طبقات علماء الحديث (ابن عبد الهادي) القسم: التراجم والطبقات الكتاب: طبقات علماء الحديث المؤلف: أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عبد الهادي الدمشقي الصالحي (ت ٧٤٤ هـ)تحقيق: أكرم البوشي، إبراهيم الزيبق الناشر: مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت - لبنان الطبعة: الثانية، ١٤١٧ هـ - ١٩٩٦ معدد الأجزاء: ٤أعده للشاملة: رابطة النساخ، تنفيذ (مركز النخب العلمية)، وبرعاية (مؤسسة سليمان الراجحي الخيرية)[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]تاريخ النشر في راميشر: ١ يوليو ٢٠٢٦.
طبقات علماء الحديث - جـ ١طبقات علماء الحديث تأليفالإمام أبي عبد الله محمد بن أحمد بن عبد الهادي الدمشقي الصالحي (المتوفى سنة ٧٤٤ هـ) تحقيقأكرم البوشيإبراهيم الزيبق مؤسسة الرسالة
جَمِيع الْحُقُوق مَحْفُوظَة للناشرالطَّبعَة الثَّانِيَة١٤١٧ هـ - ١٩٩٦ م مؤسَّسَة الرسَالة للطباعةِ والنشر والتوزيعمؤسَّسَة الرسَالة - بيروت - وطى المصيطبة - مبْنى عبد الله سليتتلفاكس: ٨١٥١١٢ - ٣١٩٠٣٩فاكس: ٦٠٣٢٤٣ - ص. ب: ١١٧٤٦٠ - برقيًا - بيوشران
بين يدي الكتابللعملِ في المخطوطات متعةٌ لا يعرفها إلا من ذاقها، إنها في أيسر حالاتها تنميةٌ لحسِّ الزمن في أعماقنا، وإرهافٌ لرعشة الماضي في وجداننا، تعيشه كأنه الحاضر .. رؤيةً ورؤيا .. هذه المخطوطة بخط الإِمام الغزالي .. وتلك بخط الإمام الذَّهبي .. وهذه سمعها صلاحُ الدِّين .. وتلك كان يملكها الملك المعظَّم .. وتتلاحقُ الأزمنة أمامك، وأنت تقف في زمنك، وتعيش الفكر والوجدان معًا، ها هم أولاء أعلامنا .. وأكاد أحيانًا أمدُّ يدي لأصافحهم من خلال خطوطهم …وتقرأ لاهثًا .. وأنت ملاحقٌ بهذا الإِحساس، لتَرْدِمَ خَنْدقًا حفره الزمن خلال قرونٍ عديدة، وتحاول أن تلملم صورةً بعثرتها النكبات والأحداث ومزقتها .. ولكي تلملمَ بقايا الصورة؛ عليك أن تعاني مشقَّة السؤال والحرمان .. فلكي تكتب عن دمشق مثلًا، عليك أن تبحث عنها في مكتبات ليدن، أو لندن، أو برلين … تراثنا ما زال أسيرًا في ديار الغُرْبة .. وثمة من يطالبنا بالابتعاد عنه! ..وتمضي السَّاعات .. وأنت تسعى بين الكتب وراء فتحةٍ أو ضمة تتوِّجُ بها كلمة .. أو تكشفُ عن معنى .. أو تعيدُ الحياةَ إلى كلمة عَدَتْ
عليها عوادي الرُّطوبة .. وتشعر بلذَّةٍ غريبة حين يشعُّ في ذهنك معنى .. أو تستسلم لك كلمة .. وتحس أنك تعيد اكتشاف التراث من جديد، أنك تردِمُ فجوةً بين الماضي والحاضر ..وهذا الكتاب يبيِّن جانبًا من جوانب ثقافتنا، هو تأريخ لهذه الفئة من العلماء الذين أخلصوا في خدمة الحديث النَّبوي الشَّريف، ومنحوه قلبهم وعقلهم وجهدهم، هذه الفئة التي كان من أهمِّ أهدافها ألا نبتعدَ عن اليَنْبُوع الثَّاني في ديننا الحنيف، عن المصدر الثاني -بعد القرآن الكريم- في تكوين نظرتنا إلى الحياة والكون، ويدهشنا حقًّا هذا الإِيمان الكبير الذي سَكَنَ قلوبهم، وهذا الدَّأْبُ على العِلْم مع الفاقة في كثيرٍ من الأحيان، فكان منهم في كل عصر ثوابت مبصرة، تبعدنا عن الانحراف وراء يونان أو فُرْس .. تذكِّرنا دائمًا بكلماتِ المصطفى صلى الله عليه وسلم، وهي مضمخة بعبق الإِيمان، وبعزيمة الحياة …وهو يعرِّفنا بمؤلفاتٍ لم نسمع بها من قبل .. مؤلفاتٍ شاملةٍ لأكثر المعارف، من حديثٍ .. وتاريخ، وأدب ونحو وتصوُّف.وقد قدَّمْتُه بمقدِّمة تعرِّف بالمؤلف وعصره، وأتبعتها بدراسةٍ عن ثقافته ونقده ومؤلفاته، واستقصيت -ما أمكن- التآليف التي من بابته، وأجريتُ مقارنةً بينه وبين تذكرة الحفَّاظ لوحدة موضوعِهما .. وعصرِهِما ..وقد قمتُ بتحقيقه مع الأخ الصَّديق الأستاذ أكرم البوشي، فجزأنا الكتاب، فكان من نصيبه الجزء الأول والثاني، وكان من نصيبي الجزء الثالث والرابع .. وقد اتفقنا على منهجٍ في التحقيق بيَّنْتُه في آخر هذه المقدِّمة.
وبعد ..هل تكفي كلمةُ شكرٍ أُزْجيها لأُستاذي وشيخي شعيب الأرنؤوط؟ وهل تجزئُ عني كلمةُ ثناء أكتبها له بحروف المحبَّة والصِّدْق؟ .. إن ما بعنقي له أوسع من الشكر، وأجزل من الثناء، إنَّ ما فتح عليه عيني من أمور الحياة، وأنا أَتَلمَّس طريقي بعقل غضٍّ وقلب مُرْهف جعل أيامي معه سنين في عُمْقها وغِنَاها، ثمّ أخذ بيدي في عالم التحقيق، فمنحني ثِقَته وما أغلاها، وأنار دَرْبي بعلْمِهِ وما أغزره، فلَكَ يا أستادي شكرٌ أوسعُ من الشُّكر، وثناء أعظمُ من الثَّناء، والله يتولَّى عني حُسْن جزائك.وليس لي وراءَ الله مَرْمى .. دمشق: ١٧ جمادى الآخرة ١٤٠٦ هـ٢٧ شباط ١٩٨٦ مإبراهيم الزيبق
٣٥٤ - عثمانُ بنُ الهَيثم * (خ)ابن جَهْم بن عيسى بن حسّان بن أشجِّ عبد القَيس. الإمامُ المحدِّث، أبو عمرو العَبْديُّ العَصَريُّ (١) البصريُّ المُؤَذِّن، مؤذنُ جامعِ البصرة. روى عن: ابن جُريج، وعَوْف الأعرابي، وهشام بن حسّان، ومبارك بن فَضَالة، وغيرهم.وعنه: البخاري، والذُّهلي، وأبو مسلم الكَجِّي، والحارثُ بنُ محمد التَّميمي، وأبو خليفة الجُمَحي، وخلق.قال أبو حاتم: صدوق، غيرَ أنَّه كان بأخرة يُلَقَّن (٢).مات سنةَ عشرين ومئتين.* طبقات خليفة: ت ١٩٥٤، تاريخ خليفة: ٤٧٦، تاريخ البخاري الكبير: ٦/ ٢٥٦، التاريخ الصغير: ٢/ ٣٤٠، الجرح والتعديل: ٦/ ١٧٢، الجمع بين رجال الصحيحين: ١/ ٣٥١، المعجم المشتمل: ص ١٨٦، تهذيب الكمال: ورقة ٩٢٦، سير أعلام النبلاء: ١٠/ ٢٠٩ - ٢١٠، الكاشف: ٢/ ٢٢٥، المغني في الضعفاء: ٢/ ٤٢٩، العبر: ١/ ٣٨٠، تذهيب التهذيب: ٣/ ٣٥، تذكرة الحفاظ: ١/ ٣٧٥، ميزان الاعتدال: ٣/ ٥٩، تهذيب التهذيب: ٧/ ١٥٧، طبقات الحفاظ: ص ١٦٢، خلاصة تذهيب الكمال: ورقة ٢٦٣، شذرات الذهب: ٢/ ٤٧.(١) هذه النسبة إلى (عَصَر) بطن من عبد القيس، وهو عصر بن عوف بن عمرو بن عوف بن جذيمة. "الأنساب" ٨/ ٤٦٥.(٢) الجرح والتعديل: ٦/ ١٧٢.
محمَّد بن أحمد بن عبد الهادي(٧٠٥ - ٧٤٤ هـ)حياته، ثقافته، مؤلفاتهبقلمإبراهيم الزيبق
"لو عاش كان عجبًا"صلاح الدين الصفدي
١ - دمشقعاشتْ دمشق في النِّصف الأوَّل من القرن الثامن الهجري أجمل أيامها، فقد أَمِنَتْ من التَّتار بعد هزيمتهم في شَقْحب سنة (٧٠٢ هـ) (١)، وعاد إلى السلطة الملكُ الناصر محمد بن قَلاوون للمرة الثالثة سنة (٧٠٩ هـ) (٢)، وتولى أمر نيابتها أمير ذوهمة عالية هو تنكز، وذلك سنة (٧١٢ هـ) (٣)، وقد بَسَطَ الملك الناصر سلطتَه على مِصْر والشَّام بحزمٍ وقوة؛ مما مكَّن تنكز في دمشق أن يقوم بحملة إصلاح واسعة شَمِلَتْ مناحي الحياة كافَّة، ابتداءً من كفِّ ظلم الولاة عن الناس، ومنع الأمراء من تسخير الفلاحين والمزارعين في أعمالهم، وانتهاءً بإحياء ما اندثر من الأوقاف بإعادة عمارة المدارس والمساجد، وقد أَنْصَفَ العامة والتجار بخلاص حقوقهم من الأمراء على ما يقتضي الشرع الحنيف، وأصلحَ تقاسيم المياه بعدما كانت فاسدة، ونظَّف مجاريها،(١) "البداية والنهاية": ١٤/ ٢٥ - ٢٦.(٢) "النجوم الزاهرة": ٨/ ٢٧٧، ٩/ ٣ وما بعدها، وكان قد ولي السلطنة للمرة الأولى سنة (٦٩٣ هـ) وهو صبي فخلع منها، ثم أعيد سنة (٦٩٨ هـ)، ثم عزل نفسه حتى عاد في المرة الثالثة.(٣) "الوافي بالوفيات": ١٠/ ٤٢١.
ووضَّحَ طُرُقَها، وهدم الأملاك التي استجدَّها الناس، وضيَّقوا بها الشوارع والطرق المسلوكة، وأزال الفواحش والخمارات، وشدد العقوبة على السكير حتى القتل، فتعذَّر في أيامه وجود الخمر، واستجد ديوانًا للزكاة، وصرفها للفقراء والمساكين (١)، فأَمِنَ الناس، وعاشوا في غاية الرُّخص والصِّيانة (٢)، وعمت المَدَنية قرى دمشق، فَبُنِيَ فيها الحمامات والمساجد الجامعة والأسواق، وصار سكانُها كأهل الحاضرة (٣)، وقد حقَّقَتْ خُطَّة تنكز في إحياء الأوقاف عدالةً اجتماعية لم تشهدها دمشق من قبل ومن بعد، ويأخذنا العجب والدهشة والانبهار ونحن نقرأ مصارف الأوقاف وأنواعها، مما خطَّه ابنُ بطوطة في رحلته، وتتجلى بين السطور روعةُ المدنية التي كان يعيشها أسلافنا، فمن أوقاف للعاجزين عن الحج، إلى أوقاف لتجهيز البنات إلى أزواجهن، إلى فَكَاك الأسرى، وتعديل الطرق ورَصْفها. ومما يثير إعجابنا حقًّا وقف الأواني، وهو سموٌّ إلى الخير لم نر مثيلًا له عند الأمم الأخرى، وقد روى لنا ابن بطوطة حادثة تتعلَّق به، قال: "مررت يومًا ببعض أزقَّة دمشق، فرأيت مملوكًا صغيرًا قد سقطت من يده صَحْفَة من الفخار الصَّيني -وهم يسمونها الصحن- فتكسرت، واجتمع الناس عليه، فقال بعضهم: اجمع شققها، واحملها معك لصاحب أوقاف الأواني. فجَمَعَها، وذهب الرجل معه إليه، فأراه إياها، فدفع له ما اشترى به مثل ذلك الصحن، وهذا من أحسن الأعمال؛ فإن سيد الغلام لا بدَّ له أن يضربه على كسر الصحن أو ينهره، وهو أيضًا(١) انظر "السلوك" للمقريزي: ج ٢ / ق ٢/ ٥١٠ - ٥١١.(٢) "البداية والنهاية": ١٤/ ١٨٧، و "الوافي بالوفيات": ١٠/ ٤٢٣.(٣) "رحلة ابن بطوطة": ١/ ١١٧.
ينكسر قلبه ويتغير لأجل ذلك، فكان هذا الوقف جبرًا للقلوب، جزى الله خيرًا من تسامت هِمَّتُه في الخير إلى مثل هذا" (١).في ظل هذا الأمن والرخاء قامت نهضة عُمْرانية رائعة، تنافس فيها أهل دمشق في عمارة المساجد والزوايا والمدارس والمشاهد (٢)، وعاش الناس في بُحْبُوحة، فكلُّ إنسان -حتى الغرباء- يتأتَّى له وَجْهٌ من المعاش (٣).هذه الصُّورة المشرقة سرعان ما كَسَفَتْ، ولاحَتْ بوادر الانهيار، فقد قُتِلَ الأمير تنكز سنة (٧٤١ هـ) (٤)، ومات قاتلُهُ الملك النَّاصر بعده بأشهر (٥)، وانتشر مرض الطَّاعون في العالم القديم كلِّه، فراح يحصُدُ الآلاف، وعدم الخبز، وقلَّ القوت، وعَلَتْ وجوه الناس صفرةٌ ظاهرة (٦)، وبلغ عدد الموتى كل يوم في دمشق ألفين وأربع مئة (٧)، وغرقت البلاد في فوضى، فما يتولى سُلْطان حتى يقتل، ولا يتولَّى نائب حتى يعزل، فما بين سنة (٧٤١ هـ) وسنة (٧٨٤ هـ)، تولى السلطنة أثنا عشر سُلْطانًا، أغلبهم تتراوح أعمارهم بين السادسة والحادية عشرة، ثمانية منهم من أولاد الناصر، وأربعة من حَفَدَته، وتولى نيابة دمشق في الفترة نفسها أربعة وعشرون نائبًا بين تعيين وإعادة، ابتداءً من الطنبغا الناصري الذي تولاها(١) "رحلة ابن بطوطة": ١/ ١١٨.(٢) المصدر السابق.(٣) المصدر السابق.(٤) "البداية والنهاية": ١٤/ ١٨٨.(٥) "السلوك" للمقريزي: ج ٢ / ق ٢/ ٥٢٣.(٦) "النجوم الزاهرة": ١٠/ ٢٠٣.(٧) "رحلة ابن بطوطة": ٢/ ٧٤٩.
سنة (٧٤١ هـ)، بعد مقتل تنكز، وانتهاءً ببيدمر الذي دخلها للمرة السَّادسة سنة (٧٨٣ هـ).ورغم تولي السلطنة سنة (٧٨٤ هـ) الملك الظاهر برقوق، وهو ممن أوتي حُنْكة ومِرَاسًا في الحكم، فقد ظل الاضطراب مستشريًا في جسم الدولة، حتى إن ثورة أطاحت به بعد سبع سنوات من توليه السلطنة، ولكنه سرعان ما عاد، واستطاع بحنكته أن يعيد إليها بعض الاستقرار.وكانت وفاته سنة (٨٠١ هـ)، وتولي ابنه الناصر فرج وله من العمر عشر سنوات بدايةَ النهاية، إذ استفحل عبثُ المماليك واقتتالهم على السُّلْطة، حتى انتهى بهم الأمر إلى الانسحاب من أمام جيش تيمور، وهو يحاصر دمشق، لتقع تحت سيفه غنيمة سهلة، ويقع الشعب قتيلًا وأسيرًا بعد أن خُدِعَ أبشع خديعة، وحلَّ بدمشق من البلاء ما لا يوصف، وجرى على أهل دمشق من العذاب ما جَعَلَ المعاقَب يحسد رفيقه الذي هلك تحت العقوبة (١)، واستمر هذا البلاء والعذاب بأهل دمشق تسعة عشر يومًا (٢)، ثم طُرِحَتِ النار، فعمَّ الحريق جميع البلد، حتى صار لهيب النار يكاد يرتفع إلى السَّحاب، وعملت النار في البلد ثلاثة أيام بلياليها (٣)، وذهبت مساجدُ دمشق ودُورها وقياسرها وحماماتها، وصارت أطلالًا بالية ورسومًا خالية، ولم يبق بها دابَّة تدبُّ إلا أطفالٌ يتجاوز عددهم الآلاف فيهم من مات، وفيهم من سيموت من الجوع (٤)، وكان(١) "النجوم الزاهرة": ١٢/ ٢٤٤.(٢) "النجوم الزاهرة": ١٢/ ٢٤٥.(٣) المصدر السابق.(٤) "النجوم الزاهرة": ١٢/ ٢٤٦.
أمرًا بلغ مبالغه في الشَّناعة والقبح على حدِّ تعبير ابن خلدون، شاهد هذه المأساة (١).بهذه الصُّورة القاتمة يختتم قَرْن، ويبدأ قرن، وتتباين صورتا دمشق بين أوَّل القرن وآخره، في أوله خرجت منتصرة على جيوش التتار في شقحب سنة (٧٠٢ هـ)، وفي آخره (٨٠٣ هـ)، سقطت منهزمة، مخذولة، مدمَّرة. ٢ - الصَّالحيةكانت الصالحية يوم انتقل إليها المقادسة سنة (٥٥٥ هـ) جبلًا أجردَ، في ناحيته الغربية يقوم دير أبي العَبَّاس الكهفي، وبجانبه دار فيها اربعة من العلماء الزُّهاد، وفي ناحيته الشرقية دير رهبان مهجور، سكنه أولاد معبد بن مستفاد، وما بين الناحيتين عُزْلة موحشة، وصمت رهيب، ومقابر ..وكان أول نزول المقادسة -بعد هجرتهم من جَمَّاعيل قريتهم في نابلس- في مسجد أبي صالح بالباب الشَّرْقي، وذلك سنة (٥٥١ هـ)، وقد أنزلهم به بنو الحنبلي؛ وهم القيِّمون على وَقْفه وإمامته، ونُمِيَ خبرهم إلى السُّلْطان نور الدين بن زنكي، فكتب لهم كتابًا بتسليم الوقف والمسجد إليهم، ولكن أحمد بن محمد بن قدامة وهو العالِمُ الخطيب، ما كان ليرضى أن يتخلَّص من ظُلْم الصليبيين ليقع في ظلم أشد، فقال: "أنا هاجرت حتى أنافس الناس على دنياهم؟ ! ما بقيت أريد أسكن ها هنا" (٢).(١) "التعريف بابن خلدون": ٣٧٤.(٢) القلائد الجوهرية": ١/ ٣٧.