شذرات الذهب في أخبار من ذهب (ابن العماد الحنبلي) القسم: التاريخ الكتاب: شذرات الذهب في أخبار من ذهب المؤلف: عبد الحي بن أحمد بن محمد ابن العماد العَكري الحنبلي، أبو الفلاح (ت ١٠٨٩ هـ)حققه: محمود الأرناؤوط [ت ١٤٣٨ هـ]خرج أحاديثه: عبد القادر الأرناؤوط [ت ١٤٢٥ هـ]الناشر: دار ابن كثير، دمشق - بيروت الطبعة: الأولى، ١٤٠٦ هـ - ١٩٨٦ معدد الأجزاء: ١١[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]تاريخ النشر في راميشر: ١ يوليو ٢٠٢٦.
[المجلد السادس]كلمة حول منتخب شذرات الذهب لابن شقدةالحمد لله وحده، والصلاة والسّلام على من لا نبيّ بعده.وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.وبعد: فقد سبقت الإشارة في الكلمة التي كتبتها بين يدي المجلد الخامس من الكتاب، إلى أنني رمزت للنسخة الخطية المعتمدة في تحقيق الكتاب بحرف «آ» وإلى النسخة المطبوعة سابقا في مصر بحرف «ط» وإلى «منتخب شذرات الذهب» ب «المنتخب» ابتداء من المجلد السادس، وذلك في المواطن التي رجعت فيها إليه للتثبت من حال بعض الألفاظ.وأجدني الآن- وقد أنهيت تحقيق المجلد السادس- مضطرّا إلى تعريف القراء ب «منتخب» ابن شقدة وصاحبه. فكتاب «منتخب شذرات الذهب» ليس بمنتخب لكتاب «شذرات الذهب» وحسب كما قد يتبادر إلى الأذهان، بل إنه يضم في ثناياه إضافات وتعقيبات وفوائد ذوات أهمية كبرى، فقد جاء في مقدمة ابن شقدة له ما نصه: «أما بعد: فإني وقفت على كتاب شذرات الذهب في أخبار من ذهب، للشيخ عبد الحي بن أحمد بن محمد بن العماد، الملقب بأبي الفلاح الحنبلي- سقى الله ثراه طيّب الرّحمة والرّضوان، وأسكنه أعلى فراديس الجنان- فوجدته تاريخا ظريفا، جامعا لذكر من سلف من العلماء، والأولياء، والصالحين، وغيرهم. وبعض قصصهم وأيّامهم ونوادرهم وأخبارهم، ما هو فوق المراد، لكن في حجمه كبر على بعض العباد، فاختصرته إلى نحو نصفه،
وانتخبت منه التراجم الظريفة، الحاوية للنّكت والفوائد الشريفة، وحذفت منه نحو النّصف، وذلك طلبا لتسهيل المراجعة والمطالعة، وتقريب الوصول إلى المقصود، بإعانة ربّنا الواحد المعبود، وضممت إليه بعض نكت وحكايات وتراجم وجدتها في بعض كتب التاريخ، ميّزتها بقولي في أولها: قلت، وفي آخرها: انتهى» .وتتألف مخطوطة «منتخب شذرات الذهب» من ثلاثمائة وإحدى وثلاثين ورقة، وقد جاء في آخرها ما نصه: «نقلت من نسخة غالبها من خطّ المؤلّف- رحمه الله أفقر العباد أبي الفلاح عبد الحي بن أحمد بن محمد [بن] العماد، غفر الله له ولمن ستر عيبا رآه، وأصلح فيه خللا أبصرته عيناه. وقد اختصره قريبة الفقير عبد الرحيم بن الشيخ مصطفى بن أحمد بن محمد [بن] شقدة إلى نحو نصفه بعد أن نخبه ونقّاه، وسمّاه منتخب شذرات الذهب في أخبار من ذهب، لطلب تسهيل المراجعة والمطالعة، وذلك في أواخر شعبان سنة أربعين ومائة وألف» .وأما مؤلّف «المنتخب» العلّامة المؤرخ البارع الشيخ عبد الرحيم بن مصطفى ابن شقدة الدّمشقي الصّالحي [١]- فهو كشيخه ابن العماد- لا يمكن التعريف به تعريفا وافيا إلّا من خلال استقراء شامل لكتابه، بل لمجمل آثاره [٢] .وختاما أسأل الله- عز وجل أن يعينني على الانتهاء من تحقيق بقيّة الكتاب، وأن يمدّني ويمدّ والدي [٣]- المشرف على تحقيق الكتاب- بعونه وتأييده، إنه نعم المولى ونعم النّصير.دمشق الشام في التاسع عشر من شهر ربيع الأول لعام ١٤١٠ هـ.محمود الأرناؤوط[١] انظر ترجمته في «سلك الدّرر» للمرادي (٣/ ٥) و «الأعلام» للزركلي (٣/ ٣٤٨- ٣٤٩) الطبعة الرابعة.[٢] وذلك ما سأقوم به وقت دفع «المنتخب» للطبع إن شاء الله تعالى.[٣] تنويه: كل تعليق مختوم بحرف (ع) من الحواشي هو مما تفضل بإضافته والدي حفظه الله أثناء مراجعته للكتاب قبل دفعه للطبع، جزّاه الله عني كل خير.
راموز الصفحة الأولى من منتخب شذرات الذهب
راموز الصفحة الأخيرة من منتخب شذرات الذهب
[المجلد الاول]تقديم الكتاببقلم الأستاذ الدّكتور خالد عبد الكريم جمعة مدير معهد المخطوطات العربيّة الحمد لله وحده لا شريك له، والصّلاة والسّلام على رسوله النّبيّ العربي الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين.وبعد: فحين طلب إليّ الأستاذ محمود الأرناؤوط أن أقدم لهذا الكتاب- الذي يقوم بتحقيقه، وتتولى طبعه دار ابن كثير بدمشق- وجدت نفسي في حيرة شديدة، فماذا يمكنني أن أقول في كتاب بذل محققه ما استطاع من جهد في ضبط نصه والتعليق عليه، وقدم له بمقدمة وافية تحدث فيها عن المؤلّف والكتاب باسطا القول فيهما، فلم يترك زيادة لمستزيد.إنّ خير ما يمكن قوله: إنّ هذا العمل يزكّي نفسه، فهو عمل سار فيه محققه وفق منهج واضح في التحقيق والتعليق، فبدأ بنسخ الكتاب ومقابلة المخطوطة بالنسخة المطبوعة، ثم أخذ في قراءته على والده مرة أخرى، فضبط الأعلام وخاصة ما يحتاج منها إلى ضبط، وخرّج الآيات القرآنية والأشعار. ثم أضاف في مواطن عديدة- وفي هوامش الكتاب- بعض ما يحتاج إليه القارئ من مهمات الحوادث التي فات المؤلّف ذكرها، مع تتبع للنصوص المنقولة للتأكد من صحتها، وفعل ذلك كله في أناة وصبر ودقة.وما أحوجنا في هذه الأيام إلى نشر نصوص تراثنا بهذه الطريقة، بعد أن كثر نشر النصوص بصورة سيئة على أيدي بعض المحققين من حملة الشهادات. وقد رأيت من بعض هؤلاء عجبا، حيث يشوهون النصّ تشويها،
ولو أنهم تركوه في خزائن المكتبات مخطوطا لكان خيرا لنا ولهم.وما أحوجنا أيضا إلى نشر كتب التاريخ الإسلامي التي ما زالت مخطوطة وإعادة نشر ما نشر منها غير محقّق، لما لهذه الكتب من أثر في فهم تاريخنا وتحليل أحداثه تحليلا سليما، بعيدا عن روح العصبية والتحامل.إن قيام الأستاذ محمود الأرناؤوط بنشر هذا الكتاب يعدّ خدمة جليلة للمهتمين بالتراث العربي الإسلامي، وإسهاما منه في تقديم نصّ ذي قيمة علمية كبيرة إلى قرّاء العربية.أما والد المحقق الأستاذ المحدّث الشيخ عبد القادر الأرناؤوط- المشرف على تحقيق الكتاب- فقد خرّج أحاديث الكتاب وفق الأسس العلمية الصحيحة في تخريج الحديث، ولا غرو فهو أحد المحدّثين المتمكنين القلائل في أيامنا، وقد يعجز مثلي عن أن يفيه ما يستحقّ من الثناء، فكفاه فخرا أن يكون محقق «جامع الأصول في أحاديث الرسول» لابن الأثير، وأحد محقّقي «زاد المعاد في هدي خير العباد» لابن قيم الجوزية، فجزاه الله كل خير على ما قدم إلى الإسلام وأهله.وإني لآمل أن يستمر محقق هذا الكتاب الأستاذ محمود الأرناؤوط في بذل الجهد لنشر نصوص أخرى، خدمة لتراثنا العربي الإسلامي.والحمد لله رب العالمين الكويت: ٢٧/ ربيع الأول/ ١٤٠٦ هـ الموافق ٩/ ديسمبر/ ١٩٨٥ م الدّكتور خالد عبد الكريم جمعة
بسم الله الرّحمن الرّحيم مقدّمة المحقّقإن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضلّ له، ومن يضلل فلا هادي له.وأشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا الله حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ٣: ١٠٢ (آل عمران: ١٠٢) .يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ من نَفْسٍ واحِدَةٍ، وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها، وَبَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيراً وَنِساءً، وَاتَّقُوا الله الَّذِي تَسائَلُونَ به وَالْأَرْحامَ، إِنَّ الله كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً ٤: ١ (النساء: ١) .يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا الله وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيداً، يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمالَكُمْ، وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ، وَمن يُطِعِ الله وَرَسُولَهُ فَقَدْ فازَ فَوْزاً عَظِيماً ٣٣: ٧٠- ٧١ (الأحزاب:٧٠، ٧١) .أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله عز وجل، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشرّ الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.أحمدك اللهمّ، يا من حبّبت إلى نفسي طلب العلم، ويسّرت لي أسباب المعرفة بفضلك وكرمك.
وأصلّي وأسلّم على رسولنا محمد، معلّم النّاس الخير، وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين.وبعد: فإن من عظيم فضل الله عز وجل عليّ، أن ولدت في بيت من البيوت التي يذكر فيها اسم الله تعالى صباح مساء، ويتداول العلم في جنباته دراسة وتدريسا آناء الليل وأطراف النهار، وعلى الخصوص من ذلك كتاب الله عز وجل، وسنّة نبيّه المطهرة، مما كان له أكبر الأثر في منهجي وتوجهي في الحياة.وعميد هذا البيت رجل جنّد نفسه للعمل في خدمة مصنفات علماء الأمة الأقدمين ذات الصلة بكتاب الله عز وجل، وسنّة نبيّه المصطفى صلوات الله وسلامه عليه، والتصدّي لنصح الناس في المساجد والمجالس في الحلّ والترحال منذ أكثر من ثلاثين عاما، فكنت أينما دخلت في حجرات دارنا- وأنا طفل صغير- ألتقي بكتب والدي، وأوراقه، وأقلامه.وما من مرة اصطحبني معه فيها إلا وكانت وجهتنا إلى إحدى المكتبات، العامة منها أو الخاصة، وكذلك الحال في زيارة أصدقائه وزملائه، فقد كان معظمهم من أهل العلم والفضل.ولقد فرض واقع وفاة أمي- ولمّا أبلغ الرابعة من عمري- على أبي أن يجعل منّي رفيقا صغيرا له، وذلك لعدم وجود إخوة لي في تلك الحقبة من الزمن ألهو معهم وأمرح، فلم تخلف أمي سواي، رحمها الله تعالى وأسكنها فسيح جنانه، ولم يكن في الدار غير جدتي لأبي، وكانت متقدمة في السن، فكان حرص أبي على عدم إرهاقها بخدمتي يحمله على اصطحابي معه إلى مكتبه الذي كنت ألتقي فيه مع أعداد أخرى كبيرة من الكتب تآلفت هنا وهناك في المكتبات الجدارية المنتشرة في كل غرفة من غرفه.وفي ذلك المكتب أيضا التقيت بعدد كبير من العلماء والباحثين والطلبة من زملاء والدي وأصدقائه ومساعديه، وفي مقدمتهم صاحبه وزميله ورفيق دربه
الأستاذ الشيخ شعيب الأرناؤوط، الذي كان في طليعة من أسهم في تعليمي وتثقيفي وإرشادي وتوجيهي في مراحل مختلفة من الحياة، جزاه الله تعالى خير الجزاء وأحسن مثوبته يوم الدّين.وكل هذه الأسباب جعلتني أقترب من الكتاب أكثر فأكثر، حتى أصبحت أسيرا طيّعا له، فكنت لا أبرح كتابا، حتى أتناول غيره، ولا أغادر مجلة، حتى أتناول غيرها، وكنت أشغل وقتي في أثناء ركوبي في السيارات والحافلات بقراءة الصحف في أكثر الأحيان.وكانت أسعد الأوقات في حياتي، هي تلك الساعات التي كنت أقضيها في مساعدة والدي حفظه الله بتصحيح تجارب الطبع لبعض الكتب التي عني بتحقيقها منذ سنوات طويلة.ثم شدّتني الصحافة إليها، فنشرت عددا من المقالات المنوعة في عدد من المجلات في سورية وغيرها من الأقطار، ثم صنّفت من مجموع ما تخيّرته من تلك المقالات ثلاثة كتب، هي: «الكشكول الصغير» ، و «عناقيد ثقافية» ، و «زهرات الياسمين» .وكنت في أثناء هذه الفترة التي قضيتها في الاهتمام بالصحافة وما يتصل بها، أعدّ العدّة للعمل بين يدي أبي في خدمة كتب التراث العزيز.ولما تأكد لأبي حسن نيّتي في الإقدام على ولوج عالم التراث، وجّهني نحو خدمة كتاب «النصيحة في الأدعية الصحيحة» للإمام الحافظ عبد الغني المقدسي، ولا تسأل عن السعادة التي غمرتني وأنا أعمل به، فقد شعرت بأن أحلامي قد تحققت مرة واحدة، وقد صدر الكتاب فيما بعد عن مؤسسة الرسالة في بيروت، وبذلك انتقلت إلى مرحلة جديدة في الحياة، مرحلة الانقطاع الكامل إلى العمل في خدمة كتب التراث. ولقد كانت سعادة أبي في انصرافي إلى العمل في خدمة كتب التراث أعظم من سعادتي، وكيف لا يكون سعيدا من يرى ولده الأكبر يسير على الطريق ذاتها التي سار عليها من قبل؟ الأمر الذي يجعله على يقين بأن الراية التي حملها لن تسقط- بإذن الله- من بعده.
ثم تابعت رحلتي في عالم التراث، فأخرجت كتاب «إعلام السائلين عن كتب سيد المرسلين» لابن طولون محققا للمرة الأولى، وتبعه «عمدة الأحكام» للحافظ عبد الغني المقدسي، و «الأمصار ذوات الآثار» للذهبي، و «شرح الأربعين النووية» ، فكان عملي في هذه الكتب على صغرها قد متّن صلتي بفن التحقيق، وجعلني أنطلق إلى آفاق بعيدة من التفكير في خدمة مصنفات أكبر منها حجما، وأبعد منها أثرا، فكان أن وقع اختياري على هذا الكتاب- «شذرات الذهب» - لجملة أسباب:أولها: لأنه من كتب التاريخ، وهو الفن الذي أحببته منذ الصغر، وازداد حبّي له أثناء خدمتي لكتاب «إعلام السائلين» ، ومن ثم «الأمصار ذوات الآثار» .وثانيها: لاحتوائه على تراجم مشاهير المحدّثين وغيرهم من أعيان الزمان، وأنا من المغرمين بدراسة سير الرجال، لما فيها من العبر والفوائد.وثالثها: لكونه يؤرّخ بإيجاز لفترة زمنية طويلة تمتد لعشرة قرون، الأمر الذي يجعله من أفضل التواريخ المختصرة في نظري.فعرضت رغبتي في خدمة الكتاب على والدي حفظه الله، وشرحت له رأيي بالكيفية التي يمكن أن يخرج الكتاب على أساسها، فأعجب بالفكرة، وشجعني على المضيّ في تنفيذها، فقلت له: إن انتقال فكرة تحقيق الكتاب إلى حيّز التنفيذ يتوقف على موافقتك على الإشراف على تحقيقه، ومراجعته، وتخريج ما يرد فيه من الأحاديث، فوافق حفظه الله على القيام بذلك، ومن ثم تفضل بالنظر في المنهج الذي وضعته لتحقيق الكتاب فأقرّه بعد مناقشة تناولت عددا من الفقرات فيه.وكان من توفيق الله تعالى ورعايته، أن قيّض لهذا الكتاب ناشرا فاضلا، عمل في طبع كتاب الله عز وجل ونشره لفترة طويلة، وأسهم في انتشار عدد كبير من كتب التراث، هو الأستاذ علي مستو صاحب «دار ابن كثير» ، الذي قدّم لنا كلّ ما يمكن أن يسهم في ظهور الكتاب على أفضل وجه، جزاه الله تعالى خير الجزاء، وجعل تجارته رابحة في الدّنيا والآخرة.
وحين تم تحقيق هذا المجلد من الكتاب، طلبت من والدي أن يتولى كتابة مقدمة التحقيق، فاعتذر وقال: إن الكلام عن تحقيق الكتاب من مهام محقّقه، وهو أعلم الناس بما تم من العمل فيه، ولا يليق بالمشرف أن يضع يده على أيّ من حقوق المحقّق، ولو كان ابنه، أو أحد تلامذته المقرّبين.وأمام واقع الحال هذا توجهت إلى الله تعالى بالسؤال، أن يعينني على كتابة مقدمة تليق بهذا الكتاب العظيم وصاحبه.وقد رأيت من المفيد أن تتضمن هذه المقدمة نبذة عن أهم المؤرّخين الذين نقل عنهم المؤلف مباشرة، أو بالواسطة، والتعريج على دراسة حياة المؤلف، ثم الكلام عن القيمة الفنية لهذا الكتاب، والمنهج الذي اتبع في تحقيقه، وذلك بالتشاور مع والدي حفظه الله.ومن ثم قسّمت المقدمة إلى أربعة فصول هي:١- مشاهير المؤرخين السابقين لابن العماد.٢- ابن العماد.٣- القيمة الفنية لكتاب شذرات الذهب.٤- عملنا في تحقيق الكتاب.وقد استعنت في إعداد هذه المقدمة بكتب جمهرة من العلماء من متقدمين ومحدثين.فأسأل الله عز وجل أن يجعل عملنا هذا متقبلا، وأن يكتب فيه النفع للناس جميعا، وأن يعيننا على إتمام تحقيق بقية الكتاب، إنه خير مسؤول.
وأبو السّوّار العدويّ [١] البصريّ، صاحب عمران بن حصين.وعبد الرّحمن بن كعب بن مالك الأنصاري.وابن أخيه عبد الرّحمن بن عبد الله.وحفصة بنت سيرين، الفقيهة العابدة.وعائشة بنت طلحة التيميّة، التي أصدقها مصعب بن الزّبير مائة ألف دينار.وعبد الرحمن بن أبي بكرة، أوّل من ولد بالبصرة.ومعبد بن كعب بن مالك.وذو الرّمّة الشاعر المشهور. انتهى.قلت: وذو الرّمّة أحد فحول الشعراء، واسمه غيلان، [٢] وأحد العشّاق[١] قلت: جزم ابن معين في «معرفة الرجال» (٢/ ٩٨) طبع مجمع اللغة العربية بدمشق، والبخاري في «التاريخ الصغير» (١/ ١٩٤) ، وابن حبّان في «مشاهير علماء الأمصار» ص (٩٦) بأن اسمه حسّان بن حريث، وفي «العبر» : «صاحب عمران بن حنين» وهو خطأ.وقال ابن حجر في «تقريب التهذيب» (٢/ ٤٣٢) : قيل اسمه حسان بن حريث، وقيل:حريث بن حسان، وقيل: حريف، آخره فاء، وقيل: منقذ، وقيل: حجير بن الربيع.وذكر الذهبي في «الكاشف» (٣/ ٣٠٣) بأنه روى عن علي بن أبي طالب، وعمران بن حصين رضي الله عنهما. وذكره بكنيته ولم يذكر اسمه.[٢] قال الزركلي: هو غيلان بن عقبة بن نهيس بن مسعود العدوي، من مضر، أبو الحارث، ذو الرّمّة، شاعر من فحول الطبقة الثانية في عصره. قال أبو عمرو بن العلاء، فتح الشعر بامرئ القيس، وختم بذي الرّمّة. وكان شديد القصر، دميما، يضرب لونه إلى السواد، أكثر شعره تشبيب وبكاء أطلال، يذهب في ذلك مذهب الجاهليين. وكان مقيما بالبادية، يحضر إلى اليمامة والبصرة كثيرا. وامتاز بإجادة التشبيه. قال جرير: لو خرس ذو الرّمّة بعد قصيدته: «ما بال عينك منها الماء ينسكب» لكان أشعر الناس. مات سنة (١١٧) هـ. «الأعلام» (٥/ ١٢٤) ، وانظر «شرح أبيات المغني» للبغدادي (١/ ٢٣٣) .قلت: وقد طبع ديوانه أربع مرات أفضلها وأجودها التي صدرت بتحقيق الدكتور عبد القدوس أبو صالح.
الفصل الأول مشاهير المؤرخين السّابقين لابن العمادلعلّ أهم ما ينبغي عليّ التأكيد عليه في مستهل هذا الفصل، أن الكلام محصور فيه على المشاهير من علماء التاريخ عند المسلمين ممّن تقدموا ابن العماد واستفاد منهم.وليس المطلوب أن نستقصي جميع المؤرخين من أصحاب المصنفات التي نقل عنها المؤلف، وإلّا لطال الكلام، وتشعب الموضوع، وخرج بنا عن البرنامج المعدّ لهذه المقدمة بعد دراسة مطولة.وليس المطلوب من هذا الفصل أيضا أن يحدّث القارئ عن علم التاريخ كفنّ من الوجهة التاريخية، ففي بعض ما كتب في هذين الجانبين من الدراسات والمصنفات كفاية لمن يريد التوسّع في دراسة هذا الموضوع [١] .وقبل المضي في الكلام عن مشاهير المؤرخين موضوع حديثنا، لا بدّ لنا من الوقوف قليلا عند بعض ما قاله عدد من العلماء المتخصصين في فن التأريخ، وذلك لتقديم إلمامة سريعة بهذا الفن للقارئ الكريم.[١] انظر على سبيل المثال: «مصطلح التاريخ» للدكتور أسد رستم، و «التاريخ العربي والمؤرخون» للدكتور شاكر مصطفى، و «علم التاريخ عند المسلمين» للدكتور فرانز روزنثال، و «إلمامة بالتاريخ عند العرب» الفصل الذي ألحقه الأستاذ عبد الحميد عبادي بكتاب «علم التاريخ» للأستاذ. ج. هرنشو، و «موارد الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد» للدكتور أكرم ضياء العمري.
قال ابن منظور: التأريخ: تعريف الوقت، والتوريخ مثله، أرّخ الكتاب ليوم كذا: وقّته، والواو فيه لغة، وزعم يعقوب [١] أن الواو بدل من الهمزة، وقيل: إن التأريخ الذي يؤرخه الناس ليس بعربي محض، وإن المسلمين أخذوه عن أهل الكتاب، وتأريخ المسلمين أرّخ من زمن هجرة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، كتب في خلافة عمر رضي الله عنه، فصار تاريخا إلى اليوم [٢] .وقال ابن خلدون: اعلم أن فن التأريخ فن عزيز المذهب، جمّ الفوائد، شريف الغاية، إذ هو يوقفنا على أحوال الماضين من الأمم في أخلاقهم، والأنبياء في سيرهم، والملوك في دولهم وسياستهم، حتى تتم فائدة الاقتداء في ذلك لمن يرومه [٣] في أحوال الدّين والدّنيا، فهو محتاج إلى مآخذ متعددة، ومعارف متنوعة، وحسن نظر وتثّبت يفضيان بصاحبهما إلى الحق، وينكبان به [٤] عن المزلّات والمغالط، لأن الأخبار إذا اعتمد فيها على مجرد النقل ولم تحكم أصول العادة وقواعد السياسة وطبيعة العمران والأحوال في الاجتماع الإنساني، ولا قيس الغائب منها بالشاهد، والحاضر بالذاهب، فربما لم يؤمن فيها من المغالط في الحكايات والوقائع، لاعتمادهم فيها على مجرد النقل غثّا أو سمينا، ولم يعرضوها على أصولها، ولا قاسوها بأشباهها، ولا سبروها بمعيار الحكمة والوقوف على طبائع الكائنات، وتحكيم النظر والبصيرة في الأخبار، فضلّوا عن الحق، وتاهوا في بيداء الوهم والغلط، ولا سيما في إحصاء الأعداد من الأموال والعساكر إذا عرضت في الحكايات، إذ هي مظنّة الكذب، ومطيّة الهذر، ولا بدّ[١] هو يعقوب بن إسحاق بن السّكّيت، أبو يوسف، أحد أئمة اللغة والأدب، أصله من خوزستان، تعلم في بغداد، واتصل بالمتوكل العباسي فجعله في عداد ندمائه من أهم مصنفاته كتابه «إصلاح المنطق» قال المبرد: ما رأيت للبغداديين كتابا أحسن منه. مات سنة (٢٤٤) هـ. انظر «الأعلام» للزركلي (٨/ ١٩٥) .[٢] «لسان العرب» «أرخ» (١/ ٥٨) ، وانظر «تاج العروس» للزبيدي «أرخ» ، و «الإعلان بالتوبيخ لمن ذمّ أهل التأريخ» للسخاوي ص (٦) ، و «فتح الباري» لابن حجر (٧/ ٢٦٧- ٢٦٨) .[٣] أي يطلبه.[٤] أي يعدلان به. انظر «لسان العرب» لابن منظور «نكب» (٦/ ٤٥٣٤) .