تاريخ الإسلام - ت بشار (شمس الدين الذهبي)القسم: التاريخالكتاب: تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلامالمؤلف: شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي (ت ٧٤٨ هـ)حققه وضبط نصه وعلق عليه: د بشار عوّاد معروفالناشر: دار الغرب الإسلامي - بيروتالطبعة: الأولى، ١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٣ معدد الأجزاء: ١٧ (١٥ والفهارس)[تنبيه]: رُوجِع نصُ هذه النُسخة (الإلكترونية)، وأُضِيفَت حواشي تحقيقها، وتمّتْ موافقة جميع صفحاتها للمطبوع؛ خلافًا لكثيرٍ من النُسَخ الإلكترونية الشائعة[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]تاريخ النشر في Ramisher: ١ يوليو ٢٠٢٦.
بسم الله الرحمن الرحيمهذه الطبعة • أول نشرة علمية كاملة لهذا الكتاب العظيم حققها العلامة المتخصص بالإمام الذهبي الأستاذ الدكتور بشار عواد معروف على عشر مجلدات بخط المصنف محفوظة بمكتبة أياصوفيا بإستانبول، ونسخ أخرى من إستانبول، وبغداد، ودمشق، وحلب، والرياض، والقاهرة، والرباط، وباريس، ولندن، وأكسفورد، وكيمبرج، وليدن، وكوتا، وتونس.• توثيق النص بالإشارة إلى موارد الكتاب وتتبعها والعزو إلى تلك الموارد، ومقابلة نص الذهبي بالموارد التي اقتبس منها سواء أشار إليها أم لم يشر.• تفصيل النص بما يظهر معانيه ودلالاته، ومواطن انتهاء الاقتباس، وضبطه بالحركات استنادًا إلى المصادر المتخصصة في كل فن من فنونه.• تخريج أحاديث الكتاب والحكم عليها تصحيحًا أو تضعيفًا وبيان عللها الظاهرة والخفية.• نقد النص وبيان ما وقع فيه المؤلف من أوهام.• عمل أنواع الفهارس التي تيسر الإفادة من الكتاب على أحسن وجه.• كتابة مقدمة ضافية في صدر المجلد الأول تناول فيها المحقق سيرة الذهبي ومنهجه في هذا الكتاب، ووصفَ نسخَه الخطية بما فيها نسخة المؤلف التي كتبها بخطه. أما "درس التحقيق"، وهي دراسة مفصلة لأصول التحقيق العلمي، والمنهج الذي انتهجه المحقق في تحقيق هذا الكتاب، وبيان ما وقع في الطبعات السابقة من نقص كبير، وسقط كثير، وتحريف وتصحيف، ومخالفة لأصول هذا العلم فسيصدر في مجلد مستقل عن هذه الدار نظرًا لظروف المحقق الطارئة. الناشر
بسم الله الرحمن الرحيم.الحمد لله الباقي بعد فناء خلقه، الكافي من توكل عليه، القيّوم الذي ملكوت كلّ شيء بيديه، حمدا كثيرا طيّبا مباركا فيه، كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه. وأشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمدا عبده ورسوله؛ أرسله رحمة للعالمين، وخاتما للنّبيّين، وحرزا للأميّين، وإماما للمتّقين بأوضح دليل، وأفصح تنزيل، وأفسح سبيل، وأفسر تبيان، وأبهر برهان. اللهمّ آته الوسيلة، وابعثه مقاما محمودا، يغبطه به الأوّلون والآخرون، وصلّ عليه وعلى آله الطّيبين، وصحابته المجاهدين، وأزواجه أمّهات المؤمنين.أما بعد: فهذا كتاب نافع إن شاء الله - ونعوذ بالله من علم لا ينفع ومن دعاء لا يسمع - جمعته وتعبت عليه، واستخرجته من عدّة تصانيف. يعرف به الإنسان مهمّ ما مضى من التّاريخ، من أوّل تاريخ الإسلام إلى عصرنا هذا؛ من وفيات الكبار من الخلفاء، والقرّاء والزّهاد والفقهاء، والمحدّثين والعلماء، والسّلاطين والوزراء، والنّحاة والشّعراء. ومعرفة طبقاتهم وأوقاتهم وشيوخهم وبعض أخبارهم، بأخصر عبارة وألخص لفظ. وما تمّ من الفتوحات المشهورة والملاحم المذكورة، والعجائب المسطورة، من غير تطويل ولا إكثار ولا استيعاب. ولكن أذكر المشهورين ومن يشبههم، وأترك المجهولين ومن يشبههم. وأشير إلى الوقائع الكبار، إذ لو استوعبت التراجم والوقائع لبلغ الكتاب مائة مجلّدة بل أكثر، لأنّ فيه مائة نفس يمكنني أن أذكر أحوالهم في خمسين مجلّدا.وقد طالعت على هذا التأليف من الكتب مصنّفات كثيرة، ومادّته من:دلائل النّبوّة للبيهقي(١).وسيرة النّبيّ صلى الله عليه وسلم لابن إسحاق(٢).(١) أحمد بن الحسين البيهقي المتوفى سنة ٤٥٨ هـ، وكتابه "دلائل النبوة" طبع غير مرة، منها طبعة ببيروت سنة ١٤٠٥ هـ في سبع مجلدات، وقد أفاد منه المصنف في السيرة فائدة عظمى، وعليه أكثر معوله.(٢) لم تصل إلينا سيرة ابن إسحاق، سوى قطعة صغيرة نشرها الدكتور حميد الله =
ومغازيه لابن عائذ الكاتب(١).والطّبقات الكبرى لمحمد بن سعد كاتب الواقديّ(٢).وتاريخ أبي عبد الله البخاري(٣).وبعض تاريخ أبي بكر أحمد بن أبي خيثمة(٤).وبعض تاريخ يعقوب الفسوي(٥).وتاريخ محمد بن المثنّى العنزي، وهو صغير(٦).وتاريخ أبي حفص الفلاّس(٧).وتاريخ أبي بكر بن أبي شيبة(٨).وتاريخ الواقدّي(٩).وتاريخ الهيثم بن عديّ(١٠).= الحيدرآبادي. ووصل إلينا تهذيب ابن هشام. وقد استعمل الذهبي روايتي البكائي ويونس بن بكير.(١) لم يصل إلينا.(٢) طبعت في أوربا طبعة ناقصة، ثم طبعت في القاهرة وبيروت على هذه الطبعة وبقي النقص. ثم استدرك بعض هذا النقص؛ فحقق السيد زياد محمد منصور القسم المتمم لتابعي أهل المدينة ومن بعدهم، وطبع (ط ٢ سنة ١٩٨٧). وحقق الدكتور محمد بن صامل السلمي طبقة صغار الصحابة، وهم الطبقة الخامسة، ونشر منه مجلدين سنة ١٩٩٣ م.(٣) لا شك أنه يشير إلى تاريخه الكبير الذي حققه العلامة عبد الرحمن المعلمي اليماني، ونشرته دائرة المعارف بحيدرباد الدكن بالهند في السنوات ١٣٥٨ - ١٣٦٢ هـ.(٤) وصلت إلينا قطعة من المجلد الثالث منه، وهي في جامع القرويين بفاس، ولم يطبع إلى اليوم.(٥) حقق صديقنا الدكتور أكرم العمري الموجود منه، ونشرته وزارة الأوقاف العراقية في ثلاثة مجلدات سنة ١٩٧٤ - ١٩٧٥ م، ثم أعيد نشره ببيروت، وكلام المصنف يشير إلى أن بعضه قد فقد منذ عصر الذهبي.(٦) لم يصل إلينا.(٧) لم يصل إلينا.(٨) نشر كتاب "التاريخ" لابن أبي شيبة ضمن كتابه "المصنف" وهو فيه ضمن ج ١٢ ص ٥٤٧ - ٥٨٠ و ج ١٣ ص ٥ - ٩٤.(٩) توفي محمد بن عمر الواقدي سنة ٢٠٧ هـ، ولعله يشير إلى كتابه "المغازي" الذي نشره المستشرق مارسدن جونس. ثم أعيد نشره بالأوفست غير مرة في بيروت وطهران، على أن له "التاريخ الكبير" و"الطبقات" الذي أفاد منه تلميذه ابن سعد، ولم يصلا إلينا.(١٠) لم يصل إلينا.
وتاريخ خليفة بن خيّاط، والطبقات له(١).وتاريخ أبي زرعة الدمشقي(٢).والفتوح لسيف بن عمر(٣).وكتاب النّسب للزّبير بن بكّار(٤).والمسند للإمام أحمد(٥).وتاريخ المفضّل بن غسّان الغلابي(٦).والجرح والتعديل عن يحيى بن معين(٧).والجرح والتعديل لعبد الرحمن بن أبي حاتم(٨).ومن عليه رمز فهو في الكتب السّتّة أو بعضها، لأنّني طالعت مسودّة تهذيب الكمال لشيخنا الحافظ أبي الحجّاج يوسف المزّي، ثم طالعت المبيضّة كلّها(٩). فمن على اسمه (ع) فحديثه في الكتب الستّة، ومن عليه (٤) فهو في السّنن الأربعة، ومن عليه (خ) فهو في البخاري، ومن عليه (م) ففي(١) حققهما صديقنا العمري ونشرا ببغداد.(٢) حققه السيد شكر الله بن نعمة الله القوجاني بإشراف عمي العلامة الدكتور ناجي معروف رحمه الله تعالى سنة ١٩٧٣ م، وطبعه مجمع اللغة العربية بدمشق.(٣) لم يصل إلينا. ونشر الدكتور قاسم السامرائي كتابه عن الردة والجمل.(٤) وهو "جمهرة نسب قريش وأخبارها" هو كتاب فخم جدًّا، وصلت إلينا قطعة منه، ونشر العلامة محمود شاكر رحمه الله مجلدًا منه سنة ١٣٨١ هـ.(٥) طبع أول مرة في المطبعة الميمنية بالقاهرة سنة ١٨٩٦ م في ستة مجلدات، ثم أعيد طبعه على هذه الطبعة في أماكن متعددة إلى أن حققه مجموعة من المحققين بإشراف صديقنا علامة الديار الشامية الشيخ شعيب الأرنؤوط وصدر ببيروت في خمسين مجلدًا ١٩٩٣ - ٢٠٠١ م.(٦) لم يصل إلينا.(٧) لعله يشير إلى رواية عباس الدوري عن يحيى بن معين، وقد نشرها الدكتور محمد نور سيف. وقد طبعت من روايات يحيى بن معين: سؤالات ابن طهمان، وابن محرز، والدارمي.(٨) حققه العلامة عبد الرحمن المعلمي اليماني، ونشر في الهند في تسعة مجلدات في السنوات ١٩٥٢ - ١٩٥٦ م. ثم طُبعت عن هذه الطبعة طبعات.(٩) حققته وعلقت عليه، وطبعته مؤسسة الرسالة في بيروت في خمسة وثلاثين مجلدًا (١٩٨٠ - ١٩٩٢ م) وطبع حتى الآن ست طبعات. كما طبع طبعة معتصرة في ثمانية مجلدات كبار من ذوات العمودين (بيروت ١٩٩٧ م). وقد سرق طبعتنا أحد (الدكاترة) السوريين المشهورين بسرقة جهود الآخرين.
مسلم، ومن عليه (د) ففي سنن أبي داود، ومن عليه (ت) ففي جامع الترمذي، ومن عليه (ن) ففي سنن النّسائي، ومن عليه (ق) ففي سنن ابن ماجه. وإن كان الرجل في الكتب إلاّ فرد كتاب فعليه (سوى ت) مثلا، أو (سوى د).وقد طالعت أيضا عليه من التواريخ التي اختصرتها(١):تاريخ أبي عبد الله الحاكم(٢).وتاريخ أبي سعيد بن يونس(٣).وتاريخ أبي بكر الخطيب(٤).وتاريخ دمشق لأبي القاسم الحافظ(٥).وتاريخ(٦) أبي سعد بن السّمعاني، و (الأنساب)(٧) له.وتاريخ القاضي شمس الدين بن خلّكان(٨).(١) انظر تفاصيل ذلك في كتابنا: الذهبي ومنهجه ٢١٥ فما بعد ففيه تفصيل.(٢) أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحاكم النيسابوري المعروف بابن البيِّع المتوفى سنة ٤٠٥ هـ. وقد فقد كتابه، ولم يصل إلينا مختصر الذهبي. ولكن بقي مختصر تاريخ الحاكم للخليفة النيسابوري، نشره بهمن كريمي في طهران سنة ١٣٣٩ هـ شمسي.(٣) لابن يونس المتوفى سنة ٣٤٧ هـ تاريخان، أحدهما خاص بالمصريين، والآخر خاص بالغرباء الذين دخلوا مصر، ولم يصلا إلينا، لكن جمع نصوصه الدكتور عبد الفتاح فتحي عبد الفتاح، ونشره في مجلدين ببيروت ٢٠٠٠ م وهو عمل جيد ومستوعب.(٤) هو "تاريخ مدينة السلام"، طبع في القاهرة سنة ١٩٣١ م طبعة سقيمة، وطبع عن هذه الطبعة طبعات متعددة. ثم يسر الله لنا فجمعنا مخطوطاته من المدينة المنورة، والقاهرة، وتونس، والجزائر، وباريس، ولندن، وأدنبرة، وإستانبول وحققناه، فظهر عن دار الغرب ببيروت في سبعة عشر مجلدًا (٢٠٠١ م). أما مختصر الذهبي فلم يصل إلينا.(٥) طبع مجمع اللغة العربية بدمشق منه عدة مجلدات محققة تحقيقًا علميًّا، ثم طبع في بيروت بأخرة في سبعين مجلدًا طبعة تجارية.(٦) المقصود به: "ذيل تاريخ مدينة السلام"، ولم يصل إلينا، ولا وصل مختصر الذهبي، ووصلت قطعة من مختصر ابن منظور، كما بيناه مفصلًا في مقدمتنا لتاريخ الخطيب.(٧) بدأ بتحقيقه العلامة عبد الرحمن المعلمي منذ سنة ١٩٦٢ م وأصدر منه ستة مجلدات إلى سنة ١٩٦٦ م ثم أكمل في بيروت. وطبع بعد ذلك طبعات تجارية.(٨) هو "وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان" طبع غير مرة، وأفضل طبعاته هي التي حققها صديقنا العلامة إحسان عباس، متعنا الله بعمره.
وتاريخ العلاّمة شهاب الدين أبي شامة(١).وتاريخ الشيخ قطب الدين بن اليونيني، وتاريخه على تاريخ(٢) مرآة الزمان للواعظ شمس الدين يوسف بن الجوزي(٣)، وهما على الحوادث والسّنين.وطالعت أيضا كثيرا من:تاريخ الطبري(٤).وتاريخ ابن الأثير(٥).وتاريخ ابن الفرضيّ(٦).وصلته لابن بشكوال(٧).وتكملتها للأبّار(٨).والكامل لابن عديّ(٩).وكتبا كثيرة وأجزاء عديدة، وكثيرا من: مرآة الزمان(١٠).(١) أظنه يقصد "الروضتين في أخبار الدولتين" وذيله، وكلاهما مطبوع منتشر مشهور.(٢) أي: ذيل على تاريخ مرآة الزمان. وطبعت منه أربعة مجلدات إلى سنة ٦٨٦ هـ.(٣) هكذا تجوَّز المصنف فنسبه إلى جده لأمه أبي الفرج بن الجوزي، والمعروف "سبط ابن الجوزي"، ولكن المصنف ذكر ذلك غير مرة، فظهر أن هذا من أسلوبه رحمه الله.(٤) هو "تاريخ الأمم والملوك" طبع في أوربا ثم طبع بمصر على طبعة أوربا غير مرة، آخرها طبعة أبي الفضل إبراهيم.(٥) هو المعروف بالكامل في التاريخ، طبع في أوربا ثم أعيد طبعه في البلاد العربية على هذه الطبعة، ولعل من أفضلها طبعة دار صادر.(٦) هو كتاب "تاريخ علماء الأندلس" طبع في أوربا أيضًا ثم طبع على هذه الطبعة في البلاد العربية غير مرة.(٧) طبع في أوربا أيضًا، وأعيد طبعه في مصر وغيرها، وهو محتاج إلى تحقيق وضبط.(٨) هو "التكملة لكتاب الصلة" طبع في أوربا، ثم طبع غير مرة، وبقي منه المجلد الثالث إلى أن طبعة الدكتور الهراس، لكن طبعته تحتاج إلى تحقيق وتدقيق ومزيد عناية وضبط.(٩) طبع في بيروت طبعات رديئة جدًّا، وعندي منه نسخ خطية متقنة.(١٠) لا شك أن الموارد التي اعتمدها المصنف في تأليف هذا التاريخ الوسيع أكثر بكثير مما ذكر، يعرف ذلك من يطالع تعليقاتنا على التراجم وبيان الكتب التي اقتبس منها =
ولم يعتن القدماء بضبط الوفيات كما ينبغي، بل اتّكلوا على حفظهم، فذهبت وفيات خلق من الأعيان من الصّحابة، ومن تبعهم إلى قريب زمان أبي عبد الله الشافعيّ رحمه الله فكتبنا أسماءهم على الطّبقات تقريبا، ثم اعتنى المتأخّرون بضبط وفيات العلماء وغيرهم، حتى ضبطوا جماعة فيهم جهالة بالنّسبة إلى معرفتنا لهم، فلهذا حفظت وفيات خلق من المجهولين وجهلت وفيات أئمة من المعروفين. وأيضا فإن عدّة بلدان لم يقع إلينا تواريخها؛ إمّا لكونها لم يؤرّخ علماءها أحد من الحفّاظ، أو جمع لها تاريخ ولم يقع إلينا.وأنا أرغب إلى الله - تعالى - وأبتهل إليه أن ينفع بهذا الكتاب، وأن يغفر لجامعه وسامعه ومطالعه وللمسلمين آمين.= المصنف، فكأنه كتب هذه المقدمة عند أول تأليفه الكتاب ثم لم يعدلها، أو أنه لم ير ضرورة لذلك.
السنة الأولى من الهجرةروى البخاري في صحيحه(١) من حديث الزهري، عن عروة، عن عائشة أن المسلمين بالمدينة سمعوا مخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم. فكانوا يغدون إلى الحرة(٢) ينتظرونه، حتى يردهم حر الشمس، فانقلبوا يوما، فأوفى يهودي على أطم(٣) فبصر برسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه مبيضين يزول بهم السراب، فأخبرني عروة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لقي الزبير في ركب من المسلمين كانوا تجارا قافلين من الشام، فكسا الزبير رضي الله عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر ثياب بياض. قال: فلم يملك اليهودي أن صاح: يا معشر العرب، هذا جدكم(٤) الذي تنتظرون. فثار المسلمون إلى السلاح. فتلقوه بظهر الحرة، فعدل بهم ذات اليمين حتى نزل في بني عمرو بن عوف يوم الاثنين من ربيع الأول. فقام أبو بكر للناس، فطفق من لم يعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم يسلم على أبي بكر حتى أصابت الشمس رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقبل أبو بكر يظله بردائه، فعرف الناس عند ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلبث في بني عمرو بن عوف بضع عشرة ليلة، وأسس مسجدهم. ثم ركب راحلته وسار حوله الناس يمشون، حتى بركت به مكان المسجد، وهو يصلي فيه يومئذ رجال من المسلمين - وكان مربدا لسهل وسهيل - فدعاهما فساومهما بالمربد ليتخذه مسجدا، فقالا: بل نهبه لك يا رسول الله. ثم بناه مسجدا، وكان ينقل اللبن معهم ويقول:هذا الحمال، لا حمال خيبر … هذا أبر - ربنا - وأطهر(١) البخاري ٥/ ٧٣ - ٧٨ بتصرف في النص على عادة المؤلف رحمه الله.(٢) موضع بقرب المدينة يُعرف بحرَّة واقم.(٣) أي: حصن.(٤) أي: حَظُّكم وصاحب دولتكم.
ويقول:اللهم إن الأجر أجر الآخره … فارحم الأنصار والمهاجرهوخرج البخاري من حديث أبي إسحاق عن البراء حديث الهجرة بطوله(١).وخرج من حديث عبد العزيز بن صهيب عن أنس قال: أقبل النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وهو مردف أبا بكر. وأبو بكر شيخ يعرف، والنبي صلى الله عليه وسلم شاب لا يعرف، فيلقى الرجل أبا بكر فيقول: من هذا بين يديك؟ فيقول: رجل يهديني الطريق، وإنما يعني طريق الخير.إلى أن قال: فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم جانب الحرة، ثم بعث إلى الأنصار، فجاؤوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فسلموا عليهما، وقالوا: اركبا آمنين مطاعين. فركبا، وحفوا دونهما بالسلاح. فقيل في المدينة: جاء نبي الله، جاء نبي الله، فأقبل يسير حتى نزل إلى جانب دار أبي أيوب، وذكر الحديث(٢).وروينا بإسناد حسن، عن أبي البداح بن عاصم بن عدي، عن أبيه قال: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول، فأقام بالمدينة عشر سنين(٣).وقال محمد بن إسحاق(٤): فقدم ضحى يوم الاثنين لاثنتي عشرة خلت من ربيع الأول، فأقام في بني عمرو بن عوف - فيما قيل - يوم الاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس، ثم ظعن يوم الجمعة، فأدركته الجمعة في بني سالم بن عوف، فصلاها بمن معه. وكان مكان المسجد مربدا لغلامين يتيمين، وهما سهل وسهيل ابنا رافع بن عمرو من بني النجار - فيما قال موسى بن عقبة - وكانا في حجر أسعد بن زرارة.وقال ابن إسحاق(٥): كان المربد لسهل وسهيل ابني عمرو، وكانا في(١) البخاري ٥/ ٧٨.(٢) البخاري ٥/ ٧٩، ودلائل النبوة ٢/ ٥٢٦ - ٥٢٧.(٣) دلائل النبوة ٢/ ٥١١.(٤) دلائل النبوة ٢/ ٥٠٣.(٥) ابن هشام ١/ ٤٩٤ - ٤٩٦.
حجر معاذ بن عفراء.وغلط ابن منده فقال: كان لسهل وسهيل ابني بيضاء، وإنما ابنا بيضاء من المهاجرين.وأسس رسول الله صلى الله عليه وسلم في إقامته ببني عمرو بن عوف مسجد قباء. وصلى الجمعة في بني سالم في بطن الوادي، فخرج معه رجال منهم: وهم العباس بن عبادة، وعتبان بن مالك، فسألوه أن ينزل عندهم ويقيم فيهم، فقال: خلوا الناقة فإنها مأمورة. وسار والأنصار حوله حتى أتى بني بياضة، فتلقاه زياد بن لبيد، وفروة بن عمرو، فدعوه إلى النزول فيهم، فقال: دعوها فإنها مأمورة. فأتى دور بني عدي بن النجار، وهم أخوال عبد المطلب، فتلقاه سليط بن قيس، ورجال من بني عدي، فدعوه إلى النزول والبقاء عندهم، فقال: دعوها فإنها مأمورة. ومشى حتى أتى دور بني مالك بن النجار، فبركت الناقة في موضع المسجد، وهو مربد تمر لغلامين يتيمين. وكان فيه نخل وخرب(١)، وقبور للمشركين. فلم ينزل عن ظهرها، فقامت ومشت قليلا، وهو صلى الله عليه وسلم لا يهيجها، ثم التفت فكرت إلى مكانها وبركت فيه، فنزل عنها. فأخذ أبو أيوب الأنصاري رحلها فحمله إلى داره. ونزل النبي صلى الله عليه وسلم في بيت من دار أبي أيوب. فلم يزل ساكنا عند أبي أيوب حتى بنى مسجده وحجره في المربد. وكان قد طلب شراءه فأبت بنو النجار من بيعه، وبذلوه لله وعوضوا اليتيمين. فأمر بالقبور فنبشت، وبالخرب فسويت. وبنى عضادتيه بالحجارة، وجعل سواريه من جذوع النخل، وسقفه بالجريد. وعمل فيه المسلمون حسبة.فمات أبو أمامة أسعد بن زرارة الأنصاري تلك الأيام بالذبحة. وكان من سادة الأنصار ومن نقبائهم الأبرار. ووجد النبي صلى الله عليه وسلم وجدا لموته، وكان قد كواه. ولم يجعل على بني النجار بعده نقيبا وقال: أنا نقيبكم. فكانوا يفخرون بذلك.(١) في نسخة: "وحرث"، وما أثبتناه من نسخة البشتكي ٢، ويعضده ما في الصحيحين، وقال النووي: "هكذا ضبطناه بفتح الخاء المعجمة وكسر الراء. قال القاضي: رويناه هكذا، ورويناه بكسر الخاء وفتح الراء، وكلاهما صحيح، وهو ما تَخَرَّبَ من البناء".
وكانت يثرب لم تمصر، وإنما كانت قرى مفرقة: بنو مالك بن النجار في قرية، وهي مثل المحلة، وهي دار بني فلان. كما في الحديث: خير دور الأنصار دار بني النجار(١).وكان بنو عدي بن النجار لهم دار، وبنو مازن بن النجار كذلك، وبنو سالم كذلك، وبنو ساعدة كذلك، وبنو الحارث بن الخزرج كذلك، وبنو عمرو بن عوف كذلك، وبنو عبد الأشهل كذلك، وسائر بطون الأنصار كذلك. قال النبي صلى الله عليه وسلم: وفي كل دور الأنصار خير(٢).وأمر عليه السلام بأن تبنى المساجد في الدور. فالدار - كما قلنا - هي القرية. ودار بني عوف هي قباء. فوقع بناء مسجده صلى الله عليه وسلم في بني مالك بن النجار، وكانت قرية صغيرة.وخرج البخاري(٣) من حديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم نزل في بني عمرو بن عوف، فأقام فيهم أربع عشرة ليلة. ثم أرسل إلى بني النجار فجاؤوا.وآخى في هذه المدة بين المهاجرين والأنصار. ثم فرضت الزكاة. وأسلم الحبر عبد الله بن سلام، وأناس من اليهود، وكفر سائر اليهود. قصة إسلام ابن سلام.قال عبد العزيز بن صهيب، عن أنس قال: جاء عبد الله بن سلام فقال: أشهد أنك رسول الله حقا. ولقد علمت يهود أني سيدهم وابن سيدهم، وأعلمهم وابن أعلمهم، فادعهم فسلهم عني قبل أن يعلموا أني قد أسلمت. فأرسل إليهم فأتوا، فقال لهم: يا معشر يهود، ويلكم اتقوا الله، فوالذي لا إله إلا هو إنكم لتعلمون أني رسول الله فأسلموا. قالوا: ما نعلمه، فأعاد ذلك عليهم ثلاثا. ثم قال: فأي رجل فيكم عبد الله بن سلام؟ قالوا: ذاك سيدنا وابن سيدنا، وأعلمنا وابن أعلمنا. قال: أفرأيتم إن أسلم؟ قالوا:(١) طرف من حديث أبي أُسيد الساعدي، أخرجه أحمد ٣/ ١٩٦ و ٤٩٧، والبخاري ٥/ ٤١ و ٨/ ٢٠ ومسلم ٧/ ١٧٥، والنسائي في الكبرى (٨٣٤٠) و (٣٨٤١) و (٨٣٤٢).(٢) هو طرف من الحديث السابق.(٣) البخاري ٥/ ٨٦.
حاش لله، ما كان ليسلم. قال: يا ابن سلام اخرج عليهم. فخرج عليهم، فقال: ويلكم اتقوا الله، فوالذي لا إله إلا هو إنكم لتعلمون أنه رسول الله حقا، قالوا: كذبت. فأخرجهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. أخرجه البخاري بأطول منه(١).وأخرج من حديث حميد عن أنس(٢)، قال: سمع عبد الله بن سلام بقدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو في أرض، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبي: ما أول أشراط الساعة؟ وما أول طعام أهل الجنة؟ وما ينزع الولد إلى أبيه أو إلى أمه؟ قال: أخبرني بهن جبريل آنفا. قال: ذاك عدو اليهود من الملائكة. قال: ثم قرأ قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك. أما أول أشراط الساعة، فنار تخرج على الناس من المشرق إلى المغرب. وأما أول طعام يأكله أهل الجنة فزيادة كبد حوت. وإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة نزع الولد إلى أبيه، وإذا سبق ماء المرأة نزع إلى أمه. فتشهد وقال: إن اليهود قوم بهت، وإنهم إن يعلموا بإسلامي قبل أن تسألهم عني بهتوني. فجاؤوا، فقال: أي رجل عبد الله بن سلام فيكم؟ قالوا: خيرنا وابن خيرنا، وسيدنا وابن سيدنا. قال: أرأيتم إن أسلم؟ قالوا: أعاذه الله من ذلك. فخرج فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله. فقالوا: شرنا وابن شرنا، وتنقصوه. قال: هذا الذي كنت أخاف يا رسول الله.وقال عوف الأعرابي، عن زرارة بن أوفى، عن عبد الله بن سلام قال: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة انجفل الناس قبله، وقالوا: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم. فجئت لأنظر، فلما رأيته عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب. فكان أول شيء سمعته منه أن قال: أيها الناس، أطعموا الطعام، وأفشوا السلام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام. صحيح(٣).(١) البخاري ٥/ ٧٩ - ٨٠، ودلائل النبوة ٢/ ٥٢٧ - ٥٢٨.(٢) البخاري ٥/ ٨٨ - ٨٩، ودلائل النبوة ٢/ ٥٢٨ - ٥٢٩.(٣) أخرجه أحمد ٥/ ٤٥١، وعبد بن حميد (٤٩٦)، والدارمي (١٤٦٨) و (٢٦٣٥)، وابن ماجة (١٣٣٤) و (٣٢٥١)، والترمذي (٢٤٨٥) وصححه، والبيهقي في الدلائل =
وروى أسباط بن نصر، عن السدي، عن أبي مالك، وأبي صالح، عن ابن عباس؛ وعن مرة، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به؛ قال: كانت العرب تمر باليهود فيؤذونهم. وكانوا يجدون محمدا في التوراة، فيسألون الله أن يبعثه فيقاتلون معه العرب. فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به حين لم يكن من بني إسرائيل(١). قصة بناء المسجد.قال أبو التياح، عن أنس: فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ملأ بني النجار، فجاؤوا فقال: يا بني النجار ثامنوني بحائطكم هذا. قالوا: لا والله، لا نطلب ثمنه إلا إلى الله. فكان فيه ما أقول لكم: كان فيه قبور المشركين، وكان فيه خرب ونخل. فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقبور المشركين فنبشت، وبالخرب فسويت، وبالنخل فقطع. فصفوا النخل قبلة، وجعلوا عضادتيه حجارة، وجعلوا ينقلون الصخر، وهم يرتجزون، ورسول الله صلى الله عليه وسلم معهم، ويقولون:اللهم لا خير إلا خير الآخرة … فانصر الأنصار والمهاجرة.متفق عليه(٢). وفي رواية: فاغفر للأنصار.وقال موسى بن عقبة، عن ابن شهاب، في قصة بناء المسجد: فطفق هو وأصحابه ينقلون اللبن، ويقول وهو ينقل اللبن معهم:هذا الحمال، لا حمال خيبر هذا أبر - ربنا - وأطهر:.ويقول:اللهم لا خير إلا خير الآخرة … فارحم الأنصار والمهاجرة= ٢/ ٥٣١.(١) دلائل النبوة ٢/ ٥٣٦.(٢) البخاري ١/ ١١٧ و ٣/ ٢٥ و ٨٣ و ٤/ ١٤ و ١٥ و ٥/ ٨٦، ومسلم ٢/ ٦٥ و ٥/ ١٨٨، ودلائل النبوة ٢/ ٥٣٩ - ٥٤٠.
قال ابن شهاب: فتمثل رسول الله صلى الله عليه وسلم بشعر رجل من المسلمين لم يسم في الحديث. ولم يبلغني في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تمثل ببيت شعر غير هذه الأبيات.ذكره البخاري في صحيحه(١).وقال صالح بن كيسان: حدثنا نافع أن عبد الله أخبره أن المسجد كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مبنيا باللبن، وسقفه الجريد، وعمده خشب النخل. فلم يزد فيه أبو بكر شيئا. وزاد فيه عمر، وبناه على بنيانه(٢) في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم باللبن والجريد، وأعاد عمده خشبا. وغيره عثمان، فزاد فيه زيادة كثيرة، وبنى جداره بالحجارة المنقوشة والقصة، وجعل عمده من حجارة منقوشة، وسقفه بالساج. أخرجه البخاري(٣).وقال حماد بن سلمة، عن أبي سنان، عن يعلى بن شداد، عن عبادة، أن الأنصار جمعوا مالا، فأتوا به النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: ابن بهذا المسجد وزينه، إلى متى نصلي تحت هذا الجريد؟ فقال: ما بي رغبة عن أخي موسى، عريش كعريش موسى(٤).وروي عن الحسن البصري في قوله: كعريش موسى؛ قال: إذا رفع يده بلغ العريش، يعني السقف.وقال عبد الله بن بدر، عن قيس بن طلق بن علي، عن أبيه قال: بنيت مع النبي صلى الله عليه وسلم مسجد المدينة، فكان يقول: قربوا اليمامي من الطين، فإنه من أحسنكم له بناء(٥).وقال أبو سعيد الخدري: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: المسجد الذي أسس على(١) البخاري ٥/ ٧٨، ودلائل النبوة ٢/ ٥٣٩.(٢) في نسخة البشتكي ٢: "بنائه" وما أثبتناه من النسخ الأخرى والبخاري ١/ ١٢١، ودلائل النبوة، وانظر مسند أحمد ٢/ ١٣٠، وأبا داود (٤٥١)، وصحيح ابن خزيمة (١٣٢٤).(٣) البخاري ١/ ١٢١، ودلائل النبوة ٢/ ٥٤١.(٤) دلائل النبوة ٢/ ٥٤٢.(٥) دلائل النبوة ٢/ ٥٤٢.