تاريخ الخلفاء - ت عكاوي (الجلال السيوطي) القسم: التاريخ الكتاب: تاريخ الخلفاء المؤلف: جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر الخضيري السيوطي (٨٤٩ - ٩١١ هـ)المحقق: الدكتور رحاب خضر عكاويتقديم: الدكتور أحمد محمد فارس(عميد كلية الشريعة الإسلامية في لبنان، وأستاذ اللغة والأدب في الجامعة اللبنانية) الناشر: مؤسسة عز الدين للطباعة والنشر، بيروت - لبنان الطبعة: الأولى، ١٤١٢ هـ - ١٩٩٢ معدد الصفحات: ٦٧٨[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]تاريخ النشر في راميشر: ١ يوليو ٢٠٢٦.
تقديمبقلم الدكتور: أحمد محمد فارسعميد كلية الشريعة الإسلامية في لبنانوأستاذ اللغة والأدب في كلية الآداب والعلوم الإنسانيةالفرع الأول - الجامعة اللبنانية التاريخ فن عزيز المذهب، جم الفوائد، شريف الغاية، إذ أنه يوقف على أحوال الماضين من الأمم في أخلاقهم، والأنبياء في سيرهم، والملوك في دولهم وسياستهم(١).وقد اهتم العرب بالتاريخ، لا بتأريخهم فحسب، بل بتاريخ الأمم أيضاً، من ذلك أنهم كانوا يقرأون أخبار الفرس.وبعد مجيء الإسلام شجع ما في القرآن الكريم من قصص على تتبع ما فيه من قصص الأنبياء، كما أن القرآن روى أحاديث كثيرة تاريخية كقصة الفرس والروم، فاشتاقت النفوس إلى التوسع في فهم الآيات، واتجهوا في التاريخ إلى جمع الأخبار، فحققوا الأماكن والأحوال التي كُتبت بها الآيات، أو قيلت فيها الأحاديث(٢).(١) مقدمة ابن خلدون ص ٧.(٢) ظهر الإسلام لأحمد أمين ٢/ ٢٠١.
كما أن الاشتغال بالحديث قد أسهم كثيرا في الاشتغال بالتاريخ، لأن المحدثين كانوا يجمعون أحاديث من كل نوع، بعضها يتصل بالعبادات والمعاملات، وبعضها يتصل بسيرة النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة، فأسلم ذلك أولاً إلى جمع سيرة النبي، ثم أسهمهم شيئاً فشيئاً إلى كتابة التاريخ وأولع العرب بتدوين تاريخ بلادهم وملوكهم وحوادثهم، وتراجم علمائهم وأدبائهم، والراحلين من بلادهم والوافدين إليها، وافتنوا في ذلك افتتانا يدعو إلى العجب، من ذلك ما ألفوه في تاريخهم السياسي من الكتب والأسفار الطوال، مرتباً على السنين، أو مقسمًا بحسب الدول والإمارات، وضمنوه أخبار ملوكهم وخلفائهم وأمرائهم وحروبهم وأيامهم، ومظاهر مدينتهم وحضارتهم وصنوف علومهم ومعارفهم، وألوان ثقافتهم مع ذكر مجتمعاتهم وأسواقهم، ولم يخل ذلك من الاستطراد إلى رواية الأشعار والآداب، والاسترواح بالحديث عن بعض المحاورات والأفاكيه، كما في ما كتبه الواقدي واليعقوبي، والطبري والبلاذري، والمسعودي وابن مسكويه وابن الأثير وابن كثير، وابن خلدون والمقريزي وغيرهم.ومنه ما وضعوه في تراجم الرواة ورواة الحديث على الخصوص أو ما صنفوه في تاريخ البلدان، وتراجم من نشأ فيها، أو رحل إليها من العلماء وخاصة البلاد التي زخرت بالمدارس والمعاهد، وعمرت مجالسها بصنوف المعارف والآداب كبغداد والكوفة والبصرة ودمشق ومكة والمدينة، وبلاد اليمن، والري ومرو وأربل وبلخ وقزوين والقاهرة وقوص والقيروان وبلاد الأندلس، كانت هذه الكتب مراجع أصيلة في تاريخ الآداب والفنون.كما ألفوا في طبقات شتى من الناس كالفقهاء والحكماء والأطباء والأعيان والأدباء واللغويين والنحاة.وبذلك سارت الكتابة التاريخية في اتجاهين: عام وخاص، أما العام فقد انصرف إليه قسم من المؤرخين جريئاً على أسلوب محمد بن جرير الطبري إذ كانوا يؤرخون الأخبار بحسب توالي السنين، وممن نهج هذا المنهج: ابن الأثير في (الكامل في التاريخ) وابن العبري في كتابه (تاريخ مختصر الدول) وابن الجوزي في كتابه (مرآة الزمان) والملك المنصور صاحب حماة في مؤلفه (المضمار في
التاريخ) والملك المؤيد أبو الفداء في كتابه (المختصر في أخبار البشر).وأما الخاص فقد انصرف بعض المؤرخين إلى التحدث عن تاريخ دولة عاصرها أو أدرك بعض أيامها، أو تحدث عن تاريخ مدينة معينة، ومن هؤلاء المؤرخين ابن الأزرق الفارقي في كتابه (الفارقي) وهو يضم تاريخ مدينتي آمد وميافارقين، وابن العديم في كتابه (تاريخ حلب)، والعماد الكاتب في كتابه (الفتح القسي في الفتح القدسي) وأبو شامة المقدسي في كتابه (الروضتين في أخبار الدولتين).ولا تخلو كتب التاريخ من تملق للخلفاء المعاصرين، ففي الدولة العباسية تملّق المؤرخون للعباسيين، وبالغوا في عظمة عبد اللّه بن عباس، وإذا كان المؤرخ ذا مذهب ديني معروف ظهر ذلك في تاريخه من تأييد لمن هم على مذهبه وتحامل على من خالفهم، اللهم إلا القليل النادر الذي يحكمه الدين والضمير كالطبري والبلاذري.كما أن كثيرا من المؤرخين يؤخذ عليهم عدم تحرجهم من ذكر الألفاظ البذيئة، والأقوال الجارحة إلا القليل منهم كابن خلكان.روى أبو إسحق الصابي: «أن عضد الدولة ابن بويه أمره أن يؤلف له كتابا في أخبار الدولة الديلمية، فألّف له تاريخا سماه (التاجي) فاتفق وهو يؤلفه أن دخل عليه صديق له، فسأله عما يعمله، فقال: أباطيل أنمقها، وأكاذيب ألفقها»(١).وجلال الدين السيوطي (١٤٤٥ - ١٥٠٥ م) مؤلف كتاب (تاريخ الخلفاء) أغنى الباحثين عن تاريخه وذكر شيوخه ومؤلفاته، فقد كتب لنفسه ترجمة عند الكلام على من كان بمصر من الأئمة المجتهدين في كتابه (حسن المحاضرة) قال: ( … وإنما ذكرت ترجمتي في هذا الكتاب اقتداء بالمحدثين قبلي فقلّ أن ألّف أحد منهم تاريخا إلا ذكر ترجمته فيه، وممن وقع له ذلك الإمام عبد الغافر(١) ظهر الإسلام لأحمد أمين ٢٠٢/ ٢.
الفارسي في (تاريخ نيسابور)، وياقوت الحموي في (معجم البلدان)، ولسان الدين الخطيب في (تاريخ غرناطة) … فأقول: أما جدّي الأعلى همّام الدين، فكان من أهل الحقيقة، ومن مشايخ الطرق … وكان مولدي بعد المغرب ليلة الأحد مستهل رجب سنة تسع وأربعين وثمانمائة، وحملت في حياة أبي إلى الشيخ محمد المجذوب، رجل كان من الأولياء بجوار المشهد النفيسي، … ونشأت يتيما فحفظت القرآن ولي دون ثماني سنين، ثم حفظت العمدة ومنهاج الفقه والأصول وألفية ابن مالك، وشرعت في الاشتغال بالعلم من مستهل سنة أربع وستين، فأخذت الفقه والنحو من جماعة من الشيوخ، وأخذت الفرائض عن العلامة … شهاب الدين الشارمساجي.وأجزت بتدريس العربية في مستهل سنة ست وستين، وقد ألّفت في هذه السنة، فكان أول شيء ألّفته شرح الاستعاذة والبسملة، … وبلغت مؤلفاتي إلى الآن (سنة ست وستين) ثلاثمائة كتاب، سوى ما غسلته ورجعت عنه، … ورزقت التبحر في سبعة علوم: التفسير، والحديث، والفقه، والنحو، والمعاني، والبيان والبديع على طريقة العرب والبلغاء).تنقّل في المدن المصرية والشام والحجاز واليمن والهند والمغرب طلبا للعلم.ظل السيوطي طوال حياته مشغوفا بالدرس، مشتغلا بالعلم، يتلقاه من شيوخه، أو يبذله لتلاميذه، أو يذيعه فتيا، أو يحرره في الكتب والأسفار، ولما بلغ الأربعين خلا بنفسه في منزله بروضة القياس، واعتزل الناس، وتجرد للعبادة والتأليف، وألّف كتابه: (التنفيس في الاعتذار عن الفتيا والتدريس).وكان في حياته الخاصة على أحسن ما يكون من العلماء ورجال الفضل والدين، عفيفا، كريما، غني النفس، متباعدا عن ذوي الجاه والسلطان، لا يقف بباب أمير أو وزير، قانعا برزقه، من خانقاه شيخو، لا يطمع فيما سواه.أما كتبه، قد أحصى السيوطي منها في كتابه نحوا من ثلاثمائة، وذكر تلميذه الداودي المالكي أنها أنافت على خمسمائة مؤلف، وقال ابن أياس في تاريخه (حوادث سنة ٩١١) أنها بلغت ستمائة مؤلف بين كبير في أجزاء، وصغير في أوراق.
مؤلّف هذا الكتابأبو الفضل عبد الرحمن بن الكمال أبي بكر بن ناصر الدين بن محمد بن سابق الدين أبي بكر الفخر عثمان بن ناصر الدين محمد بن سيف الدين خضر بن نجم الدين أبي الصلاح أيوب بن ناصر الدين محمد بن الشيخ همام الدين الخضيري الأسيوطي.أمّا جدّه الأعلى همام الدين فكان من أهل الحقيقة ومن مشايخ الطريق، ومن دونه كانوا من أهل الوجاهة والرئاسة، فمنهم من وليّ الحكم ببلده، ومنهم من ولي الحسبة بها، ومنهم من كان في صحبة الأمير شيخو وبنى مدرسة بسيوط ووقف عليها أوقافا، ومنهم من كان تاجرا متموّلا. ولم يكن منهم من خدم العلم حقّ الخدمة إلاّ والد عبد الرحمن. ونسبته الخضيري، فإننا لا نعلم ما يكون إليه أمر هذه النسبة إلاّ الخضيرية، وهي محلّة ببغداد، وقد نقل عن راو ثقة حدّث الأسيوطي أنه سمع الكمال أبا بكر يذكر أن جدّه الأعلى كان أعجميّا أو من الشرق، فالظاهر أن النسبة إلى المحلة المذكورة.ولد عبد الرحمن أبو الفضل بعد المغرب ليلة الأحد مستهل رجب سنة تسع وأربعين وثمانمائة، وحمل في حياة والده إلى الشيخ محمد المجذوب، رجل كان من كبار الأولياء بجوار المشهد النفيسي، فبرّك عليه، ونشأ يتيما بعد وفاة والده وله من العمر خمس سنوات وسبعة أشهر، وعرض محافيظه على قاضي القضاة عز الدين أحمد بن إبراهيم الكناني الحنبلي فسأله عن كنيته فقال: لا كنية لي، فقال: أبو الفضل وكتبه بخطه، وقد وصل في القرآن إذ ذاك إلى سورة التحريم، فأسندت
وصايته إلى جماعة منهم الكمال بن الهمام، فقرره في وظيفة الشيخونية، ولحظه بنظره، وختم القرآن وله من العمر دون ثمان سنين. ثم حفظ عمدة الأحكام ومنهاج النووي وألفية ابن مالك ومنهاج البيضاوي، وعرض كل ذلك على علماء عصره وأجازوه، وأخذ عن الجلال المحلي والزين العقبي، وحضر مجلس الحافظ ابن حجر، وشرع في الاشتغال بالعلم ابتداء من ربيع الأول سنة أربع وستين وثمانمائة. فقرأ على الشمس السيرافي صحيح مسلم والشفا وألفية ابن مالك، فما أتمها إلا وقد صنّف وأجازه بالعربية، وقرأ عليه قطعة من التسهيل، وسمع عليه الكثير من ابن المصنّف والتوضيح وشرح الشذور والمغني في أصول فقه الحنفية، وقرأ على الشمس المرزباني الحنفي الكافية وشرحها، ومقدمة إيساغوجي وشرحها للكاتي، وسمع عليه من المتوسط والشافية وشرحها للجاربردي، ومن ألفية العراقي، ولزمه حتى مات سنة سبع وسبعين وثمانمائة. ثم قرأ في الفرائض والحساب على علامة زمانه الشهاب الشارمساحي(١).ثم دروس العلم البلقيني وقرأ عليه ما لا يحصى كثرة، ولزم أيضا الشرف المناوي إلى أن مات وقرأ عليه الكثير، ولزم دروس محقق الديار المصرية سيف الدين محمد بن محمد الحنفي، ودروس العلامة التقي الشمني، ودروس الكافيجي، وقرأ على العزّ الكناني، وفي الميقات على مجد الدين بن السباع والعز بن محمد الميقاتي، وفي الطب على محمد بن إبراهيم الدواني لما قدم القاهرة من الروم، وقرأ على التقي الحصكفي والشمس البابي وغيرهم. وقد شرع عبد الرحمن في التصنيف من سنة ست وستين وثمانمائة، وقد قال عن نفسه معرّفا على عادة المؤلفين ممن سبقوه(٢): «وبلغت مؤلفاتي إلى الآن ثلاثمائة كتاب سوى ما غسلته ورجعت عنه، ودخلت بحمد اللّه إلى بلاد الشام والروم والحجاز واليمن والهند والمغرب والتكرور، ولما حججت شربت ماء زمزم لأمور منها أن أصل في الفقه إلى رتبة الشيخ سراج الدين البلقيني، وفي الحديث إلى رتبة الحافظ ابن حجر، وأفتيت من مستهل سنة إحدى وسبعين وثمانمائة، وعقدت مجلس إملاء الحديث من مستهل سنة(١) وردت في الكواكب السائرة «الشارساجي»، وفي الأصل «السارساجي»، والصحيح «الشار مساحي».(٢) حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة، الأول ص ١٥٧.
اثنتين وسبعين، ورزقت التبحر في علوم التفسير والحديث والفقه والنحو والمعاني والبيان والبديع على طريقة العرب والبلغاء، لا على طريق العجم وأهل الفلسفة، والذي أعتقده أن الذي وصلت إليه من هذه العلوم الستة سوى الفقه والنقول التي اطّلعت عليها فيها، لم يصل إليه ولا وقف عليه أحد من أشياخي، فضلا عمّن هو دونهم، وأما الفقه فلا أقول ذلك فيه، بل شيخي فيه أوسع نظرا وأطول باعا، ودون هذه السبعة في المعرفة أصول الفقه والجدل والتصريف، ودونها الإنشاء والترسّل والفرائض، ودونها القراءات، ولم آخذها عن شيخ، ودونها الطبّ، وأما الحساب فأعسر شيء عليّ وأبعده عن ذهني، وإذا نظرت في مسألة تتعلق به، فكأنما أحاول جبلا أحمله، وقد كملت عندي الآن آلات الاجتهاد بحمد اللّه، أقول ذلك تحدّثا بنعمة اللّه لا فخرا … ولو شئت أن أكتب في كل مسألة مصنّفا بأقوالها وأدلّتها النقلية والقياسية ومداركها ونقوضها وأجوبتها والموازنة بين اختلاف المذاهب فيها لقدرت على ذلك من فضل اللّه ومنّه لا بحولي ولا بقوّتي .. ».وقد ذكر تلميذه الداودي في ترجمته أسماء شيوخه إجازة وقراءة وسماعا مرتبين على حروف المعجم فبلغت عدتهم أحدا وخمسين نفسا، واستقصى أيضا مؤلفاته الحافلة الكثيرة الكاملة الجامعة النافعة المتقنة المحررة المعتمدة المعتبرة فنافت على خمسمائة مؤلف، وشهرتها تغني عن ذكرها، وقد اشتهر أكثر مصنفاته في حياته في أقطار الأرض شرقا وغربا، وكان آية كبرى في سرعة التأليف، حتى قال الداودي: عاينت الشيخ وقد كتب في يوم واحد ثلاثة كراريس تأليفا وتحريرا، وكان مع ذلك يملي الحديث ويجيب عن المتعارض منه بأجوبة حسنة، وكان أعلم أهل زمانه بعلم الحديث وفنونه رجالا وغريبا ومتنا ومسندا واستنباطا للأحكام منه، وأخبر عن نفسه أنه يحفظ مائتي ألف حديث، وقال: لو وجدت أكثر لحفظته ولعله لا يوجد على وجه الأرض الآن أكثر من ذلك.ولما بلغ الأربعين سنة أخذ في التجرّد للعبادة والانقطاع إلى اللّه تعالى والاشتغال به صرفا، والإعراض عن الدنيا وأهلها، كأنه لم يعرف أحدا منهم، وشرع في تحرير مؤلفاته، وترك الإفتاء والتدريس، واعتذر عن ذلك في مؤلف سمّاه بالتنفيس. ثم أقام في روضة المقياس فلم يتحول منها إلى أن مات، ولم يفتح طاقات بيته التي على النيل من سكناه. وكانت وفاته في سحر ليلة الجمعة تاسع عشر جمادى
الأولى سنة إحدى وعشرة وتسعمائة، في منزله بعد أن تمرض سبعة أيام بورم شديد في ذراعه الأيسر عن إحدى وستين سنة وعشرة أشهر وثمانية عشر يوما، ودفن في حوش قوصون خارج باب القرافة، وصلّي عليه غائبة بدمشق بالجامع الأموي يوم الجمعة ثامن رجب من السنة المذكورة، وقيل أخذ الغاسل قميصه وقبعه، فاشترى بعض الناس قميصه من الغاسل بخمسة دنانير للتبرك به، وباع قبعه بثلاثة دنانير.وقد قيلت فيه المراثي الحافلة، ولم نقف إلاّ على واحدة منها ذكرت في تاريخ ابن طولون، ذكر أنه استملاها من بعض من قدم عليهم دمشق من القادمين، ومنها:مات جلال الدين غيث الورى … مجتهد العصر إمام الوجودوحافظ السنّة مهدي الهدى … ومرشد الضالّ بنفع يعودفيا عيوني انهملي بعده … ويا قلوب انفطري بالوقودواظلمي يا دنيا إذ حقّ ذا … بل حقّ أن ترعد فيك الرعودعاش الأسيوطي (٨٤٩ - ٩١١ هـ) في عصر المماليك المتوسط، وهو عصر جمع وشرح وتفسير، لا عصر إبداع واستنباط، وكانت حياته ومؤلفاته أفضل أنموذج عن الحياة العلمية في ذلك العصر، ويمكن اعتبار كتاباته الموسوعية (الأنسيكلوبيدية) في موضوعاتها ودائرة اتساعها وشمولها، محصلة العلوم الإسلامية في القرن الخامس عشر الميلادي. فبراعة عبد الرحمن التي لم تعرف الملل، لم تترك موضوعا في حقل المعرفة والعلوم إلا تناولته بإسهاب، فقد برز في العلوم القرآنية والحديثية والفقهية، ثم تناول علوم الفلسفة والتاريخ، وأنشأ في العلوم الفنية والأدبية واللغوية، إلى غير ذلك من مختلف العلوم الرائجة.وقد قال عن نفسه في ترجمة حياته في «حسن المحاضرة»: إنه وضع ثلاثمائة مؤلّف، وذكر تلميذه ابن إياس في «تاريخ مصر» أن مصنّفات أستاذه بلغت ستمائة مؤلف. وجمع له العالم الألماني فلوغل (Flugel) قائمة حوت خمسمائة وواحد وستين مصنّفا. وهو عدد يكاد يكون غير قابل للتصديق، لولا أن بعضها كراريس قصيرة تدل على رغبة الأسيوطي في طرق مواضيع غريبة واهية كما تدل عناوينها.
أما أهم مؤلفاته فهي:- الإتقان في علوم القرآن.- حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة.- المزهر في اللغة.- تاريخ الخلفاء (وهو كتابنا هذا).- طبقات الحفاظ.- لب اللباب في تحرير الأنساب.- الأشباه والنظائر.- الإكليل في استنباط التنزيل.- بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة.- تحفة المجالس ونزهة المجالس.- تنوير الحوالك في شرح موطأ الإمام مالك.- الجامع الصغير.- جمع الجوامع، ويعرف بالجامع الكبير.- الدر المنثور في التفسير بالمأثور.- شرح شواهد المغني.- الشماريخ في علم التاريخ.- طبقات المفسّرين.- عقود الجمان في المعاني والبيان.- اللآلي المصنوعة في الأحاديث الموضوعة.- النقول في أسباب النزول.- متشابه القرآن.- المستطرف من أخبار الجواري.- مصباح الزجاجة في شرح سنن ابن ماجة.- مفحمات الأقران في مبهمات القرآن.- مناقب أبي حنيفة.- مناهل الصفا في تخريج أحاديث الشفا.
- نزهة الجلساء في أشعار النساء.- همع الهوامع.- الوسائل إلى معرفة الأوائل.- عقود الزبرجد على مسند الإمام أحمد.- زهر الربى على المجتبى في شرح سنن النسائي.- الحاوي للفتاوي.- التحبير لعلم التفسير.- التاج في إعراب مشكل المنهاج.- إنباه الأذكياء لحياة الأنبياء.- الألفية في النحو.- الأرج في الفرج.- إتمام الدراية لقراء النقاية.- الأخبار المروية في سبب وضع العربية.- إسعاف المبطأ في رجال الموطأ.- الاقتراح في علم أصول النحو.- الخصائص الكبرى، أو كفاية الطالب اللبيب في خصائص الحبيب.- الدر النثير في تلخيص نهاية ابن الأثير.- الدرر المنتثرة في الأحاديث المشتهرة.- الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج.- الرحمة في الطب والحكمة.- عقود الجمان في علم المعاني والبيان.
أهمية الكتابالمطلع على مؤلفات جلال الدين الأسيوطي ورسائله يتبيّن أن المؤلف كان جمّاعة، ملخّصا، مختصرا، فلقد حفظ القرآن وهو دون الثمان، وشرع في الاشتغال بالعلم من مستهل سنة أربع وستين وثمانمائة، وكان عمره إذ ذاك خمس عشرة سنة، وأجيز تدريس اللغة في مستهل سنة ست وستين وثمانمائة، وفي هذه السنة أيضا بدأ التأليف والشرح والتفسير. وكان أول ما ألفه «شرح الاستعاذة والبسملة». ثم إنه سافر إلى بلاد الشام والحجاز واليمن والهند والمغرب والتكرور، وأفتى ورزق التبحّر في علوم سبعة.فلا عجب إذا، إذا وجدنا كتاباته وتآليفه موسوعية مطوّلة، انتشرت في جميع الأقطار، وسارت بها الركبان إلى الأنجاد والأغوار، ورفع اللّه له من الذكر الحسن والثناء الجميل ما لم يكن لأحد من معاصريه.وكعادته في جميع مؤلفاته، فقد حاول جلال الدين أن يكون سبّاقا فريدا في كتابه «تاريخ الخلفاء» واتبع فيه طريقا على غير ما جرت العادة في تآليف سابقة، موجبة للتطويل دونما استيفاء، فقد كانت مختلطة اجتمعت فيها أخبار الأمة كلها، ولم يستوف فيها مؤلفوها ذكر كل طائفة خاصة، يسهل للمطلعين تناول أخبارها، والتعرف على أحوالها. ولذلك عمد الأسيوطي إلى إفراد كتاب في تاريخ الخلفاء، وكان من قبل تناول الأنبياء، والصحابة، والتابعين، والنحاة، والمفسرين، والفقهاء، والشعراء، والأصوليين، كل طائفة منهم في كتاب مفرد، فسهّل بذلك طريق الباحثين، وكان أول المرشدين إلى معرفة الخلفاء وأخبارهم، ولم يورد في مؤلفه هذا أحدا ممّن ادعى الخلافة، خروجا، ولم يتم له الأمر من العلويين
والعباسيين.والكتاب انسحب على فترة زمنية طويلة، وجمع من أخبار الخلفاء على مدى تسعمائة سنة تقريبا، فقد بدأ بخلافة أبي بكر الصدّيق، وانتهى بعهد الملك الأشرف قايتباي. وهو في تناوله لكل منهم، يذكر اسم الخليفة ولقبه وصفته وخلافته، ثم الأحداث التي عرضت إبان خلافته، والصحابة والأعلام الذين توفوا في خلال هذه الفترة، إلى أن يصل إلى نهاية خلافة أحدهم ويبدأ بالآخر، جريا على عادته في ذكر الأحداث والأئمة.وقد استهل الأسيوطي الكتاب بذكر أنّ النبي صلى الله عليه وسلم لم يستخلف، والأحاديث الواردة في هذا الموضوع، ومدة الخلافة في الإسلام، والأحاديث المنذرة بخلافة بني أمية، وخلافة بني العباس، ثم عرض للبردة النبوية التي تداولها الخلفاء إلى آخر وقت، إلى أن يبدأ بالخليفة الأول أبي بكر الصديق رضي الله عنه.وهو في كل هذا يجمع الحكمة السائرة، والمثل المشهور، والقصيدة الرائعة، والمواقف التي تحتاج إلى إعمال الفكر والروية حينا، والقوة والبأس أحيانا أخر، فلا يخلص القارئ المطلع من قراءة الكتاب، إلا وقد جمع من أخبار الخلفاء نتفا مفيدة، وأحداثا فريدة، كان للأسيوطي الفضل في اجتماعها بين دفتي الكتاب.وتجدر الإشارة هنا - بعد هذا التقديم - أنه وقع بين أيدينا، وفي أثناء مطالعاتنا وأبحاثنا، مخطوط يحمل عنوان كتابنا نفسه «تأريخ الخلفاء»، وهو لمؤلف مجهول من القرن الحادي عشر، صدر عن أكاديمية العلوم في الاتحاد السوفياتي، قسم العلم التأريخي، معهد الشعوب الآسيوية، ضمن سلسلة «آثار الآداب الشرقية» رقم ١١، وعن دار النشر والعلم. وقد قام بنشر النسخة المصورة للمخطوطة الوحيدة وكتابة المقدمة بطرس غريازينويج، وعني بفهارسها ميخائيل بيوتروفسكي والمقدم المذكور في موسكو عام ١٩٦٧ م.وقد بدأ المؤلف كتابه بذكر أخبار الخليفة الثاني عمر بن الخطاب، وانتهى عند ذكر مروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية في الشام، أي حوالى عام ١٣٢ هـ. د. رحاب عكاويبيروت - كانون الثاني ١٩٩٢ م
بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد حمد اللّه الذي وعد فوفى، وأوعد فعفا(١)، والصلاة والسلام على سيدنا محمد سيد الشرفاء، ومسود الخلفاء، وعلى آله وصحبه أهل الكرم والوفاء، فهذا تاريخ لطيف ترجمت فيه الخلفاء أمراء المؤمنين القائمين بأمر الأمة من عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه إلى عهدنا هذا على ترتيب زمانهم الأول فالأول، وذكرت في ترجمة كل منهم ما وقع في أيامه من الحوادث المستغربة، ومن كان في أيامه من أئمة الدين وأعلام الأمة.والداعي إلى تأليف هذا الكتاب أمور: منها أن الإحاطة بتراجم أعيان الأمة مطلوبة، ولذوي المعارف محبوبة، وقد جمع جماعة تواريخ ذكروا فيها الأعيان مختلطين ولم يستوفوا، واستيفاء ذلك يوجب الطول والملال، فأردت أن أفرد كل طائفة في كتاب أقرب إلى الفائدة لمن يريد تلك الطائفة خاصة وأسهل في التحصيل، فأفردت كتابا في الأنبياء صلوات اللّه عليهم وسلامه، وكتابا في الصحابة ملخصا من الإصابة لشيخ الإسلام أبي الفضل بن حجر، وكتابا حافلا في طبقات المفسرين، وكتابا وجيزا في طبقات الحفاظ لخصته من طبقات الذهبي، وكتابا جليلا في طبقات النحاة واللغويين لم يؤلف قبله مثله، وكتابا في طبقات الأصوليين، وكتابا جليلا في طبقات الأولياء، وكتابا في طبقات الفرضيّين، وكتابا في طبقات البيانيين، وكتابا في طبقات الكتّاب - أعني أرباب الإنشاء - وكتابا في(١) يقال «وعد فلان فلانا» إذا كان قد وعده خيرا، ويقال «أوعد فلان فلانا» بالهمزة - إذا كان قد أوعده شرّا، هذا إذا لم يذكر معه ما وعده به، والمعنى أن اللّه تعالى وعد عباده على الطاعة فوفى لهم بما وعدهم به، وأوعدهم العقاب على المعصية، وهو سبحانه يعفو عن كثير.
طبقات أهل الخط المنسوب، وكتابا في شعراء العرب الذين يحتج بكلامهم في العربية. وهذه تجمع غالب أعيان الأمة، واكتفيت في طبقات الفقهاء بما ألفه الناس في ذلك لكثرته والاستغناء به، وكذلك اكتفيت في القرّاء بطبقات الذهبي، وأما القضاة فهم داخلون فيمن تقدم، ولم يبق من الأعيان غير الخلفاء مع تشوق النفوس إلى أخبارهم، فأفردت لهم هذا الكتاب، ولم أورد أحدا ممن ادعى الخلافة خروجا ولم يتم له الأمر ككثير من العلويين وقليل من العباسيين. ولم أورد أحدا من الخلفاء العبيديين(١) لأن إمامتهم غير صحيحة لأمور:منها: أنهم غير قرشيين، وإنما سمتهم بالفاطميين جهلة العوام، وإلاّ فجدهم مجوسي، قال القاضي عبد الجبار البصري: اسم جد الخلفاء المصريين سعيد، وكان أبوه يهوديا حدادا نشابة. وقال القاضي أبو بكر الباقلاني: القدّاح جد عبيد اللّه الذي يسمى بالمهدي كان مجوسيا، ودخل عبيد اللّه المغرب، وادعى(١) نسبة إلى عبيد اللّه بن محمد الحبيب بن جعفر المصدّق بن محمد المكتوم، الفاطمي العلوي، الشهير بالمهدي، مؤسس الدولة العبيدية بالمغرب وجد العبيديين الفاطميين أصحاب مصر. في نسبه جدل وخلاف طويل. ولد بسلمية (بسورية) وقيل بالكوفة (بالعراق) سنة ٢٥٩ هـ. وكان أبوه قد أرسل الدعاة وأعظمهم ابو عبد اللّه الحسين بن أحمد بن محمد، المعروف بالشيعي، فمهد له بيعة المغرب بعد أن دعا قبائل كتامة إلى بيعته وبشرهم بأنهم سيكونون أنصاره الأخيار، وإن اسمهم مشتق من الكتمان، فناصروه. ثم رحل إلى جبل إيكجان ونزل بمدينة ناصرون وقاتل من لم يتبعه فأطاعوه جميعا. وبلغ خبره عامل إفريقية بمدينة القيروان (إبراهيم بن أحمد بن الأغلب) فبعث ابنه الأحول في ٢٠ ألف مقاتل فهزم كتامة، وامتنع أبو عبد اللّه بجبل إيكجان وبنى به مدينة سماها دار الهجرة. ومنها زحف على القيروان وامتلكها. ثم علم بموت الإمام محمد الحبيب فأرسل إلى ابنه عبيد اللّه يخبره بما بلغت إليه الدعوة، فبلغ خبره المكتفي باللّه العباسي، فطلبه، ففر إلى المغرب، وحدثت حروب قام فيها عبيد اللّه بالعظائم، وانتهت بمبايعته بيعة عامة سنة ٢٩٧ هـ والقضاء على دولة الأغالبة بالقيروان. ثم بعث بالولاة إلى جزيرة صقلية وطرابلس الغرب وبرقه واستولى على مدينة تاهرت بالمغرب الأوسط. وفي سنة ٣٠٣ هـ اختط مدينة المهدية واتخذها قاعدة لملكه، ومات سنة ٣٢٢ هـ بعد أن حكم ٢٤ سنة. وقد فرق عدد كبير من المؤرخين بين العبيديين والفاطميين - وإن كانت الدولة واحدة - فأطلقوا الاسم الأول على أمراء هذا البيت بإفريقية (٢٩٧ - ٣٦٢ هـ) وعددهم أربعة أمراء، هم: عبيد اللّه المهدي، والقائم بأمر اللّه، وإسماعيل المنصور، والمعز لدين اللّه. وخصصوا التعريف الثاني بمن تولى منهم الخلافة في مصر (٣٦٢ - ٥٦٧ هـ) وعددهم أحد عشر تجد أسماءهم في الفصل الذي خصّه المؤلف بالدولة العبيدية في نهاية هذا الكتاب.