تاريخ دمشق لابن عساكر (أبو القاسم ابن عساكر) القسم: التراجم والطبقات الكتاب: تاريخ مدينة دمشق، وذكر فضلها وتسمية من حلها من الأماثل أو اجتاز بنواحيها من وارديها وأهلها المؤلف: أبو القاسم علي بن الحسن ابن هبة الله بن عبد الله الشافعي المعروف بابن عساكر (٤٩٩ هـ - ٥٧١ هـ)دراسة وتحقيق: محب الدين أبو سعيد عمر بن غرامة العمروي الناشر: دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيععام النشر: ١٤١٥ هـ - ١٩٩٥ معدد الأجزاء: ٨٠ (٧٤ و ٦ للفهارس)جـ ١ - ٢: ما ورد في فضائل دمشق والشامجـ ٣ - ٤: السيرة النبويةجـ ٥ - ٦٥: الرجالجـ ٦٦ - ٦٨: الكنىجـ ٦٩ - ٧٠: النساءجـ ٧١ - ٧٤: مستدرك (عند اكتشاف مخطوطات أخرى تبين وجود سقط في بعض التراجم)جـ ٧٥ - ٨٠: الفهارس[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]تاريخ النشر في راميشر: ١ يوليو ٢٠٢٦.
[مقدمات]تاريخ مدينة دمشق وذكر فضلها وتسمية من حلها من الاماثل أو اجتاز بنواحيها من وارديها وأهلهاتصنيف الامام العالم الحافظ أبي القاسم علي بن الحسن ابن هبة الله بن عبد الله الشافعي المعروف بابن عساكر(٤٩٩ - هـ - ٥٧١ هـ) دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع
جميع حقوق الطبع إعادة الطبع محفوظة للناشرالطبعة الاولى١٤١٩ - هـ - ١٩٩٨ مدار الفكربيروتلبنان
اهداءإلى مهد الحضارات الانسانية وملتقى الديانات السماوية إلى أبناء العروبة والاسلام إلى أقدام مدينة في التاريخ إلى دمشق أم الشام نهدي انتاجنا
الدثور والانقصام وسلم جرعها من كيد قاصد يهم بالاختصام فيه ذكر من حلها من الأماثل والأعلام فبدأت به عازما على الإنجاز له والإتمام فعاقت عن إنجازه وإتمامه عوائق الأيام من شدوة (١) الخاطر وكلال الناظر وتعاقب الآلام فصدفت عن العمل فيه برهة من الأعوام حتى كثر في إهماله لوم اللوام وتحشيم من تحشيمه سبب لوجود الاحتشام وظهر ذكر شروعي فيه حتى خرج عن حد الاكتتام وانتشر الحديث فيه بين الخواص والعوام وتطلع إلى مطالعته أولوا النهى وذووا الأحكام ورقى خبر جمعي له إلى حضرة الملك القمقام (٢) الكامل العادل الزاهد المجاهد المرابط الهمام أبي القاسم محمود بن زنكي بن أبي (٣) سنقر ناصر الإمام أدام الله ظل دولته على كافة الأنام وأبقاه مسلما من الأسوأ منصور الأعلام منتقما من عداة المسلمين (٤) الكفرة الطغام معظما لحملة الدين بإظهار الإكرام لهم والاحترام منعما عليهم بإدرار الإحسان إليهم والإنعام عافيا عن ذنوب ذوي الإساءات والإجرام (٥) بانيا للمساجد والمدارس والأسوار ومكاتب الأيتام راضيا بأخذ الحلال ورافضا لاكتساب الحطام آمرا بالمعروف زاجرا عن ارتكاب الحرام ناصرا للملهوف وقاهرا للظالم العسوف بالانتقام قامعا لأرباب البدع بالإبعاد لهم والإرغام خالعا لقلوب الكفرة بالجرأة عليهم والإقدام وبلغني تشوقه إلى الاستنجاز له والاستتمام ليلم بمطالعة ما تيسر منه بعض الإلمام فراجعت العمل فيه راجيا للظفر بالتمام شاكرا لما ظهر منه من حسن الاهتمام مبادرا ما يحول دون المراد من حلول الحمام مع كون الكبر مطية (٦) العجز ومظنة الأسقام وضعف البصر حائلا دون الإتقان له والإحكام والله سبحانه وتعالى المعين فيه بلطفه عن بلوغ المرام وهو كتاب مشتمل على ذكر من حلها من أماثل البرية أو اجتاز بها أو بأعمالها من(١) كذا بالأصل والصواب: شده وهو الشغل كما في اللسان(٢) القمقام: القمقام والقماقم من الرجال السيد الكثير الخير الواسع الفضل: اللسان: قمم(٣) كذا وفي المطبوعة: آق(٤) استركت عن مخطوط الخزائن العامة بالرباط(٥) في المطبوعة: والاجترام(٦) في المطبوعة: مظنة العجز ومطية الأسقام
كلمة الناشر بسم الله الرحمن الرحيم تصدير (*) أهمية التاريخ : إذا كان التاريخ سردا لماضي الانسانية وسجلا لمجرى الحوادث الذي يصنعه الابطال والشعوب فإن التاريخ الكبير تاريخ دمشق لمحدث الشام ومؤرخها الحافظ ابن عساكر هو النور الساطع واللؤلؤة المضيئة بين كتب التاريخالذي يؤرخ لاعرق مدينة في التاريخ بل إنها جنة الارض ومدينة العلم والفضل والحضارة أم الشام يشد إليها الرحال بما زخرت به من المدارس وحلقات العلم في كل فن وعلم وبما أنجبت من علماء وفرسان أعلام في كل حلبة من حلباتهالقد دأبت دار الفكر وديدنها منذ تأسيسها بعد أسفار التراث من شتى العلوم والفنون وإخراجها وبسطها للناس للاستفادة من كنزو الاجدئاد واستخلاص العبر منهاومنذ عشرين عاما وعند اطلاعنا على المجلد الذي حققه الاستاذ الدكتور شكري فيصل من تاريخ دمشق أثار لدينا حلما دفينا وأمنية من أعظم أمانينا فقد كنا نحلم بتحقيق وإخراج هذا الكتاب وفاء منا لهذه المدينة العظيمة الذي كان لها دور مميز في كل عصر من عصور التاريخفعرضنا على الدكتور رحمه الله أن نكمل الطريق معا بإحياء هذ الاثر التاريخي النفيس وذلك بتحقيق بقية أجزاء الكتاب الثمانين ولكن الدكتور رحمه الله أشفق علينا وقال : وأنى لنا ذلك؟ والكتاب بحر زخار عميق الغور تغقصر عن جمعه وإنجازه وتحقيقه همم الرجال لعدم اكتمال مخطوطاته في مكان واحد من جهة ولحاجته إلى سيل فياض لتغطية أعبائه المادية ونفقات إخراجه من جهة ثانية وهو بهذا يحتاج لرعاية دولة وليس لدار نشر؟ ولكن كما قال الشاعر العربي : * على قدر أهل العزم تأتي العزائم *(*) كلمة الناشر هذه هي تعريف بالكتاب ومؤلفه وليست دراسة لهما ولا مقدمة تحقيق
وقد استخرنا الله علام الغيوب فشرح صدرنا للتصدي للعمل الضخم فتوكلنا على الله لانجاز هذا التاريخ العظيم ووضعه بين أيدي الناس هنيئا سلسافتتبعنا مخطوطاته شرقا وغربا فأتينا بها جاهدينوكان مما أثار حماسنا أنه أثناء المؤتمر الذي عقد في دمشق بمناسبة مرور ٩٠٠ سنة على وفاة مصنفه الحافظ المحدث الثقة ابن عساكر ومن المناقشات التي دارت في المؤتمر لمسنا أنه لا أحد مهيؤ لانجاز هذا المشروع الكبير الذي بدأه المجمع العلي العربي بدمشق منذ أربعين عاما ولم ينجزه لاسباب شتىومصنف الكتاب الحافظ ابن عساكر سليل أسرة عربية اشتهرت بالعلم والفقه والحديث والقضاء والفتياولد هذا العالم الجليل في دمشق سنة (٤٩٩) هـ وشب ونما في مناخها الصافي وترعرع في أحضان مدارسها وحلقات الاقراء والحديث الحافلة التي كانت تعقد في مسجد بني أمية وفي منارات أخرى للعلم والحديث والفقه كالمدرسة الغزالية (١) التي كان يتردد عليها ويأخذ عن أرباب العلم الذين كانوا يدرسون فيها فكان لكل ذلك أثر كبير في توجهه نحو العلم ونبوغه فيهولكن بعد وفاة أبيه وفي سنة (٥٢٠) عقد العزم على الرحلة إلى طلب العلم وشأنه في ذلك شأن كل العلماء الذين نبغوا وارتقوا مدارج العلم والمعرفةفاتجه نحو العراق أولا ففيها من العلماء من يرحل إليه وعاد إلى دمشق بعد سنة قاصدا الحج وفي مكة والمدينة ومنيه سمع ممن لقي من العلماء وحدث بمكةثم عاد من مكة ميمما شطر العراق ثانية فأقام في العراق خمس سنين في بغداد وسائر مدن العراق وكانت حافلة بشيوخ العلم كالموصل والرحبة والجزيرة وماردين والكوفة متنقلا بينها شمالا وجنوباوقد استمع إلى كبار المحدثين (ذكرهم في معجم شيوخه)وينهي رحلته العلمية هذه ويعود إلى بغداد ومنها إلى دمشق بعد أن استنفد ما عند علماء بغداد وشيوخها وضمنه صدره وصحائفهوفي دمشق أخذ يستعد لرحلة جديدة في طلب الحديث ولكن هذه المرة إلى ما وراء بغداد إلى خراسان ففيها من مراكز الحديث والمحدثين ما يشد إليه الرحال أيضا وكان ذلك سنة (٥٢٩ هـ)(١) وهي رواية الشيخ نصر المقدسي أصلا وصارت تعرف فيما بعد بالغزالية نسبة إلى الامام الغزالي(طبقات السبكي ١١٢ ج ٣)
يقول السمعاني الذي التقاه : دخل نيسابور قبلي بشهر سمعت منه معجمه والمجالسة للدينوري وقد شرع في تصنيف تاريخه تاريخ دمشقثم قفل راجعا إلى بغداد ومنها إلى دمشق وكان ذلك سنة (٥٣٣) ثلاث وثلاثين وخمسمائةوها هو ذا قد بلغ قمة العلم وتبوأ مرتبة الحفاظ والمحدثين يقول : متى أروي ما سمعت؟ لكنه لا يجرؤ على ذلك قبل أن يأذن له شيوخه فقال له جده يحيى بن علي القرشي : اجلس إلى سارية من هذه السواري حتى نجلس إليك أما أعيان شيوخه ورؤساء البلد فكلهم قالوا له : من أحق بهذا منك؟ قال الحافظ : فجلست في ذلك منذ ثلاث وثلاثين وخمسمائةوهنا تبدأ حقبة جديدة يمن حياة الحافظ تمتد أربعين عاما ينصرف فيها إلى الجمع والتصنيف والرواية والتأليف والمطالعة والتسميع ويشتهر أمره ويطير ذكره في الافاق فيرحل إليه الطلبة كما رحل هو من قبل إلى شيوخه وتنتهي إليه الرئاسة في الحفظ والاتقان والمعرفة التامة بالحديث متونا وأسانيد ويصبح إمام الحديث في عصره وفارسا في ميدانهثم كان دخول نور الدين زنكي إلى دمشق عام (٥٤٩) وهو قائد الجهاد ضد الصليبيينوهذه الحقبة من التاريخ نشط فيها العلم والجهاد في آن ورقي خبر ابن عساكر إلى نور الدين يقول الحافظ في خطبة كتابه : ورقي خبر جمعي له (أي لتاريخ دمشق) إلى الملك العادلوبلغني تشوقه إلى استنجازه والاستتمام فراجعت العمل به راجيا الظفر بالتماموقد بنى له نور الدين دارا لتعليم الحديث سميت فيما بعد دار الحديث النورية وهي أول مدرسة أنشئت في الاسلام لتعليم الحديث وتولى التدريس فيها الحافظ ابن عساكر نفسه وابنه ثم بنو عساكر من بعدهما وكان نور الدين يحضر حلقات تدريس له فيها كما كان السلطان صلاح الدين يحضر مجلسه ودروسه أيضاوقد تخرج من المدرسة النورية هذه وأخذ عن شيوخها كبار العلماء والمؤرخين والمحدثين في القرنين السادس والسابع للهجرة كابن الاثير الجزري والمقدسي والمزي وابن كثير والنووي والذهبي والحسيني وابن تيمية وابن قيم الجوزية وغيرهموللحافظ مؤلفات كثيرة في الحديث ومؤلفات وفيرة في الفضائل فضائل الاشخاص
وفضائل المدن وفضائل الاعمال وفضائل الشهور والايام وفضل الجهاد وفضل كتابة القرآن وغيرها من الفضائلكما له المعجم لمن سمع منه أو أجاز له ومعجم الشيوخ من النبلاءومن مؤلفاته ووفرتها وتنوعها نجد أن ابن عساكر محدث حافظ ثبت ثقة أولا ومؤرخ ثانيا شأنه في ذلك شأن سائر المؤرخين المسلمينولا جرم أن أكبر تأليفه وأكثرها ذيوعا وشمولا كتابه تاريخ دمشقوأهمية هذا التاريخ لا تكمن في أنه تاريخ لمدينة دمشق أحد أكبر معاقل الحضارة الانسانية والعلوم الاسلامية عبر مختلف العصور فحسب بل إنه موسوعة حديثية وهو من أوسع المصادر في سير الرجال فمنه يمكن استخلاص كتب وأسفار عدة في موضوعات وعلوم وفنون شتىفالكتاب مرجع لعلماء لاحتوائه على الالاف من الاحاديث النبوية والاثاروالكتاب موسوعة في علم الرجال والجرح والتعديل فهو عندما يترجم للرجال ويذكر سيرهم ويذكر مروياتهم فإنه يبين حالهم وعلى ما هم عليه من ضعف أو توثيق ويصحح أسماءهم إذا اقتضى الحالويذكر سنة الوفاة للرجال وهو بهذا يحدد طبقة الاسم المترجم له وفي هذا من الفائدة ما يدركه العاملون في حقل الرجالوهو عنمد يسرد الخبر خصوصا في الفضائل يسرد جميع الروايات بأسانيدها المتعلقة بالخبر يذكر ذلك وهو أعلم الناس بالاحاديث الضعيفة والموضوعة فكأنه بإيراده السند يخلي مسؤوليته ويدع العهدة في نقل الاخبار على من نقلها وكأنه يريد أن يقول أيضا : إن كتابه لجميع طبقات الناس وإنه يريد أن يكون تاريخه مرآة تعكس حياة الناس ومعتقداتهم ومذاهبهم ونحلهم وآراءهم السياسية والاجتماعية فله النقل والعرض والسرد وللعقل التدقيق والتمحيصوكأنه هنا يتلقي مع نظرية معاصرة في تدوين التاريخ لا رنولد توينبي التي تزعم " أن المؤرخين أميل إلى توضيح آراء الجماعات التي يعيشون في محيطها منهم إلى تصحيح الاراء "والكتاب جمع أكبر عدد من رجال الثقافة الاسلامية وأعلام الحضارة العربية خصوصا ذوي الشأن منهم وحتى ترجم لمن كان قبل الاسلام أيضاوالكتاب موسوعة في الادب شعرا ونثرا فضلا عن كون الحافظ ابن عساكر نفسه
شاعرا وأديبا وله قصيدة في مدح نور الدين بعد أن رفع عن أهل دمشق المطالبة بالخشب فيها : لما سمحت لاهل الشام بالخشب عوضت مصر بما فيها النشب وإن بذلت لفتح القدس محتسبا للاجر جوزببت خيرا غير محتسب ولست تعذر في ترك الجهاد وقد أصبحت تملك من مصر إلى حلب وكان يختم مجالسه بقطعة من شعرهوالحافظ ينقل من مصادر لم تصلنا فتاريخه وسيط بين عصرنا وعصر أسلافه وكثيرا ما ينقل علماء القرنين السادس والسابع عنه كابن الاثير في تاريخه الكامل والمزي في تهذيبه تهذيب الكمال والذهبي في تاريخه تاريخ الاسلام وسير أعلام النبلاء وابن كثير في تاريخه البداية والنهايةوهو عندما يؤرخ لمدينة دمشق تخصيصا لا يقتصر على الجانب التاريخي بل يتعداه إلى جغرافية المدينة لانه أدرك بحس العالم وحس المؤرخ أنه لا انفصام بين التاريخ والجغرافيا فالجغرافيا هي المسرح التي تحدث عليه وقائع التاريخ وهي من أهم المؤثرات التي تؤثر في الانسان وبالتالي في الحياة الاجتماعية والسياسية والثقافيةكما أن الموقع الجغرافي للمدينة الذي حباها الله به كان له أثر في دورها الحضاري عبر مختلف العصوروإذا كان تاريخ الطبري يعد أغنى المصادر عن تاريخ الفرس فإن تاريخ ابن عساكر أغنى المصادر عن تاريخ العرب المسلمين من نقطة الانطلاق الاولى وعلى امتداد الرقعة الجغرافية التي وصل إليها الاسلام خصوصا في الحقبات التاريخية التي كانت دمشق عاصمة الحياة العربية ومصدر القرار ومحجة وفود الجماعات والرجالات من الجزيرة والعراق وفارس وما وراء النهرين وأقصى الشرق ومصر وإفريقية وأطراف المحيط كما كانت مركز تجمع ومنطقة حشد وقاعدة عمليات للجيوش التي وصلت شرقا حتى حدود الصين وغربا حتى اجتازت المحيط وعبرت إلى إسبانيا وجنوب أوربة كما العمليات البحرية أيضا جنبا إلى جنب حتى أصبح حوض البحر الابيض المتوسط بسواحله شرقا وغربا بحيرة عربيةأليس من دمشق كانت تنطلق قوات الصوائف والشواتي لسد الثغور والدروب ورد غارات بيزنطة عن حدود الشام؟ ومن دمشق أيضا انطلقت جحافل صلاح الدين لطرد الصليبين وتحرير القدس
كما لم تكن دمشق بمعزل عن الحياة والمشاركة فيها في كل العهودوتاريخ دمشق يقدم مادة غنية للذين يدرسون التاريخ الاندلسيألم تنتقل الخلافة الاموية إلى الاندلس؟ كل ذلك يؤكد أن تاريخ دمشق هو تاريخ حضاري للعالم العربي والاسلامي مند ما قبل البعثة النبوية وحتى عصر المؤلف الذي يقف عند سنة ٥٧١ (١)وكأن الحافظ ابن عساكر أراد أن يؤرخ للعالم العربي والاسلامي على امتداد رقعته الجغرافية شرقا وغربا من خلال تلك المشكاة المشعة دمشق الشام فكان بتاريخه الكبير الموسوعي الفذ شيخ المؤرخين ومؤرخ الحفاظ والمحدثين ختاما من عصر الحفاظ ابن عساكر وهو عصر الجهاد وعصر النهضة العلمية ومن خلال موسوعته تاريخ دمشق ندرك كيف استطاعت هذه الامة تخطي محنتها بالصمود وبالقوة الحيوية الكامنة فيها وطرد الصليبيين وتحرير القدس ثالث الحرمين الشريفين ومحرك الاسراء من المسجد الحرام إلى المسجد الاقصىومع كل ما بذلناه من جهد وصبر وتحمل لاخراج هذه الموسوعة التاريخية العربية إلى الضوء نشعر بالتقصير وفرحتنا الكبرى تكتمل يوم يكتمل عقد هذا السفر العظيم بأجزائه الثمانينوجدير بنا أن نردد هنا وبعد تسعة قرون ما قاله الحافظ في خطبة كتابه يوم ألف تاريخه: فمن وقف فيه على تقصير أو خلل أو عثر فيه على تغيير أو زلل فليعذر أخاه متطولا وليصلح ما يحتاج إلى إصلاح متفضلاونحن نردد وراءه: وإن تجد عيبا فسد الخللا فجل من لا عيب فيه وعلا اللهم زدنا علما ولا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهابواجعلنا ربنا خيرا مما يظنون واغفر لنا ما لا يعلمون ولا تؤاخذنا بما يقولون وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمينبيروت ١٠ ذو القعدة ١٤١٥ ١٠ نيسان ابريل ١٩٩٥ الناشر دار الفكر(١) بينما يقف تاريخ بغداد عند سنة ٤٦٣
مقدمة التحقيققال الله تعالى: (وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون)الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ونؤمن به ونتوكل عليه والصلاة والسلام على أشرف الخلق محمد رسوله ونبيه أرسله بالهدى وعلى آله وصحبه الذين ازداد بهم الحق إشراقا والخير انتظاما واتساقاأما بعدترجمة ابن عساكر اسمه ومولده وحياته: هو علي بن الحسن بن هبة الله بن عبد الله بن الحسين أبو القاسم الدمشقي الشافعي المعروف بابن عساكرولد في المحرم في أول الشهر سنة تسع وتسعين وأربعمئة في مدينة دمشقأخذ العلم والفقه منذ الحداثة بدمشق حيث عاش في بيت جليل وقد كان أبوه الحسن بن هبة الله شيخا صالحا (١) عدلا محبا للعلم مقدرا للعلماء مهتما بأمور الدين والفقهيقول د. صلاح الدين المنجد في مقدمة المجلدة الاولى من تاريخ ابن عساكر (٢) : " كان للبيئة التي نشأ فيها الحافظ ابن عساكر أثر كبير في اتجاهه نحو العلم ونبوغه فيه فقد نبت في بيت قضاء وحديث وفقه وكان ألاف هذا البيت من كبار علماء دمشق(١) طبقات الشافعية للسبكي: ٧ / ٧٠(٢) تاريخ ابن عساكر المجلدة الاولى: ص ١١
وقضاتها (١) فما أرى ابن عساكر منذ نشأته غير العلماء وما وعى غير العلموكان أخوه الاكبر صائن الدين هبة الله (٢) بن الحسن فقيها مفتيا محدثا قرأ القرآن بالروايات وتفقه وبرع ورحل فسمع وقرأ الاصول والنحو وتقدم وسمع الكثير وأعاد بالامينية لشيخه أبي الحصن السلمي ودرس وأفتى وكتب الكثير وكان إماما ثقة ثبتا دينا ورعا (٣)سمع أبا القاسم النسيب وأبا طاهر الحنائي وأبا الحسن بن الموازيني وأبا علي بن نبهان وأبا علي بن مهدي وأبا الغنائم المهتدي بالله وأبا طالب الزينبي ولد سنة ٤٨٨ ومات في شعبان سنة ٥٦٣وأما أخوه محمد بن الحسن بن هبة أبو عبد الله كان قاضيا (٤) وقد نشر أولاده الستة العلم والحديث (٤)وكانت أمه من بيت القرشي أبوها يحيى بن علي بن عبد العزيز القاضي الفقيه الكبير وكان عالما بالعربية ثقة حلو المحاضرة فصيحا (٥)سمع عبد العزيز الكتاني والحسن بن علي بن البري وحيدرة بن علي وعبد الرزاق بن الفضيل وأبا القاسم بن أبي العلاء وارتحل إلى بغداد فسمع بها وتفقه على أبي بكر الشاشي وبدمشق على القاضي المروزي والفقيه نصر (٦)وقد سمع منه وروى عنه نافلته أبو القاسم بن عساكروأما خاله أبو المعالي محمد بن يحيى فقد سمع أبا القاسم بن أبي العلاء والحسن بن أبي الحديد والفقيه نصر المقدسي وأبا محمد بن البري والقاضي الخلعي بمصر وعلي بن عبد الملك الدبيقي بعكا وحضر درس الفقيه نصر وثقه به(١) أبوه الحسن كان قد صحب نصرا المقدسي وسمع منه انظر طبقات الشافعية للسبكي ٧ / ٧٠(٢) انظر ترجمته في طبقات السبكي ٧ / ٣٢٤ سير الاعلام ٢٠ / ٤٩٦ وفيات الاعيان ٢ / ٤٧٣ فوات الوفيات ٤ / ٢٣٥ النجوم الزاهرة ٥ / ٣٨٠ شذرات الذهب ٤ / ٢١٠(٣) طبقات الشافعية للسبكي ٧ / ٣٢٥ وسير أعلام ٢٠ / ٤٩٦(٤) طبقات الشافعية للسبكي ٧ / ٧٠(٥) سير الاعلام ٢٠ / ٦٤(٦) سير الاعلام ٢٠ / ٦٣ - ٦٤ طبقات الشافعية للسبكي ٧ / ٣٣٤ - ٣٣٥
ناب عن أبيه في القضاء ثم استقل به وكان نزيها عفيفا صليبا في الحكم (١)قال عنه السمعاني أنه كان محمودا حسن السيرة شفوقا وقورا حسن المنظر مترددا (٢)روى عنه ابن أخته أبو القاسم بن عساكروأما خاله الاخر سلطان بن يحيى زين القضاة أبو المكارم القرشي الدمشقي فقد روى عن أبي القاسم بن أبي العلاء ناب في القضاء عن أبيه ووعظ وأفتى (٣)بدأ بتلقي علومه ودروسه باكرا وهو في سن صغيرة فقد سمعه أخوه الصائن سنة خمس وخمسمئة (٤) فقد كان في السادسة من عمره يومذاك فأخذ يسمع باعتناء أبيه وأخيه الصائن فسمع أبا القاسم النسيب وقوام بن زيد وسبيع بن قيراط وأبا طاهر الحنائي وأبا الحسن بن الموازيني (٥)وراح يتردد إلى مجالسهم ويحضر حلقات تدريسهميقول دالمنجد في مقدمة المجلدة الاولى (٦) : فبيئة هذا شأنهافقد وجد فيها الحافظ ما ساعده على تفتح ذكائه وإقباله على ما رغب فيه حتى غدا مؤرخ الشام وحافظ العصرتفقه في حداثته بدمشق على الفقيه أبي الحسن علي بن المسلم بن محمد بن علي السلمي (٧) عمدة أهل الشام ومفتيهم وكان قد لازم الغزالي مدة مقامه بدمشق وقد نقل ابن عساكر عن الغزالي قوله في أبي الحسن السلمي: خلفت بالشام شابا إن عاش كان له شأن فكان كما تفرس فيه ودرس بحلقة الغزالي مدة ثم ولي التدريس في المدرسة الامينية (٨) في سنة أربع وخمسمئة وهي أول مدرسة للشافعية بنيت في دمشق(١) سير الاعلام ٢٠ / ١٣٨(٢) التحبير ٢ / ٢٥٠(٣) شذرات الذهب ٤ / ٩٥(٤) تذكرة الحفاظ ٤ / ١٣٢٨ سير الاعلام ٢٠ / ٥٥٤(٥) تذكرة الحفاظ ٤ / ١٣٢٨(٦) تاريخ ابن عساكر المجلدة الاولى ص ١٤(٧) انظر سير الاعلام ٢٠ / ٣٠(٨) الدارس للنعيمي ١ / ١٣٤
وكان السلمي ثقة ثبتا عالما بالمذاهب والفرائض وكان ابن عساكر يتردد عليه ويحضر دروسه في المدرسة الامينية ويستمع عليهرحلته الاولى: إلى بغداد: وفي سنة ٥٢٠ هـ وكان قد بلغ الحادية والعشرين من عمره وكان قد استوفى قسطا مهما من العلم على شيوخه بدمشق وتنوعت معارفه واتجه نحو رواية الحديث حيث جمع من معرفة المتون والاسانيد وحفظ فأتقن وقرأ فتثبت وتعب في ملاحقة المحدثين والعلماء ولم يعد يقنعه ما حصل عليه في حلقات دمشق ومساجدها ومدارسها وعلمائها (١) عزم على طلب المزيد والوقوف على آراء مشاهير العلماء والفقهاء فقرر أن يرحل عن دمشق رغبة في طلب الحديثيقول دالمنجد في مقدمة المجلدة الاولى (٢) : وكانت الرحلة في طلب الحديث والاستماع إلى الشيوخ أرا ذا شأن ولم يتخلف محدث كبير عن الرحلة ليتم علمه ويتلقى الاسانيد العاليةوكانت مراكز العلم منتشرة في طول العالم الاسلامي وعرضه والعلماء والفقهاء منتشرون في كافة الاصقاع ولكن الاشعاع كان ينتشر من مراكز استطاعت أن تستقطب أهل العلم والحديث والرواية واشتهرت فيها حلقات التدريس والنقاش في مراكزها العامة كالمدارس والمساجد وفي مراكزها الخاصة كمقرات إقامة الفقهاء والعلماء والمحدثينوكانت بغداد جنة الارض ومدينة السلام وقبة الاسلام ومجمع الرافدين وغرة البلاد وعين العراق ودار الخلافة ومجمع المحاسن والطيبات ومعدن الظرائف واللطائف وبها أرباب الغايات في كل فن وآحاد الدهر في كل نوع (٣)ورغم تدني نفوذها السياسي إلى مستوى كبير فقد حافظت على دورها الاستقطابي والمحوري حيث بقيت المركز الاساس الذي يجذب طلبة الحديث(١) تاريخ دمشق السيرة النبوية قسم ١ المقدمة ص: هـ(٢) المجلدة الاولى من تاريخ دمشق: ص ١٦(٣) معجم البلدان: بغداد ١ / ٤٦١