ الْحَوَالَةُ]إنَّ مَشْرُوعِيَّةَ الْحَوَالَةِ ثَابِتَةٌ بِالسُّنَّةِ، وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ، إذْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ «مَنْ أُحِيلَ عَلَى مَلِيٍّ فَلْيَتْبَعْ» فَالْأَمْرُ بِالِاتِّبَاعِ دَلِيلٌ عَلَى الْجَوَازِ وَالْأَمْرُ الْوَاقِعُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ لِأَجْلِ الِاسْتِحْبَابِ. وَلَكِنْ فِي الرِّوَايَةِ الْمَنْقُولَةِ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ هُوَ لِلْوُجُوبِ وَنَظَرًا لِبَيَانِ صَاحِبِ الْبَحْرِ الْأَمْرَ الْمَذْكُورَ بِأَنَّهُ مُبَاحٌ، فَهُوَ دَلِيلُ جَوَازِ نَقْلِ الدَّيْنِ شَرْعًا (الْبَحْرُ) .الْمُقَدِّمَةُ فِي بَيَانِ الِاصْطِلَاحَاتِ الْفِقْهِيَّةِ الْعَائِدَةِ لِلْحَوَالَةِ: الْحَوَالَةُ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ اسْمٌ مِنْ الْإِحَالَةِ، تَأْتِي بِمَعْنَى النَّقْلِ الْمُطْلَقِ، يَعْنِي: سَوَاءٌ أَكَانَ الْمَنْقُولُ دَيْنًا أَوْ عَيْنًا. (وَحَوَالَةُ الْغِرَاسِ) تُفِيدُ نَقْلَ فُرُوعِ الشَّجَرَةِ مِنْ مَحَلٍّ إلَى آخَرَ وَفِي اصْطِلَاحِ الْفُقَهَاءِ مُسْتَعْمَلَةٌ بِمَعْنَى الْمَادَّةِ الْآتِيَةِ. وَهَذَا الِاسْتِعْمَالُ مِنْ قَبِيلِ نَقْلِ الْعَامِّ إلَى الْخَاصِّ (الْفَتْحُ وَالْبَحْرُ) .(الْمَادَّةُ ٦٧٣) الْحَوَالَةُ هِيَ نَقْلُ الدَّيْنِ مِنْ ذِمَّةٍ إلَى ذِمَّةٍ أُخْرَى أَيْ نَقْلُ الدَّيْنِ وَالْمُطَالَبَةِ بِهِ مِنْ ذِمَّةِ الْمُحِيلِ إلَى ذِمَّةِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ، وَبَعْدَ هَذَا النَّقْلِ يَنْتَقِلُ أَمْرُ الْمُطَالَبَةِ بِالدَّيْنِ مِنْ الْمُحِيلِ إلَى الْمُحَالِ عَلَيْهِ، يَعْنِي أَنَّهُ بَيْنَمَا كَانَ الْمُطَالَبُ بِالدَّيْنِ قَبْلَ الْحَوَالَةِ الْمُحِيلَ فَيَصِيرُ الْمُطَالَبُ الْمُحَالَ عَلَيْهِ بَعْدَ الْحَوَالَةِ.اخْتِلَافُ الْمَشَايِخِ - ذَهَبَتْ طَائِفَةٌ مِنْ الْمَشَايِخِ إلَى أَنَّ الْحَوَالَةَ هِيَ نَقْلُ الدَّيْنِ وَالْمُطَالَبَةِ مَعًا، وَهَذَا هُوَ قَوْلُ الْإِمَامِ أَبِي يُوسُفَ، وَدَلِيلُهُمْ هُوَ هَذَا: إذَا وَهَبَ الْمُحَالُ لَهُ بَعْدَ الْحَوَالَةِ الدَّيْنَ الْمُحَالَ بِهِ إلَى الْمُحِيلِ أَوْ أَبْرَأَ ذِمَّتَهُ مِنْهُ لَا تَكُونُ هِبَتُهُ وَبَرَاءَتُهُ صَحِيحَتَيْنِ. فَلَوْ كَانَ الدَّيْنُ بَاقِيًا فِي ذِمَّةِ الْمُحِيلِ لَكَانَتْ بَرَاءَةُ الْمُحَالِ عَلَيْهِ وَهِبَتُهُ صَحِيحَتَيْنِ وَبِالْعَكْسِ بَرَاءَةُ الْمُحَالِ عَلَيْهِ وَهِبَتُهُ إيَّاهُ الدَّيْنَ. (الْفَتْحُ وَالْبَحْرُ وَرَدُّ الْمُحْتَارِ) . وَتَعْبِيرُ (نَقْلُ الدَّيْنِ مِنْ ذِمَّةٍ) الْوَارِدُ فِي هَذِهِ الْمَادَّةِ وَقَوْلُ (يَبْرَأُ الْمُحِيلُ) الْمَذْكُورُ فِي الْمَادَّةِ (٦٩٠) دَلِيلٌ عَلَى قَبُولِ الْمَجَلَّةِ هَذَا الْقَوْلَ.سُؤَالٌ (١) - لَمْ تَقْبَلْ الْمَجَلَّةُ هَذَا الْقَوْلَ وَلَا الْقَوْلَ الْآتِيَ. بَلْ إنَّهَا قَبِلَتْ صُورَةً ثَالِثَةً لِأَنَّ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ كَمَا إنَّهُ هُوَ نَقْلُ الدَّيْنِ وَالْمُطَالَبَةِ مَعًا فَالْقَوْلُ الْآتِي نَقْلُ الْمُطَالَبَةِ فَقَطْ. فَالْمَجَلَّةُ تَقُولُ بِنَقْلِ الدَّيْنِ فَقَطْ وَلَا تَقُولُ بِنَقْلِ الْمُطَالَبَةِ، إذْ لَيْسَ مِنْ لَفْظٍ بِخُصُوصِ الْمُطَالَبَةِ.
الْجَوَابُ - إنَّ انْتِقَالَ الدَّيْنِ بِلَا مُطَالَبَةٍ يَسْتَلْزِمُ وُجُودَ الْمَلْزُومِ بِلَا لَازِمٍ وَهَذَا مُمْتَنِعٌ. وَلِهَذَا السَّبَبِ اكْتَفَتْ الْمَجَلَّةُ بِذَكَرِ الدَّيْنِ فَقَطْ، لِأَنَّهُ عِنْدَمَا يُذْكَرُ الدَّيْنُ تَكُونُ الْمُطَالَبَةُ كَأَنَّهَا قَدْ ذُكِرَتْ، وَلِأَجْلِ ذَلِكَ أَضَفْنَا شَرْحًا عِبَارَةَ (الْمُطَالَبَةِ) .وَلَيْسَ فِي الْحَوَالَةِ - الَّتِي تُعْقَدُ عَلَى أَنْ يُؤَدَّى الدَّيْنُ مِنْ الْأَمَانَةِ الْوَارِدِ ذِكْرُهَا فِي الْمَادَّةِ (٩٦٤) - نَقْلُ دَيْنٍ كَمَا أَنَّ الْحُكْمَ عَلَى هَذَا الْمِنْوَالِ فِي الْغَصْبِ عَلَى رَأْيِ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ الْوَاجِبَ فِي الْغَصْبِ رَدُّ الْعَيْنِ وَأَنَّ ضَمَانَ الْقِيمَةِ مُخَلَّصٌسُؤَالٌ (٢) - نَظَرًا لِلْمَادَّةِ (٦٩٤) لَا يُنْقَلُ الدَّيْنُ فِي الْحَوَالَةِ الْمَشْرُوطِ إعْطَاؤُهَا فِي مَالِ الْأَمَانَةِ، كَمَا أَنَّ الْحُكْمَ عَلَى هَذَا الْمِنْوَالِ أَيْضًا عِنْدَ مَنْ يَقُولُونَ (الْوَاجِبُ فِي الْغَصْبِ هُوَ رَدُّ الْعَيْنِ وَأَنَّ ضَمَانَ الْقِيمَةِ مُخَلَّصٌ) الْجَوَابُ - الْحَوَالَةُ الْوَدِيعَةِ هِيَ فِي الْحَقِيقَةِ وَكَالَةٌ.سُؤَالٌ (٣) - لَا نَقْلَ لِلدَّيْنِ فِي الْحَوَالَةِ الْوَاقِعَةِ بِدُونِ إذْنِ الْمُحِيلِ، مَعَ أَنَّ هَذِهِ الْحَوَالَةَ صَحِيحَةٌ. الْجَوَابُ - الْحَوَالَةُ بِغَيْرِ إذْنِ الْمُحِيلِ لَيْسَتْ حَوَالَةً مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، لِأَنَّ الْحَوَالَةَ هِيَ الْإِحَالَةُ الْحَاصِلَةُ بِفِعْلِ الْمُحِيلِ وَهَذَا الْمَعْنَى فِي هَذِهِ مُنْتَفٍ، بَلْ فِيهَا شَطْرٌ مِنْ الْحَوَالَةِ وَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ اللُّزُومِ عَلَى الْمُحَالِ. وَأَمَّا الشَّطْرُ الْآخَرُ الَّذِي هُوَ انْتِقَالُ الدَّيْنِ مِنْ الْمَدِينِ فَهُوَ مَفْقُودٌ (الْفَتْحُ وَأَبُو السُّعُودِ) . وَذَكَرَتْ طَائِفَةٌ أُخْرَى مِنْ الْمَشَايِخِ أَنَّ الْحَوَالَةَ عِبَارَةٌ عَنْ نَقْلِ الْمُطَالَبَةِ فَقَطْ وَأَنَّ الدَّيْنَ يَبْقَى فِي ذِمَّةِ الْمُحِيلِ، وَهَذَا قَوْلُ الْإِمَامِ مُحَمَّدٍ، وَذَكَرَ هَؤُلَاءِ الْمَشَايِخُ كَدَلِيلٍ عَلَى مُدَّعَيَاتِهِمْ الْمَوَادَّ الْآتِيَةَ: أَوَّلًا - إذَا أَبْرَأَ الْمُحَالُ لَهُ الْمُحَالَ عَلَيْهِ إبْرَاءً صَحِيحًا. وَلَا يَكُونُ هَذَا الْإِبْرَاءُ مَرْدُودًا بَرِئَ الْمُحَالِ عَلَيْهِ كَإِبْرَاءِ الْكَفِيلِ الْمَذْكُورِ فِي الْمَادَّةِ (٦٦٠) ، فَيُفْهَمُ مِنْ عَدَمِ رَدِّ الْإِبْرَاءِ الْمَذْكُورِ بِالرَّدِّ أَنَّ الثَّابِتَ فِي ذِمَّةِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ بَعْدَ الْحَوَالَةِ هِيَ الْمُطَالَبَةُ فَقَطْ، وَالدَّيْنَ لَيْسَ بِثَابِتٍ. وَأَمَّا إسْقَاطُ الْمُطَالَبَةِ فَإِنَّهُ إسْقَاطٌ مَحْضٌ يَعْنِي غَيْرَ مُتَضَمِّنٍ التَّمْلِيكَ، وَرَدُّ الْإِسْقَاطِ الْمَحْضِ غَيْرُ مُمْكِنٍ، فَلَوْ انْتَقَلَ الدَّيْنُ أَيْضًا إلَى الْمُحَالِ عَلَيْهِ وَكَانَ مُتَضَمِّنًا التَّمْلِيكَ لَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مَرْدُودًا بِالرَّدِّ، كَمَا هِيَ الْحَالُ فِي الْمَادَّةِ (١٥٦٨) وَكَمَا لَوْ أَبْرَأَ الْمُحَالُ الْمُحِيلَ قَبْلَ الْحَوَالَةِ لِمَا فِيهِ مِنْ مَعْنَى التَّمْلِيكِ (الْفَتْحُ) . ثَانِيًا - إذَا أَوْفَى الْمُحِيلُ الدَّيْنَ أَيْ الْمُحَالَ بِهِ بَعْدَ الْحَوَالَةِ إلَى الْمُحَالِ لَهُ فَالْمُحَالُ لَهُ مَجْبُورٌ عَلَى الْقَبُولِ مَعَ أَنَّهُ لَوْ انْتَقَلَ الدَّيْنُ بِالْحَوَالَةِ إلَى الْمُحَالِ عَلَيْهِ وَلَوْ كَانَ الْمُحِيلُ فِي هَذِهِ التَّأْدِيَةِ مُتَبَرِّعًا لَمَا كَانَ مَجْبُورًا عَلَى الْقَبُولِ، لِأَنَّهُ إذَا أَوْفَى شَخْصٌ ثَالِثٌ تَبَرُّعًا الدَّيْنَ الَّذِي لِرَجُلٍ عَلَى آخَرَ لَا يُجْبَرُ ذَلِكَ الرَّجُلُ عَلَى الْقَبُولِ، فَإِنْ شَاءَ قَبِلَ وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَقْبَلْ، لِأَنَّ الْمُتَبَرِّعَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَكُونَ خَصْمًا لِلدَّائِنِ (قُطْلُوبُغَا) . تَفْصِيلٌ - إذَا أُحِيلَ دَيْنٌ ثُمَّ قَبْلَ أَنْ يَفِيَهُ الْمُحَالُ عَلَيْهِ لِلْمُحَالِ لَهُ أَدَّاهُ الْمُحِيلُ لِلْمُحَالِ لَهُ
يَكُونُ الْمُحَالُ لَهُ مَجْبُورًا عَلَى الْقَبُولِ، وَلَا يَكُونُ الْمُحِيلُ مُتَبَرِّعًا فِي هَذِهِ التَّأْدِيَةِ، لِأَنَّ بَرَاءَةَ الْمُحِيلِ مُوَقَّتَةٌ كَمَا سَيَجِيءُ فِي شَرْحِ الْمَادَّةِ (٦٩٠) وَحَيْثُ إنَّ صُوَرَ رُجُوعِ الْمُحَالِ لَهُ عَلَى الْمُحِيلِ يَثْبُتُ بَعْضَ الْأَحْيَانِ فَالْمُحِيلُ يَكُونُ بِهَذِهِ التَّأْدِيَةِ أَوْفَى الدَّيْنَ كَامِلًا وَأَبَدًا وَيَكُونُ الْمُحِيلُ قَدْ اسْتَفَادَ بِالتَّأْدِيَةِ الْمَذْكُورَةِ، حَتَّى إنَّهُ إذَا كَانَ لِشَخْصٍ عَنْ آخَرَ دَيْنٌ أَلْفُ قِرْشٍ مُعَجَّلًا وَحَوَّلَ دَائِنُهُ عَلَى الْآخِرِ الْمَذْكُورِ مُؤَجِّلًا لِمُدَّةِ سَنَةٍ حَوَالَةً مُقَيَّدَةً وَبَعْدَ ذَلِكَ أَعْطَى هُوَ الدَّيْنَ لِلدَّائِنِ يَأْخُذُ مَطْلُوبَهُ مِنْ مَدِينِهِ مُعَجَّلًا، كَمَا لَوْ أَخَذَ الْمُحَالُ لَهُ مِنْ الْمُحِيلِ مَطْلُوبَهُ تَغَلُّبًا بِسَبَبِ أَنَّ الْمُحَالَ عَلَيْهِ مُفْلِسٌ فَيَسْتَوْفِي الْمُحِيلُ مَطْلُوبَهُ مِنْ الْمُحَالِ عَلَيْهِ بِالْحَوَالَةِ الْمُقَيَّدَةِ، وَيَعُودُ حَقُّ الْمُطَالَبَةِ الَّذِي ذُكِرَ انْقِطَاعُهُ فِي الْمَادَّةِ (٦٩٢) . (الْبَزَّازِيَّةُ وَالْهِنْدِيَّةُ وَرَدُّ الْمُحْتَارِ) . ثَالِثًا - إذَا وَكَّلَ الْمُحَالُ لَهُ الْمُحِيلَ بِقَبْضِ الْمُحَالِ بِهِ مِنْ الْمُحَالِ عَلَيْهِ لَا يَصِحُّ ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَوْ انْتَقَلَ الدَّيْنُ إلَى الْمُحَالِ عَلَيْهِ لَصَارَ الْمُحِيلُ أَجْنَبِيًّا وَلَوْ كَانَ تَوْكِيلُ الْأَجْنَبِيِّ لِقَبْضِ الدَّيْنِ صَحِيحًا لَكَانَ مِنْ اللَّازِمِ أَنْ تَصِحَّ وَكَالَةً بِقَبْضِ الدَّيْنِ. رَابِعًا - إذَا أَبْرَأَ الْمُحَالُ لَهُ الْمُحَالَ عَلَيْهِ فَلَيْسَ لِلْمُحَالِ عَلَيْهِ أَنْ يَرْجِعَ بِالْمُحَالِ بِهِ عَلَى الْمُحِيلِ وَلَوْ كَانَتْ الْحَوَالَةُ بِأَمْرِ الْمُحِيلِ، وَأَمَّا إذَا وَهَبَ الْمُحَالُ لَهُ الْمُحَالَ بِهِ لِلْمُحَالِ عَلَيْهِ فَيَرْجِعُ الْمُحَالُ عَلَيْهِ عَلَى الْمُحِيلِ فِي الْحَوَالَةِ بِالْأَمْرِ. وَإِذَا كَانَ لِلْمُحِيلِ دَيْنٌ عَلَى الْمُحَالِ عَلَيْهِ يَقَعُ التَّقَاصُّ بَيْنَهُمَا، فَلَوْ كَانَ الدِّينُ انْتَقَلَ إلَى الْمُحَالِ عَلَيْهِ لَوَجَبَ أَنْ يَتَسَاوَى حُكْمُ الْإِبْرَاءِ وَالْهِبَةِ وَأَنْ لَا يَكُونَ لِلْمُحَالِ عَلَيْهِ حَقُّ الرُّجُوعِ عَلَى الْمُحِيلِ فِي كِلْتَا. الصُّورَتَيْنِ أَيْضًا. وَتَظْهَرُ فَائِدَةُ وَثَمَرَةُ الْخِلَافِ الْمَحْكِيِّ آنِفًا فِي مَوْضِعَيْنِ: - إذَا أَبْرَأَ الْمُحَالُ لَهُ الْمُحِيلَ مِنْ الدَّيْنِ بَعْدَ الْحَوَالَةِ فَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ، لِأَنَّ الْمُحِيلَ مِنْ أَصْلِهِ صَارَ بَرِيءَ الذِّمَّةِ مِنْ الدَّيْنِ بِالْحَوَالَةِ، وَيَصِحُّ عَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي وَيَصِيرُ الْمُحِيلُ بَرِيئًا مِنْ الدَّيْنِ، لِأَنَّ الدَّيْنَ بِالنَّظَرِ لِهَذَا الْقَوْلِ بَاقٍ فِي ذِمَّةِ الْمُحِيلِ وَالْمُطَالَبَةَ فَقَطْ تَحَوَّلَتْ أَيْ انْتَقَلَتْ إلَى الْمُحَالِ عَلَيْهِ وَإِذَا حَوَّلَ الرَّاهِنُ الْمُرْتَهِنَ بِدَيْنِهِ عَلَى شَخْصٍ فَلَهُ بِالنَّظَرِ لِلْقَوْلِ الْأَوَّلِ اسْتِرْدَادُ الْمَرْهُونِ مِنْ يَدِ الْمُرْتَهِنِ كَمَا أَنَّ لِلرَّاهِنِ ذَلِكَ إذَا أَبْرَأَهُ الْمُرْتَهِنُ مِنْ الدَّيْنِ.وَأَمَّا فِي الْقَوْلِ الثَّانِي فَلَيْسَ لَهُ اسْتِرْدَادُهُ، كَمَا أَنَّهُ لَيْسَ لِلرَّاهِنِ أَنْ يَسْتَرِدَّ الرَّهْنَ إذَا أَجَّلَ وَأَخَّرَ الْمُرْتَهِنُ مَطْلُوبَهُ مِنْ الرَّاهِنِ (الْبَحْرُ وَرَدُّ الْمُحْتَارِ) . وَأَفْتَى بِالْقَوْلِ الثَّانِي فِي أَوَائِلِ مَبَاحِثِ الرَّهْنِ فِي كِتَابِ الْفَتْوَى أَيْضًا الْمُسَمَّى بِالْبَهْجَةِ وَصَمَّمَ فِي الْمُنْيَةِ أَنَّهُ أَصَحُّ الرِّوَايَتَيْنِ وَالْمُرْتَهِنُ إنْ أَحَالَ غَرِيمًا لَهُ عَلَى الرَّاهِنِ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَنْعُ الرَّهْنِ مَا لَمْ يَتَحَقَّقْ التَّوَى (تَعْلِيقَاتُ ابْنِ عَابِدِينَ عَلَى الْبَحْرِ فِي الْحَوَالَةِ) رَاجِعْ شَرْحَ الْمَادَّةِ (٦٩٠) . تَوْفِيقُ الِاخْتِلَافِ: أَنْكَرَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ الِاخْتِلَافَ الْحَاصِلَ فِي انْتِقَالِ الْمُطَالَبَةِ فَقَطْ بِالْحَوَالَةِ وَعَدَمِ انْتِقَالِ الدَّيْنِ أَوْ انْتِقَالِ الِاثْنَيْنِ مَعًا، وَقَالُوا: الْمَنْقُولُ هُوَ الْمُطَالَبَةُ فَقَطْ وَلَيْسَ الدَّيْنُ وَهَذَا غَيْرُ مَرْوِيٍّ نَصًّا عَنْ الْإِمَامِ مُحَمَّدٍ إنَّمَا ذَكَرَ الْمُشَارُ إلَيْهِ الْأَحْكَامَ الْمُتَشَابِهَةَ وَكَمَا أَنَّهُ أَوْجَبَ أَنَّ الْحَوَالَةَ فِي
الْبَعْضِ مِنْ هَذِهِ الْأَحْكَامِ هِيَ تَأْجِيلٌ وَأَنَّ مَا نُقِلَ هُوَ الْمُطَالَبَةُ فَقَطْ وَلَيْسَ الدَّيْنُ أَوْجَبَ فِي بَعْضِ أَحْكَامٍ أُخَرَ أَنَّ الْمَنْقُولَ هُوَ الدَّيْنُ وَالْمُطَالَبَةُ كِلَاهُمَا، وَسَبَبُ ذِكْرِ الْأَحْكَامِ الْمُتَشَابِهَةِ بِهَذِهِ الصُّورَةِ هُوَ: فِي الْحَوَالَةِ اعْتِبَارَانِ:الِاعْتِبَارُ الْأَوَّلُ - كَوْنُ الْحَوَالَةِ عِبَارَةً عَنْ نَقْلِ الدَّيْنِ بِحَسَبِ الصُّورَةِ وَبِحَسَبِ حَقِيقَةِ اللَّفْظِ، فَبِهَذَا الِاعْتِبَارِ تَكُونُ الْحَوَالَةُ إبْرَاءً وَيَكُونُ الْمُحَالُ بِهِ الدَّيْنَ وَالْمُطَالَبَةَ مَعًا؛ لِأَنَّ حَقِيقَةَ لَفْظِ الْحَوَالَةِ تُوجِبُ الْمُطَالَبَةَ وَنَقْلَ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّ الْحَوَالَةَ تُفِيدُ النَّقْلَ وَجُعِلَتْ مُضَافَةً لِلدَّائِنِ أَيْضًا، إذْ مَعْنَى الْحَوَالَةِ لُغَةً النَّقْلُ، يُقَالُ أَحَالَ الْغَرِيمُ بِدَيْنِهِ عَلَى آخَرَ: صَرَفَهُ عَنْهُ إلَيْهِ: فَهُوَ (مُحِيلٌ) وَالْغَرِيمُ (مُحَالٌ) وَالْغَرِيمُ الْآخَرُ (مُحَالٌ عَلَيْهِ) وَالْمَالُ (مُحَالٌ بِهِ) وَالْأَسْهُمُ (الْحَوَالَةُ) (الْفَتْحُ) بِنَاءً عَلَيْهِ قَدْ اُعْتُبِرَتْ الْحَوَالَةُ نَقْلًا فِي بَعْضِ الْأَحْكَامِ كَمَا جَاءَ فِي الْمَسَائِلِ الَّتِي ذُكِرَتْ فِي الْأَدِلَّةِ الَّتِي سَرَدَهَا الْمَشَايِخُ الْقَائِلُونَ بِالْقَوْلِ الْأَوَّلِ وَبِهَذَا الِاعْتِبَارِ لَيْسَ لِلْمُحَالِ لَهُ أَنْ يُطَالِبَ الْمُحِيلَ بِالْمُحَالِ بِهِ أَبَدًا.الِاعْتِبَارُ الثَّانِي - كَوْنُ الْحَوَالَةِ تَأْجِيلًا بِحَسَبِ الْمَعْنَى، إذَا هَلَكَ الْمُحَالُ بِهِ عِنْدَ الْمُحَالِ عَلَيْهِ فَثُبُوتُ حَقِّ مُرَاجَعَةِ الْمُحَالِ لَهُ لِلْمُحِيلِ مَبْنِيٌّ عَلَى هَذَا الِاعْتِبَارِ.وَبِنَاءً عَلَى هَذَا قَدْ اُعْتُبِرَ تَأْجِيلًا فِي بَعْضِ الْأَحْكَامِ، كَمَا جَاءَ فِي الْمَسَائِلِ الَّتِي اتَّخَذَهَا الْمَشَايِخُ الْقَائِلُونَ بِالْقَوْلِ الثَّانِي دَلِيلًا عَلَى صِحَّةِ أَقْوَالِهِمْ، نَظَرًا لِعَدَمِ جَوَازِ الْحَوَالَةِ فِي الْعَيْنِ كَمَا سَيَأْتِي فِي شَرْحِ الْمَادَّةِ ٦٨٧ الَّتِي خُصِّصَتْ لِلدَّيْنِ، لِأَنَّ الْحَوَالَةَ كَمَا أَنَّهَا تُفِيدُ مَعْنَى النَّقْلِ أَيْ كَمَا أَنَّهَا نَقْلٌ شَرْعِيٌّ فَالدَّيْنُ أَيْضًا بِصِفَتِهِ وَصْفًا شَرْعِيًّا جَوَّزَ تَأْثِيرَ النَّقْلِ الشَّرْعِيِّ فِيمَا ثَبَتَ شَرْعًا.وَأَمَّا الْعَيْنُ فَحَيْثُ إنَّهَا مَحْسُوسَةٌ فَلَا تَنْتَقِلُ بِالنَّقْلِ الشَّرْعِيِّ بَلْ إنَّهَا مُحْتَاجَةٌ لِلنَّقْلِ الْحِسِّيِّ، حَتَّى إنَّهُ لَوْ قَالَ رَجُلٌ أَلْفَ مَرَّةٍ: نَقَلْتُ هَذَا الْكِتَابَ مِنْ هَذَا الْمَوْضِعِ إلَى مَوْضِعٍ آخَرَ لَا يَنْتَقِلُ الْكِتَابُ مِنْ مَحَلِّهِ بِهَذَا الْقَوْلِ بَلْ يَلْزَمُ لِذَلِكَ نَقْلٌ حِسِّيٌّ (الدُّرَرُ وَعَبْدُ الْحَلِيمِ) .الْأَحْكَامُ الْمُسْتَفَادَةُ مِنْ هَذَا التَّعْرِيفِ:الْحُكْمُ الْأَوَّلُ - يَجِبُ فِي الْحَوَالَةِ أَنْ يَكُونَ الْمُحِيلُ مَدِينًا لِلْمُحَالِ لَهُ، فَلِذَلِكَ إذَا أَحَالَ رَجُلٌ شَخْصًا لَمْ يَكُنْ لَهُ دَيْنٌ عَلَيْهِ عَلَى شَخْصٍ آخَرَ مَدِينٍ لَهُ بِأَلْفِ قِرْشٍ فَهَذِهِ الْمُعَامَلَةُ لَيْسَتْ فِي الْحَقِيقَةِ حَوَالَةٌ بَلْ وَكَالَةٌ بِقَبْضِ الدَّيْنِ، يَعْنِي أَنَّ ذَلِكَ الرَّجُلَ وَكَّلَ الشَّخْصَ الْمَذْكُورَ بِقَبْضِ مَطْلُوبِهِ مِنْ الشَّخْصِ الْآخَرِ (التَّنْوِيرُ رَدُّ الْمُحْتَارِ) .وَبِنَاءً عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا إحَالَةُ الْوَكِيلِ بِالْبَيْعِ مُوَكَّلَهُ عَلَى الْمُشْتَرِي لِأَجْلِ قَبْضِ الثَّمَنِ هِيَ بِحُكْمِ الْوَكَالَةِ بِقَبْضِ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّهُ بَيْنَمَا كَانَ قَبْضُ الثَّمَنِ حَقَّ الْوَكِيلِ بِنَاءً عَلَى الْمَادَّةِ (١٤٦١) ثَبَتَ هَذَا الْحَقُّ بِالْحَوَالَةِ الْمَذْكُورَةِ لِلْمُوَكَّلِ، رَاجِعْ الْمَادَّةَ (٣) فِيهَا أَنَّهُ نَظَرًا لِعَدَمِ وُجُودِ دَيْنٍ لِلْوَكِيلِ بِالْبَيْعِ عَلَى مُوَكَّلِهِ وَبِتَعْبِيرٍ آخَرَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُحِيلَ الْوَكِيلَ غَيْرُ مَدِينٍ لِمُوَكَّلِهِ الْمُحَالِ لَهُ فَلَا تَكُونُ هَذِهِ الْمُعَامَلَةُ حَوَالَةً (الْأَنْقِرْوِيُّ فِي الْحَوَالَةِ) .
وَعَلَيْهِ أَيْضًا إذَا أُجْرِيَتْ الْحَوَالَةُ بَيْنَمَا لَمْ يَكُنْ لِلْمُحَالِ لَهُ عِنْدَ الْمُحِيلِ وَلَا لِلْمُحِيلِ عِنْدَ الْمُحَالِ عَلَيْهِ مَطْلُوبٌ مَا فَلَا تَكُونُ هَذِهِ الْحَوَالَةُ حَوَالَةً حَقِيقَةً وَلَا تَكُونُ وَكَالَةً أَيْضًا، وَحَيْثُ إنَّهُ لَا حُكْمَ لَهَا فَلَا يَتَرَتَّبُ عَلَى الْمُحَالِ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْهَا. (الْهِنْدِيَّةُ فِي مَسَائِلَ شَتَّى مِنْ الْحَوَالَةِ) رَاجِعْ الْمَادَّةَ (٦٢) .الْحُكْمُ الثَّانِي - وَيُفْهَمُ مِنْ التَّعْرِيفِ الْمَذْكُورِ أَيْضًا، أَنَّهُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْحَوَالَةَ هِيَ نَقْلُ الدَّيْنِ يَعْنِي بِنَاءً عَلَى انْتِقَالِ الدَّيْنِ مِنْ ذِمَّةِ الْمُحِيلِ إلَى ذِمَّةِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ يَصِيرُ الْمُحِيلُ بِسَبَبِ عَقْدِ الْحَوَالَةِ بَرِيئًا مِنْ دَيْنِهِ كَمَا صُرِّحَ فِي الْمَادَّةِ (٦٩٠) . وَبِنَاءً عَلَيْهِ إذَا أَبْرَأَ الْمُحَالُ بَعْدَ إجْرَاءِ الْحَوَالَةِ الْمُحِيلَ مِنْ دَيْنِهِ لَا حُكْمَ لِهَذَا الْإِبْرَاءِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ لِلْمُحَالِ لَهُ مَطْلُوبٌ عِنْدَ الْمُحِيلِ حَتَّى يَكُونَ إبْرَاؤُهُ صَحِيحًا، عَلَى مَا سَيُوَضَّحُ فِي شَرْحِ الْمَادَّةِ (٦٩٠) الْبَحْرُ وَرَدُّ الْمُحْتَارِ فِي التَّعْرِيفِ.الْفَرْقُ بَيْنَ الْحَوَالَةِ وَالْكَفَالَةِ - ظَهَرَ مِنْ الْإِيضَاحَاتِ السَّابِقَةِ الْفَرْقُ بَيْنَ الْكَفَالَةِ وَالْحَوَالَةِ؛ لِأَنَّهُ كَمَا اُسْتُنْبِطَ مِنْ هَذَا التَّعْرِيفِ أَنَّ الدَّيْنَ فِي الْحَوَالَةِ يَنْتَقِلُ إلَى الْمُحَالِ عَلَيْهِ بِصُورَةٍ تُوجِبُ بَرَاءَةَ الْأَصِيلِ أَيْ الْمُحِيلِ مِنْ الدَّيْنِ فَفِي الْكَفَالَةِ يَبْقَى فِي ذِمَّةِ الْأَصِيلِ وَيَظْهَرُ مِنْ هَذَا الْفَرْقُ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ، وَخَالَفَ الْإِمَامُ زُفَرُ رحمه الله فِي مَسْأَلَةِ نَقْلِ الدَّيْنِ هَذِهِ ذَاهِبًا إلَى أَنَّ الْحَوَالَةَ مُشَابِهَةٌ لِلْكَفَالَةِ وَإِلَى أَنَّ الدَّيْنَ يَبْقَى فِي ذِمَّةِ الْمَدِينِ فِي الْحَوَالَةِ كَمَا أَنَّهُ يَبْقَى فِي ذِمَّةِ الْمَدِينِ فِي الْكَفَالَةِ (الْهِدَايَةُ) وَلَكِنَّ الْمَجَلَّةَ قَبِلَتْ قَوْلَ أَئِمَّتِنَا الثَّلَاثَةِ فِي هَذِهِ الْمَادَّةِ وَفِي الْمَادَّةِ (٦٩٠) . [ (الْمَادَّةُ ٦٧٤) الْمُحِيلُ هُوَ الشَّخْصُ الَّذِي أَحَالَ أَيْ الْمَدِينُ](الْمَادَّةُ ٦٧٤) الْمُحِيلُ هُوَ الشَّخْصُ الَّذِي أَحَالَ أَيْ الْمَدِينُ. لَفْظُ مَدِينٍ تَفْسِيرٌ لِعِبَارَةِ (الشَّخْصُ) وَلَدَى تَفْصِيلِ هَذَا التَّفْسِيرِ يَحْصُلُ التَّعْرِيفُ بِهَذِهِ الصُّورَةِ (الْمُحِيلُ هُوَ الْمَدِينُ الَّذِي أَحَالَ) . وَيَدُلُّ هَذَا التَّعْرِيفُ أَيْضًا عَلَى لُزُومِ كَوْنِ الْمُحِيلِ مَدِينًا لِلْمُحَالِ لَهُ فِي عَقْدِ الْحَوَالَةِ. وَيُطْلَقُ عَلَى الْمُحِيلِ مُحْتَالٌ أَيْضًا وَحَيْثُ إنَّ هَذَا التَّعْبِيرَ غَيْرُ مُسْتَعْمَلٍ لَمْ تَذْكُرْهُ الْمَجَلَّةُ. [ (الْمَادَّةُ ٦٧٥) الْمُحَالُ هُوَ مِنْ الشَّخْصِ الدَّائِنِ](الْمَادَّةُ ٦٧٥) الْمُحَالُ هُوَ مِنْ الشَّخْصِ الدَّائِنِ، الْمُحَالُ لَهُ هُوَ مَنْ أَخَذَ الْحَوَالَةَ يَعْنِي الَّذِي لَهُ دَيْنٌ عَلَى الْمُحِيلِ، تَدُلُّ هَذِهِ الْمَادَّةُ أَيْضًا عَلَى الْخُصُوصِ الَّذِي ذُكِرَ شَرْحًا أَنَّ الْمَادَّةَ السَّابِقَةَ دَلَّتْ عَلَيْهِ. تَعْرِيفُ الْمَجَلَّةِ هَذَا لَيْسَ مُتَنَاسِبًا مَعَ التَّعْرِيفِ السَّابِقِ. فَلَوْ عُرِّفَ بِهَذِهِ الصُّورَةِ (الشَّخْصُ الَّذِي أَخَذَ الْحَوَالَةَ أَيْ الدَّائِنُ) لَكَانَ مُنَاسِبًا، وَيُطْلَقُ أَيْضًا عَلَى الَّذِي أَخَذَ الْحَوَالَةَ مُحَالٌ وَمُحْتَالٌ لَهُ. وَحَيْثُ إنَّ الْمَجَلَّةَ لَمْ تَسْتَعْمِلْ هَذَيْنِ التَّعْبِيرَيْنِ لَمْ تُعَرِّفْهُمَا.
[ (الْمَادَّةُ ٦٧٦) الْمُحَالُ عَلَيْهِ]الْمَادَّةُ ٦٧٦) الْمُحَالُ عَلَيْهِ هُوَ الَّذِي قَبِلَ الْحَوَالَةَ عَلَى نَفْسِهِ، وَيُقَالُ لَهُ مُحْتَالٌ عَلَيْهِ أَيْضًا، وَلَمْ يُسْتَعْمَلْ هَذَا اللَّفْظُ أَيْضًا فِي الْمَجَلَّةِ، وَبِنَاءً عَلَيْهِ لَمْ يُعَرَّفْ اللَّفْظُ الْمَذْكُورُ هُنَا، وَيَقُومُ هَذَا الْمُحَالُ عَلَيْهِ بِسَبَبِ الْحَوَالَةِ مَقَامَ الْمَدِينِ لِلْمُحَالِ لَهُ وَفِي الْمَدْيُونِيَّةِ مَقَامَ الْمُحِيلِ وَلَيْسَ بِشَرْطٍ أَنْ يَكُونَ الْمُحَالُ عَلَيْهِ مَدِينًا لِلْمُحِيلِ، وَيُذْكَرُ ذَلِكَ فِي الْمَادَّةِ (٦٨٦) . [ (الْمَادَّةُ ٦٧٧) الْمُحَالُ بِهِ](الْمَادَّةُ ٦٧٧) الْمُحَالُ بِهِ هُوَ الْمَالُ الْمُحَالُ هَذَا الْمَالُ هُوَ كَمَا ذُكِرَ فِي الْمَادَّةِ (٦٨٨) عِبَارَةٌ عَنْ الدَّيْنِ الصَّحِيحِ الثَّابِتِ لِلْمُحَالِ بِذِمَّةِ الْمُحِيلِ، وَالدَّيْنُ الَّذِي ذُكِرَ فِي تَعْرِيفِ الْحَوَالَةِ هُوَ هَذَا الْمَالُ، وَيُقَالُ لِلْمَالِ الْمُحَالِ مُحْتَالٌ بِهِ أَيْضًا وَلَمْ يُسْتَعْمَلْ هَذَا التَّعْبِيرُ فِي الْمَجَلَّةِ. [ (الْمَادَّةُ ٦٧٨) الْحَوَالَةُ الْمُقَيَّدَةُ](الْمَادَّةُ ٦٧٨) الْحَوَالَةُ الْمُقَيَّدَةُ هِيَ الْحَوَالَةُ الَّتِي قُيِّدَتْ بِأَنْ تُعْطَى مِنْ الْمَالِ الَّذِي لِلْمُحِيلِ بِذِمَّةِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ أَوْ بِيَدِهِ، أَيْ الَّتِي قُيِّدَتْ بِأَنْ يُعْطِيَهَا الْمُحَالُ عَلَيْهِ مِنْ الْمَالِ الْمَضْمُونِ أَوْ غَيْرِ الْمَضْمُونِ الَّذِي لِلْمُحِيلِ بِذِمَّتِهِ أَوْ بِيَدِهِ أَيْ بِذِمَّةِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ أَوْ بِيَدِهِ، وَحُكْمُ الْحَوَالَةِ الْمَذْكُورَةِ يَأْتِي بَيَانُهَا فِي الْمَادَّةِ (٦٩٢) .تَقْسِيمَاتُ الْحَوَالَةِ: تُقَسَّمُ الْحَوَالَةُ عَلَى ثَلَاثَةِ وُجُوهٍ:الْوَجْهُ الْأَوَّلُ - يُفْهَمُ مِنْ هَذِهِ الْمَادَّةِ وَالْمَادَّةِ الْآتِيَةِ أَنَّ الْحَوَالَةَ قِسْمَانِ:الْأَوَّلُ: الْحَوَالَةُ الْمُطْلَقَةُ.وَالْآخَرُ: الْمُقَيَّدَةُ (الْهِنْدِيَّةُ فِي الْبَابِ الثَّانِي) .وَنَظَرًا لِمَا يُسْتَفَادُ مِنْ ضِمْنِ هَذِهِ الْمَادَّةِ وَشَرْحِهَا أَنَّ الْحَوَالَةَ الْمُقَيَّدَةَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَنْوَاعٍ:النَّوْعُ الْأَوَّلُ: الْحَوَالَةُ الَّتِي تُقَيَّدُ بِأَنْ تُعْطَى مِنْ الْمَطْلُوبِ الَّذِي لِلْمُحِيلِ بِذِمَّةِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ، وَيُقَالُ لَهَا الْحَوَالَةُ الْمُقَيَّدَةُ بِالدَّيْنِ، كَإِحَالَةِ رَجُلٍ شَخْصًا لَهُ عَلَيْهِ دَيْنٌ أَلْفُ قِرْشٍ عَلَى شَخْصٍ آخَرَ مَدِينٍ لَهُ بِأَلْفِ قِرْشٍ وَتَقْيِيدِهِ الْحَوَالَةَ بِأَنْ تُدْفَعَ مِنْ مَطْلُوبِهِ الْمَذْكُورِ.مَثَلًا لَوْ كَانَ لِزَيْدٍ بِذِمَّةِ عَمْرٍو عَشْرُ ذَهَبَاتٍ وَكَانَ لِبِكْرٍ أَيْضًا بِذِمَّةِ زَيْدٍ عَشْرُ ذَهَبَاتٍ وَقَالَ زَيْدٌ لِبَكْرٍ: إنِّي أَحَلْتُكَ بِالْعَشْرِ ذَهَبَاتٍ عَلَى عَمْرٍو عَلَى أَنْ تَأْخُذَهَا مِنْ الْمَطْلُوبِ الَّذِي لِي عِنْدَهُ وَقَبِلَ بَكْرٌ وَزَيْدٌ بِهَذِهِ الْحَوَالَةِ تَكُونُ حَوَالَةً مُقَيَّدَةً بِالدَّيْنِ.النَّوْعُ الثَّانِي: الْحَوَالَةُ الَّتِي تُقَيَّدُ بِأَنْ تُعْطَى مِنْ الْعَيْنِ الَّتِي هِيَ وَدِيعَةٌ لِلْمُحِيلِ بِيَدِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ كَالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ وَالْحَيَوَانِ، وَيُقَالُ لَهَا الْحَوَالَةُ الْمُقَيَّدَةُ بِالْعَيْنِ الْمُودَعَةِ.النَّوْعُ الثَّالِثُ: الْحَوَالَةُ الَّتِي تُقَيَّدُ بِأَنْ تُعْطَى مِنْ الْمَالِ الْمَضْمُونِ الَّذِي لِلْمُحِيلِ بِيَدِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ
كَالْمَغْصُوبِ وَيُقَالُ لَهَا الْحَوَالَةُ الْمُقَيَّدَةُ بِالْعَيْنِ الْمَضْمُونِ.أَنْوَاعُ الْحَوَالَةِ الْمُقَيَّدَةِ الثَّلَاثَةُ الْمَذْكُورَةُ جَائِزَةٌ وَمَوْجُودَةٌ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ (الْهِنْدِيَّةُ فِي الْمَحَلِّ الْمَزْبُورِ، وَرَدُّ الْمُحْتَارِ) وَأَحْكَامُ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ يَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهَا فِي الْمَوَادِّ (٦٩٢، ٦٩٣، ٦٩٤، ٦٩٥) .الْوَجْهُ الثَّانِي - تَنْقَسِمُ الْحَوَالَةُ إلَى مُبْهَمَةٍ وَغَيْرِ مُبْهَمَةٍ كَمَا سَيُذْكَرُ فِي شَرْحِ الْمَادَّةِ (٦٨٩) .الْوَجْهُ الثَّالِثُ - تَنْقَسِمُ الْحَوَالَةُ بِاعْتِبَارِ صِفَتِهَا كَمَا سَيُذْكَرُ فِي شَرْحِ عُنْوَانِ الْفَصْلِ الْأَوَّلِ إلَى حَوَالَةٍ لَازِمَةٍ وَحَوَالَةٍ جَائِزَةٍ وَحَوَالَةٍ فَاسِدَةٍ.(الْمَادَّةُ ٦٧٩) الْحَوَالَةُ الْمُطْلَقَةُ هِيَ الَّتِي لَمْ تُقَيَّدْ بِأَنْ تُعْطَى مِنْ الْمَالِ الَّذِي لِلْمُحِيلِ بِيَدِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ، أَيْ مِنْ الْمَالِ الَّذِي بِذِمَّةِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ أَوْ مِنْ الْمَالِ الْمَضْمُونِ أَوْ غَيْرِ الْمَضْمُونِ الَّذِي بِيَدِهِ كَالْوَدِيعَةِ وَالْمَغْصُوبِ، وَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى هَذِهِ الْحَوَالَةِ فِي الْمَادَّةِ (٦٩١) سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ أَكَانَ لِلْمُحِيلِ بِذِمَّةِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ مَطْلُوبٌ أَوْ فِي يَدِهِ مَالٌ كَالْوَدِيعَةِ وَالْمَغْصُوبِ أَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ، وَبِتَعْبِيرٍ آخَرَ الْحَوَالَةُ الَّتِي تَجْرِي دُونَ أَنْ يَكُونَ لِلْمُحِيلِ مَالٌ بِيَدِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ تَكُونُ حَوَالَةً مُطْلَقَةً وَالْحَوَالَةُ الَّتِي تَجْرِي حَالَةَ كَوْنِ مَالٍ لِلْمُحِيلِ بِيَدِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ وَلَمْ تُقَيَّدْ بِقَيْدِ إعْطَائِهَا مِنْ ذَلِكَ الْمَالِ تَكُونُ حَوَالَةً مُطْلَقَةً أَيْضًا. مَثَلًا إذَا أَحَالَ رَجُلٌ دَائِنَهُ عَلَى شَخْصٍ لَيْسَ لَهُ مَطْلُوبٌ عِنْدَهُ فَكَمَا أَنَّ هَذِهِ الْحَوَالَةَ تَكُونُ حَوَالَةً مُطْلَقَةً وَإِذَا أَحَالَ دَيْنَهُ عَلَى مَدِينِهِ دُونَ أَنْ يُقَيِّدَهَا بِأَنْ تُدْفَعَ مِنْ مَطْلُوبِهِ تَكُونُ هَذِهِ الْحَوَالَةُ مُطْلَقَةً أَيْضًا، وَسَيَأْتِي تَفْصِيلُ ذَلِكَ فِي الْمَادَّةِ (٦٩١) وَشَرْحِهَا (الْهِنْدِيَّةُ وَرَدُّ الْمُحْتَارِ) .الْفُرُوقُ الْمَوْجُودَةُ بَيْنَ الْحَوَالَةِ الْمُطْلَقَةِ وَالْحَوَالَةِ الْمُقَيَّدَةِ: يُوجَدُ بَيْنَ الْحَوَالَتَيْنِ فَرْقٌ عَلَى وَجْهَيْنِ:الْوَجْهُ الْأَوَّلُ - الْفَرْقُ مِنْ حَيْثُ الْمَاهِيَّةُ وَقَدْ مَرَّ بَيَانُهُ بِهَذِهِ الْمَادَّةِ.الْوَجْهُ الثَّانِي - الْفَرْقُ مِنْ حَيْثُ الْحُكْمُ، وَهَذَا يَجِيءُ بَيَانُهُ فِي الْمَوَادِّ (٦٩٢، ٦٩٣، ٦٩٤، ٦٩٥) . وَكَمَا أَنَّ الْكَفَالَةَ الْمُطْلَقَةَ تَقَدَّمَتْ عَلَى الْكَفَالَةِ الْمُقَيَّدَةِ فِي الْمَوَادِّ (٦٢٥، ٦٥٢، ٦٥٣) مِنْ الْمَجَلَّةِ تَقَدَّمَتْ الْمَادَّةُ (٢٨٥) عَلَى الْمَادَّةِ (٢٨٧) وَتَقَدَّمَتْ الْمَادَّةُ (٣٣٦) أَيْضًا عَلَى الْمَوَادِّ (٣٤١، ٣٤٢، ٣٤٣) فَكَانَ ذِكْرُ الْمَادَّةِ (٦٧٩) هَذِهِ قَبْلَ الْمَادَّةِ (٦٧٨) أَنْسَبَ إلَى السِّيَاقِ.
[الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي بَيَانِ عَقْدِ الْحَوَالَةِ وَيَنْقَسِمُ إلَى فَصْلَيْنِ]الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي بَيَانِ عَقْدِ الْحَوَالَةِ:وَيَنْقَسِمُ إلَى فَصْلَيْنِ يُدْرَجُ هُنَا خُلَاصَةُ الْمَسَائِلِ الْمُهِمَّةِ الَّتِي ذُكِرَتْ فِي الْبَابِ الْأَوَّلِ، وَهَذِهِ خُلَاصَةُ الْبَابِ الْأَوَّلِ تَعْرِيفُ الْحَوَالَةِ: الْحَوَالَةُ هِيَ نَقْلُ الدَّيْنِ مِنْ ذِمَّةٍ إلَى ذِمَّةٍ أُخْرَى وَفِي هَذَا الْخُصُوصِ قَوْلَانِ:(الْقَوْلُ الْأَوَّلُ) نَقْلُ الدَّيْنِ وَالْمُطَالَبَةِ مَعًا فِي الْحَوَالَةِ لِأَنَّ (الْإِمَامَ أَبَا يُوسُفَ) يَقُولُ: (١) إذَا وَهَبَ الْمُحَالُ لَهُ بَعْدَ الْحَوَالَةِ الدَّيْنَ لِلْمُحِيلِ أَوْ أَبْرَأَهُ مِنْهُ لَا يَصِحُّ، فَلَوْ كَانَ الدَّيْنُ بَاقِيًا فِي ذِمَّةِ الْمُحِيلِ لَصَحَّ ذَلِكَ.(٢) إذَا أَبْرَأَ الْمُحَالُ لَهُ الْمُحَالَ عَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ أَوْ وَهَبَهُ إيَّاهُ صَحَّ ذَلِكَ.(الْقَوْلُ الثَّانِي) تُنْقَلُ الْمُطَالَبَةُ فَقَطْ فِي الْحَوَالَةِ لِأَنَّ (الْإِمَامَ مُحَمَّدًا) يَقُولُ: (١) إذَا أَبْرَأَ الْمُحَالُ لَهُ الْمُحَالَ عَلَيْهِ فَإِبْرَاؤُهُ صَحِيحٌ وَيَكُونُ غَيْرَ مَرْدُودٍ بِالرَّدِّ، وَالْإِبْرَاءُ الَّذِي لَا يُرَدُّ بِالرَّدِّ هُوَ الْإِبْرَاءُ الَّذِي لَا يَتَضَمَّنُ التَّمْلِيكَ.(٢) إذَا أَوْفَى الْمُحِيلُ الدَّيْنَ لِلْمُحَالِ لَهُ بَعْدَ الْحَوَالَةِ فَالْمُحَالُ لَهُ مَجْبُورٌ عَلَى الْقَبُولِ فَيَنْتِجُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الدَّيْنَ بَاقٍ فِي ذِمَّةِ الْمُحِيلِ كَمَا كَانَ. الْجَوَابُ، بَرَاءَةُ الْمُحِيلِ مُؤَقَّتَةٌ.(٣) إذَا وَكَّلَ الْمُحَالُ لَهُ الْمُحِيلَ بِقَبْضِ الْمُحَالِ بِهِ مِنْ الْمُحَالِ عَلَيْهِ لَا يَصِحُّ.(٤) إذَا أَبْرَأَ الْمُحَالُ لَهُ الْمُحَالَ عَلَيْهِ لَيْسَ لِلْمُحَالِ عَلَيْهِ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْمُحِيلِ بِالْمُحَالِ بِهِ، وَلَكِنْ إذَا وَهَبَهُ يَرْجِعُ، فَلَوْ انْتَقَلَ الدَّيْنُ لَتَسَاوَى الدَّيْنُ وَالْهِبَةُ، ثَمَرَةُ الْخِلَافِ.(١) إذَا أَبْرَأَ الْمُحَالُ لَهُ بَعْدَ الْحَوَالَةِ الْمُحِيلَ لَا يَصِحُّ فِي الْقَوْلِ الْأَوَّلِ لِأَنَّهُ بَرِيءٌ أَسَاسًا وَيَصِحُّ فِي الْقَوْلِ الثَّانِي.
إذَا أَحَالَ الرَّاهِنُ الْمُرْتَهِنَ عَلَى أَحَدٍ فَعِنْدَ الْإِمَامِ (أَبِي يُوسُفَ) يَسْتَرِدُّ الرَّهْنَ وَلَيْسَ لَهُ اسْتِرْدَادُهُ عِنْدَ الْإِمَامِ مُحَمَّدٍ. التَّأْلِيفُ: الْحَوَالَةُ فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ نَقْلُ الدَّيْنِ وَنَقْلُ الْمُطَالَبَةِ مَعًا وَفِي بَعْضِ مَسَائِلَ أُخَرَ الْحَوَالَةُ هِيَ تَأْجِيلٌ، وَمَا يُنْقَلُ هُوَ الْمُطَالَبَةُ فَقَطْ.
التَّقْسِيمَاتُ وَجْهٌ ٣ وَجْهٌ الْحَوَالَةُ الْمُقَيَّدَةُ ١ الْحَوَالَةُ الْمُقَيَّدَةُ بِالدَّيْنِ أَيْ الْمُقَيَّدَةُ بِأَنْ تُعْطَى مِنْ مَطْلُوبِ الْمُحِيلِ الَّذِي عِنْدَ الْمُحَالِ عَلَيْهِ، ٢ - الْمُقَيَّدَةُ بِأَنْ تُعْطَى مِنْ الْعَيْنِ الْأَمَانَةِ الْمَوْجُودَةِ لِلْمُحِيلِ بِيَدِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ (الْحَوَالَةُ الْمُقَيَّدَةُ بِالْعَيْنِ الْأَمَانَةِ) . ٣ - الْمُقَيَّدَةُ بِأَنْ تُعْطَى مِنْ الْمَالِ الْمَضْمُونِ الَّذِي لِلْمُحِيلِ بِيَدِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ (الْحَوَالَةُ الْمُقَيَّدَةُ بِالْعَيْنِ الْمَضْمُونَةِ) . ٢ وَجْهٌ ٢ الْحَوَالَةُ الْمُطْلَقَةُ الْحَوَالَةُ الَّتِي لَمْ تُقَيَّدْ بِأَنْ تُعْطَى مِنْ مَالِ الْمُحِيلِ الَّذِي عِنْدَ الْمُحَالِ عَلَيْهِ وَهَذَا أَيْضًا جَائِزٌ. ٣ وَجْهٌ ١ الْحَوَالَةُ الْمُبْهَمَةُ: الْحَوَالَةُ الَّتِي لَمْ يُبَيَّنْ فِيهَا تَعْجِيلُ وَتَأْجِيلُ الْمُحَالِ بِهِ نَظِيرُهَا فِي الْكَفَالَةِ (الْكَفَالَةُ الْمُطْلَقَةُ) . ٢ الْحَوَالَةُ غَيْرُ الْمُبْهَمَةِ الْحَوَالَةُ الَّتِي بُيِّنَ فِيهَا تَعْجِيلُ أَوْ تَأْجِيلُ الْمُحَالِ بِهِ. نَظِيرُهَا فِي الْكَفَالَةِ (الْكَفَالَةُ الْمُقَيَّدَةُ) . ١ الْحَوَالَةُ اللَّازِمَةُ أَنْ يُحِيلَ الدَّائِنُ مَدِينَهُ عَلَى شَخْصٍ وَأَنْ يَقْبَلَ ذَلِكَ الشَّخْصُ. ٢ الْحَوَالَةُ الْجَائِزَةُ الْحَوَالَةُ الْمُقَيَّدَةُ بِأَنْ تُعْطَى مِنْ ثَمَنِ بَيْتِ الْمُحِيلِ أَوْ فَرَسِهِ أَيْ أَنَّ الْمُحَالَ عَلَيْهِ أُحِيلَ فِيهَا بِشَيْءٍ لَا يَقْتَدِرُ عَلَى إيفَائِهِ، لِأَنَّ التَّصَرُّفَ بِمِلْكِ الْغَيْرِ بِلَا إذْنٍ بَاطِلٌ. عَقْدُ الْحَوَالَةِ ١ أَرْكَانُ الْحَوَالَةِ رُكْنُ الْحَوَالَةِ عِبَارَةٌ عَنْ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ وَيُوجَدُ أَرْبَعَةُ احْتِمَالَاتٍ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُحِيلِ وَالْمُحَالِ لَهُ وَالْمُحَالِ عَلَيْهِ:
الِاحْتِمَالُ الْأَوَّلُ: عَقْدُ الْحَوَالَةِ بِالْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ الْوَاقِعِ بَيْنَ الْمُحِيلِ وَالْمُحَالِ لَهُ وَالْمُحَالِ عَلَيْهِ. رِضَا الْمُحَالِ لَهُ وَقَبُولُهُ شَرْطٌ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ حَقُّهُ، وَالنَّاسُ مُتَفَاوِتُونَ فِي إيفَاءِ الدَّيْنِ. رِضَا الْمُحَالِ عَلَيْهِ شَرْطٌ أَيْضًا وَلَوْ كَانَ مَدِينًا لِلْمُحِيلِ؛ لِأَنَّهُ لَا لُزُومَ لِلدَّيْنِ بِلَا الْتِزَامٍ، وَالنَّاسُ مُتَفَاوِتُونَ فِي طَلَبِ الدَّيْنِ.الِاحْتِمَالُ الثَّانِي يَجُوزُ عَقْدُ الْحَوَالَةِ بَيْنَ الْمُحَالِ لَهُ وَالْمُحَالِ عَلَيْهِ وَلَكِنْ هَلْ يُشْتَرَطُ رِضَا الْمُحِيلِ بِهِ؟(قَوْلَانِ) :الْقَوْلُ الْأَوَّلُ: شَرْطُ الصُّورَةِ الْأُولَى هَذَا الشَّرْطُ مُطْلَقٌ لِأَنَّ ذَوِي الْمُرُوءَاتِ لَا يَرْضَوْنَ أَنْ تُتَحَمَّلَ دُيُونُهُمْ مِنْ طَرَفِ غَيْرِهِمْ.الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ هَذَا الشَّرْطُ لِأَجْلِ إمْكَانِ رُجُوعِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ عَلَى الْمُحِيلِ وَلَيْسَ لِأَجْلِ صِحَّةِ الْحَوَالَةِ.الصُّورَةُ الثَّالِثَةُ هَذَا الشَّرْطُ جَارٍ فَقَطْ فِي الْحَوَالَةِ الْمُقَيَّدَةِ بِأَنْ تُعْطَى مِنْ الْمَطْلُوبِ؛ لِأَنَّ حَقَّ مُطَالَبَةِ الْمُحِيلِ بِحَقِّهِ مِنْ الْمُحَالِ عَلَيْهِ تَنْقَطِعُ بِسَبَبِ هَذِهِ الْحَوَالَةِ، وَلِذَلِكَ كَانَ رِضَا الْمُحِيلِ شَرْطًا، وَتُشَكِّلُ الصُّورَةُ الثَّالِثَةُ هَذِهِ اسْتِثْنَاءً لِلْمَادَّةِ الْقَانُونِيَّةِ الْقَوْلُ الثَّانِي لَيْسَ بِشَرْطٍ لِأَنَّ إلْزَامَ الْمُحَالِ عَلَيْهِ بِالدَّيْنِ تَصَرُّفٌ بِحَقِّ نَفْسِهِ، وَلَا يَلْحَقُ الْمُحِيلَ ضَرَرٌ مِنْهُ بَلْ رُبَّمَا يَكُونُ لَهُ فَائِدَةٌ إذَا وَقَعَ بِدُونِ أَمْرٍ إذْ لَيْسَ لِلْمُحَالِ عَلَيْهِ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْمُحِيلِ بَعْدَ الْأَدَاءِ. التَّوْفِيقُ: الِاخْتِلَافُ الْمَذْكُورُ لَيْسَ أَسَاسِيًّا لِأَنَّ الْحَوَالَةَ إنْ كَانَتْ إحَالَةً فَرِضَا الْمُحِيلِ شَرْطٌ بِالِاتِّفَاقِ وَإِنْ كَانَتْ احْتِيَالًا فَرِضَا الْمُحِيلِ لَيْسَ بِشَرْطٍ.الِاحْتِمَالُ الثَّالِثُ الْحَوَالَةُ الَّتِي أُجْرِيَتْ بَيْنَ الْمُحِيلِ وَالْمُحَالِ لَهُ لِلْمُحَالِ عَلَيْهِ إذَا قَبِلَ الْمُحَالُ عَلَيْهِ تَكُونُ صَحِيحَةً وَتَامَّةً وَإِنْ لَمْ يَقْبَلْ تَكُونُ بَاطِلَةً مُسْتَثْنَاةً (اُنْظُرْ الْمَادَّةَ ٦٨٢) .الِاحْتِمَالُ الرَّابِعُ الْحَوَالَةُ الَّتِي أُجْرِيَتْ بَيْنَ الْمُحِيلِ وَالْمُحَالِ عَلَيْهِ تَنْعَقِدُ مَوْقُوفَةً عَلَى قَبُولِ الْمُحَالِ لَهُ فَإِذَنْ اتِّحَادُ الْمَجْلِسِ لَيْسَ شَرْطًا فِي انْعِقَادِ الْحَوَالَةِ، بَلْ إنَّهُ شَرْطٌ فِي نَفَاذِهَا.
شَرَائِطُ الْحَوَالَةِ (تُطْلَبُ فِي أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ) ١ فِي الْمُحِيلِ ١ فِي انْعِقَادِ الْحَوَالَةِ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْمُحِيلُ عَاقِلًا. اعْتِرَاضٌ - إنْ لَمْ يَكُنْ رِضَا الْمُحِيلِ شَرْطًا، فَلِمَاذَا يُشْتَرَطُ كَوْنُهُ عَاقِلًا الْجَوَابُ الشَّرْطُ الْمَذْكُورُ فِي الْحَوَالَةِ الَّتِي تَقَعُ مِنْ طَرَفِ إيجَابِ الْمُحِيلِ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ الْمُوجِبُ عَاقِلًا يَكُونُ قَدْ قَبِلَ إيجَابًا بَاطِلًا وَحِينَئِذٍ لَا يُمْكِنُ وُجُودُ الْعَقْدِ، فِي نَفَاذِ الْحَوَالَةِ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْمُحِيلُ بَالِغًا - اعْتِرَاضٌ - الْحَوَالَةُ نَفْعٌ مَحْضٌ لِلْمُحِيلِ، لَا أَهَمِّيَّةَ لِشَرْطِ الْبُلُوغِ. الْجَوَابُ هَذَا الْقَيْدُ مَعْطُوفٌ عَلَى نُقْطَةِ وُجُوبِ الرُّجُوعِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْمُحِيلُ بَالِغًا فَلَيْسَ لِلْمُحَالِ عَلَيْهِ الرُّجُوعُ بَعْدَ الْأَدَاءِ. ٢ فِي الْمُحَالِ عَلَيْهِ - يُشْتَرَطُ فِي انْعِقَادِ الْحَوَالَةِ كَوْنُ الْمُحَالِ عَلَيْهِ عَاقِلًا وَبَالِغًا وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ مَدِينًا لِلْمُحِيلِ. ٣ فِي الْمُحَالِ لَهُ يُشْتَرَطُ فِي انْعِقَادِ الْحَوَالَةِ كَوْنُ الْمُحَالِ لَهُ عَاقِلًا، وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْمُحَالُ لَهُ بَالِغًا فِي نَفَاذِهَا؛ لِأَنَّ الْحَوَالَةَ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُحَالِ لَهُ مُتَرَاوِحَةٌ بَيْنَ النَّفْعِ وَالضَّرَرِ. ٤ فِي الْمُحَالِ بِهِ يُشْتَرَطُ فِي انْعِقَادِ الْحَوَالَةِ أَنْ يَكُونَ الدَّيْنُ صَحِيحًا وَمَعْلُومًا، قَاعِدَةٌ: الدُّيُونُ الَّتِي لَا تَصِحُّ الْكَفَالَةُ لَهَا لَا تَجُوزُ حَوَالَتُهَا.
[مُقَدَّمَةُ كِتَابِ دُرَرِ الْحُكَّامِ مُحْتَوِيَةٌ عَلَى مَقَالَتَيْنِ] [الْمَقَالَةُ الْأُولَى فِي تَعْرِيفِ عِلْمِ الْفِقْهِ وَتَقْسِيمِهِ]الْمُقَدَّمَةُ مُحْتَوِيَةٌ عَلَى مَقَالَتَيْنِ: الْمَقَالَةُ الْأُولَى فِي تَعْرِيفِ عِلْمِ الْفِقْهِ وَتَقْسِيمِهِ.(الْمَادَّةُ ١) :الْفِقْهُ: عِلْمٌ بِالْمَسَائِلِ الشَّرْعِيَّةِ الْعَمَلِيَّةِ الْمُكْتَسَبَةِ مِنْ أَدِلَّتِهَا التَّفْصِيلِيَّةِ.وَالْمَسَائِلُ الْفِقْهِيَّةُ إمَّا أَنْ تَتَعَلَّقَ بِأَمْرِ الْآخِرَةِ وَهِيَ الْعِبَادَاتُ، وَإِمَّا أَنْ تَتَعَلَّقَ بِأَمْرِ الدُّنْيَا، وَهِيَ تَنْقَسِمُ إلَى مُنَاكَحَاتٍ وَمُعَامَلَاتٍ وَعُقُوبَاتٍ، فَإِنَّ الْبَارِيَ تَعَالَى أَرَادَ بَقَاءَ هَذَا الْعَالَمِ إلَى وَقْتٍ قَدَّرَهُ، وَهُوَ إنَّمَا يَكُونُ بِبَقَاءِ النَّوْعِ الْإِنْسَانِيِّ، وَذَلِكَ يَتَوَقَّفُ عَلَى ازْدِوَاجِ الذُّكُورِ مَعَ الْإِنَاثِ لِلتَّوَلُّدِ وَالتَّنَاسُلِ، ثُمَّ إنَّ بَقَاءَ نَوْعِ الْإِنْسَانِ إنَّمَا يَكُونُ بِعَدَمِ انْقِطَاعِ الْأَشْخَاصِ.وَالْإِنْسَانُ بِحَسَبِ اعْتِدَالِ مِزَاجِهِ يَحْتَاجُ لِلْبَقَاءِ فِي الْأُمُورِ الصِّنَاعِيَّةِ إلَى الْغِذَاءِ وَاللِّبَاسِ وَالْمَسْكَنِ، وَذَلِكَ أَيْضًا يَتَوَقَّفُ عَلَى التَّعَاوُنِ وَالتَّشَارُكِ بِبَسْطِ بِسَاطِ الْمَدَنِيَّةِ، وَالْحَالُ أَنَّ كُلَّ شَخْصٍ يَطْلُبُ مَا يُلَائِمُهُ وَيَغْضَبُ عَلَى مَنْ يُزَاحِمُهُ، فَلِأَجْلِ بَقَاءِ الْعَدْلِ وَالنِّظَامِ بَيْنَهُمْ مَحْفُوظَيْنِ مِنْ الْخَلَلِ يُحْتَاجُ إلَى قَوَانِينَ مُؤَيَّدَةٍ شَرْعِيَّةٍ فِي أَمْرِ الِازْدِوَاجِ، وَهِيَ قِسْمُ الْمُنَاكَحَاتِ مِنْ عِلْمِ الْفِقْهِ، وَفِيمَا بِهِ التَّمَدُّنُ مِنْ التَّعَاوُنِ وَالتَّشَارُكِ وَهِيَ قِسْمُ الْمُعَامَلَاتِ مِنْهُ، وَلِاسْتِقْرَارِ أَمْرِ التَّمَدُّنِ عَلَى هَذَا الْمِنْوَالِ لَزِمَ تَرْتِيبُ أَحْكَامِ الْجَزَاءِ، وَهِيَ قِسْمُ الْعُقُوبَاتِ مِنْ الْفِقْهِ.وَهَا هُوَ ذَا قَدْ بُوشِرَ تَأْلِيفُ هَذِهِ الْمَجَلَّةِ مِنْ الْمَسَائِلِ الْكَثِيرَةِ الْوُقُوعِ فِي الْمُعَامَلَاتِ غِبَّ اسْتِخْرَاجِهَا وَجَمْعِهَا مِنْ الْكُتُبِ الْمُعْتَبَرَةِ وَتَقْسِيمِهَا إلَى كُتُبٍ وَتَقْسِيمِ الْكُتُبِ إلَى أَبْوَابٍ وَالْأَبْوَابِ إلَى فُصُولٍ، فَالْمَسَائِلُ الْفَرْعِيَّةُ الَّتِي يُعْمَلُ بِهَا فِي الْمَحَاكِمِ هِيَ الْمَسَائِلُ الَّتِي سَتُذْكَرُ فِي الْأَبْوَابِ وَالْفُصُولِ؛ لِأَنَّ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ الْفُقَهَاءِ قَدْ أَرْجَعُوا الْمَسَائِلَ الْفِقْهِيَّةَ إلَى قَوَاعِدَ كُلِّيَّةٍ كُلٌّ مِنْهَا ضَابِطٌ وَجَامِعٌ لِمَسَائِلَ كَثِيرَةٍ، وَتِلْكَ الْقَوَاعِدُ مُسَلَّمَةٌ مُعْتَبَرَةٌ فِي الْكُتُبِ الْفِقْهِيَّةِ تُتَّخَذُ أَدِلَّةً لِإِثْبَاتِ الْمَسَائِلِ وَتَفَهُّمِهَا فِي بَادِئِ الْأَمْرِ فَذِكْرُهَا يُوجِبُ الِاسْتِئْنَاسَ بِالْمَسَائِلِ وَيَكُونُ وَسِيلَةً لِتَقَرُّرِهَا فِي الْأَذْهَانِ، فَلِذَا جُمِعَ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ قَاعِدَةً فِقْهِيَّةً وَحُرِّرَتْ مَقَالَةٌ ثَانِيَةٌ فِي الْمُقَدِّمَةِ عَلَى مَا سَيَأْتِي.ثُمَّ إنَّ بَعْضَ هَذِهِ الْقَوَاعِدِ وَإِنْ كَانَ بِحَيْثُ إذَا انْفَرَدَ يُوجَدُ مِنْ مُشْتَمِلَاتِهِ بَعْضُ الْمُسْتَثْنَيَاتِ لَكِنْ لَا تَخْتَلُّ كُلِّيَّتُهَا وَعُمُومُهَا مِنْ حَيْثُ الْمَجْمُوعُ لِمَا أَنَّ بَعْضَهَا يُخَصِّصُ وَيُقَيِّدُ بَعْضًا.
الْفِقْهُ - عِلْمٌ بِالْمَسَائِلِ الشَّرْعِيَّةِ الْعَمَلِيَّةِ الْمُكْتَسَبَةِ مِنْ أَدِلَّتِهَا التَّفْصِيلِيَّةِ، وَيُقْصَدُ بِلَفْظَةِ الْعِلْمِ بِهَذَا التَّعْرِيفِ الِاعْتِقَادُ الرَّاجِحُ.الْمَسَائِلُ - جَمْعُ مَسْأَلَةٍ - وَهِيَ الْمَطْلُوبُ الَّذِي يَحْتَاجُ إثْبَاتُهُ إلَى بُرْهَانٍ وَدَلِيلٍ.الْحُكْمُ - هُوَ خِطَابُ الشَّارِعِ الْمُتَعَلِّقُ بِفِعْلِ الْمُكَلَّفِ، وَقَدْ عَرَّفَهُ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ بِأَنَّهُ الشَّيْءُ الثَّابِتُ بِنَاءً عَلَى خِطَابِ الشَّارِعِ، مِثْلُ الْوُجُوبِ وَالصِّحَّةِ وَالْفَسَادِ.مَوْضُوعُ عِلْمِ الْفِقْهِ - وَإِنَّ مَوْضُوعَ عِلْمِ الْفِقْهِ هُوَ فِعْلُ الْمُكَلَّفِ.الْمُكَلَّفُ فِي اصْطِلَاحِ الْفُقَهَاءِ - هُوَ الْعَاقِلُ، فَالْمَجْنُونُ وَالصَّبِيُّ لَمْ يُعَدَّا مُكَلَّفَيْنِ وَإِنْ تَكُنْ الْمَادَّةُ (٩١٦) تَقْضِي بِضَمَانِ مَا أَتْلَفَهُ الصَّبِيُّ إلَّا أَنَّ الْمُخَاطَبَ بِذَلِكَ الْوَلِيُّ، وَالْحُكْمُ إنَّمَا يَتَرَتَّبُ بِحَقِّهِ.الشَّرْعِيَّةُ - أَيْ الْمَوْقُوفَةُ عَلَى خِطَابِ الشَّارِعِ وَلَا تُدْرَكُ بِدُونِهِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْخِطَابُ بِنَفْسِ الْحُكْمِ أَوْ بِنَظِيرِهِ، وَحِينَئِذٍ يَكُونُ النَّظِيرُ مَقِيسًا عَلَى نَفْسِ الْحُكْمِ وَيَكُونُ نَفْسُ الْحُكْمِ مَقِيسًا عَلَيْهِ الشَّارِعُ - هُوَ الْحَقُّ جل جلاله، وَبِمَا أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ وَاسِطَةٌ لِتَبْلِيغِ الْأَوَامِرِ الْإِلَهِيَّةِ، فَيُقَالُ لِكُلٍّ مِنْهُمْ: شَارِعٌ، وَالشَّارِعُ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ الْمَقْصُودُ فِي الْمَجَلَّةِ هُوَ النَّبِيُّ مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وسلم.الْعَمَلِيَّةُ - أَيْ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْأَفْعَالِ، وَيَخْرُجُ مِنْهَا عِلْمُ الْعَقَائِدِ وَعِلْمُ التَّوْحِيدِ وَعِلْمُ أُصُولِ الْفِقْهِ.قَوْلُهُ مِنْ أَدِلَّتِهَا أَيْ الْعِلْمُ بِتَدْقِيقِ الْأَدِلَّةِ، وَيَخْرُجُ بِهِ عِلْمُ التَّوْحِيدِ، وَعِلْمُ الرُّسُلِ، وَعِلْمُ الْأَشْيَاءِ الضَّرُورِيَّةِ مِنْ الدِّينِ.قَوْلُهُ الْمَسَائِلُ الشَّرْعِيَّةُ - احْتِرَازًا عَنْ الْمَسَائِلِ الْعَقْلِيَّةِ كَقَوْلِكَ (الْعَالَمُ حَادِثٌ) وَالْمَسَائِلُ الْحِسِّيَّةُ (كَالنَّارُ مُحْرِقَةٌ) وَالْمَسَائِلُ الِاصْطِلَاحِيَّةُ كَقَوْلِكَ (الْفَاعِلُ مَرْفُوعٌ) .مَصَادِرُ عِلْمِ الْفِقْهِ - أَرْبَعَةٌ: الْكِتَابُ، وَالسُّنَّةُ، وَالْإِجْمَاعُ، وَالْقِيَاسُ.الْمَسَائِلُ الْفِقْهِيَّةُ - قِسْمَانِ مِنْهَا مَا يَتَعَلَّقُ بِالْآخِرَةِ وَهِيَ الْعِبَادَاتُ، وَالْقِسْمُ الْآخَرُ يَخْتَصُّ بِأَمْرِ الدُّنْيَا وَمُقَسَّمٌ إلَى مُنَاكَحَاتٍ، وَمُعَامَلَاتٍ، وَعُقُوبَاتٍ، كَمَا فِي الْكُتُبِ الْفِقْهِيَّةِ.