إنباء الغمر بأبناء العمر - ت حبشي (ابن حجر العسقلاني) القسم: التاريخ الكتاب: إنباء الغُمْر بأنباء العُمر المؤلف: ابن حجر العسقلاني (٧٧٣ - ٨٥٢ هـ)المحقق: د. حسن حبشي [ت ١٤٢٦ هـ]الناشر: المجلس الأعلى للشئون الإسلامية - مصرعام النشر:١٣٨٩ - ١٣٩٢ هـ (جـ ٤ تأخر إلى عام ١٤١٩ هـ)عدد الأجزاء: ٤[تنبيه]: هذه النسخة الإلكترونية أُدخِلَتْ إدخالًا جديدًا عن تحقيق (د. حبشي)، خلافًا لكثيرٍ من النُسَخ الإلكترونية الشائعة[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]تاريخ النشر في راميشر: ١ يوليو ٢٠٢٦.
بسم الله الرحمن الرحيموصلى الله(١) على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلمالحمد لله الباقى وكل مخلوق يفنى، الواقى ولو أعرض عن(٢) عبده لما استغنى. سبحانه له الصفات العلى والأسماءُ الحسنى، قسم الأرزاق والآجال في الطرفين(٣) والأثنا. وقدّر الأحوال خوفًا وأمنا. وكل عنده لأجل مسمى، وقد أحاط(٤) علما فلكل أقصى وأدنى. أحمده وأستعينه وحق لعبده أنه محامده يعني، ولا يحصى الثناء عليه ولو أثنى العبد ما أثنى.وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له: شهادةً ترفع قائلها إلى المقام الأسنى.وأشهد أن محمدا عبده ورسوله المبعوث إلى الثقلين إنسا وجنا، المنعوت بأكرم الأخلاق وأطيب الأعراق من هنا(٥) وتمنّى، المرتقى إلى المراتب العلية حتى كان قاب قوسين أو أدنى، صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه الذين هاجروا وهجروا، وأوذوا(٦) ونصروا، فسبق الآباء وتلاهم الأبنا، صلاة وسلاما يتلازمان(٧) فليلتزمان لمديمهما بالحسنى.أما بعد، فيقول العبد الضعيف أحمد بن علي بن محمد بن محمد بن علي بن أحمد بن محمود بن أحمد بن حجر العسقلاني الأصل. المصريّ المولد. القاهريّ الدار: هذا تعليق جمعت فيه حوادث الزمان الذي أدركتُه منذ مولدى سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة وهلم جرا،(١) في ز "رب يسر، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه"، وفى ع "رب يسر وهون وأعن واختم بخير يا كريم، اللهم صل على سيدنا محمد"، وفى هـ "رب يسر وأعن واختم بخير يا كريم"، وفى ك " .... على سيدنا محمد خير خلقه".(٢) "عن عبده" ساقطة من ظ.(٣) في ك "الطرس الأثنى".(٤) "وقد أحاط علما للكل" في ك، وقد سقطت من ز، ع.(٥) في ك "من دنا وتمنا" وفى هـ "من هنا وهنا" بتشديد نون هنا الثانية.(٦) في ع، ز، ك، هـ "وأووا"، وهذا منظور فيه إلى الآية الكريمة "والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض"، سورة الأنفال، آية رقم ٧٢.(٧) في هـ "متلازمان" … وفي الأصل فليتزمان.
مفصلا في كل سنة أحوال(١) الدول من وفيات الأعيان، مستوعبا لرواة الحديث خصوصا من لقيته أو أجاز لي، وغالب ما أودعته فيه ما شاهدته أو تلقّفْته ممن أرجع إليه أو وجدته بخط من أثق به من مشايخي ورفقتي كالتاريخ الكبير(٢) للشيخ ناصر الدين بن الفرات وقد سمعتُ عليه جملة من الحديث، ولصارم الدين إبراهيم بن دقماق(٣) وقد اجتمعت به كثيرًا وغالب ما أنقله خطه من خط ابن الفرات عنه، وللحافظ العلامة شهاب الدين أحمد بن علاء الدين حجى(٤) الدمشقى وقد سمعت منه وسمع منِّي، والفاضل البارع المتفنِّن تقى الدين أحمد بن علي المقريزى(٥)، والحافظ العالم شيخ الحرم تقى الدين محمد بن أحمد بن علي الفاسي(٦) القاضي المالكي بمكة، والحافظ المكثر صلاح الدين خليل بن محمد بن محمد الأقفهسي(٧) وغيرهم.وطالعت عليه تاريخ القاضي بدر الدين محمود العيني(٨)، وذكر أن الحافظ عماد الدين ابن كثير(٩) عمدته في تاريخه وهو كما قال، لكن منذ قطع ابن كثير صارت عمدته على تاريخ ابن دقماق، حتى يكاد يكتب منه الورقة الكاملة متوالية وربما قلّده فيما يهِم فيه حتى في اللحن الظاهر مثل "أُخلع على فلان"، وأعجب منه أن ابن دقماق يذكر في بعض الحادثات ما يدل على أنه شاهدها فيكتب البدر كلامه بعينه بما تضمنه، وتكون تلك الحادثة وقعت(١) "أحوال الدول" غير واردة في ز.(٢) المقصود بذلك كتاب تاريخ الدول والملوك لابن الفرات (٧٣٥ - ٨٠٧ هـ) الذي نشر بعض أجزائه الأخيرة الدكتوران قسطنطين زريق ونجلاء عز الدين.(٣) هو إبراهيم بن محمد بن دقماق المؤرخ المصرى المتوفى سنة ٨٠٩ هـ.(٤) هو أحمد بن حجى بن موسى السعدي الحسباني الدمشقى المتوفى سنة ٨١٦ هـ، وقد ذيل كتابا في التاريخ على الذهبي بدأ فيه من سنة ٧٤١ هـ حتى سنة ٨١٥ هـ، انظر الضوء اللامع، ج ١ ص ٢٧٠.(٥) هو تقي الدين أحمد بن علي المقريزى المتوفى سنة ٨٤٥ هـ والمعروف بمؤرخ الديار المصرية، وصاحب السلوك، والخطط وغيرهما.(٦) ولد الفاسي بمكة سنة ٧٧٥ هـ، ورحل كثيرا في طلب الحديث، ووصفه ابن حجر في معجمه بأنه لم يكن في الحجاز مثله، وقد اهتم بالتاريخ وبأخبار مكة خاصة، وله فيها كتاب "شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام"، "والعقد الثمين في تاريخ البلد الأمين"، ومات سنة ٨٣٢ هـ.(٧) كانت بينه وبين ابن حجر مودة وسمع كل منهما على الآخر، ومات سنة ٨٢٠ هـ.(٨) يقصد بذلك عقد الجمان للعينى المتوفى سنة ٨٥٥ هـ، انظر الضوء اللامع ١٠/ ٥٤٥.(٩) هو عماد الدين إسماعيل بن عمر بن كثير البصروي صاحب كتاب البداية والنهاية في التاريخ، وسيورد ابن حجر ترجمته في وفيات سنة ٧٧٤ هـ.
بمصر وهو بعيد(١) في عينتاب(٢)، ولم أتشاغل بتتبع عثراته، بل كتبتُ منه ما ليس عندى، مما أظن أنه اطلع عليه من الأمور التي كنّا نغِيب عنها ويحضرها، وسمّيتُه:إِنْبَاءِ الغُمْرِ: بِأَنْبَاء(٣) العُمْرِوالله أسأل أن يختم لنا بخير.* * *وهذا الكتاب يحسن من حيث الحوادث أن يكون ذيلا على ذيل(٤) تاريخ الحافظ عماد الدين بن كثير، فإنه انتهى في ذيل تاريخه إلى هذه السنة؛ ومن حيث الوفيات أن يكون ذيلًا على الوفيات التي جمعها الحافظ تقى الدين بن رافع(٥) فإنها انتهت أيضا إلى أوائل هذه السنة، وعلى الله تعالى أعتمد، ومن فيض كرمه أستمد وهو المستعان، وعليه التكلان.ثم قدّر الله سبحانه لي الوصول إلى حلب(٦) - حرسها الله تعالى - في شهر رمضان سنة ست وثلاثين [وثمانمائة]، فطالعتُ تاريخها الذي جمعه الحاكم بها العلّامة الأوحد الحافظ. علاء الدين(٧) ذيلًا على تاريخها لابن العديم وقد بيض أوائله، فطالعْتُه كله من المبيضة ثم من المسودة، وأَلحَقتُ فيه أشياء كثيرة، وسمعتُ منه أيضا وسمع منِّي، متّع الله ببقائه.* * *(١) في ظ، هـ "بعد".(٢) عينتاب التي ينسب إليها المؤرخ العينى، قلعة حصينة ورستاق قرب حلب، كما أن رستاقها دلوك، راجع ابن الحق البغدادي: مراصد الاطلاع ٢/ ٩٧٧.(٣) في ظ "انباء" بدون همزة للألف الأولى، ولكن توجد نقطة فوق النون وفى هـ "أبناء".(٤) "ذيل" غير واردة في ظ.(٥) راجع ترجمته في وفيات ٧٧٤ هـ، وفى الدرر الكامنة لابن حجر ٣/ ١١٧٦، وابن قاضي شهبة: الأعلام بتاريخ أهل الإسلام (صورة شمسية بدار الكتب المصرية) ورقة ١٢٢٤، وشذرات الذهب لابن العماد الحنبلي ٦/ ٢٣٤، هذا وقد نشر له عباس العزاوي كتاب "تاريخ علماء بغداد" المسمى "منتخب الآثار"، بغداد ١٩٣٨.(٦) وذلك صحبة الحملة التي قام بها الملك الأشرف برسباي، ولكنها لم تؤد إلى نتيجة، وقد كان من رأى ابن حجر الذي لم يبخل به علي برسباى هو ألا جدوى من هذه الحملة.(٧) أمامها في هامش هـ "أبي عثمان بن خطيب الناصرية الشافعي"، وتحتها أمام ابن العديم "وأظن أنه صاحب كتاب المستطرف في كل فن مستظرف".
سنة ثلاث وسبعين وسبعمائةاستهلّت والخليفة، المتوكل المعتضد محمد بن المكتفى بن الحاكم العباسي.وسلطان الديار المصرية؛ الأشرف شعبان بن الأمير حسين بن الملك الناصر محمد بن الملك(١) المنصور قلاون النجمي(٢) الصالحي.ومدبّر المملكة، منكلي بُغَا(٣)، والدوادار الكبير طُشْتُمُر(٤)، ونائبه بدمشق منجك(٥) [اليوسفى]، ونائبه بحلب؛ أشِقْتَمِر(٦) ثم نُقل عن قريب لطرابلس واستقر أيْدَمر(٧).وصاحب(٨) مكة؛ عجلان بن رُمَيْثة، وسيأتي نسبه في سنة وفاته.وصاحب المدينة؛ عطية(٩) بن منصور بن جماز بن هبة الحسيني.(١) بعدها في ز "الأشرف بن الملك".(٢) غير واردة في ظ، هـ.(٣) هو منكلي بغا بن عبد الله الشمسى الذي رقاه الأشرف سعبان بن حسين واختصه حين ولاه حلب - بأمر جديد في الدولة المملوكية ذلك أنه أضاف إليه من عسكر الشام أربعة آلاف فارس "لتبقى منزلته أكبر من منزلة نائب الشام" على حد قول أبي المحاسن في المنهل الصافى ٣/ ٣٦٧ ا - ٣٦٧ ب؛ والدرر الكامنة ٤/ ٩٩٨، ويلاحظ هنا أن تعبير "مدبر المملكة" يقصد به وظيفة "الأتابكية".(٤) لم يترجم له ابن حجر في الدرر الكامنة إذ أن الترجمة الواردة هناك ٢/ ٢٠١٨ من قلم االسخاوي كما يستفاد من الحاشية في المرجع المذكور، ويلاحظ أن طشتمر بن عبد الله العلائي هذا هو أول دوادار في تاريخ الإدارة المملوكية صار أسير مائة مقدم ألف، راجع النجوم الزاهرة: ١١/ ٥٥. والمنهل الصافى ٢/ ٢٢٨ ا.(٥) أبو المحاسن: المنهل الصافى ٣/ ٣٦٤ ا - ٣٦٦ ب.(٦) أبو المحاسن: المنهل الصافى ١/ ٢٢٧ ا، ولعل أهم عمل قام به أشقتمر في الدولة المملوكية هو نجاحه في إتمام فتح "سيس" وإزالته الدولة الأرمنية، ويلاحظ المشتغلون بالتاريخ المملوكي أهمية هذا الفتح في أن "سيس" أصبحت نيابة عقب الفتح المصرى مباشرة.(٧) هو الأمير أيدمر بن عبد الله الأنوكي المعروف عند الحلبيين في وقته: "بسلام عليكم"، الدرر الكامنة ١/ ١١٢٧، والمنهل الصافى ١/ ٢٨٩ ب.(٨) ربما كان لكلمة "صاحب" هنا دلالة تختلف عن دلالتها في غير هذا الموضع وسبب ذلك أن عجلان بن رميثة وأخاه ثقبة عمدا في سنة ٧٤٤ هـ إلى شراء إمرة مكة من أبيهما رميثة - حين كبر وضعف - بستين ألف درهم وصار لكل منهما الحكم. راجع الفاسي: العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين، ورقة ١١٣ ب، وابن دحلان: أمراء البيت الحرام، ص ٣١ - ٣٢، والمنهل الصافي ٢/ ٣٧٦ ا - ب.(٩) هكذا في ظ، ل، ز، ك، ولكنه "عطيفة" في المنهل الصافي ١/ ٤٤٩ أ.
وصاحب البلاد اليمنية: الأفضل عباس(١) بن المجاهد على بن المؤيد داود بن المظفر يوسف ابن المنصور عمر بن علي بن رسول.وصاحب ماردين؛ الملك المظفر داود(٢) بن الصالح محمود بن الغازي الأرتقي.وصاحب حصن كيفا(٣)؛ الملك الصالح أبو بكر(٤) بن العادل غازي بن العادل مجير الدين محمد بن الكامل أبي بكر بن الموحد عبد الله بن المعظّم توران شاه بن الصالح أيوب ابن الكامل محمد بن العادل أبي بكر بن أيوب.وصاحب الروم؛ مراد بك بن عثمان التركماني.وصاحب العراق؛ أويس بن الشيخ [حسن بن الشيخ](٥) حسين بن آقبغا: ونائبه على تبريز ولده السلطان حسين(٦).وصاحب أرزن(٧) الروم؛ القاهر على بن المنصور جلال الدين بن عماد الدين السلجوقي.وصاحب خراسان وبلاد العجم والشرق؛ تيمور الملقب "باللنك"(٨)، وقد عاث فيها بالنهب والتخريب.(١) توفي الأفضل عباس سنة ٧٧٨ هـ، راجع المنهل الصافى ٢/ ٢٥٣ ب - ٢٥٤ ا؛ هذا وللأفضل كتاب "العطايا السنية في ذكر أعيان اليمنية" وهو مخطوط بدار الكتب المصرية ضمن مجموعة رقم ٣٥١ تاريخ.(٢) راجع الدرر الكامنة ٢/ ١٦٧٨ وحاشية رقم ٧ به، ويستفاد من كتاب تاريخ ماردين لعبد السلام المارديني (مخطوط بدار الكتب المصرية) ورقة ١٢٦ ب - ١٢٧ ا أنه كانت للمظفر هذا أخت تدعى "دنيا خاتون" تاقت إلى السلطان وكانت مسموعة الكلمة، فشجعها بعض الوزراء على التطلع إلى احتجان السلطة لنفسها دون أخيها الذي قبضت عليه وحبسته، ولكن لم يطل حبسه فخرج من السجن وقبض عليها وقتلها، وليس في المراجع التي بين أيدينا - ما ترجم منها له أو لولده عيسى - ما يشير إلى شيء من هذه الأحداث، راجع أيضا المنهل الصافى ٢/ ٨٠ ب، ٣/ ٤٩٥ ا - ٤٩٦ ب.(٣) بلدة وقلعة يبين آمد وجزيرة ابن عمر من ديار بكر، انظر مراصد الاطلاع، ١/ ٤٠٧.(٤) هو من نسل صلاح الدين الأيوبى.(٥) أضف ما بين الحاصرتين للتصحيح من العزاوي: العراق بين احتلالين ٢/ ١٣٧، انظر الدرر الكامنة ١/ ١٠٩٢، والمنهل الصافى ١/ ٢٧٢ ب - ٢٧٣ ا.(٦) راجع المنهل الصافي ٢/ ٤١ ب - ٤٢ ا.(٧) هي بلدة من بلاد أرمينية، راجع مراصد الاطلاع، ١/ ٥٥، وانظر أيضا لي سترانج: بلدان الخلافة الشرقية ترجمة بشير فرنسيس وكوركيس عواد (مطبعة بغداد).(٨) "اللنك" في ز.
وصاحب فاس؛ أبو فارس عبد العزيز بن أبي الحسن المريني(١).وصاحب الأندلس؛ ابن الأحمر(٢).وصاحب تلمسان؛ [أبو حمو موسى(٣) بن يوسف] الحفصي.وصاحب تونس؛ [أبو العباس أحمد المستنصر(٤) ٧٧٢ - ٧٩٦ هـ].والقضاة بمصر: الشافعي البهاءُ أبو البقاء(٥)، والحنفى السراج الهندى(٦)، والمالكي البرهان الإخنائي(٧)، والحنبلي نصر الله.وكاتب السر البدر محمد(٨) بن فضل الله، وناظر الجيش؛ محب الدين، والوزير فخر الدين بن التاج موسى بن أبي شاكر.وقضاة دمشق؛ الشافعي الكمال المعرى(٩)، والحنفى نجم الدين بن العزِّ(١٠)، والمالكي الزين بن المارداني(١١) والحنبلي علاء الدين العسقلاني(١٢).(١) راجع ترجمته في كتاب تواريخ مدينة فاس (طبعة بالرم ١٨٧٨) ص ٥٤، وكذلك في ابن أبي العافية: جذوة الاقتباس فيمن حل من الأعلام مدينة فاس، ص ٢٦٨، والسلوك للمقريزي، ورقة ٧٦ ب - ٧٧ ا، وشذرات الذهب ٦/ ٢٣٢.(٢) سترد ترجمته في وفيات سنة ٧٩٣.(٣) الإضافة من زامباور: معجم الأنساب، ١/ ١١٩.(٤) فراغ في جميع النسخ وقد أضيف ما بين الحاصرتين بعد مراجعة زامباور، شرحه ١/ ١١٦.(٥) هو قاضي القضاة محمد بن عبد البر بن يحيى السبكي، وسترد ترجمته في وفيات سنة ٧٧٧ هـ، راجع أيضا الدرر الكامنة ٣/ ١٣١٦؛ المنهل الصافي ١٣/ ١٧١ ا - ب.(٦) سترد ترجمته مطولة في وفيات هذه السنة، راجع أيضا ابن حجر: رفع الإصر عن قضاة مصر، ورقة ١٩٩ ب - ٢٠٠ ب.(٧) هو إبراهيم بن محمد بن أبي بكر، راجع عنه الدرر الكامنة ١/ ١٥٦، والمنهل الصافي ١/ ١٣٠ ا، وشذرات الذهب ٦/ ٢٥٠.(٨) "محمد" غير وارد في ز.(٩) هو كمال الدين عمر بن عثمان بن هبة الله المتوفى سنة ٧٨٣ هـ، انظر هنا وفيات هذه السنة والدرر الكامنة ٣/ ٤١٦، وقضاة دمشق لابن طولون الصالحي، ص ١١١.(١٠) يعنى بذلك ابن الكشك.(١١) في ز، هـ "الماروني".(١٢) هو قاضي قضاة الحنابلة نصر الله بن أحمد بن محمد الكناني العسقلاني الذي ظل في ولاية القضاء استقلالا منذ سنة ٧٦٩ حتى وفاته عام ٧٩٥ هـ، وهو واحد ممن تفقه عليهم ابن حجر وذكرهم في المعجم المفهرس والدرر الكامنة ٤/ ١٠٦٨، راجع أيضا السلوك للمقريزي، ورقة ٢٣٤ ا، والمنهل الصافي ٣/ ٣٨٠ ب - ٣٨١ ا.
وكاتب السر؛ فتح الدين بن الشهيد(١)، وناظر الجيش، تاج الدين بن مشكور، والوزير ناج الدين بن شمس الدين بن التاج.* * * فمن الحوادث في هذه السنة:كائنة شمس الدين الركراكي(٢) أحد فضلاءِ(٣) المالكية، وكان من الطلبة بالشيخونية(٤) فوقع(٥) بينه وبين شيخها أكمل الدين فقام عليه، ورفعه إلى الحكام وادعى عليه بما يقدح في الشريعة(٦)، وعُقد له مجلس لذلك عند أُلْجَاي ثم حقن دمه ونُفى إلى الشام(٧)، ثم آل أمره إلى أن ولى قضاءَ المالكية بعد مدة كما سيأتي.وفيها كائنة بعادة القبطى مشارف المواريث(٨) الحشرية، أدُّعِيَ عليه بأشياء منها أنه يديم ترك الصلاة، فحكم بعض المالكية بقتله فقُتِل وطيف برأسه، وكان الرهوني(٩)(١) راجع النجوم الزاهرة ١١/ ٥٢، Wiet Secretaires de Chancelier P. ١، ٣، ٤ Nos. I، III، & IV.(٢) هو قاضي قضاة المالكية فيما بعد محمد بن يوسف الركراكي المغربي الأصل، وكان شديدا في الحق، أنكر على منطاش ما أراده من فتوى بتكفير برقوق رغم مصادقة ابن خلدون والسراج البلقيني، وكانت شخصيته مبعث خلاف في تقدير المؤرخين إياه، ويستفاد مما ذكره المقريزى في الخطط ٢/ ٤٣٣، أن الكثيرين كانوا يعتقدونه وأن له زاوية تحمل اسمه، راجع المنهل الصافي ٣/ ٣٢٠ ا، السلوك ورقة ٢٢٤ ب، رفع الأمر ورقة ٢٥٨ ب - ٢٥٩ ب.(٣) "الفضلاء" في ز.(٤) راجع عنها المقريزي: الخطط، ٢/ ٣١٣.(٥) عبارة "فوقع .... إلى الحكام" غير واردة في ظ.(٦) الظاهر أن ما طبع عليه الركراكي من الاعتداد بنفسه واستهتاره بالكبار أوغر الصدور عليه حتى "أغروا به وتعصبوا عليه وكتبوا فيه محاضر ونسبوه إلى العمل بالسحر والنجوم" كما يقول ابن حجر في رفع الإصر، ورقة ٢٥٨ ب - ٢٥٩ ا.(٧) من هنا حتى آخر الخبر غير وارد في ظ، ولكن جاء فيها "ثم عاد بعد مدة".(٨) الحشرية هم الذين يموتون بلا وريث وحينذاك تؤول متعلقاتهم إلى بيت المال، وكان لهم ديوان خاص بهم عرف بديوان المواريث الحشرية، وفى مرسوم سنة ٧٠٠ هـ الخاص بتنظيم المعاملات الوراثية لأهل الذمة إشارة إلى تضخم أموال هذا الديوان، راجع ابن مماتي: قوانين الدواوين، ص ٣٠٦، ٤٥٣، والقلقشندي: صبح الأعشى، ٤/ ٣٣، ١٣/ ٣٨٥، Quatremere: Histoire des Soultans Mamlouks، t. II. pt. I، p. ١٣١، No. ١٦،أما "المشارف"، فاصطلاح مملوكي لمن يتولى الإشراف على هذا الديوان.(٩) هو يحيى بن عبد الله الرهونى من أئمة المالكية، وسترد ترجمته في وفيات هذه السنة، ورغم موقفه هذا فقد ضربت عنق "بعادة" في أول جمادى الأولى، راجع السلوك للمقريزي، ورقة ٧٢ ب، والدرر الكامنة لابن حجر ٤/ ١١٦٤.
قد تَعصب له وأفتى بحقن دمه فلم يُقْبل منه. وفى ذلك يقول شهاب الدين بن العطار(١):أَضْحَى بِعَادَة يُخْفِي … كُفْرًا وَيُبْدِي عِبَادَهْ(٢)وَلَوْ تَشَهَّدَ قَالُوا … والله مَاذا بعَادَهْوفيها زاد النيل زيادة مفرطة. وثبت إلى أيام(٣) من هاتور. فاجتمع جماعة بالجامع الأزهر وجامع عمرو: وسألوا الله تعالى في هبوطه وكرروا ذلك، فهبط، وزرع الناس، وقال في ذلك شهاب الدين بن العطار وشهاب الدين بن أبي حَجْلة(٤) مقامته المشهورة.وفيها أمر السلطانُ الأشرافَ أن يمتازوا عن الناس بعصائب(٥) خضر على العمائم، ففُعل ذلك في مصر والشام وغيرهما. وفى ذلك يقول أبو الله عبد [محمد بن(٦) أحمد] بن جابر الأندلسي الأَعمى نزيل حلب:(١) هو أحمد بن محمد الدنيسرى أبو العباس بن العطار، وسترد ترجمته هنا في الأنباء في وفيات سنة ٧٩٤ هـ.(٢) في ظ، هـ "عناده" والصواب ماذكرناه.(٣) في نشق الأزهار (مخطوطة المتحف البريطاني) ورقة ٢١٥ ب "اخر هاتور"، أما ابن شهبة: الأعلام، ورقة ٢٠٩ ا، فيقول إنه "استمر على حاله إلى أن انقضى شهر بابه ودخل هاتور"، وفى السلوك، ورقة ٧٢ ب، "وثبت حتى مضى من هاتور عدة أيام"، هذا وقد بلغ الفيضان ٢٢ ذراعًا واستمر ثابتا إلى آخر هاتور (= ٢٧ نوفمبر ١٣٧١)، راجع تقويم النيل لأمين سامي ١٨٨٠١، والتوفيقات الإلهامية، ص ٣٨٧، ٣٨٩، ويلاحظ أن نشق الأزهار أورد بيتين لابن الصاحب يقول فيهما:طغى النيل عن حد عاداته … وعلمنا الجهل في العالمينفصرنا نكشف عوراتنا … وكنا نخوض مع الخائضين(٤) هو الشاعر الأديب أحمد بن يحيى بن أبى بكر المولود بتلمسان من المغرب، وقدم إلى مصر وتولى مدرسة الأمير منجك اليوسفى، وكانت بينه وبين ابن الفارض خصوصة، راجع الدرر الكامنة ١/ ٨٢٦، والأعلام لابن قاضي شهبة، ورقة ٢٢٣ ا، والمنهل الصافى ١/ ١٦٩ ب.(٥) العصابة في اللغة - بكسر العين - العمامة، والجمع عصائب، وقد سماها جواهر السلوك في سياسة الخلفاء والملوك (مخطوط بالمتحف البريطانى) ورقة ٢٦٣ ب، س ٥ "شطفات"، وعرف دوزى الشطفة في الاصطلاح المملوكي بأنها:La piéce d'étoffe qui en forme la partie essentielle، ce drapeau flattait au dessus de la tête du Sultan et formait l'attribut de la Souver aineté، on l'appelait aussi " عصابة Supp. Dict. Ar. I، p. ٧٥٩وانظر أيضا ابن أبي حجلة في النجوم الزاهرة ١١/ ٥٧، وتاريخ البدر للعينى (مخطوطة بالمتحف البريطاني) ورقة ٢٨٥ ا، ٢٢٧. Quatremite : op.cit : I، pt. I، p(٦) الإضافة من تاريخ البدر للعينى، ورقة ٨٥ ا، والعمرى: الآثار الجلية في الحوادث الأرضية. مخطوط بالمتحف البريطاني. ورقة ٥٨ ا.
جعلوا لأبناء الرَّسُولِ علامَةً … إن العلامةَ شأنُ من لم يشهر(١)نور النبوة في كريم وجوههم … يعني الشريف عن الطراز الأَخضروقال في ذلك جماعة(٢) من الشعراء ما يطول ذكره، ومن أحسنها قول الأديب شمس الدين محمد بن إبراهيم بن بركة الدمشقى المزين، وأنشدني إياه إجازة:أطرافُ تيجان أتتْ من سندسٍ … خضر كأعْلامٍ(٣) على الأشرافِوالأشرف السلطان خصّهُمُوا(٤) بها … شرفا ليفرقهم عن(٥) الأطراف* * *وفي صفر استقر شرف الدين موسى بن أرقطاى في نبابة صفد عوضا عن علم دار.وفيها استقر شمس الدين بن الصائغ(٦) الحنفى في قضاء العسكر(٧) و [في] تدريس(٨) التفسير بجامع ابن طولون عوضًا عن السراج الهندى(٩) بعد موته.واستقر في تدريس مدرسة الشافعي بهاء الدين أبو البقاء عوضا عن بهاء الدين السبكي(١٠).(١) في ظ "يسفر"، وفى ز "يشتهر".(٢) راجع أمثلة من الشعر الذي قيل في هذه المناسبة في النجوم الزاهرة ١١/ ٥٦ - ٥٧ (وطبعة بوبر ٥/ ٢١٧) وتاريخ البدر للعيني، ورقة ٨٥ ا، والعمرى: الآثار الجلية في الحوادث الأرضية، ص ١٥٨.(٣) في ل، ع، ز، ك "بأعلام" راجع أيضا النجوم الزاهرة ٥/ ٢١٦، على أنه يلاحظ أن هذين البيتين قد نسبها العيني في عقد الجان، ٢٢/ ١٦٥، إلى الحسن بن حبيب الحلبي.(٤) خصصهم" في تاريخ البدر للعينى، ورقة ٨٥ ا،(٥) "من" في ز، هـ. وفى النجوم الزاهرة ١١/ ٥٦: … خصصهم بها شرفا لتعرفهم من الأطراف.(٦) هو محمد بن عبد الرحمن بن علي المصرى الحنفى المعروف بابن الصائغ، وهو جد المقريزى لأمه وقد تولى من المناصب الهامة إفتاء دار العدل، راجع عنه السلوك، ورقة ٨٧ ب، والدرر الكامنة ٣/ ١٣٤٧، والاعلام لابن قاضي شهبة، ورقة ٢٢٦ ا - ب، والمنهل الصافي ٣/ ١٧٧ ا - ١٧٨ ا.(٧) فيما يتعلق بوظيفة قاضى العسكر راجع ابن فضل الله: التعريف بالمصطلح الشريف، ص ١٢٣ - ١٢٤، Demombynes: La Syrie à l'epoque de Mamlouks. Introd.، p. Lxxvil، p. ١٦١; Ayalon: Structure of the Mamlouk Army. (BSOAS.، pt. III)، p. ٦٧.(٨) الجملة الواردة من هذه الكلمة حتى "القرمى العفيفى" في الصفحة التالية، س ٢، واردة في ع، ز على الصورة التالية "وتدريس جامع ابن طولون عوضا عن بهاء الدين السبكي، واستقر كمال الدين السبكي في إفتاء دار العدل عوضا عن بهاء الدين أيضا، واستقر في تدريس الشيخونية عوضا عنه الشيخ ضياء الدين القرمى العفيف" ووردت في ز "وتدريس جامع ابن طولون عوضا عن بهاء الدين السبكي، واستقر كمال الدين السبكي في إفتاء دار العدل عوضا عن بهاء الدين".(٩) ابن العماد الحنبلي: شذرات الذهب ٦/ ٢٢٨.(١٠) ابن حجر: الدرر الكامنة ١/ ٥٥٤، المقريزي: الخطط ٢/ ٣١٦، ابن العماد الحنبلي: شذرات الذهب ٦/ ٢٢٦.
واستقر جمال الدين(١) السبكي في إفتاء دار العدل(٢) عوضا عن بهاء الدين أيضا، واستقرَّ في تدريس الشيخونية عوضا عنه الشيخُ ضياءُ الدين القرمى(٣) العفيفي.وفيها استقر القاضي برهان الدين بن جماعة(٤) في قضاء الشافعية عوضا عن أبي البقاء السبكي(٥)، وكان ابتداءُ ذلك أن القاضي برهان الدين الإخنائي(٦) بحث مع أبي البقاء، فقال أبو البقاء: "لو كان مالك حيا لناظرْتُه في هذه المسألة"، أو نحو ذلك، فزبره البرهان [الإخنائى] وقال: "لو غيرك قالها لأوقعت فيه الفعل(٧) "، وتفارقا. فاتفق أن السلطان عزل أبا البقاء عقب ذلك عزلًا فاحشا(٨)، فاستقر في الأَذهان أن ذلك ببركة الإمام مالك. وكانت صورة عزله أنه حضر دار العدل على العادة وذلك(٩) في جمادى الأولى، فقام القضاة وتوجهوا إلى الجامع(١٠) فجلسوا فيه على العادة في ذلك الوقت، فجاء شخص إلى أبي البقاء(١) شذرات الذهب ٦/ ٢٤٢ وفي هـ "كمال".(٢) راجع المقريزي: الخطط ٢/ ٢٠٥.(٣) ترجم له ابن حجر في الدرر الكامنة مرتين الأولى ٢/ ١٩٨٨ باسم "ضياء الدين"، والثانية باسم عبد الله ٢/ ٢١٤٣، انظر الشذرات ٦/ ٢٦٦.(٤) الدرر الكامنة ١/ ٩٥، ابن طولون: قضاة دمشق، ص ١١٢ - ١١٥، راجع أيضا ترجمته في المنهل الصافى ١/ ٧٨.(٥) الدرر الكامنة ٣/ ١٣١٦، المقريزي: الخطط ٢/ ٤٨، قضاة دمشق، ص ١٠٦ - ١٠٧، وشذرات الذهب ٦/ ٢٥٣ - ٢٥٥. هذا ويلاحظ أن ابن دقاق لم يذكر في كتابه "الجوهر الثمين في سير الملوك والسلاطين" من أحداث سنة ٧٧٣ هـ سوى هذا الخبر.(٦) ابن حجر: الدرر الكامنة ١/ ١٥٦، أبو المحاسن: المنهل الصافي ١/ ١٣٠.(٧) في السلوك، ورقة ٧٣ ا "إيش أنت حتى تذكر مالكا؟، والله لو كان غيرك لفعلت به كذا، يعني القتل".(٨) أشار ابن حجر في رفع الإصر، ورقة ٢٣١ ب - ٢٣٢ ا إلى سبب هذا الغضب والعزل فذكر أن أبا البقاء كان يتصلب في الأحكام ولا يحابى أحدا من كبار الدولة فيما يتصل به من الأحكام، فاتفق أن الأشرف أراد أن يبتاع بيت كتبغا وهو وقف فالتمس من أبي البقاء إعمال الحيلة في إبطال الوقف فلم يجبه فعاوده في ذلك فأصر، ثم اتفق أنه خرج من الموكب ودخل السلطان القصر وأمر برده، فلا راه قال له: "يا قاضي، لأى معنى أسألك في شيء لا مشقة عليك فيه فلا تقبل؟ " فأجابه بغلظة: "اسمع يا مولانا السلطان، إن كنت ما تعرفنى فأنا أعرفك بنفسي، والله الذي لا إله إلا هو لو علمت أحدا يصلح للقضاء في هذا العصر غيرى ما توليت"، وخرج مغضبا بغير سلام؛ وحينذاك دس عليه أعداؤه فعزله السلطان وولى البرهان، والواقع أن هذا الموقف من أبى البقاء نادر المثال في ذلك العصر الذي تداعت فيه هيبة القضاة والقضاء حتى لقد كره البعض هذا المنصب، راجع في هذا Wensink : The Refusal Dignity(٩) عبارة "وذلك .. على العادة" في السطر التالي غير واردة في ز.(١٠) المقصود بذلك جامع القلعة ويعرف أيضا باسم جامع الناصر محمد بن قلاوون.
فأسرّ إليه كلامًا، ثم التفت إلى رفقته من القضاة فقال لهم إن السلطان عزله وأمره بلزوم بيته(١)، ففعل ذلك واستمرّ المنصب شاغرًا، إلى أن وصل الخطيب برهان الدين بن جماعة في خامس جمادى الآخرة.وكان برهان الدين - حين عُزل أبو البقاءِ - بدمشق زائرًا لأهله الأول من ربيع، ورجع بعد خمسين يومًا بعد أن فوّض له النائبُ نظرّ القدس والخليل، فخالفه البريدي في الطريق، فأمره النائب بلحاقه إلى القدس فلحقه، فخطب في السادس عشر من جمادى الأولى(٢) خطبةً بليغة تعرَّض فيها لتوديعهم فأَبكاهم، وتوجه على البريد. فلما اجتمع بالسلطان عرض [السلطان] عليه المنصب فاشترط شروطًا كثيرة، فالتزم له السلطان بها، ولبس الخلعة وركب في حشمةٍ عظيمة وأُبهة زائدة، فراح الناس إلى تهنئته حتى القاضي المعزول فرحًا منه به لعلمه برياسته وحسن سياسته. وقرأتُ بخط تقى الدين الزبيرى(٣) وأجازنيه: "وكان منكلي بغا - نائبُ السلطنة - يعظِّم القاضي بهاءُ الدين السبكي، ولما عُزِل كان في الصيد فلما بلغه لم يسهل به، فلما عاد من الصيد اجتمع به بهاءُ الدين فأشار إليه أن يستقر قاضي الشام فامتنع فغضب منه، وكان منكلى بغا يبغض المعريَّ لما يعتمده من تناول الرشوة(٤) فكان يحب عزله، فلما لم يوافقه بهاءُ الدين غضب منه فعزله من تدريس الفقه بالمنصورية(٥) وعزل ابنه بدر الدين(٦) من تدريس الحديث بالقبة، وكان(٧) استقر فيه بعد موفق الدين، وقرر في الفقه شمس الدين(١) أورد ابن حجر في رفع الإصر، ورقة ٢٣٢ ا، صورة العزل فذكر أن رجلا دخل المجلس الذي فيه أبو البقاء فأطبق دواة القاضي أبي البقاء وقال له: "السلطان يأمرك أن تلزم بيتك".(٢) في ز "الآخرة" وهو خطأ.(٣) هو القاضي تقى الدين أبو محمد عبد الرحمن بن محمد الزبيرى المحلى ويعرف بابن تاج الرياسة، وسترد ترجمته في وفيات سنة ٨١٣ هـ، انظر السخاوى: الضوء اللامع ٤/ ٣٦٢، ابن العماد الحنبلي: شذرات الذهب ٧/ ١٠١، Wiet: Les Biographies du Manhal Safi، No. ١٣٩١(٤) أشار ابن طولون في قضاة دمشق، ص ١١١ "إلى أنه لم يكن عفيفا عن الأموال"، راجع أيضا الدرر الكامنة ٣/ ٤١٦.(٥) هي القبة المنصورية أو جامع السلطان المنصور قلاوون.(٦) راجع السخاوى: الضوء اللامع ٩/ ٢٥٠، شذرات الذهب ٧/ ٣٧ - ٣٨.(٧) يعنى بذلك بدر الدين السبكى.
التبريزي: وفي الحديث ابن مرزوق التلمساني(١). فلما مات [منكلى(٢) بغا] واستقر أُلجاى ناظرَ المرستان(٣) أعادهما(٤) إلى الوظيفتين. وكان منكلى بغا يقوم في حق القاضي بهاء الدين القيام التام، حتى إنه لما عُزل طلب أمينَ الحكم وأُلزم بعمل المحاسبة وكشف المودع، وندب بدر الدين بن الخشاب(٥) للتنقيب(٦) على تصرف بهاء الدين، فحضر منكلي بغا يوم الموعد إلى المدرسة الصالحية(٧) وكُشف المودع بحضرته فلم يظهر على بهاء الدين شيء".وفى أواخر شهر رجب قُرر القاضي بهاء الدين أبو البقاء في(٨) قضاء الشام عوضًا عن كمال الدين المعرى(٩) فبلغه ذلك، فسافر إلى الحج ثم استعفى أبو البقاء فأُعفى، وأُرسلت إلى المعرّى خلعة الاستمرار فبلغه ذلك بعد أن وصل إلى بُصرى(١٠). وأن البريدي واصلٌ إليه بخلعة الاستمرار، فترك الحج ولاقى البريديَّ ولبس الخلعة واستمر في قضاء دمشق.وفيها(١١) أراد السراج الهندى - قاضي الحنفية - أن يساوى قاضيَ الشافعية في لبس الطرحة(١٢) وتوليةِ القضاة في البلاد وتقرير مودع الأيتام فأُجيب إلى ذلك(١٣)، فاتفق أنه توعك عقب ذلك وطال مرضه إلى أن مات في رجب ولم يتم الذي أراده، واستقر عوضه صدر الدين بن التركماني(١٤).(١) راجع ترجمته في وفيات سنة ٧٨١ هـ والمراجع المذكورة هناك.(٢) الإضافة للإيضاح.(٣) المقصود بذلك المارستان المنصوري، راجع عنه الخطط للمقريزي ٢/ ٣٧٩.(٤) أي بهاء الدين السبكي وابنه بدر الدين.(٥) هو محمد بن علي بن عمر بن خالد الخشاب، انظر ابن العماد الحنبلي: شذرات الذهب، ٦/ ٣٠٩.(٦) "للتنقير" في ظ، ز.(٧) أنشأها الملك الصالح نجم الدين أيوب سنة ٦٤٠ هـ وكانت في الأصل مدرستين متقابلتين للمذاهب الأربعة، راجع الخطط للمقريزي ٢/ ٣٧٤.(٨) عبارة "في قضاء .. استعفى أبو البقاء" غير واردة في ز.(٩) الاعلام لابن قاضي شهبة، ورقة ٢٠٩ ب وابن طولون: قضاة دمشق ص ١١١.(١٠) هي أحد موضعين أحدهما بالشام وهو المقصود هنا، وقد جاء فيها أيضا أنها قصبة كورة حوران، راجع مراصد الاطلاع ١/ ٢٠١.(١١) أي في جمادى الأولى، راجع السلوك، ورقة ٧٢ ب، ٧٣ ا.(١٢) فما يتعلق بدر القضاة الشافعية للطرحة راجع.٢٨. p Costume، Mayer: Mamloulk(١٣) الورث في رفع الإصر، ورقة ٢٤١ ا، أن ذلك الأمر لم يتم للسراج الهندى وإنما تم زمن الجار حيث ألبس الخلعة والطرحة مما أحنو بن جماعة فسعى حتى بطل ذلك التقليد.(١٤) هو محمد بن عبد الله بن عثمان المارديني الحنفى، وسترد ترجمته في وفيات ٧٧٦، راجع أيضا الدرر الكامنة ٣/ ١٢٧٧ والمنهل الصافى ٣/ ١٩٢ ب - ١٩٣ ا.
وفيها استجد(١) الملك الأشرف - عند طلوعه من سرحة الأهرام - أن يلبس الأمراءُ الكبار(٢) أقبيةَ حرير بسمور وأطرزة مزركشة عراضا، ومن دونهم بأَقبية حرير بقاقم(٣)، ومَن دونهم بسنجاب. والجميع بأطراز متفاوتة(٤) وأُلْحِقَ مقدم المماليك - وهو يومئذ سابق الدين مثقال(٥) - بكبار الخاسكية(٦) في ذلك، وهو أول من وقع له ذلك من مقدمى المماليك.وفيها(٧) كملت عمارة حمام منجك ببصرى ومدرسة(٨) رين الدين الأسعردي بدمشق.وفيها أُحدثت خطبة بخان السلطان العتيق بدمشق.وفيها(٩) تنازع عماد الدين الحسباني(١٠)(١) يستفاد من رواية أبى المحاسن في النجوم الزاهرة ١١/ ٥٨، أن هذه العادة استجدت قبل هذه السنة لكنه لم يعين لها تاريخا وفى هـ "سرحة الأهدا".(٢) المقصود بالأمراء الكبار هنا جماعة الخاصكية من مقدمى الألوف، أما من دونهم فهم أمراء الطبلخانات والعشرات، راجع ابن تغرى بردى: النجوم الزاهرة ١١/ ٥٨، Ayalon : Structure of the Mamlouk Army، I. pp. ٢١٣ seq.، II، pp. ٤٦٩ - ٤٧٠.(٣) عرف النويرى السمور في كتابه الأعلام بما جرت به الأحكام، لوحة ٦٠١ بأنه الفرو الذي يعمل منه تجار الأعاجم رقابا لفراجيهم، أما الحرير القاتم Camocato فكانت تصنع منه ثياب الحفلات وهو محلى بالذهب، راجع Heyd: Histoire du Commerce du Levant. t. II. p. ٦٩٧ - ٦٩٨(٤) زاد أبو المحاسن في النجوم الزاهرة ١١/ ٥٨ على ذلك بأن فسر "ما دون ذلك" بأن بعض هذه الأقبية كان من فرو قاقم والبعض الآخر بفرو سنجاب.(٥) كان مثقال حبشى الأصل وكان أثيرا عند السلطان الأشرف شعبان حتى لقد شيد له مدرسة بين القصرين تعرف بالمدرسة السابقية، سيعرف بها في مكانها في ترجمته في وفيات ٧٧٦ هـ، راجع أيضا الدرر الكامنة ٣/ ٧٣٣.(٦) الخاسكية - وتكتب أحيانا بالصاد - هي الجماعة التي تحيط بالسلطان وتلازمه حتى في خلواته، ويجهزهم في المهمات الشريفة على حد قول ابن شاهين الظاهرى في زبدة الفكرة، ص ١١٥ - ١١٦، ويستفاد مما ذكره أبو المحاسن في النجوم الزاهرة ١١/ ٥٨ أن الخاصكي كان يلبس قباء أحمر أزرق صافيا بطرز زركش عريض، راجع زيادة في السلوك، ١/ ٤٦٤ حاشية رقم ٤، Quatremére : op. cit. t .pt.٢. p. ١٥٨ note ٣ ; Ayalon : op. cit. pt. I، p. ٢١٣.(٧) وذلك في شوال من السنة، راجع الاعلام لابن قاضي شهبة، ورقة ٢٠٩ ب.(٨) هي من مدارس الشافعية بدمشق، وقد أنشأها الخواجا إبراهيم بن مبارك شاه الأسعردى المتوفى سنة ٨٢٦ هـ، راجع النعيمي: الدارس في تاريخ المدارس ١/ ١٥٠ - ١٥١ والسخاوى: الضوء اللامع ١/ ١١٨.(٩) الوارد في ع "وفيها نازع عماد الدين الحسبانى وشهاب الدين الزهرى فقهاء الشام"، وليس في المراجع المتداولة هنا ما يشير إلى أي النصين أصبح تاريخيا، أضف إلى ذلك أنه لم يرد في ترجمة إسماعيل بن خليفة بن عبد الغالب الحسبانى المذكور بالمتن والواردة في الدرر الكامنة: ١/ ٩٢٥، ولا في ترجمته في النعيمي: الدارس ١/ ١٦٢، ولا في تاريخ المدرسة الجاروخية ما يفصح عن هذه المسألة.(١٠) هو إسماعيل بن خليفة النابلسي الأصل، تفقه بالقدس ودمشق، وسمع من الجزري وبنت الكمال، كما قرر فقيها بالشامية البرانية ودرس بالإقبالية والجاروخية ومات سنة ٧٧٨، راجع ابن حجر: الدرر الكامنة ١/ ٩٢٥، والنعيمي: الدارس ١/ ١٦٢ - ١٦٣.
وشهاب الدين الزهري(١) فقيها الشام - في تدريس الجاروخية(٢)، وكان زين الدين الجعفرى قد نزل عنها للعماد فباشرها ثم انتزعها منه الزهرى، ثم استعادها العماد واستقرت معه.وفى أول يوم من جمادى الآخرة وصل القود(٣) من نائب الشام منجك(٤) يشتمل على شيء كثير جدا، حتى اتفق أهل المعرفة أنه لم يتقدمه بمثل ذلك نائب، ومن جملة ما كان فيه أسدان وضبع وأيل ونحو الخمسين من الكلاب المعلمة، ونحو الخمسين من البخاتي بلبوسها، وخمسة من(٥) البخاتي أيضا كلٌّ منها بسنامين وكلها بثياب أطلس، ونحو الأربعين حملًا تشتمل على قماش وحلوى وفاكهة، ونحو الأربعين هجينا، ومن الكنابيش(٦) الزركش والعرقيات الزركش والعبي الحرير شيءٌ كثير جدا، ومن الصوف الملون والحرير والفراء خمسون بقجة، إلى غير ذلك.وفيها قدم رجل مفرط الطول طوله أربعة أذرع بالحديد وعرضه ذراعان، ووُصف للسلطان فتعجب من شكله، فأرسل البريد(٧) في طلبه فأحضر، فوصل إلى دمشق في شهر رجب ثم دخل القاهرة، وكان جلدا.وفيها(٨) شدد منجك - نائب الشام - على أَهل اللهو، وأمر بقطع أشجار الصفصاف التي بين النهرين(٩) وبتخريب المكان الذي أحدث بالشرف الأعلى(١٠)، وأزال المنكرات(١١)(١) هو أحمد بن صالح بن أحمد بن خطاب البقاعي، راجع عنه الدرر الكامنة ١/ ٤٠٠، ابن العماد الحنبلي: شذرات الذهب ٦/ ٣٣٨، والنعيمي: الدارس ١/ ٣٧٠ - ٣٧١.(٢) من مدارس الحديث الشافعية بدمشق ولكنها درست اليوم كما يقرر المنجد في مخططه، راجع النعيمي: الدارس، ١/ ٢٢٥ - ٢٢٦ وحاشية رقم ٥.(٣) في ز، ك، هـ "قود نائب".(٤) ساقطة من ظ.(٥) "من البخاتي أيضا"، ساقطة من ظ. والبخاتي نوع من الجمال فالج الأب، تنتج من بين عربية وفالج دخيل. انظر تاج العروس للزبيدي و. Dozy: op.cit.(٦) عرف i'٤٩١. Dozy: op.cit: الكنبوش - بفتح الكاف - بأنه غطاء رقيق يسدل على الشيء، أما بالضم فهي الطراحة يغطى بها الحصان؛ وورد في Boctor: Dict. Fr. (Rev. parCaussin de Percoval أنها قطعة قماش كتان أو خام توضع على صدر الطفل.(٧) ساقطة من ظ.(٨) هذا الخبر وارد في هامش ١٥ في نسخة ظ.(٩) جاء في الإعلام لابن قاضي شهبة، ورقة ٢٠٩ ب، أن هذا المكان غرب جامع يلبغا، راجع عنه النعيمي: الدارس ٢/ ٤٢٣.(١٠) انظر نزهة الأنام في محاسن الشام، ص ٧٠.(١١) هذا الخبر وارد في ظ بصورة تختلف قليلا عما أوردناه في المتن، وقد اعتمدنا على ما ورد في بقية النسخ الأخرى للمخطوطة لارتباط أجزاء الخبر بعضها ببعض.