النجوم الزاهرة فى ملوك مصر والقاهرة (ابن تغري بردي) القسم: التاريخ الكتاب: النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة المؤلف: يوسف بن تغري بردي بن عبد الله الظاهري الحنفي، أبو المحاسن، جمال الدين (ت ٨٧٤هـ) الناشر: وزارة الثقافة والإرشاد القومي، دار الكتب، مصرعدد الأجزاء: ١٦[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]تاريخ النشر في راميشر: ١ يوليو ٢٠٢٦.
[خطبة المؤلف]بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحابته وسلم الحمد لله الذي أيد الإسلام بمبعث سيد الأنام، وجعل مدده شاملا لكل خليفة وإمام، فهم ظل الله فى أرضه يأوى اليه كل ملهوف، والزعماء القائمون بنهى كلّ منكر وأمر كل معروف؛ قلّبهم فى أطوارها دولا، وخالف بينهم اعتقادا وقولا وعملا؛ وجعل قصصهم عبرة لأولى الألباب، وتذكرة فى كل خبر وكتاب؛ فمن عدل منهم كان أوّل السبعة «١» ، ومن ظلم كان فى أخباره شنعة؛ أحمده حمدا كثيرا على أن عرّفنا من صلح منهم ومن فسد، ومن هو فى الوغى مدد، وبين الأنام عدد؛ ونشكره على أن أخّرنا عن كل الأمم، وهذا لعمرى من أعظم الإحسان وأسبغ النعم؛ لنعاين ممن «٢» تقدّم آثارهم، ونشاهد منازلهم وديارهم، ونسمع كما وقعت وجرت أخبارهم؛ أعظم بها من منّة جليلة، وكرامة وفضيلة؛ إذ أخبرنا عنهم ما لم يخبروه عنا، ورأينا منهم ما لم يروه منا؛ فلنقابل هذه المنة بالإنصاف، فى كل مترجم ومن اليه انضاف؛ فنخبر بذلك من تأخر عصره من الأقوام، بأفواه المحابر وألسن الأقلام؛
ليقتدى كل ملك يأتى بعدهم بجميل الخصال، ويتجنب ما صدر منهم من اقتراح «١» المظالم وقبيح الفعال؛ ولم أقل كمقالة الغير إننى مستدعى الى ذلك من أمير أو سلطان، ولا مطّلب به من الأصدقاء والإخوان؛ بل ألّفته لنفسى، وأينعته بباسقات غرسى؛ ليكون لى فى الوحدة جليسا، وبين الجلساء مسامرا وأنيسا؛ ولا أنزّهه من خلل وإن حوى أحسن الخلال، ولا من زلل وإن طاب مورده الزلال؛ وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له؛ شهادة لا ينقص قدر إيمانها بعد تأكده، ولا يخفض مجد إتقانها بعد تشيّده؛ وأشهد أنّ سيدنا محمدا عبده ورسوله الذي كان لقول الحق أهلا، ومن جعل بتشريعه طرق الفلاح لسالك سننه سهلا؛ صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأزواجه وذرّيته وأتباعه.أما بعد فلما كان لمصر ميزة على كل بلد بخدمة الحرمين الشريفين، أحببت أن أجعل تاريخا لملوكها مستوعبا من غير مين؛ فحملنى ذلك على تأليف هذا الكتاب وإنشائه، وقمت بتصنيفه وأعبائه؛ واستفتحته بفتح مصر وما وقع لهم فى المسالك، ومن حضرها من الصحابة ومن كان المتولّى لذلك؛ وعلى أىّ وجه فتحت: صلح أم عنوة من أصحابها، وأجمع فى ذلك أقوال من اختلف من المؤرّخين وأهل الأخبار وأربابها؛ وذلك بعد اتصال سندى الى من لى عنه منهم رواية، ليجمع الواقف عليه بين صحة النقل والدراية؛ وأطلق عنان القلم فيما جاء فى فضلها وذكرها من الكتاب العزيز، وما ورد فى حقها من الأحاديث وما اختصت به من المحاسن فصار لها على غيرها بذلك التمييز؛ ثم أذكر من وليها من يوم فتحت وما وقع فى دولته من العجب، واحدا بعد واحد لا أقدّم أحدا منهم على أحد باسم ولا كنية ولا لقب؛ ثم أذكر أيضا فى كل ترجمة ما أحدث صاحبها فى أيام ولايته من الأمور، وما جدّده من
القواعد والوظائف والولايات فى مدى الدهور؛ ولا أقتصر على ذلك بل أستطرد الى ذكر ما بنى فيها من المبانى الزاهرة، كالميادين والجوامع ومقياس النيل وعمارة القاهرة؛ أوّلا بأوّل أذكره فى يوم مبناه وفى زمان سلطانه، مستوعبا لهذا المعنى ضابطا لشانه؛ على أننى أذكر من توفى من الأعيان فى دولة كل خليفة وسلطان باقتصار، بعد فراغ ترجمة المقصود من الملوك مع ذكر بعض الحوادث فى مدّة ولاية المذكور فى أيما قطر من الأقطار؛ وأبدأ فيه بعد التعريف بأحوال مصر بولاية عمرو ابن العاص فى المملكة الإسلامية، ثم ملك بعد ملك كل واحد على حدته وما وقع فى أيامه الى الدولة الأشرفية الإينالية؛ وسميته:«النجوم الزاهرة فى ملوك مصر والقاهرة»والله الموفّق والمنّان وبالله المستعان.
ذكر فتح مصر لابن عبد الحكم وغيرهقال المؤلف: أخبرنا حافظ العصر قاضي القضاة شهاب الدين أبو الفضل أحمد بن علي بن حجر العسقلاني الشافعي مشافهة عن أبي هريرة بن الذهبي قال:أخبرنا الحافظ أبو عبد الله الذهبي روى خليفة عن غير واحد: «أن في سنة عشرين كتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى عمرو بن العاص أن يسير إلى مصر، فسار وبعث عمر الزبير بن العوام مردفاً له ومعه بسر بن أبى «١» أرطاة وعمير بن وهب الجمحي وخارجة بن حذافة العدوي حتى أتى بابليون «٢» ، فحصنوا، فافتتحها عنوة وصالحه أهل الحصن؛ وكان الزبير أول من ارتقى سور المدينة ثم تبعه الناس، فكلم الزبير عمرًا أن يقسمها بين من افتتحها، فكتب عمرو إلى عمر بذلك ثم رقي إلى المنبر وقال: «لقد قعدت مقعدي هذا وما لأحد من قبط مصر علي عهد ولا عقد، إن شئت قتلت، وإن شئت بعت، وإن شئت خمست» . انتهى كلام الذهبىّ.
وقال علي- وعليّ مصغر- بن رباح: المغرب «١» كله عنوة، فتدخل مصر فيها اهـ.وقال ابن عمر: افتتحت مصر بغير عهد. وقال يزيد بن أبي حبيب:مصر كلها صلح إلا الإسكندرية.وأما فتوح مصر لابن عبد الحكم فقد أخبرنا به حافظ العصر شهاب الدين أبو الفضل أحمد بن علي بن حجر العسقلاني الشافعي مشافهة قال: قرأت على أبي المعالي عبد الله بن عمر بن علي أخبرنا، إجازة إن لم يكن سماعًا، عن زهرة بنت عمر أخبرنا الكمال أبو الحسن عليّ بن شجاع أخبرنا أبو القاسم هبة الله ابن علي البوصيري أخبرنا أبو صادق مرشد بن يحيى المديني أخبرنا أبو الحسن علي بن منير الخلال وأبو بكر محمد بن أحمد بن الفرج الأنصاري أخبرنا أبو القاسم علي بن الحسن بن خلف بن قديد الأزدي أخبرنا أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الله ابن عبد الحكم قال:لما قدم عمر بن الخطاب رضي الله عنه الجابية «٢» قام إليه عمرو بن العاص رضي الله عنه فخلا به وقال: يا أمير المؤمنين، ائذن لي أن أسير إلى مصر، وحرضه عليها وقال: إنك إن فتحتها كانت قوة للمسلمين وعونًا لهم، وهي أكثر الأرض أموالا وأعجز [ها] «٣» عن القتال والحرب، فتخوف عمر بن الخطاب على المسلمين وكره ذلك، فلم يزل عمرو يعظم أمرها عنده ويخبره بحالها ويهون عليه فتحها، حتى ركن إليه عمر وعقد له على أربعة آلاف رجل [كلهم من «٤» عك] ، ويقال: [بل] «٥»
ثلاثة آلاف وخمسمائة، وقال له عمر: سر وأنا مستخير الله في مسيرك، وسيأتيك كتابي سريعًا إن شاء الله تعالى، فإن أدركك كتابي آمرك فيه بالانصراف عن مصر قبل أن تدخلها أو شيئاً من أرضها فانصرف، وإن أنت دخلتها قبل أن يأتيك كتابي فامض لوجهك واستعن بالله واستنصره.فسار عمرو بن العاص من جوف الليل ولم يشعر به أحد من الناس فاستخار عمر «١» وكاتبه يتخوف على المسلمين بالرجوع، فأدرك الكتاب عمرا وهو برمح؛ فتخوف عمرو إن هو أخذ الكتاب وفتحه أن يجد فيه الانصراف كما عهد إليه عمر، فلم يأخذ الكتاب من الرسول ودافعه وسار كما هو حتى نزل قرية فيما بين رفح والعريش، فسأل [عنها] «٢» فقيل: إنها من أرض مصر، فدعا بالكتاب وقرأه على المسلمين؛ فقال عمرو لمن معه: ألستم تعلمون أنّ هذه القرية من أرض مصر؟ قالوا: بلى، قال:فإن أمير المؤمنين عهد إلي وأمرني إن لحقني كتابه ولم أدخل أرض مصر أن أرجع، ولم يلحقني كتابه حتى دخلنا أرض مصر، فسيروا وامضوا على بركة الله. وقيل غير ذلك: وهو أن عمر أمره بالرجوع وخشن عليه في القول.وروي نحو مما ذكرنا من وجه آخر، من ذلك: أن عثمان بن عفان رضي الله عنه دخل على عمر بن الخطاب رضي الله عنهما، فقال عمر له: كتبت إلى عمرو بن العاص أن يسير إلى مصر من الشأم، فقال عثمان: يا أمير المؤمنين، إن عمراً لمجرأ وفيه إقدام وحب للإمارة، فأخشى أن يخرج في غير ثقة ولا جماعة فيعرض المسلمين للهلكة رجاء فرصة لا يدرى تكون أم لا، فندم عمر على كتابه إلى
عمرو إشفاقاً على المسلمين، ثم قال عثمان: فاكتب إليه: إن أدركك كتابي هذا قبل أن تدخل مصر فارجع إلى موضعك، وإن كنت دخلت فامض لوجهك.فلما بلغ المقوقس قدوم عمرو بن العاص إلى مصر توجه إلى موضع الفسطاط، فكان يجهز على عمرو الجيوش وكان على القصر (يعني قصر الشمع الذي بمصر القديمة) رجل من الروم يقال له الأعيرج والياً عليه، وكان تحت يد المقوقس، واسمه:جريج بن مينا، وأقبل عمرو حتى إذا كان بالعريش، فكان أول موضع قوتل فيه الفرما «١» قاتلته الروم قتالاً شديدًا نحواً من شهر ثم فتح الله على يديه، وكان عبد الله ابن سعد على ميمنة عمرو منذ خروجه من قيسارية إلى أن فرغ من حربه؛ ثم مضى عمرو نحو مصر وكان بالإسكندرية أسقف للقبط يقال له: أبو ميامين، فلما بلغه قدوم عمرو إلى مصر كتب إلى قبط مصر يعلمهم أنه لا يكون للروم دولة وأن ملكهم قد أنقطع، وأمرهم بتلقي عمرو.ويقال: إن القبط الذين كانوا بالفرما كانوا يومئذ لعمرو أعواناً؛ ثم توجه عمرو لا يدافع إلا بالأمر الأخف حتى نزل القواصر، فسمع رجل من لخم نفراً من القبط يقول بعضهم لبعض: ألا تعجبون من هؤلاء القوم يقدمون على جموع الروم وإنما هم في قلة من الناس! فأجابه رجل منهم فقال: إن هؤلاء القوم لا يتوجهون إلى أحد إلا ظهروا عليه حتى يقتلوا أخيرهم؛ ثم تقدم عمرو أيضا لا يدافع إلا بالأمر
الخفيف حتى أتى بلبيس فقاتل نحواً من شهر حتى فتح الله عليه؛ ثم مضى لا يدافع إلا بالأمر الخفيف حتى أتى أم دنين «١» ، فقاتلوا من بها قتالاً شديداً وأبطأ عليه الفتح، فكتب إلى عمر رضي الله عنه يستمده فأمده بأربعة ّآلاف تمام ثمانية آلاف مع عمرو، فوصلوا إليه إرسالاً يتبع بعضهم بعضاً ثم أحاط المسلمون بالحصن وأميره يومئذ المندقور الذي يقال له الأعيرج من قبل المقوقس وهو ابن قرقب اليونانيّ وكان المقوقس ينزل بالإسكندرية وهو فى سلطان هرقل غير أنه كان حاضراً الحصن حين حاصره المسلمون، فقاتل عمرو بن العاص من بالحصن، وجاء رجل إلى عمرو وقال: اندب معي خيلاً حتى آتي من ورائهم عند القتال، فأخرج معه عمرو خمسمائة فارس عليهم خارجة بن حذافة، في قول، فساروا من وراء الجبل حتى وصلوا مغار بني وائل قبل الصبح، وكانت الروم قد خندقوا خندقاً وجعلوا له أبواباً وبثوا في أفنيتها حسك «٢» الحديد، فالتقاهم القوم حين أصبحوا وخرج خارجة من ورائهم فانهزموا حتى دخلوا الحصن وقاتلهم قتالا شديدا بصبحهم وعشيهم، فلما أبطأ الفتح على عمرو كتب إلى عمر رضي الله عنه يستمده ويعلمه بذلك، فأمده بأربعة آلاف رجل على كل ألف رجل منهم رجل مقام الألف: الزبير بن العوام، والمقداد بن الأسود»، وعبادة بن الصامت، ومسلمة بن مخلد- في قول- وقيل: خارجة بن حذافة الرابع، لا يعدون مسلمة. وقال عمر له: اعلم أن معك أثنى عشر ألفًا ولن تغلب اثنا عشر ألفاً من قلة.
وقيل غير ذلك، وهو أن الزبير رضي الله عنه قدم إلى عمرو في اثني عشر ألفاً وأن عمراً لما قدم من الشأم كان في عدة قليلة فكان يفرق أصحابه ليرى العدو أنهم أكثر مما هم، فلما انتهى إلى الخندق بادره رجل بأن قال: قد رأينا ما صنعت وإنما معك من أصحابك كذا وكذا فلم يخطئوا برجل واحد، فأقام عمرو على ذلك أياماً يغدو في السحر فيصف أصحابه على أفواه الخندق عليهم السلاح، فبينماهم على ذلك إذ جاءه خبر الزبير بن العوام في اثني عشر ألفًا فتلقاه عمرو، ثم أقبلا فلم يلبث الزبير أن ركب وطاف بالخندق ثم فرق الرجال حول الخندق وألح عمرو على القصر ووضع عليه المنجنيق.ودخل عمرو إلى صاحب الحصن فتناظرا في شيء مما هم فيه، فقال عمرو:أخرج وأستشير أصحابي، وقد كان صاحب الحصن أوصى الذي على الباب إذا مر به عمرو أن يلقي عليه صخرة فيقتله، فمر عمرو وهو يزيد الخروج برجل من العرب فقال له: قد دخلت فأنظر كيف تخرج، فرجع عمرو إلى صاحب الحصن فقال له:إني أريد أن آتيك بنفر من أصحابي حتى يسمعوا منك مثل الذي سمعت، فقال العلج في نفسه: قتل جماعة أحب إلي من قتل واحد، فأرسل إلى الذي كان أمره بما أمره من أمر عمرو ألا يتعرض له رجاء أن يأتيه بأصحابه فيقتلهم، فخرج عمرو.وبينما عبادة بن الصامت في ناحية يصلي وفرسه عنده رآه قوم من الروم فخرجوا إليه وعليهم حلية وبزة، فلما دنوا منه سلم من الصلاة ووثب على فرسه ثم حمل عليهم، فلما رأوه ولوا هاربين وتبعهم، فجعلوا يلقون مناطقهم ومتاعهم ليشغلوه بذلك عن طلبهم، فصار لا يلتفت إليه حتى دخلوا إلى الحصن، ورمي عبادة من فوق الحصن بالحجارة، فرجع ولم يتعرض لشيء مما طرحوه من متاعهم حتى رجع إلى موضعه الذي كان فيه فاستقبل الصلاة؛ وخرج الروم إلى متاعهم وجمعوه.
فلما أبطأ الفتح على عمرو قال الزبير: إني أهب نفسي لله تعالى وأرجو أن يفتح الله بذلك على المسلمين، فوضع سلماً إلى جانب الحصن من ناحية سوق الحمام ثم صعد وأمرهم إذا سمعوا تكبيره يجيبونه جميعا؛ فما شعروا إلا والزبير على رأس الحصن يكبر ومعه السيف، وتحامل الناس على السلم حتى نهاهم عمرو خوفاً أن ينكسر السلم، وكبر الزبير تكبيرة فأجابه المسلمون من خارج، فلم يشك أهل الحصن أن العرب قد اقتحموا جميعاً الحصن فهربوا وعمد الزبير بأصحابه إلى باب الحصن ففتحوه واقتحم المسلمون الحصن. فلما خاف المقوقس على نفسه ومن معه سأل عمرو ابن العاص الصلح ودعاه إليه على أن يفرض للعرب على القبط دينارين دينارين على كل رجل منهم، فأجابه عمرو إلى ذلك.وكان مكثهم على القتال حتى فتح الله عليهم سبعة أشهر. انتهى كلام ابن عبد الحكم باختصار.وقال غيره في الفتح وجهاً آخر قال: لما حصر المسلمون بابليون وكان به جماعة من الروم وأكابر القبط ورؤسائهم وعليهم المقوقس فقاتلوهم شهراً، فلما رأى القوم الجد من العرب على فتحه والحرص، ورأوا من صبرهم على القتال ورغبتهم فيه خافوا أن يظهروا عليهم، فتنحى المقوقس وجماعة من أكابر الأقباط وخرجوا من باب القصر القبلي وتركوا به جماعة يقاتلون العرب، فلحقوا بالجزيرة (موضع «١» الصناعة اليوم) وأمروا بقطع الجسر وذلك في جري النيل. ويقال: إن الأعيرج تخلف بالحصن بعد المقوقس؛ فأرسل المقوقس إلى عمرو:«إنكم قد ولجتم في بلادنا وألححتم على قتالنا، وطال مقامكم في أرضنا وإنما أنتم عصبة يسيرة، وقد أظلتكم الروم وجهزوا إليكم ومعهم من العدة والسلاح، وقد
أحاط بكم هذا النيل. وإنما أنتم أسارى في أيدينا، فابعثوا إلينا رجالاً منكم نسمع من كلامهم فلعله أن يأتي الأمر فيما بيننا وبينكم على ما تحبون ونحب وينقطع عنا وعنكم القتال قبل أن يغشاكم جموع الروم، فلا ينفعنا الكلام ولا نقدر عليه.ولعلكم أن تندموا إن كان الأمر مخالفا لمطلبكم ورجائكم، فابعثوا إلينا رجالاً من أصحابكم نعاملهم على ما نرضى نحن وهم به من شيء» .فلما أتت عمراً رسل المقوقس حبسهم عنده يومين وليلتين حتى خاف عليهم المقوقس فقال لأصحابه: أترون أنهم يقتلون الرسل [ويحبسونهم «١» ] ويستحلون ذلك في دينهم! وإنما أراد عمرو بذلك أنهم يرون حال المسلمين.فرد عليهم عمرو مع رسلهم: إنه ليس بيني وبينكم إلا إحدى ثلاث خصال:إما أن دخلتم فى الإسلام فكنتم إخواننا وكان لكم ما لنا. وإن أبيتم فأعطيتم «٢» الجزية عن يد وأنتم صاغرون. وإما أن جاهدناكم بالصبر والقتال حتى يحكم الله بيننا وبينكم وهو خير الحاكمين. فلما جاءت رسل المقوقس إليه قال: كيف رأيتموهم؟ قالوا:رأينا قوما الموت أحب إلى أحدهم من الحياة، والتواضع أحب إليهم من الرفعة، ليس لأحدهم فى الدنيا رغبة ولا نهمة، وإنما جلوسهم على التراب وأكلهم على ركبهم وأميرهم كواحد منهم، ما يعرف رفيعهم من وضيعهم ولا السيد من العبد، وإذا حضرت الصلاة لم يتخلف عنها منهم أحد؛ يغسلون أطرافهم بالماء ويخشعون في صلاتهم.
فقال عند ذلك المقوقس: والذي يحلف به لو أن هؤلاء استقبلوا الجبال لأزالوها وما يقوى على قتال هؤلاء أحد! ولئن لم نغتنم صلحهم اليوم وهم محصورون بهذا النيل لم يجيبونا بعد اليوم إذا أمكنتهم الأرض وقووا على الخروج من موضعهم.فرد إليهم المقوقس رسله يقول لهم: ابعثوا إلينا رسلاً منكم نعاملهم ونتداعى نحن وهم إلى ما عساه يكون فيه صلاح لنا ولكم.فبعث عمرو بن العاص عشرة نفر أحدهم عبادة بن الصامت، وكان طوله عشرة أشبار، وأمره عمرو أن يكون متكلم القوم وألا يجيبهم إلى شيء دعوه اليه إلا إحدى هذه الثلاث الخصال، فإن أمير المؤمنين قد تقدم إلي في ذلك وأمرني ألا أقبل شيئا إلا خصلة من هذه الثلاث الخصال، وكان عبادة أسود، فلما ركبوا السفن إلى المقوقس ودخلوا عليه تقدم عبادة، فهابه المقوقس لسواده وقال: نحوا عني هذا الأسود وقدموا غيره يكلمني؛ فقالوا جميعاً: إن هذا الأسود أفضلنا رأياً وعلماً وهو سيدنا وخيرنا والمقدم علينا، وإنما نرجع جميعا إلى قوله ورأيه وقد أمره الأمير دوننا بما أمره وأمرنا ألا نخالف رأيه وقوله.فقال: وكيف رضيتم أن يكون هذا الأسود أفضلكم وإنما ينبغي أن يكون هو دونكم؟ قالوا: كلا! إنه وإن كان أسود كما ترى فإنه من أفضلنا موضعاً وأفضلنا سابقة وعقلاً ورأياً وليس ينكر السواد فينا؛ فقال المقوقس لعبادة: تقدم يا أسود وكلمني برفق فإنني أهاب سوادك وإن اشتد كلامك علي ازددت لك هيبة، فتقدم إليه عبادة فقال:قد سمعت مقالتك وإن فيمن خلفت من أصحابي ألف رجل كلهم مثلي وأشد سواداً مني وأفظع منظراً ولو رأيتهم لكنت أهيب لهم مني، وأنا قد وليت وأدبر
شبابي، وإني مع ذلك بحمد الله ما أهاب مائة رجل من عدوي لو استقبلوني جميعاً وكذلك أصحابي، وذلك إنما رغبتنا وهمتنا الجهاد في الله وأتباع رضوانه، وليس غزونا عدواً ممن حارب الله لرغبة في الدنيا ولا حاجة للاستكثار منها إلا أن الله عز وجل قد أحل ذلك لنا وجعل ما غنمنا من ذلك حلالاً، وما يبالي أحدنا أكان له قناطير من ذهب أم كان لا يملك إلا درهماً، لأن غاية أحدنا من الدنيا أكلة يأكلها يسد بها جوعته ليلته ونهاره، وشملة يلتحفها، وإن كان أحدنا لا يملك إلا ذلك كفاه، وإن كان له قنطار من ذهب أنفقه في طاعة الله تعالى، واقتصر على هذه «١» بيده ويبلغه ما كان في الدنيا لأن نعيم الدنيا ليس بنعيم ورخاءها ليس برخاء، إنما النعيم والرخاء في الآخرة، بذلك أمرنا الله وأمرنا به نبينا وعهد إلينا ألا تكون همة أحدنا في الدنيا إلا ما يمسك جوعته ويستر عورته، وتكون همته وشغله في رضاء ربه وجهاد عدوه.فلما سمع المقوقس ذلك منه قال لمن حوله: هل سمعتم مثل كلام هذا الرجل قط! لقد هبت منظره وإن قوله لأهيب عندي من منظره، إن هذا وأصحابه أخرجهم الله لخراب الأرض وما أظن ملكهم إلا سيغلب على الأرض كلها. ثم أقبل المقوقس على عبادة بن الصامت فقال:أيها الرجل الصالح، قد سمعت مقالتك وما ذكرت عنك وعن أصحابك، ولعمري ما بلغتم ما بلغتم إلا بما ذكرت، وما ظهرتم على من ظهرتم عليه إلا لحبهم الدنيا ورغبتهم فيها، وقد توجه إلينا لقتالكم من جمع الروم ما لا يحصى عدده، قوم معروفون بالنجدة والشدة ممن لا يبالي أحدهم من لقي ولا من قاتل، وإنّا لنعلم أنكم لم تقووا
عليهم ولن تطيقوهم لضعفكم وقلتكم، وقد أقمتم بين أظهرنا أشهراً وأنتم في ضيق وشدة من معاشكم وحالكم، ونحن نرق عليكم لضعفكم وقلتكم وقلة ما بأيديكم، ونحن تطيب أنفسنا أن نصالحكم على أن نفرض لكل رجل منكم دينارين دينارين ولأميركم مائة دينار ولخليفتكم ألف دينار، فتقبضونها وتنصرفون إلى بلادكم قبل أن يغشاكم ما لا قوة لكم به.فقال عبادة: يا هذا، لا تغرّنّ نفسك ولا أصحابك. أما ما تخوفنا به من جمع الروم وعددهم وكثرتهم وأنا لا نقوى عليهم، فلعمري ما هذا بالذي تخوفنا به ولا بالذي يكسرنا عما نحن فيه، إن كان ما قلتم حقا فذلك والله أرغب ما يكون في قتالهم وأشد لحرصنا عليهم، لأن ذلك أعذر لنا عند الله إذا قدمنا عليه إن قتلنا عن آخرنا كان أمكن لنا من رضوانه وجنته، وما من شيء أقر لأعيننا ولا أحب إلينا من ذلك، وإنّا منكم حينئذ على إحدى الحسنيين، إما أن تعظم لنا بذلك غنيمة الدنيا إن ظفرنا بكم، أو غنيمة الآخرة إن ظفرتم بنا، وإنها لأحب الخصلتين إلينا بعد الاجتهاد منا، وإن الله عز وجل قال لنا في كتابه: كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَوما منا رجل إلا وهو يدعو ربه صباحاً ومساء أن يرزقه الشهادة وألا يرده إلى بلده ولا إلى أرضه ولا إلى أهله وولده، وليس لأحد منا هم فيما خلفه وقد استودع كل واحد منا ربه أهله وولده وإنما همنا [ما «١» ] أمامنا.وأما قولك إنا في ضيق وشدة من معاشنا وحالنا فنحن في أوسع السعة لو كانت الدنيا كلّها لنا ما أردنا منها لأنفسنا أكثر مما نحن فيه، فانظر الذي تريد فبينه لنا فليس بيننا وبينك خصلة نقبلها منك ولا نجيبك إليها إلا خصلة من ثلاث،