البداية والنهاية - ط دار ابن كثير (ابن كثير)القسم: التاريخالكتاب: البداية والنهايةالمؤلف: أبو الفداء إسماعيل بن كثير (٧٠١ - ٧٧٤ هـ)حققه وخرج أحاديثه وعلق عليه: د. محيي الدين ديب مستو رحمه الله (جـ ١، ٦)، د. علي أبو زيد أبو زيد (جـ ٢)، مأمون محمد سعيد صاغرجي (جـ ٣، ١٠)، محمود عبد القادر الأرناؤوط رحمه الله (جـ ٤)، د. رياض عبد الحميد مراد (جـ ٥، ٧ بالاشتراك، ١٤، ١٥ بالاشتراك)، محمد حسان عبيد (جـ ٧ بالاشتراك، ١٥ بالاشتراك)، أكرم عبد اللطيف البوشي (جـ ٨)، محمد حسان عبيد (جـ ٩)، ياسين محمد السواس (جـ ١١)، إبراهيم عمر الزيبق (جـ ١٢)، صلاح محمد الخيمي رحمه اللَّه (جـ ١٣)، حسن إسماعيل مروة (جـ ١٦)، الشيخ عبد القادر الأرناؤوط رحمه اللَّه (جـ ١٧)راجعه: الشيخ عبد القادر الأرنؤوط [ت ١٤٢٥ هـ]- د بشار عواد معروفالناشر: دار ابن كثير، دمشق - بيروتالطبعة: الثالثة، ١٤٣٤ هـ - ٢٠١٣ معدد الأجزاء: ٢٠ (١٧ والفهارس)[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]تاريخ النشر في Ramisher: ١ يوليو ٢٠٢٦.
البداية والنهاية«مبدأ الخليقة وقصص الأنبياء» تأليفالإمام الحافظ المؤرخ أبي الفداء إسماعيل بن كثير[٧٠١ هـ - ٧٧٤ هـ] حققه وخرج أحاديثه وعلق عليهد. محيي الدين ديب مستو راجعهالشيخ عبد القادر الأرناؤوط - الدكتور بشار عواد معروف الجزء الأول
بسم الله الرحمن الرحيمتنبيه: الرموز المستخدمة في حواشي هذا الجزء هي: (ط) هي النسخة المطبوعة من طبعة القاهرة. (ب) هي نسخة برلين. (ح) هي نسخة المكتبة الأحمدية بحلب.
وتحقيق المخطوطات والعناية بالنصوص علم قائم بذاته، أقام العلماء المسلمون منذ أمد بعيد قواعده على أحسن وجه، فأخرجوا لنا، ومنذ عصر المخطوطات، نماذج رائعة في التحقيق والتدقيق، نذكر منها كتابين مهمين هما نموذج لعشرات من نظرائهما؛ موطأ الإمام مالك برواية يحيى بن يحيى الليثي، وصحيح البخاري.فقد عُني العلامة جمال الدين محمد بن يوسف المعروف بابن مَسْدي الأندلسي الغرناطي نزيل مكة المكرمة ودفينها "٥٩٩ - ٦٦٣ هـ" برواية الليثي من الموطأ فأخذه عن العديد من شيوخه ببلاد شتى وأسانيد كثيرة، وقابل بين نسخه وعَمِلَ لنفسه منه نسخة محققة مدققة مستندة إلى العديد من الروايات، ورمز لكل رواية من الروايات برمز معين ذكره في صدر نسخته، وثبت في حواشيها الاختلافات بينها(١).وعني بصحيح البخاري عالمان جليلان هما: اليونيني، وابن مالك صاحب الألفية فجمعا روايات الصحيح وقابلا بينها ورجحا في الفراءات، وأثبتا الاختلافات في الحواشي، فكانت هذه النسخة من أعظم نسخ صحيح البخاري وأكثرها صحة وضبطًا وإتقانًا، وهي التي انتشرت فيما بعد، وطبع السلطان عبد الحميد يرحمه اللَّه "الصحيح" استنادًا إلى النسخة اليونينية، فهي إلى يوم الناس هذا أصح طبعة لهذا الكتاب وأدقها وأتقنها وكل الذين نشروا الصحيح عيال عليها، ولا أظن محققًا من محققي اليوم له القدرة على تجاوزها.على أن انتشار الطباعة الحديثة ويُسْرها شجع الكثير من أصحاب الضمائر الضعيفة ممن يتصدون لنشر الكتب أو يدعون المعرفة بتحقيق النصوص إلى إخراج كتب مليئة بالتصحيف والتحريف والسقط، أو سرقة الكتب المحققة تحقيقًا علميًا طمعًا بالربح العاجل، فتُسلب حقوق المحققين المعنوية، وحقوق الناشرين الجادين المادية، فيسيؤون إلى كل عمل جاد وكل ناشر مخلص، وقيل في القواعد الاقتصادية: "إن العملة الرديئة تطرد العملة الصعبة"، نسأل اللَّه الستر والعافية.و"دار ابن كثير" للطباعة والنشر والتوزيع التي تأسست عام ١٩٨٤ م في دمشق وبيروت، من دور النشر الكبيرة والجادة في خدمة الثقافة الإسلامية، وقد تطلعت إلى الإسهام في إعادة تحقيق ونشر كتب أمَّات(٢) في بابتها، ولعل اسمها كان أكبر مُحفِّز للاضطلاع بتحقيق كتاب "البداية والنهاية"، إذ هو من أعظم آثار الحافظ ابن كثير رحمه الله، ولما يمتاز به من التأريخ(١) انظر وصفها في مقدمة الدكتور بشار عواد لطبعته من موطأ مالك برواية الليثي، ط ٢، دار الغرب، بيروت ١٩٩٨ م جـ ١ ص ١٢ - ٢٢.(٢) ومنها أطراف مسند الإمام أحمد؛ لابن حجر (١/ ١٠)، والمفهم في شرح ما أشكل من تلخيص صحيح مسلم؛ لأبي العباس القرطبي (١/ ٧). وفتح القدير في التفسير؛ للشوكاني (١/ ٦).
بسم الله الرحمن الرحيمتنبيه: الرموز المستخدمة:ح= الأحمدية. ب= برلين. ظ= الظاهرية. ق= طبعة القاهرة.
مقدمة ولا حول ولا قوة إلَّا باللَّه عليه توكلت(١)الحمدُ للَّهِ الأوَّلِ الآخِرِ، الباطنِ الظَّاهرِ، الذي هُو بكل شيءٍ عَليمٌ، الأوَّلُ فليس قَبْلَهُ شيءٌ، الآخِرُ فليس بَعْدهُ شيءٌ، الظَّاهر فليس فَوْقَهُ شيءٌ، الباطنُ فليس دونه شيء(٢)، الأزليُّ القديم الذي لم يزل موجودًا موصوفًا(٣) بصفاتِ الكمال، ولا يزال دائمًا مستمرًا باقيًا سرمديًا بلا انقضاء ولا انفصال ولا زوالٍ. يعلمُ دَبيبَ النملةِ [السوداءِ](٤)، على الصخرة [الصمَّاء]، في الليلة الظلماء، وَعَددَ الرِّمالِ، وهو العلي الكبير المتعال، العلي العظيم الذي خلق كل شيء فقدَّره تقديرًا.فرفع السمواتِ بغير عمدٍ، وزيَّنها بالكواكب الزَّاهرات، وجعل فيها سِراجًا وقمرًا منيرًا، وسوَّى فوقَهُنَّ سَريرًا، شَرْجَعًا(٥) عاليًا مُنيفًا، متَسعًا مقبّبًا مستديرًا، هو العرش العظيم، له قوائمُ عظامٌ، تحمله(١) سقطت هذه العبارة من المطبوع، وجاء بعد هذا في ب: "اللهم صل وسلم على أشرف الخلق سيدنا محمد" ولعله من إضافات النساخ، لأن المؤلف سيذكر ذلك بعد بتفصيل.(٢) هو اقتباس من حديث رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم الذي رواه مسلم في صحيحه رقم (٢٧١٣)، في الذكر والدعاء: باب ما يقول عند النوم، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "اللهم ربَّ السمواتِ وربَّ الأرضِ وربَّ العرش العظيم، ربَّنا وربَّ كل شيء، فالق الحبِّ والنَّوى، ومُنْزلَ التوراةِ والإنجيل والفرقان، أعوذُ بكَ من شرِّ كل شيء أنت آخذ بناصيته، اللهمَّ أنت الأولُ فليس قبلك شيءٌ، وأنت الآخرُ فليس بعدك شيءٌ، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء. اقض عنا الدَّيْنَ وأغننا من الفقر".وهذا الحديث تفسير قوله تعالى: {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [الحديد: ٣].ومعنى (الأول): السابق للأشياء. و (الآخر): الباقي بعد فناء الخلق. و (الظاهر) بحججه الباهرة وبراهينه النَّيِّرة وشواهده الدالّة على صحة وحدانيته، ويكون (الظاهر) فوق كل شيء بقدرته، ويكون الظهور بمعنى العلو وبمعنى الغلبة. و (الباطن): المحتجب عن أبصار الخلق الذي لا يستولي عليه توهُّم الكيفية، أو الباطن على كل شيء علمًا.(٣) لفظة: موصوفًا؛ سقطت من المطبوع.(٤) زيادة من المطبوع. تكتمل بها السجعة.(٥) الشرجع: الطويل، وقد شرحه بقوله: هو العالي المنيف.
الملائكة الكرامُ تحفُّه الكُرْوبيُّوْن(١) -عليهم الصلاة والسلام- ولهم زَجلٌ(٢) بالتقديس والتعظيم.وكذا أرجاء السماوات مشحونة بالملائكة، ويفدُ منهم في كل يوم سبعون(٣) ألفًا إلى البيت المعمور بالسماء السابعة(٤)، لا يعودون إليه، آخِرَ ما عليهم في تهليل وتحميد وتكبير وصلاة وتسليم.ووضع الأرض للأنام على تيار الماء، وجعل فيها رواسي من فوقها، وبارك [فيها](٥) وقدَّر فيها أقواتها في أربعة أيام قبْل خلق السماء، وأثبت فيها من كل زوجين اثنين، دلالة للألبَّاء، من جميع ما يحتاج العباد إليه في شتائهم وصيفهم، ولكل ما يحتاجون إليه ويملكون من حيوان بهيم.وبدأ خلق الإنسان من طين، وجعل نسله من سلالة من ماءٍ مهينٍ، في قرارٍ مَكِيْن، فجعله سميعًا بصيرًا، بعد أن لم يكن شيئًا مذكورًا، وشرَّفه بالعلم والتعليم.خلق بيده الكريمة آدمَ أبا البشر، فصوَّر جُثَّته، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، وخلق منه زوجَه حواء أُمّ البشر، فآنس بها وحْدَتَه، وأسكنهما جنته، وأسبغ عليهما نعمته. ثم أهبطهما إلى الأرض، لما سبق في ذلك من حكمة الحكيم. وبثَّ منهما رجالًا كثيرًا ونساءً، وقسمهم بقدره العظيم ملوكًا ورعايا(٦)، وفقراء وأغنياء، وأحرارًا وعبيدًا، وحرائر وإماءً. وأسكنهم أرجاء الأرض، طولها والعرض، وجعلهم خلائف فيها يخلف البعضُ البعض(٧)، إلى يوم الحساب والعرض على الحكيم العليم(٨). وسخر لهم الأنهار من سائر(٩) الأقطار، تشقُّ(١٠) الأقاليم إلى الأمصار، ما بين صغار وكبار، على مقدار الحاجات والأوطار، وأنبع لهم العيون والآبار، وأرسل عليهم السحاب(١١) بالأمطار، فأنبت لهم سائر صنوف الزُّروع(١٢) والثمار. وآتاهم من كل ما ساْلوه بلسان حالهم وقالهم: {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ} [إبراهيم: ٣٤] فسبحان الكريم العظيم الحليم.(١) الكروبيون: سادة الملائكة وهم المقربون. النهاية لابن الأثير (٤/ ١٦١) واللسان (كرب).(٢) الزجل: رفع الصوت الطَّرِب. وقال ابن الأثير: صوت رفيع عالي. النهاية (٢/ ٢٩٧).(٣) في ب: سبعين؛ وهو خطأ.(٤) في المطبوع: الرابعة.(٥) زيادة من ب.(٦) في المطبوع: ورعاة.(٧) في ب: "البعض منهم البعض"، والعبارة من غير "منهم" أجود.(٨) في ب: على العليم الحكيم.(٩) سائر، بمعنى الجميع، خطأ شائع، والصحيح استخدامها بمعنى البقية.(١٠) قوله: تشق. والأوطار؛ سقطت من "ب".(١١) في المطبوع: السحاب.(١٢) في ب: الزرع.
وكان من أعظم نعمه عليهم، وإحسانه إليهم، بعد أن خلقهم ورزقهم ويسَّر لهم السبيل(١)، وأنطقهم، أن أرسل رُسُله إليهم، وأنزل كُتُبهُ عليهم، مبيِّنة حلاله وحرامه، وأخباره وأحكامه، وتفصيل كل شيءٍ في المبدأ والمعاد [إلى](٢) يوم القيامة؛ فالسعيد من قابل الأخبار بالتصديق والتسليم، والأوامر بالانقياد، والنواهي بالتعظيم، ففاز بالنعيم المقيم، وزُحْزح عن مقام المكذِّبين في الجحيم ذات الزقّوم والحميم، والعذاب الأليم.أحمده حمدًا كثيرًا طيبًا(٣) مباركًا فيه، يملأ أرجاء السماوات والأرضين، دائمًا أبد الآبدين، ودهرَ الداهرين، إلى يوم الدِّين، في كل ساعة وآنٍ ووقت وحين، كما ينبغي لجلاله العظيم، وسلطانه القديم ووجهه الكريم.وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريكَ له، ولا ولد له، ولا والد له، ولا صاحبة له، ولا نظير له، ولا وزير ولا مشير له، ولا عديد ولا نديد(٤) ولا قسيم. وأشهد أنَّ محمدًا عبدُه ورسوله، وحبيبه وخليله، المصطفى من خُلاصة العرب العَرْباء من الصميم، خاتم الأنبياء، وصاحب الحوض الأكبر الرَّواء، صاحب الشفاعة العظمى يوم القيامة، وحامل اللواء الذي يبعثه اللَّه تعالى المقامَ المحمود الذي يرغب إليه فيه الخلقُ كلُّهم؛ حتى الخليل إبراهيم صلى الله عليه وسلم وعلى سائر إخوانه من النبيين والمرسلين، وسلَّم وشرَّف وكرَّم أزكى صلاةٍ وتسليم، وأعلى تشريف وتكريم، ورضي اللَّه عن جميع أصحابه الغرِّ الكرام، السادة النجباء الأعلام، خلاصة العالم بعد الأنبياء، ما اختلط الظلام بالضياء، وما أعلن الداعي بالنداء، وما نسخ النهارُ ظلام الليل البهيم.أما بعد:فهذا كتابٌ أذكر فيه -بعون اللَّه وحسن توفيقه- ما يسَّرَه اللَّه تعالى بحوله وقوته من ذكر مبدأ المخلوقات: من خلق العرش والكرسي والسموات والأرضين وما فيهن، وما بينهنّ من الملائكة والجان والشياطين، وكيفيَّة خلق آدم عليه السلام، وقصص النبيين، وما جرى مجرى ذلك إلى أيام بني إسرائيل وأيام الجاهلية، حتى تنتهي النبوّة(٥) إلى أيام نبيّنا محمد صلى الله عليه وسلم(٦)، فنذكر سيرته كما ينبغي، فتشفي الصدور والغليل، وتزيح الداءَ عن العليل.(١) في أ: ويسرهم.(٢) زيادة من المطبوع.(٣) قوله: كثيرًا طيبًا. سقطت من ب.(٤) في ب: ولا عديل ولا نديد له ولا قسيم. والعديد: النظير.(٥) في أ: النوبة.(٦) في ب: صلوات اللَّه وسلامه عليه.
ثمَّ نذكر ما بعد ذلك إلى زماننا، ونذكر الفِتن والملاحم وأشراطَ(١) الساعة، ثمَّ البعث والنشور وأهوال القيامة، ثمَّ صفة ذلك وما في ذلك اليوم، وما يقع فيه من الأمور الهائلة. ثمَّ صفة النَّار، ثمَّ صفة الجنان وما فيها من الخيرات الحسان، وغير ذلك وما يتعلق به، وما ورد في ذلك من الكتاب والسُّنَّة والآثار والأخبار المنقولة المقبولة عند العلماء وورثة الأنبياء، الآخذين من مشكاة النبوة المصطفوية المحمدية، على من جاء بها أفضل الصلاة والسلام.ولسنا نذكر من الاسرائيليات إلا ما أذِن الشارع في نقله، مما لا يخالف كتابَ اللَّه تعالى وسنةَ رسوله صلى الله عليه وسلم، وهو القسم الذي لا يُصدَّق ولا يكذب، مما فيه بسطٌ لمختصر عِنْدَنا، أو تسميةٌ لمبهم وَرَدَ به شرعُنا مما لا فائدة في تعيينه لنا، فنذكره على سبيل التحلِّي به لا على سبيل الاحتياج إليه والاعتماد عليه(٢). وإنما العمدة والاستناد على كتاب اللَّه تعالى وسنّة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، ما صحَّ(٣) نقلْه أو حَسُن، وما كان فيه ضعفٌ نبيِّنه، وباللَّه المستعان وعليه التُّكلان، ولا حولَ ولا قوَّة إلا باللَّه العزيز الحكيم العليّ العظيم.فقد قال اللَّه تعالى في كتابه: {كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا} [طه: ٩٩] وقد قصَّ اللَّه على نبيّه صلى الله عليه وسلم خبر ما مضى من خلق المخلوقات، وذِكْر الأممِ الماضين، وكيف فعل بأوليائه، وماذا أحل باعدائه. وبيَّن ذلك رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم لأمته بيانا شافيًا، سنورد عند كل فَصْلٍ ما وَصَلَ إلينا عنه، صلواتُ اللَّه وسلامُه عليه، في ذلك تِلْوَ الآيات الواردات في ذلك، فأخبرنا بما نحتَاج إليه من ذلك، وترك ما لا فائدة فيه مما قد يتزاحم على علمه ويَتَراجم(٤) في فهمه طوائف من علماء أهل الكتاب فيما لا فائدة فيه لكثير من الناس إليه، وقد يستوعبُ(٥) نقلَه طائفة من علمائنا أيضًا، ولسنا نحذو حذوَهم ولا ننحو نحوهم، ولا نذكر منها إلا القليل على سبيل الاختصار، ونبين ما فيه منها(٦) حق مما وافق ما عندنا، وما خالفه فوقع فيه الإنكار.فأما الحديث الذي رواه البخاري رحمه الله في "صحيحه"(٧) عن [عبد اللَّه بن] عمرو بن العاص(١) أشراط: جمع شرط: هو العلامة. والشرط، بسكون الراء: هو إلزام الشيء والتزامه، ج: شروط وشرائط.(٢) كذا في ب. وأ: والاعتماد إليه، يقال: اعتمد على الشيء: إذا اتكأ عليه واتَّكل.(٣) في ب: مما صح.(٤) الرجم: القذف بالغيب والظن.(٥) في ب: استوعب.(٦) لفظة: منها؛ سقطت من المطبوع، وفي ب: بياض مكانها قدر كتابتها.(٧) رواه البخاري في صحيحه (٣٤٦١) في الأنبياء، من حديث عبد اللَّه بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما بلفظ "بلِّغوا عني ولو آية، وحدِّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب على متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار". وجملة: "وحدِّثوا عني ولا تكذبوا عليَّ" التي ذكرها المؤلف رحمه الله في حديث البخاري ليست فيه. وإنما هي جملة من حديث رواه أحمد في المسند (٣/ ٤٦) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ولفظه بتمامه: =
رضي الله عنهما(١) - أنَّ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: "بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيةً، وَحدِّثُوا عَنْ بَني إسْرَائيلَ ولا حَرَجَ، وحدِّثُوا عَنِّي ولا تكْذِبُوا عليَّ، ومنْ كذب عليَّ مُتعمدًا فَلْيتبوأْ مَقْعَدَهُ منَ النَّارِ" فهو محمول على الإسرائيليات المسكوت(٢) عنها عندنا. فليس عندنا ما يُصدِّقُها ولا [ما](٣) يُكذِّبُها، فيجوز روايتُها للاعتبار. وهذا هو الذي نستعمله في كتابنا هذا(٤).[فأمَّا ما شهد له شرعُنا بالصدق؛ فلا حاجة بنا إليه استغناء بما عندنا](٥)، وما شهد له شرعُنا منها بالبطلان، فذاك مردود لا يجوز حكايته، إلا على سبيل الإنْكار والإبْطال.فإذا كان اللَّهُ سبحانه ولهُ الحمدُ، قد أغنانا برسولنا محمد صلى الله عليه وسلم عن سائر الشرائع، وبكتابه عن سائر الكتب، فلسنا نترامى على ما بايديهم مما قد وَقَعَ فيه خَبْط وَخلْطٌ، وكَذِبٌ ووضْع، وتحريفٌ وتبديلٌ، وبعد ذلك كله نسخ وتغيير.فالمحتاجُ إليه قد بيَّنه لنا رسولُنا، وشَرَحه ووضَّحه، عَرفه من عَرَفه، وجَهله [مَنْ جَهِلَهُ]. كما قال علي بن أبي طالب: كِتابُ اللَّه فِيْه خَبَرُ ما قَبْلَكُمْ، وَنَبأُ ما بَعْدكُم، وحُكْمُ ما بَيْنكُمْ، وَهُوَ الفَصْلُ لَيْسَ بالهزْلِ، منْ تَرَكهُ من جَبَّار قَصَمهُ اللَّهُ، ومَنِ ابْتَغَى الهُدَى في غَيْرِهِ أضَلَّه(٦) اللَّه(٧).= "وحدثوا عني ولا تكذبوا عليَّ، ومن كذب عليَّ متعمدًا فقد تبوَّأ مقعده من النار، وحدِّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج".وحديثنا الذي ذكره المؤلف من رواية البخاري من حديث عبد اللَّه بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما رواه أيضًا أحمد في المسند (٢/ ١٥٩ و ٢٠٢ و ٢١٤) والدارمي في سننه، في المقدمة (١/ ١٣٦) باب: البلاغ عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وتعليم السنن، والترمذي في سننه (٢٦٦٩)، في العلم، باب: ما جاء في الحديث عن بني إسرائيل، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.(١) في الأصل: عنه؛ وعدلتها لتستقيم مع الزيادة التي أثبتُّها عن صحيح البخاري، وسقطت من النسخ.(٢) في ب: والمسكوت.(٣) زيادة من المطبوع.(٤) في ب: هذا منها.(٥) زيادة من ب. سقطت من أ بنقلة عين.(٦) في أ: أخبله؛ وأثبت رواية ب، وهي موافقة لما ورد في كتب الحديث.(٧) قطعة من حديث أورده ابن كثير موقوفًا على عليّ رضي الله عنه. وقد ورد مرفوعًا عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وهو عند الترمذي في سننه (٢٩٠٦) في فضائل القرآن، والدارمي في سننه (٢/ ٤٣٥) وأحمد في مسنده (١/ ٩١).وقال الترمذي: هذا حديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه وإسناده مجهول، وفي الحارث مقال.والحارث هو الحارث بن عبد اللَّه الأعور الهمداني، وهو ضعيف الحديث، وخاصة فيما يرويه عن علي رضي الله عنه، ترجمته في ميزان الاعتدال؛ للذهبي (١/ ٤٣٥ - ٤٣٧).
وقال أبو ذر، رضي الله عنه: توفي رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وما طائر يطير بجناحيه إلا أذكرنا(١) منه علمًا.وقال البخاري في كتاب(٢) بدء الخلق: وروي عن عيسى(٣) بن موسى غُنْجار، عن رَقبة، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب قال: سمعتُ عمر بن الخطاب يقول: قام فينا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم مَقَامًا، فأخْبَرنا عن بدْء الخلق، حتَّى دخل أهلُ الجنَّة منازِلَهُمْ، وأهلُ النَّارِ مَنازِلَهم، حَفِظَ ذلكَ منْ حَفِظَهُ وَنسيهُ منْ نسيه(٤). قال أبو مسعود(٥) الدمشقي ["في أطْرافه"](٦): هكذا قال البخاري، وانما رواه عيسى غُنْجار عن أبي حمزة، عن رقبة.وقال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله في "مسنده"(٧): حدّثنا أبو عاصم، حدَّثنا عَزْرة بن(١) في ب: إلَّا ذكَّرنا.(٢) في ب: كتابه.(٣) هكذا بصيغة المبني للمجهول، وكذلك هو بخط المزي في تحفة الأشراف (٧/ ٢٠٨ حديث ١٠٤٧٠)، والذي في البخاري: وروى عيسى عن رقبة. وقد وضّحه المؤلف فقال: عيسى بن موسى غُنجار. وغنجار لقب لعيسى، لقب به لحمرة لونه. قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: (٦/ ٢٠٧) قوله: وروى عيسى عن رقبة؛ كذا للأكثر، وسقط منه رجل، فقال ابن الفلكي: ينبغي أن يكون بين عيسى ورقبة أبو حمزة، وبذلك جزم أبو مسعود، وقال الطرقي: سقط أبو حمزة من كتاب الفربْري وثبت في رواية حماد بن شاكر، فعنده عن البخاري: روى عيسى عن أبي حمزة عن رقبة، قال، وكذا قال ابن رميح عن الفربري. قلت [القائل ابن حجر]: وبذلك جزم أبو نعيم في المستخرج، وهو يروي الصحيح عن الجرجاني عن الفربري، فالاختلاف فيه حينئذٍ عن الفربري، ثمّ رأيته سقط أيضًا من رواية النسفي، لكن جعل بين عيسى ورقبة: ضبة، ويغلب على الظن أن أبا حمزة ألحق في رواية الجرجاني، وقد وصفوه بقلّة الإتقان، وعيسى المذكور هو ابن موسى البخاري، ولقبه غنجار. . . وليس له في البخاري إلا هذا الموضع، وقد وصل الحديث المذكور من طريق عيسى المذكور عن أبي حمزة، وهو محمد بن ميمون السكري، عن رقبة، الطبراني في مسند رقبة المذكور وهو بفتح الراء والقاف والموحدة الخفيفة، ابن مصقلة بفتح الميم وسكون الصاد المهملة، وقد تبدل سينًا (مسقلة) ولم ينفرد به عيسى، فقد أخرجه أبو نعيم من طريق علي بن الحسن بن شقيق، عن أبي حمزة، نحوه، لكن بإسناد ضعيف.(٤) رواه البخاري في صحيحه (٣١٩٢)، باب: ما جاء في قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ. .} [الروم: ٢٧] وهو من رواية حذيفة، في مسند أحمد (٥/ ٣٨٥ و ٣٨٩، ٤٠١) وأبي داود (٤٢٤٠) في الفتن: باب ذكر الفتن ودلائلها، ومن رواية أبي سعيد الخدري في الترمذي (٢١٩١) في الفتن: باب ما جاء ما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بما هو كائن إلى يوم القيامة، وقال الترمذي: وهذا حديث حسن صحيح.(٥) في ب: ابن مسعود؛ وهو سهو. وأبو مسعود الدمشقي: هو إبراهيم بن محمد بن عبيد الدمشقي حافظ صدوق ورع. توفي سنة (٤٠١ هـ). ترجمته في السير للذهبي (١٧/ ٢٢٧) وكتابه: "أطراف الصحيحين" رتب فيه أحاديث كل صحابي على حدة. كشف الظنون (١/ ١١٦)، وهو أحد الكتب الرئيسة التي أقام المزي عليها كتابه "تحفة الأشراف".(٦) زيادة من ب.(٧) مسند أحمد (٥/ ٣٤١).
ثابت، حدَّثنا عِلْباء بن أحمر(١) اليشكري، حدَّثنا أبو زيد الأنصاري، قال: صلَّى بنا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم صلاةَ الصُّبْح، ثُمَّ صَعِدَ المِنْبَرَ، فَخَطبنا حَتَّى حَضَرَتِ الظُّهْرُ، ثُمَّ نَزلَ فَصَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ صَعِدَ المِنْبَرَ، فَخَطبنا حَتَّى حَضَرتِ العصْرُ، ثُمَّ نَزلَ فَصَلَّى العَصْر، ثُمَّ صَعِدَ المِنْبر فَخطبنا حَتَّى غَابَتِ الشَّمْسُ، فَحَدَّثَنا بما كانَ، وما هُوَ كائنٌ، فأعلمُنا أحْفَظُنا. انفرد بإخراجه مسلم، فرواه في كتاب الفتن من "صحيحه"(٢) عن يعقوب بن إبراهيم الدورقي وحجاج بن الشاعر، جميعًا(٣) عن أبي عاصم الضحَّاك بن مخلد النبيل، عن عزرة، عن علباء، عن أبي زيد عمرو بن أخطب بن رفاعة الأنصاري رضي الله عنه، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم بنحوه.وقال الإمام أحمد(٤): حدَّثنا يزيد بن هارون وعفَّان، قالا: حدَّثنا حمَّاد بن سلَمة، أخبرنا علي بن زيد، عن [أبي نضْرَة، عن] أبي سعيد قال: خطبنا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم خُطْبَةً بعد العصْر إلى مُغَيْرِبان الشَّمْسِ، حَفظها [منا] منْ حفظَها، ونسِيَها من نسيها. قال عَفَّان: قال حمَّاد: وأكثر حفظي أنَّه قالَ: ما هو كائنٌ إلى يوم القيامة، فَحَمِدَ اللَّه، وأثنى عليه، ثمَّ قال: "أمَّا بَعْدُ فإن الدُّنْيا خَضِرَةٌ حُلْوةٌ، وإنَّ اللَّهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ فيْها فناظِرٌ كَيْفَ تَعْملونَ، ألا فَاتَّقُوا الدُّنْيا، وَاتَّقُوا النِّسَاءَ. . " وذكر تمام الخُطبة(٥)، إلى أن قال: فلما كان عند مغيربان الشمس قال: "ألا إنَّ مثْلَ ما بَقيَ منَ الدُّنْيَا مِثْلُ ما بَقِيَ منْ يَوْمِكُمْ هَذَا فِيْما مَضَى منْهُ".ثم قال الإمام أحمد(٦): حدَّثنا عبدُ الرزَّاق، أخبرنا مَعْمَر، عن علي بن زيد بن جُدْعان، عن(١) في أ: أحمد؛ وهو تحريف.(٢) صحيح مسلم (٢٨٩٢) باب إخبار النبي صلى الله عليه وسلم فيما يكون إلى قيام الساعة.(٣) كذا في صحيح مسلم وط. وفي أ وب: كلاهما.(٤) مسند أحمد (٣/ ١٩) والزيادات منه. والكلام حتى نهاية الفصل سقط من المطبوع.(٥) وتمام الخطبة فيه: "ألا إن بني آدم خُلقوا على طبقات شتَّى، منهم من يُولَد مؤمنًا ويحيا مؤمنًا ويموتُ مؤمنًا، ومنهم من يُولد كافرًا ويحيا كافرًا ويموت كافرًا، ومنهم من يُولد مؤمنًا ويحيا مؤمنًا ويموت كافرًا، ومنهم من يولد كافرًا ويحيا كافرًا ويموتُ مؤمنًا.ألا إنَّ الغضب جَمْرةٌ توقد في جَوف ابن آدَمَ؛ ألا تَرَونَ إلى حُمْرة عينيه وانتفاخِ أوْدَاجِه، فإذا وَجدَ أحدُكم شَيئًا من ذلك فالأرض الأرضَ.ألا إنَّ خَيْرَ الرجالِ من كان بَطيءَ الغضب سريعَ الرِّضى، وشَرّ الرِّجال من كانَ سَريعَ الغضب بطيءَ الرض، فإذا كان الرجلُ بطيءَ الغضب بطيء الفَيْء وسريعَ الغضب سريعَ الفيء فإنَّها بها.ألا إنّ خيرَ التجّار من كان حسنَ القضاء، حسن الطلب، وشرَّ التجار من كان سيّء القضاء سيّء الطلب، فإذا كان الرجل حسنَ القضاء سيّء الطلب، أو كان سيّء القضاء حسن الطلب فإنها بها.ألا إن لكل غادرٍ لواءً يوْم القيامة بقدْر غدرته، ألا وأكبر الغدْر غدرُ أمير عامة. ألا لا يمنَعنَّ رجُلًا مهابةُ الناسِ أن يتكلم بالحقّ إذا علمه. ألا إنَّ أفْضَل الجهادِ كلمةُ حق عند سُلطان جائر. . ".أقول: وفي سنده علي بن زيد بن جُدعان، وهو ضعيف يطوله، ولكن أول الحديث الذي ذكره المؤلف صحيح، وآخره صحيح من قوله: "ألا إن لكل غادر لواءً" إلى آخره.(٦) مسند أحمد (٣/ ٦١).
أبي نَضْرَة، عن أبي سعيد قال: صلَّى بنا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم صلاةَ العَصْرِ ذاتَ يومٍ بِنهارٍ، ثمَّ قام فَخطبنا إلى أنْ غَابَت الشمس، فلم يَدَعْ شَيْئًا مما يَكُون إلى يوم القيامة إلا حدَّثناهُ، حفِظ ذلكَ من حَفِظه، وَنسيَ ذلك من نَسِيه، فكان ممَّا قال: "يا أيها النَّاسُ؛ إنَّ الدُّنْيا خَضِرَة حُلْوة، وإنّ اللَّهَ مُسْتَخْلِفكمْ فيها فناظرٌ كيفَ تَعْملونَ، فاتَّقوا الدُّنْيا وَاتَّقوا النساءَ. . . "(١). وذكر تمامها إلى أن قال: ثمَّ دَنتِ الشَّمْسُ أن تغرب فقال: "وإنَّ ما بقي من الدُّنيا فيمَا مَضَى [منها] مثلُ ما بقي من يومكم هذا فيما مضى منه". وهذا هو المحفوظ. واللَّه أعلم(٢).فَصْلٌ قال اللَّه تعالى في كتابه العزيز: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} [الزمر: ٦٢].فكل ما سواه تعالى مخلوق له، مرْبوب مدبَّر مكوَّن بعد أن لم يكن، محدث بعد عدمه فالعرش الذي هو سقف المخلوقات إلى ما تحت الثرى، وما بين ذلك من جمادٍ وناطق الجميعُ خَلْقهُ، وملكهُ وعَبيده، وتحت قَهْره وقُدرته، وتحت تصريفه ومشيئتة(٣) {خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} [الفرقان: ٥٩]، {يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ} [الحديد: ٤].فقد أجمع علماء الإسلام قاطبةً، لا يشُكّ في ذلك مسلم، أنَّ اللَّه تعالى خَلَقَ السماوات والأرضَ، وما بينهما في ستة أيام، كما دل عليه القرآن العظيم(٤) واختلفوا في هذه الأيام: أهي كأيامنا هذه؟ أو كل يوم كألف سنة مما تعدّون(٥)؟ على قولين، كما بيّنا ذلك في "التفسير"(٦)، وسنتعرض لإيراده في(١) رواه أحمد مطولًا (٣/ ٦١) وإسناده ضعيف بطوله، ولأوله وآخره شواهد.(٢) قوله: واللَّه أعلم؛ ليس في ب.وأدرج بعد هذا الحديث في نسخة (ب) حديث آخر في معناه، وقال الإمام أحمد: حدَّثنا مكي بن إبراهيم، حدَّثنا هاشم -يعني ابن هاشم- عن عمر بن إبراهيم بن محمد، عن محمد بن كعب القرظي، عن المغيرة بن شعبة أنه قال: قام فينا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم مقامًا فأخبر بما يكون في أمته إلى يوم القيامة، وعاه من وعاه، ونسيه من نسيه، وهو في مسنده (٤/ ٢٥٤) وهو حديث صحيح بطرقه وشواهده.(٣) كذا في ب وفي أ: خشيته.(٤) في المطبوع: الكريم، وسقط اللفظان من ب.(٥) قال اللَّه تعالى في كتابه العظيم: {وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ} [الحج: ٤٧].(٦) تفسير القرآن العظيم (٣/ ٢٢٠) في تفسير قوله تعالى: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ. . .} [الأعراف: ٥٤].
موضعه. واختلفوا: هل كان قبل(١) السموات والأرض شيء مخلوق قبلهما؟ فذهب طوائف من المتكلمين إلى أنَّه لم يكن قبلهما شيء وأنهما خلقتا(٢) من العدم المحض.وقال آخرون: بل كان قبل السموات والأرض مخلوقات أُخَر، لقوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ} [هود: ٧] الآية.وفي حديث عمران بن حُصَيْنٍ -كما سيأتي-: "كان اللَّهُ ولَمْ يَكُنْ شَيءٌ قَبْلهُ وكَانَ عَرْشُهُ على الماءِ، وكَتَبَ في الذِّكْرِ كُلَّ شَيْءً، ثُمَّ خَلَقَ السَّماواتِ وَالأرْضَ"(٣).وقال الإمام أحمد(٤): حدثنا بهْزٌ، حدثنا حمَّاد بن سلمة، حدَّثنا يَعْلَى بن عَطَاء، عن وكيع بن حُدُس(٥)، عن عمه أبي رزين لقيط بن عامر العقيلي، أنه قال: يا رَسُولَ اللَّهِ أيْنَ كَانَ رَبُّنا قَبْلَ أنْ يَخْلق السَّموات والأرْض؟ قال: "في عماءٍ ما فوْقَهُ هواءٌ، ثُمَّ خَلَقَ عَرْشَهُ عَلَى الماء"(٦).ورواه عن يزيد بن هارون، عن حماد بن سلمة، ولفظه: "أيْنَ كَانَ رَبُّنا قَبْلَ أنْ يَخْلقَ خَلْقَهُ؟ "(٧)، وباقيه سواء.وأخرجه الترمذى(٨) عن أحمد بن منيع، وابن ماجه(٩) عن أبي بكر بن أبي شَيْبَة، ومحمد بن الصبَّاح، ثلاثتهم عن يزيد بن هارون، وقال الترمذي: حسنٌ(١٠).واختلف هؤلاء في أيها خُلِق أولًا؟ فقال قائلون: خلق القلم قبل هذه الأشياء كلها، وهذا هو اختيار(١) في المطبوع: قبل خلق. . . وكُتب في "أ": خلق، ثمّ شطب عليها، وهي ليست في (ب).(٢) في ب: خلقهما.(٣) سيرد تخريجه (ص ٣٠).(٤) المسند (٤/ ١١).(٥) ضبطه ابن حجر في التقريب: عُدُس، بضمتين، وقال: وقد يفتح ثانيه، ويقال: [حُدُس] بالحاء بدل العين، وقال الترمذي: هكذا يقول حماد بن سلمة: وكيع بن حُدُس، ويقول شعبة وأبو عوانة وهُشيم: وكيع بن عُدُس، وهو أصح.(٦) العماء: السحاب، وقيل: الضباب. قال أبو عبيد: لا يُدرى كيف كان ذلك العماء. النهاية لابن الأثير (٣/ ٣٠٤).(٧) مسند أحمد (٤/ ١١) رقم (١٦١٣٢) وإسناده ضعيف، لجهالة وكيع بن عدس.(٨) الجامع (٣١٠٩) في التفسير.(٩) سنن ابن ماجه (١٨٢) في المقدمة، باب فيما أنكرت الجهمية.(١٠) زاد في نسخة ب هنا: وقال محمد بن عثمان بن أبي شيبة في كتاب "صفة العرش": حدَّثنا عبد اللَّه بن مروان بن معاوية، سمعت الأصمعي يقول -وذكر هذا الحديث فقال-: العماء في كلام العرب: السحاب الأبيض الممدود، وأما العمى، المقصور، فهو البصر.ويبدو أنَّ ناسخ (ب) وقف على كتاب "صفة العرش" ثمَّ أدرج منه ما يؤيد الأخبار والأحاديث التي يذكرها ابن كثير وهذا ما سنلاحظه في كثير من الزيادات التي تفردت بها نسخة (ب) في هذا الموضوع.
ابن جرير(١)، وابن الجوزي، وغيرهما. قال ابن جرير(٢): وبعد القلم السحاب الرقيق، وبعده العرش.واحتجوا بالحديث الذي رواه [الإمام](٣) أحمد، وأبو داود والترمذي(٤)، عن عُبادة بن الصامت، رضي الله عنه، قال: قال رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم: "إنَّ أوَّلَ ما خَلَقَ اللَّهُ القَلَمُ. ثُمَّ قالَ لَهُ اكْتُبْ، فجرى في تلك السَّاعة بما هُوَ كائنٌ إلى يَوْمِ القيَامَةِ" لفظ أحمد.وقال الترمذي: حسن صحيح غريب(٥).والذي عليه الجمهور، فيما نقله الحافظ أبو العلاء الهَمَذَاني وغيره: أنَّ العرش مخلوق قبل ذلك، وهذا هو الذي رواه ابن جرير(٦) من طريق الضحاك عن ابن عباس، كما دلَّ على ذلك الحديث الذي رواه مسلم في "صحيحه" حيث قال: حدّثني أبو الطاهر أحمدُ بْن عمرو بن السَّرْح، حدَّثنا ابن وهب، أخبرني أبو هانئ الخَوْلاني، عن أبي عبد الرحمن الحُبُلي(٧)، عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص قال: سمعتُ رسولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول: "كَتَبَ اللَّهُ مَقَاديْرَ الخَلائِقِ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَ السَّموَاتِ وَالأرْضَ بخَمْسين ألْفَ سَنةٍ، قالَ: وعَرْشُهُ على المَاءِ"(٨)، قالوا: فهذا التقدير هو كتابته بالقلم المقاديرَ.وقد دلَّ هذا الحديثُ أنَّ ذلك بعد خلق العرش، فثبتَ تقدُّم العرش على القلم الذي كتبت به المقادير كما ذهب إلى ذلك الجماهير. ويُحمل حديثُ القلم على أنَّه أوَّلُ المخلوقات من هذا العالم.ويؤيد هذا ما رواه البخارى(٩)، عن عِمْران بن حصين: قال: قال أهلُ اليمن لرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: جِئْنَاكَ(١) تاريخ الطبري (١/ ٣٢) وما بعدها.(٢) تاريخ الطبري (١/ ٣٧) وما بعدها.(٣) زيادة من ب تجري على نسق أسلوب ابن كثير.(٤) رواه أحمد في المسند (٥/ ٣١٧) وأبو داود في السنن (٤٧٠٠) في السنة، والترمذي في الجامع (٢١٥٥) في القدر، وفي التفسير (٣٣١٩).(٥) الذي في الترمذي باب القدر: هذا حديث غريب من هذا الوجه. وقال في التفسير: هذا حديث حسن غريب صحيح، وهو الذي اقتصر عليه المزي في التهذيب والتحفة، وهو حديث صحيح.(٦) تاريخ الطبري (١/ ٣٩) والصواب أن القلم أول ما خلق اللَّه ولا نص عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم صريح بأن العرش خلق أول، وإنما هو استنباط واجتهاد. ومن ذلك يتبين خطأ من يقول: أول خلق اللَّه صلّوا عليه؛ وهو أفضل الخلق، وليس أول الخلق، وسيد ولد آدم.(٧) في أ: الجبلي، وفي ب: الختلي، وفي ط: الجيلي؛ وكله تصحيف. والحُبُلي، بضم الحاء المهملة والباء المنقوطة بواحدة، منسوب إلى حيٍّ من اليمن. وأبو عبد الرحمن الحبلي هو عبد اللَّه بن يزيد، من تابعي أهل مصر. الأنساب للسمعاني (٤/ ٥٠). وقيل: الحُبَلي، بفتح الباء.(٨) رواه مسلم في صحيحه (٢٦٥٣) في القدر، والزيادة منه. وأخرجه الترمذي كذلك فى السنن (٢١٥٦) فى القدر.(٩) رواه البخاري في صحيحه (٣١٩٠) و (٣١٩١) في بدء الخلق، باب: ما جاء في قول اللَّه تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ} [الروم: ٢٧]، و (٤٣٦٥)، في المغازي، و (٤٣٨٦)، باب: قدوم الأشعريين وأهل اليمن، و (٧٤١٨) في التوحيد، وأخرجه أحمد في مسنده (٤/ ٤٢٦، و ٤٣١، ٤٣٣، ٤٣٦) والترمذي في =