المنتظم في تاريخ الملوك والأمم (ابن الجوزي)القسم: التاريخالكتاب: المنتظم في تاريخ الأمم والملوكالمؤلف: جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي (ت ٥٩٧هـ)المحقق: محمد عبد القادر عطا، مصطفى عبد القادر عطاالناشر: دار الكتب العلمية، بيروتالطبعة: الأولى، ١٤١٢ هـ - ١٩٩٢ معدد الأجزاء: ١٩[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]تاريخ النشر في Ramisher: ١ يوليو ٢٠٢٦.
[المجلد الأول]بسم الله الرّحمن الرّحيم المقدمة ١- تعريف التاريخ وأهميته وفوائده وفروعه.٢- ترجمة وافية لابن الجوزي.٣- كتاب المنتظم: ومنهجه وأسلوبه ومصادره، وأهميته، ومختصراته والذيول عليه.٤- عرض للمخطوطات التي تم الاستعانة بها واعتمادها في تحقيق الكتاب.٥- منهج التحقيق.٦- ثبت المراجع والمصادر المعتمدة عليها في التحقيق.
عشرة سنة، ثم من بعده كليوباترا [١] سبع عشرة سنة.وهؤلاء كلهم يونانيون، وكل من ملك منهم يدعى: «بطلميوس» ، كما كانت الفرس يدعون «أكاسرة» .ثم ملك الشام الروم: فكان أول من ملك منهم جايوس يوليوس خمس سنين، ثم ملك بعده أغوسطوس ستا وخمسين سنة، فلما مضى من ملكه اثنتان وأربعون سنة ولد عِيسَى بْن مَرْيَمَ عليه السلام وبين مولده وغلبة الإسكندر عَلَى أرض بابل ثلاثمائة سنة وثلاث سنين. وزعمت الفرس أن بينهما خمسا وستين سنة، وهذا تفاوت عظيم. وعاش أغوسطوس بعد ولادة المسيح بقية ملكه، فكان جميع ملكه ستا وخمسين سنة.فصل [٢]قَالَ مؤلف الكتاب: وقد كان بعض الأطباء [٣] والحكماء فِي أزمنة لم تثبت لنا ولادتهم، ذكروا أن جالينوس قصد عِيسَى عليه السلام، وأنه مات فِي الطريق، وعاش جالينوس سبعا/ وثمانين سنة. وقد كان أفلاطن عاش ستين سنة.فأما بقراط فقد ذكر أن البقارطة أربعة، كل [يقال] [٤] له: بقراط، وأول من كتب الطب بقراط الأول [٥] ، وبين وفاته إِلَى ظهور جالينوس ستمائة وخمس وستون سنة، وخلف بقراط من تلاميذه وأهل بيته وستة، فأفرد أحدهم: بالحكم على الأمراض، والآخر بتدبير الأبدان، والثالث: بالفصد والكي، والرابع: بعلاج الجراحات، والخامس: بعلاج العين، والسادس: بجبر العظام المكسورة، وردّ الأعضاء المخلوعة.[١] في الأصل وت كتبت هكذا: «قالوا بطري» .[٢] بياض في ت مكان «فصل» .[٣] في الأصل: «للأطباء» .[٤] ما بين المعقوفتين: سقط من الأصل، وأثبتناه من ت.[٥] في الأصل: «للأول» .
[مقدمة المحقق]بِسْمِ الله الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ، رَبِّ الْعالَمِينَ. الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ. إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ. اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ. صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ. غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ. ١: ١- ٧ والْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا، وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدانَا الله. ٧: ٤٣ وصلى الله على خيرته المصطفى لوحيه، المنتخب لرسالته، المفضل على جميع خلقه، بفتح رحمته، وختم نبوته، وأعم ما أرسل به مرسل قبله، المرفوع ذكره مع ذكره في الأولى، والشافع المشفع في الأخرى، أفضل خلقه نفسا، وأجمعهم لكل خلق رضيه في دين ودنيا، وخيرهم نسبا ودارا: محمد عبده ورسوله، وعلى آل محمد وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.وبعد: فإن الحمد للَّه تعالى أن أعاننا على إخراج هذا الكتاب الّذي يعدّ موسوعة تاريخية نادرة لم يسبق لها مثيل. وكيف لا وصاحبه هو واحد من أساطين المؤرخين الذين برعوا في هذا المجال وفي غيره من فروع العلم، ألا وهو مؤرخ القرن السادس الهجريّ الإمام عبد الرحمن بن علي المعروف بابن الجوزي رحمه الله رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته.فقد عاش الإمام ابن الجوزي في فترة تميزت بتغيرات سياسية واجتماعية واسعة النطاق، تخللته أيضا تيارات فكرية مختلفة، فقد عاش ابن الجوزي في مركز الخلافة العباسية بغداد، وأدرك معظم القرن السادس الهجريّ، وبذلك يكون قد عايش ستة من الخلفاء العباسيين هم: المسترشد باللَّه والّذي تولى الخلافة العباسية من عام ٥١٢ هـ-
وحتى ٥٢٩ هـ-. ثم الراشد باللَّه في الفترة ما بين سنة ٥٢٩ هـ- وحتى ٥٣٢ هـ-. ثم المقتفي لأمر الله من ٥٣٢ هـ- وحتى ٥٥٥ هـ-. ثم المستنجد باللَّه من ٥٥٥ هـ- وحتى ٥٦٦ هـ-. ثم المستضيء بأمر الله من ٥٦٦ وحتى ٥٧٥ هـ-. ثم أخيرا الناصر لدين الله الّذي تولى الخلافة عام ٥٧٥ هـ- وحتى عام ٦٢٢ هـ- وتوفي ابن الجوزي أثناء خلافته في عام ٥٩٧ هـ-. فقد تميزت هذه الفترة بعدم الاستقرار السياسي والاجتماعي والفكري فكانت مادة خصبة للتأريخ، فلم يضن على المكتبة العربية الإسلامية بالجهد، وشمّر عن ساعديه، وقدح زناد فكره، فقدّم لنا هذه الموسوعة التاريخية الهائلة التي هي بين أيدينا الآن بعد غياب قرون عديدة.فقد بذل فيه ابن الجوزي جهدا كبيرا لم تظفر به بقية مصنفاته إلى حدّ جعله يقوم باختصاره في كتاب آخر سمّاه «شذور العقود» [١] .وبعد جهد متواضع منّا دام سنوات ثلاثا في تحقيق هذا الكتاب أصبح الآن في متناول أيدي طلبة العلم، وأضيف إلى المكتبة الإسلامية درّة ثمينة غابت طويلا إلى أن كتب الله تعالى لها الظهور.وبعد: فنحن إذ نقدم لكتاب موسوعي مثل هذا لا بد في البداية أن نعرض للنقاط الرئيسية التي تشتمل عليها المقدمة وهي:١- تعريف التاريخ وأهميته وفوائده وفروعه.٢- ترجمة وافية للمؤلف.٣- كتاب المنتظم: منهجه، وأسلوبه، ومصادره، وأهميته، مختصراته والذيول عليه.٤- عرض للمخطوطات التي تم الاستعانة بها واعتمادها في تحقيق الكتاب.٥- منهج التحقيق.٦- ثبت المراجع والمصادر التي تم الاعتماد عليها في التحقيق.هذا وسنفرد جزءا- إن شاء الله- مستقلا للفهارس العلمية التي أعددناها والتي سنعرض لها في مقدمة الجزء الخاص بالفهارس.[١] قمنا بتحقيقه وهو قيد الطبع الآن.
نرجو من الله تعالى أن يتقبل منا هذا العمل خالصا لوجهه الكريم، ويكون لنا لا علينا يوم القيامة، إنه قريب مجيب.ونأمل أن يحظى عملنا قبول طلبة العلم، وأن يجعل الله تعالى لهم فيه ضالتهم المنشودة، كما نرجو ممن تقع يده على خطأ أو زلة قلم أن يصححه ويلتمس لنا العذر، ويدعو الله أن يغفر لنا، فقد أبى الله تعالى أن يكمل إلا كتابه.
- ١- تعريف التاريخ وأهميته وفوائده وفروعهتعريف التاريخ لغة:قال السخاوي في «الإعلان بالتوبيخ» [١] : التاريخ لغة الإعلام بالوقت، يقال:أرخت الكتاب، وورخته، أي: بينت وقت كتابته.قال الجوهري: التاريخ تعريف الوقت، والتوريخ مثله، يقال: أرخت وورخت.وقيل: اشتقاقه من الأرخ- بفتح الهمزة وكسرها- وهو صغار الأنثى من بقر الوحش، لأنه شيء حدث كما يحدث الولد.قال أبو الفرج قدامة بن جعفر الكاتب في كتاب «الخراج» له: تاريخ كل شيء آخره، فيؤرخون بالوقت الّذي فيه حوادث مشهورة.تعريف التاريخ اصطلاحا:قال السخاوي في «الإعلان بالتوبيخ» : [٢] وفي الاصطلاح: التعريف بالوقت الّذي تضبط به الأحوال من مولد الرواة والأئمة، ووفاة، وصحة، وعقل، وبدن، ورحلة، وحج، وحفظ، وضبط، وتوثيق، وتجريح، وما أشبه هذا، مما مرجعه الفحص عن أحوالهم في ابتدائهم وحالهم واستقبالهم، ويلتحق به ما يتفق من الحوادث والوقائع الجليلة، من ظهور ملمة، وتجديد فرض، وخليفة، ووزير، وغزوة، وملحمة، وحرب، وفتح بلد وانتزاعه من متغلب عليه، وانتقال دولة، وربما يتوسع فيه لبدء الخلق وقصص[١] الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ، للسخاوي صفحة ١٤- ١٧ ط. دار الكتب العلمية.[٢] الإعلان بالتوبيخ، صفحة ١٧.
الأنبياء، وغير ذلك من أمور الأمم الماضية، وأحوال القيامة ومقدماتها مما سيأتي. أو دونها: كبناء جامع، أو مدرسة، أو قنطرة، أو رصيف، أو نحوها، مما يعم الانتفاع به مما هو شائع ومشاهد، أو خفي: سماوي: كجراد وكسوف وخسوف، أو أرضي: كزلزلة وحريق وسيل وطوفان وقحط وطاعون وموتان وغيرها من الآيات العظام والعجائب الجسام.والحاصل أنه فن يبحث فيه عن وقائع من حيثية التعيين والتوقيت، بل عما كان في العالم.أهمية التاريخ وفائدته:قال ابن الجوزي في مقدمة هذا الكتاب [١] : وللسير والتواريخ فوائد كثيرة أهمها فائدتان:إحداهما: أَنَّهُ إِن ذكرت سيرة حازم ووصفت عاقبة حاله، أفادت حسن التدبير واستعمال الحرم، أو سيرة مفرط ووصفت عاقبته أفادت الخوف من التفريط، فيتأدب المتسلط، ويعتبر المتذكر، ويتضمن ذَلِكَ شحذ صوارم العقول، ويكون روضة للمتنزه فِي المنقول.وَالثَّانِيَة: أَن يطلع بِذَلِكَ عَلَى عجائب الأمور وتقلبات الزمن وتصاريف القدر، وسماع الأخبار.وقال المسعودي [٢] : إنه علم يستمتع به العالم والجاهل، ويستعذب موقعه الأحمق والعاقل، فكل غريبة منه تعرف، وكل أعجوبة منه تستظرف، ومكارم الأخلاق ومعاليها منه تقتبس، وآداب سياسة الملوك وغيرها منه تلتمس، يجمع لك الأول والآخر، والناقص والوافر، والبادي والحاضر، والموجود والغابر، وعليه مدار كثير من الأحكام، وبه يتزين في كل محفل ومقام، وإنه حمله على التصنيف فيه وفي أخبار العالم محبة احتذاء المشاكلة التي قصدها العلماء وقفاها الحكماء، وأن يبقى في العالم ذكرا محمودا، وعلما منظوما عتيدا.[١] انظر مقدمة الكتاب.[٢] انظر مقدمة مروج الذهب ١/ ٤ ط القاهرة.
فروع علم التاريخ:قال السخاوي [١] : وأما التصانيف في التاريخ فكثيرة جدا، لا تدخل تحت الحصر، بحيث قال الحافظ العلاء مغلطاي الحنفي في كتاب «إصلاح ابن الصلاح» له فيما قرأته بخطه: رأيت من ملك نحوا من ألف تصنيف فيه.ثم قال السخاوي: ورأيت بخط المؤرخ العمدة أبي عبد الله الذهبي ما نصه:فنون التواريخ التي تدخل في تاريخي الكبير المحيط، ولم أنهض له، ولو عملته لجاء في ستمائة مجلد:١- سيرة نبينا صلى الله عليه وسلم.٢- قصص الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.٣- تاريخ الصحابة رضي الله عنهم.٤- تاريخ الخلفاء من الصحابة، ومن بني أمية، وبني العباس، ومعهم المروانية بالأندلس والعبيدية بالمغرب ومصر.٥- تاريخ الملوك والدول والأكاسرة والقياصرة ومعهم ملوك الإسلام: كابن طولون، والإخشيد، وابن بويه، وابن سلجوق ونحوهم. وملوك خوارزم، والشام، وملوك التتار، ومن لقّب بالملك.٦- تاريخ الوزراء أولهم: هارون عليه السلام، وأبو بكر وعمر، وطائفة.وبعضهم دخل في الأنبياء، وفي الخلفاء، وغير ذلك، وفي الملوك.٧- تاريخ الأمراء، والأكابر، ونواب المماليك، وكبار الكتاب. ومنهم من الموقعين، وبعضهم أدباء وشعراء.٨- تاريخ الفقهاء وأصحاب المذاهب، وأئمة الأزمنة، والفرضيين.٩- تاريخ القراء بالسبع.١٠- تاريخ الحفاظ.١١- تاريخ مشيخة المحدثين وأئمتهم.١٢- تاريخ المؤرخين.[١] الإعلان بالتوبيخ، للسخاوي ص ١٥٠- ١٥٤.
١٣- تاريخ النحاة، والأدباء، واللغويين، والشعراء، والبلغاء، والعروضيين، والحسّاب.١٤- تاريخ العباد، والزهاد، والأولياء، والصوفية، والنساك.١٥- تاريخ القضاة، والولاة ومعهم تاريخ الشهود، والأمناء.١٦- تاريخ المعلمين، والوراقين، والقصاص، والطرقية، والغرباء.١٧- تاريخ الوعاظ، والخطباء، وقراء الأنغام، والندماء، والمطربين.١٨- تاريخ الأشراف، والأجواد، والعقلاء، والأذكياء، والحكماء.١٩- تاريخ الأطباء، والفلاسفة، والزنادقة، والمهندسين، ونحو ذلك.٢٠- تاريخ المتكلمين، والجهمية، والمعتزلة، والأشعرية، والكرامية، والمجسمة.٢١- تاريخ أنواع الشيعة، من الغلاة، والرافضة، وغير ذلك.٢٢- تاريخ فنون الخوارج، والنواصب، وأنواع المبتدعة وأهل الأهواء.٢٣- تاريخ أهل السنة من علماء الأمة، وصوفيتها، وفقهائها، ومحدثيها.٢٤- تاريخ البخلاء، والطفيلية، والثقلاء، والأكلة، وذوي الحمق والخيلاء، والسفهاء.٢٥- تاريخ الأضراء، والزمنى، والصم، والخرس، والحدبان.٢٦- تاريخ المنجمين، والسحرة، والكيميائيين، والمطالبين والمشعوذين.٢٧- تاريخ النسابين، والأخباريين، والأعراب.٢٨- تاريخ الشجعان، والفرسان، والشطار، والسعاة.٢٩- تاريخ التجار، وعجائب الأسفار، والبحار، وغرباء البحرية، والمجردين.٣٠- تاريخ أولي الصنائع العجيبة، والرشقين في أشغالهم، واقتراحاتهم، وتوليدهم فنون الأعمال.٣١- تاريخ الرهبان، وأولي الصوامع، والخلوات والأحوال الفاسدة.
٣٢- تاريخ الأئمة، والمؤذنين، والموقتين، والمعبرين، والعامة.٣٣- تاريخ قطاع الطريق، والغداوية، ولعّاب الشطرنج والنرد والقمار.٣٤- تاريخ الملاح، والعشاق، والمتيمين، والرقاصين، وشربة الخمور، والعرر، وأهل الخلاعة، والقيادة، والكذب، والأبنة.٣٥- تاريخ أولي الدهاء والحزم والتدبير والرأي والخداع والحيل.٣٦- تاريخ المنديين، والمخايلين، والصانعين، والفرشيين، والمخنثين، وأهل المجون، والمزاح، والتجر، والتلار، والكذب.٣٧- تاريخ عقلاء المجانين، والموسوسين، والمتمرين، والمدمغين، والمطعومين.٣٨- تاريخ السائلة، والشحاذين، والمتمنين، والحرافشة والجمرية.٣٩- تاريخ قتلى القرآن والحب والسماع والفرع والحال.٤٠- تاريخ الكهان، وأولي الخوارق والكشف الّذي كأنه كرامات، من الفسقة وغيرهم.
- ٢- الإمام ابن الجوزي مؤلف الكتاب [١]اسمه ولقبه ونسبه ومولده:هو عبد الرحمن بن علي بن محمد بن جعفر الجوزي. ينتهي نسبه إلى خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم: أبي بكر الصديق رضي الله عنه [٢] . فهو عربي أصيل، قرشي تيمي.واختلف في نسبة تقديما وتأخيرا، إلا أن أصح نسبة هي ما ضبطها سبطه في «مرآة الزمان» وهي: عبد الرحمن بن مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حمادي بن أحمد بن محمد بن جعفر الجوزي بن عبد الله بن القاسم بن النصر بن القاسم بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ القاسم بْن مُحَمَّد بْن أبي بكر الصديق رضي الله عنه [٣] .يكنى ابن الجوزي بأبي الفرج، وكان يلقب وهو صغير بالمبارك، ثم لقب بجمال الدين، شيخ وقته، وإمام عصره، والحافظ المفسر، والفقيه الواعظ، والأديب [٤] .أما عن نسبة الجوزي- بفتح الجيم وسكون الواو وبعدها زاي- فقد اختلف فيها العلماء. فقيل: إن جد الأسرة قد عرف بهذه النسبة لسكناه في دار بواسط بها جوزة لم يكن بواسط جوزة سواها. وقيل: إن هذه النسبة ترجع إلى بيع الجوز، أو إلى مشرعة الجوز ببغداد، وقيل غير ذلك.[١] البداية والنهاية ١٣/ ٨. ووفيات الأعيان ٢/ ٣٢٢. والجامع المختصر، لابن الساعي ٩/ ٦٥. والنجوم الزاهرة ٦/ ١٧٥. طبقات الحنابلة ١/ ٣٩٩. وتاريخ ابن الوردي ٢/ ١٦٩. ومرآة الزمان ٨/ ٣١٠ لسبط ابن الجوزي. دول الإسلام ١/ ١٠٦. وتذكرة الحفاظ ٤/ ١٣٤٢.[٢] لفتة الكبد ص ٩٠.[٣] مرآة الزمان ٨/ ٣١٠.[٤] مرآة الزمان ٨/ ٣١٠. ودول الإسلام ١/ ١٠٦. والذيل على طبقات الحنابلة ٣/ ٣٩٩- ٤٠٠.
قال سبط ابن الجوزي في «مرآة الزمان» : ورأيت بخط ابن دحية المغربي قال:وجعفر الجوزي منسوب إلى فرضة من فرض البصرة يقال لها: جوزة [١] .ولد ابن الجوزي بدرب حبيب ببغداد [٢] ، واختلف المؤرخون في تاريخ ميلاده:فذهب البعض إلى أنه ولد في سنة ثمان وخمسمائة. وقيل: سنة تسع. وقيل: سنة عشر.ولكن ذكر سبطه في «مرآة الزمان» في حوادث عام ٥١٠ هـ-، قال: وفيها ولد جدي رحمه الله على وجه الاستنباط لا على وجه التحقيق. وقال: سألته عن مولده غير مرة وفي كلها يقول: ما أحقق ولكنه يكون تقريبا في سنة ٥١٠ هـ-[٣] .وقال الدمياطيّ في «المستفاد من ذيل تاريخ بغداد» نقلا من خط ابن الجوزي قوله: لا أحقق مولدي، غير أنه مات والدي في سنة أربع عشرة، وقالت الوالدة: كان لك من العمر نحو ثلاث سنين [٤] .وكذلك وجد بخط ابن الجوزي في كتابه «لفتة الكبد في نصيحة الولد» إشارة إلى أنه صنّفه سنة ثمان وعشرين وخمسمائة، وقال: ولي من العمر سبع عشرة سنة [٥] .وبذلك يتحقق لنا تحديد ميلاد ابن الجوزي في سنة إحدى عشرة وخمسمائة هجرية.نشأته العلمية ونبوغه:ينتمي ابن الجوزي إلى أسرة اشتغلت بالتجارة، فكان والده يتجر في النحاس، لأنه قد وجدت في بعض الأسماع لابن الجوزي لقب «الصفّار» نسبة إلى النحاس [٦] .ويقول ابن الجوزي في «نصيحة الولد» : واعلم يا بني أننا من أولاد أبي بكر الصديق، ثم تشاغل سلفنا بالتجارة والبيع والشراء [٧] .[١] مرآة الزمان ٨/ ٣١٠.[٢] مرآة الزمان ٨/ ٣١٠. والنجوم الزاهرة ٦/ ١٧٥.[٣] مرآة الزمان ٨/ ٣١٠.[٤] المستفاد من ذيل تاريخ بغداد ص ٤١٨.[٥] لفتة الكبد في نصيحة الولد، لابن الجوزي.[٦] مرآة الزمان ٨/ ٣١٠.[٧] لفتة الكبد في نصيحة الولد، ص ٤٧.
وقال أيضا: واعلم يا بني أن أبي كان موسرا، وخلف ألوفا من المال [١] .ويوضح ابن الجوزي حاله منذ صغره فيقول: إن أبي مات وأنا لا أعقل، والأم لا تلتفت إليّ [٢] .فقد كان والده قد توفي، وله من العمر ثلاث سنين، وبقيت والدته على قيد الحياة، حيث سبقها إلى الموت بأيام في عام ٥٩٧ هـ-.ولما بلغ ابن الجوزي سن التمييز مضت به عمته [٣] إلى الشيخ أبي الفضل محمد بن ناصر، الفقيه اللغوي، الّذي تولى تعليم وتثقيف ابن الجوزي، فأحفظه القرآن والحديث. وساعده في الوصول إلى العلماء المتخصصين في شتى العلوم.ويقول ابن الجوزي عن هذه الفترة من حياته: إن أكثر الإنعام عليّ لم يكن بكسبي، وإنما هو تدبير اللطيف بي، فإنّي أذكر نفسي ولي همة عالية وأنا في المكتب ابن ست سنين، وأنا قرين الصبيان الكبار، وقد رزقت عقلا وافرا في الصغر. فما أذكر أني لعبت في الطريق مع الصبيان قط، ولاضحكت ضحكا خارجا، حتى إني كنت ولي سبع سنين أو نحوها أحضر رحبة الجامع، فلا أتخير حلقة مشبعة، بل أطلب المحدث، فيتحدث بالسير فأحفظ جميع ما أسمعه، وأذهب إلى البيت فأكتبه، ولقد وفق لي شيخنا أبو الفضل بن ناصر رحمه الله، وكان يحملني إلى الشيوخ، فأسمعني المسند وغيره من الكتب الكبار، وأنا لا أعلم ما يراد مني، وضبط لي مسموعاتي إلى أن بلغت، فناولني ثبتها، ولازمته إلى أن توفي رحمه الله، فنلت به معرفة الحديث والنقل، ولقد كان الصبيان ينزلون إلى دجلة ويتفرجون على الجسر، وأنا في زمن الصغر آخذ جزءا من القرآن وأقعد حجزة من الناس، فأتشاغل بالعلم [٤] .ولقد كان ابن الجوزي شغوفا محبا لطلب العلم مهما كلفه من عناء في طلبه، فهو يقول في ذلك: ولقد كنت في حلاوة طلبي للعلم ألقى من الشدائد ما هو عندي أحلى[١] لفتة الكبد، ص ٣٨.[٢] صيد الخاصر، لابن الجوزي، ص ١٩٢.[٣] وقيل أن عمه هو حمله إلى الشيخ ابن ناصر. انظر: المستفاد من ذيل تاريخ بغداد، للدمياطي- ٤١٦- ٤١٧. وذيل طبقات الحنابلة ١/ ٤٠١ والبداية والنهاية ١٣/ ٢٩.[٤] لفتة الكبد في نصيحة الولد، لابن الجوزي ص ٢٣- ٢٤.
من العسل لأجل ما أطلب وأرجو. كنت في زمان الصبا آخذ معي أرغفة يابسة فأخرج في طلب الحديث، وأقعد على نهر عيسى، فلا أقدر على أكلها إلا عند الماء، فكلما أكلت لقمة شربت عليها، وعين همتي لا ترى إلا لذة تحصيل العلم. وأثمر ذلك عندي من المعاملة ما لا يدرك بالعلم، حتى انني أذكر في زمان الصبوة ووقت الغلمة والعزبة قدرتي على أشياء كانت النفس تتوق إليها توقان العطشان إلى الماء الزلال، ولم يمنعني عنها إلا ما أثمر عندي من العلم من خوف الله عز وجل، ولولا خطايا لا يخلو منها البشر لكنت أخاف على نفسي من العجب [١] .وكانت مدينة بغداد يومئذ شأنها في كل عهودها العربية الإسلامية زاخرة بالمعاهد والعلماء، ولم تفتر فيها الحركة العلمية إطلاقا، فساعد ذلك ابن الجوزي على الاختلاف إلى شيوخه في وقت مبكر في حياته حدده بعضهم بعام ٥١٦ هـ-، وآخرون بعام ٥٢٠ هـ-. بيد أن ابن الجوزي كان أكثر تطرفا في هذا الشأن إذ ذكر سماعه على محمد بن محمد الخزيمي (ت ٥١٤ هـ-) وقال: «ورأيت من مجالسه أشياء قد علقت عنه فيها كلمات ولكن أكثرها ليس بشيء فيها أحاديث موضوعة وهذيانات فارغة يطول ذكرها» وكان عمره يومئذ في أكثر تقدير خمسة أعوام إذا أخذنا بتحديد ميلاده عام ٥٠٨ هـ-، وإلا فإن عمره- في هذا النص لو صح- لا يتجاوز الثلاث سنين، وهو أمر مستبعد. ولكنه من الثابت أنه أقبل على الدرس منذ نعومة أظفاره يدفعه إلى ذلك تشجيع ذويه وميوله الذاتية. وقد أكسبه حب العلم والإقبال عليه ثقافة واسعة مستمدة من معاهد العلم في بغداد، لأنه لم يخرج منها طيلة حياته إلا لأداء فريضة الحج وأخيرا نفيه إلى واسط، ومن ثم فإن ثقافته بغدادية خالصة، ولا يقدح بثقافته كونها لم تتجاوز حدود بغداد إلى غيرها من الحواضر الإسلامية، ذلك أن بغداد كانت ملتقى رجال العلم والفكر من شتى أنحاء العالم الإسلامي، ومن هنا فهي تمثل عالم الإسلام كله من أقصاه إلى أقصاه بلا استثناء [٢] .وليس أدلّ على أن ابن الجوزي يعد من أئمة عصره في شتى العلوم، من قول أئمة[١] صيد الخاصر. لابن الجوزي ص ١٩١، ١٩٢.[٢] كتاب المنتظم، دراسة في منهجه وموارده وأهميته، للدكتور حسن عيسى علي الحكيم. ص ٤٦، ٤٧. ط عالم الكتب بيروت.