أزهار الرياض في أخبار القاضي عياض (المقري التلمساني) القسم: التراجم والطبقات الكتاب: أزهار الرياض في أخبار القاضي عياض المؤلف: شهاب الدين أحمد بن محمد بن أحمد بن يحيى، أبو العباس المقري التلمساني (ت ١٠٤١ هـ)المحقق: مصطفى السقا (المدرس بجامعة فؤاد الأول ت ١٣٨٩ هـ) - إبراهيم الإبياري (المدرس بالمدارس الأميرية ت ١٤١٤ هـ) - عبد الحفيظ شلبي (المدرس بالمدارس الأميرية) الناشر: مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر - القاهرةعام النشر: ١٣٥٨ هـ - ١٩٣٩ معدد الأجزاء: ٥ (هذا الكتاب الإلكتروني هو الـ ٣ أجزاء التي طُبعت في مصر، ثم طَبع الباقي صندوق إحياء التراث الإسلامي المشترك بين المملكة المغربية، ودولة الإمارات المتحدة - الرباط، بتحقيق سعيد أحمد أعراب - محمد بن تاويت - عبد السلام هراس)[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]تاريخ النشر في راميشر: ١ يوليو ٢٠٢٦.
المقدمة بسم الله الرحمن الرحيمصلى الله على سيدنا ومولانا محمّد وآلهالحمد لله الذي أعلى مراتب العلماء الأعلام وزكى منهم العقول الراجحة والأحلام ومنحهم مآثر تقصر عن جمعها المحابر والأقلام ومفاخرات طارت كل مطار. وجعل معاليهم زاهرة زاهية وأضواء فهومهم نامية سامية وأنواء علومهم شامعة هامية وبواكف الأمطار وأطلعهم على حقائق الأسرار وهداهم وهدى بهم إلى ترتيب المدارك وتقريب المسالك وجلى بمشارق الأنوار من معارفهم وآدابهم عمن تمسك بأذيالهم وأهدابهم غياهب الجهل الحوالك فأضاءت الأقطار. وعرفهم المقاصد الحسان والوسائل المغتبطة والإلماع بأصول الرواية والسماع والإعلام بحدود قواعد الإسلام وإرشادهم إلى التنبيهات المستنبطة السامية الأخطار حتى رفلوا من حلل التحقيق السابغة في مطارف وبرود وورود من منهال السائغة كل عذب
برود وتنسموا من حجج الحق البالغ الروض المعطار واتنوا أزهار أضحت منية الطالب وبغية الرائد واجتلوا جواهر نظمت منها الدرر والفرائد في أجياد السطار. فإن أمهم ناقص عديم ألفي لديهم الغنية والإكمال أو قصدهم عليل سقيم وجد في أيديهم الشفاء فنال غاية الآمال وظفر بمنتهى الأوطار. والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمّد أفضل العالمين بإطلاق سراج المريدين وكنز العارفين الذي لا يخشى معه إملاق عمدتنا العظمى ووسيلتنا الكبرى عند الملك الخلاق صاحب المعجزات الباهرة التي اهتدى بها ذوو الأفكار والآيات الظاهرة التي حصل بها التمييز لمن له استذكار الموطأ الأكناف والأخلاق المنتقي من أعظم الذخائر وأنفس الأعلاق المختار من قبل نشأة آدم والكون
لم تفتح له أغلاق صلى الله عليه وسلم عليه وعلى آله وأصحابه الذين لنجومهم في سما الحق أتلاق صلاة وتسليما دائمين ما أنشئت في ثنائه الأحمدي وأنشئت بفنائه المحمدي القصائد والأبيات والأشطار وبعد:فيقول أحمد ذو القصو … رِ المقرى إذا انتسبجبر المهيمن صدعة … ووقاه سي ما أكتسبوحباه منحة مؤمن … محض العباد وأحتسبوأسدي إليه من المواهب أسناها ومن العواقب حسناها.إنه لمّا سبق القضاء وجرت الأقدار بارتحالي عن الوطن المحبوب والقرار بعد أن شممت عراره النجى ولا أشجان ولا أكدار في عشية لم يكن بعدها من عرار ونزحت عن بلد به الوالد وما ولد محل قطع التمائم وفتح الكمائم سقى الله عهاده صوب الغمائم:بلد تحف به الرياض كأنه … وجه جميل والرياض عذاره
وكأنما واديه معصم غادة … ومن الجسور المحكمات سوارهوكان ذلك وغصن النشاط يانع وبرد الشباب قشيب وشمل النفس مجتمع دون مانع وكأس الأنس مزج بتسنيم القرب وشيب وفود الرأس غير خاضع ولا خانع إذ لم تطرق ساحته ولم تجس خلاله جيوش المشيب حللت الحضرة الفاسية حاطها الله حيث المجالس غاصة بالعامة والخاصة والمساجد آهلة معمورة والمشاهد بالزوار مغمورة والحل المعارف فضاضه والعوارف الجليلة مفاضه حضرة ديباجها ربيعي وامتزاجها بالنفوس طبيعي ولم لا وقد نظمت المفاخر ونسقتها وجمعت المآثر ووسقتها جادتها غر السحاب وسقتها:بلاد بها الحصباء در وتربها … عبير وأنفاس الرياح شمولتسلسل منها ماؤها وهو مطلق … وصح نسيم الروض وهو عليلفألقيت بها عصا التساير وقاها الله من الآفات والأغاير وأقتفيت في ذلك سنن بعض سلفي الأخيار إذ كان أشهر أسلافنا الشيخ الإمام صاحب التصانيف الشهيرة التي اقتادت المحاسن بزمام القاضي الأشهر العلامة
الأظهر أبو عبد الله محمّد بن محمّد بن أحمد المقري القرشي التلمساني النشأة والقبر أفاض الله سجال الرحمة على مثوى ذلك الحبر انتقل إليها أيام السلطان المرحوم أبى عنان فارس فولاه قضاء جماعتها وبنى له المتوكلية أعظم المدارس حسبما ذكره غير واحد من أهل الفهارس وأشار إليه الوزير أبن الخطيب في كتاب الإحاطة التي أحيت من التأريخ الرسم الدارس.ولم تزل كتب الأقارب والإخوان ترد على وتثني عنان اعتنائها إلى وتكرر وتعدد وتنتاب وتتردد وتتنوع وتتجدد فأرتاح إليها ارتياح الغصن عند هزته وأحن إليها حنين كثير إلى معاهد عزته:يا من يذكرني حديث أحبتي … طاب الحديث بذكرهم ويطيباعد الحديث على من جنباته … إنَّ الحديث عن الحبيب حبيبوكثير ما يحرك ذلك منى كامن شوق شب عمره عن الطوق وأجد من لواعج الأوار ما وجده الفرزدق عند مباينة النوار:
بلد الجزائر ما أمر نواها … كلف الفؤاد بحبها وهواهايا عاذلي في حبها كن عاذري … يكفيك منها ماؤها وهواهاوالحنين إلى الوطن مجال لكل حر ومضمار:إيه أحاديث نعمان وساكنه … إنَّ الحديث عن الأحباب أسماروليس بمستنكر حنين الناب إلى عطنه والمرء إلى محل نشأته ووطنه.وقد روينا في الصحيح من حنين سيد الوجود عليه الصلاة والسلام وأصحابه إلى مكة ما لا يجهله إلاّ من هو عن العلوم بمعزل. ومن الأبيات السائرة:كم منزل في الأرض يألفه الفتى … وحنينه أبدا لأول منزلورب ذكرى أثارت الأشواق وحركتها وأنشبت النفوس في حبائل البوس وتركتها وكم من ماجد بكى لفقد المشاهد وأهتم لبعد المعالم والمعاهد:سلام على تلك المعاهد أنها … مرتاع ألافى وعهد صحابيويا سرحة أنعمى فلطالما … سكبت على مثواك ماء شبابيفله تلك المعاهد ما أبهج محياها وحاط بعين كلاءته تلك المشاهد ما أطيب رياها حين باكرها الوسمى وحياها:
حيا تلمسان الحيا فربوعها … صدف يجود بدره المكنونما شئت من فضل عميم إن سقى … أروى ومن ليس بالممنونأو شئت من دين إذا قدح الهدى … اورى ودنيا لم تكن بالدونورد النسيم لها بنشر حديقة … قد أزهرت أفنانها بفنونوإذا الحبيبة أم يحيا أنجبت … فلما الشفوف على عيون العونطالما ذكرت الأبلة وشعب بوان … وأنست صروف الزمان الخوانوأنبتت أزهار أنس ذات ألوان وثمار نخل من القرب صنوان وغير صنوان والشمل مجتمع بالجيران والإخوان والروض مطلول النبات مخضر العذبات مخضل الجنبات مفوف الخمائل
متضوع الشمائل مساب الماء منجاب السماء والغصون متأودة الأعطاف دانية الجنى والقطاف والنسيم يعبق نشرا والجو يتألق رونقا وبشرا فتقصر عنه أوصاف دوى الأصناف:والزهر حيانا بثغر باسم … والنهر قابلنا بقلب صافيولآلئ الأنداء في الغدير غرقى ودموع النهر لا ترقا والزهر تسقط وأكف الريح تكتب والغمام ينقط:كأن أكف الريح تكتب أسطرا … على النهر إلاّ أن أحرفها زرقفتحنى عليهن الغصون قدودها … لتقرأها جهرا من الورق الورقوالورقاء تهتف لفقد إلف نازح فتهيج شجو الجاد والمازح:رب ورقاء هتوف بالضحى … ذات شجو صدحت في فننذكرت إلفا ودهرا صالحا … فبكت شجوا فهاجت حزنىفبكائي ربما أراقها … وبكاها ربما أرقنيفإذا تبدؤني أسعدها … وإذا أبدؤها تسعدنيولقد تبكى فما أفهمها … ولقد أبكى فما تفهمنيغير أني بالشجا أعرفها … وهي أيضاً بالشجا تعرفني
فأكرم بها من ذات طوق عبرت عما في ضميرها من جوى وسوق فساقت لواعج الأفكار أي سوق وبينها وبين الصب فرق عند ذوى الذوق:وترنمت ذات الجناح بسحرة … بالواديين فهيجت أشواقيورقا تعلمت البكا والبث من … يعقوب والأحان من إسحاقأني تضاهين هوى وصبابة … وأسى وفرط جوى وفيض مآقىوأنا الذي أملي الهوى من خاطري … وهي التي تملي من الأوراقفما كان أسرع من تمزيق ذلك الإهاب وحصول شمله في يد الانتهاب وأنشد لسان حاله عند الذهاب:إلاّ إنَّ هذا الدهر يوم وليلة … يكران من سبت عليك إلى سبتفقل لجديد العيش لا بد من بلى … وقل لاجتماع الشمل لا بد من شتوهكذا الدنيا إحلاء وإمرار وإقرار وإنكار وإعلان وإسرار تعفى كل ربع عامر وتببد كل مأمور وآمر:كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا … أنيس ولم يسمر بمكة سامربعدما نعمنا برهة من الزمان في ظلال الأمان وقطعنا نبذة من
الشباب في مواطن الأحباب ما بين دراسة ودراية ورواية وممارسة أمور تبعد عن طرق الغواية وتحبير طروس وملازمة دروس بين يدي أشيخ مجالستهم نامية الغروس وخصوصا شيخهم الذي فضله لا يفترق إلى دلال عمنا فتينا سيدي سعيد أحمد المقري شكر الله خلاله فهو شيخ أولئك الأعلام الذين ورثوا العلم من غير كلاله وعمروا ربوع المجد وتفيوا ظلاله وأرشدوا إلى سبل الهدى وأزاحوا عن الضلالة وعمرت أرضهم بكل مجد وجلاله وإن نبت بي عن جفوة وملالة فآها على ذلك العصر ما أبهاه وأجمله وأتمه وأكمله عصر يكاد يكلمنا فيه الجماد وتروينا الثماد وتحيينا العشيات والبكر ولا تنتابنا التعلات ولا الفكر فإن سألنا فعنه في الحقيقة وإن صرحنا أو كنينا فنعنى حماه وعقيقه:نسائل عن ثمامات بحزوى … وبان الرمل يعلم ما عنيناوقد كشف الغطا فما نبالي … أصرحنا بذكرى أم كنيناولو إني أنادي يا سليمى … لقالوا ما أردت سوى لبينىإلاّ لله طيف كان يسقى … بكاسات الكرى زورا ومينافأمسينا كأنا ما افترقنا … وأصبحنا كأنا ما التقيناوكنا نحسب الدهر لا يدور وأن الأعجاز صدور والأهلة بدور
حتى ضرب الدهر ضربانه، وبدد الرفيق وأبانه؛ فلم تتأود قدود الأغصان، ولم تترنح أعطاف ألبان؛ وانقطعت الأسباب عن مواصلة الجيران والأحباب؛ الذين:جرى بعضهم ذات اليمين وبعضهم … شمالاً وقلبي بينهم متوزعُفو الله ما أدرى بليل وقد مضت … حمولهم أي الفريقين أتبعُ؟وهأنا الآن أحاول إطفاء لهيب بالضلوع وقد، وأعالج أدواء سقم جل وكيف لا وقد:روعت بالبين حتى ما أراع به … وبالمصائب في أهلي وجيرانيلم يترك الدهر لي علقاً أضم به … إلاّ رماه بفقد أو بهجرانِوفي هذا التاريخ الغريب وردت كتب من تلك الناحية حركت شجو الغريب؛ والشوق إلى لقائهم، والتوق إلى ما يرد من تلقائهم، يقتادان القلب بزمام فينقاد، ويوقدان نار الوجد بين الضلوع أي إقاد:هي الدار لا أصحو بها علاقة … لأمر لنا بين الجوانح مضمرِفجاء على أرجائها الغيث أنها … منازل جيران كرام ومعشرِوكان من جملة فصولها، وفروع اصلها؛ طلب التعريف والإلمام، ببعض أحوال الشيخ الإمام، قاضي الأئمة وعلم الأعلام، عمدة أرباب المحابر والأقلام، ومفخر علماء الإسلام ذى الفضائل التي استقلت رسومها، فلم تحتج إلى إعمال
العلام؛ والمحاسن التي بهرت أقمارا وشموسا سيدي أبي الفضل عياض أبن موسى؛ الشهير الصيت في كل قطر، صب الله على مثواه من الرحمات شآبيب القطر:فهو الإمام الذي سارت مآثره … في الشرق والغرب سير الشمس والقمرِوكم له من تآليف قد اشتهرت … بكل قطر فسل تنبيك عن خبرِفقالت: نالي بهذا الأمر يدان، ولو أيدني كل قاص ودان؛ وماذا عسى أن اصف من جلالة يتهلل بشرها، وجزالة يتضوع نشرها؛ وبلاغة تبذ بلاغة سحبان، وبراعة تقاعس عن رتبتها الشيب والشبان، وعلم أظهر غوامض الحقائق وأبان، وحلم أرسخ من رضوى وأبان. ومحاسن، ماؤها غير آسن، وحلى، حازت مراتب العلى، ومصنفات، مقرطات مشنفات، أعلاق لا تعدلها الأثمان، ولا تشد على مثلها الأيمان.على إني لست من رجال هذا المجال ولا من فرسان ميدان الإحسان؛ إذ الباع قصير، والعقل بقواعد العلم غير بصير؛ والقلب حليف أشجان وأوصاب، والفكر أليف غصص تجرع منها جنى حنظل أو صاب؛
لا أستطيع إنشاء قول، ولا أفكر إلاّ في هم أو هول؛ إلى ما دهم من الفتن، التي محت ما بالدهر من ازديان؛ وطرق من المحن، التي يغنى عن خبرها العيان؛ فتنوعت منها الأعداد، إلى أفراد وأزواج، وكثر الترداد، من الخطوب ذات الجموع والأفواج؛ وتفاقم وازداد، هول بحورها المتلاطمة الأمواج:ملنا من الأيام ما لا نطيقه … كما حمل العظم الكسية العصائباوعصر رجوعنا منه إبداء منحة … فأندى ولكن محنة ومصائباوما حال من قرت المصائب عيونه دموعا وجوانحه جوى، ورمته النوائب عن قسى النوى؛ فخلع على الكواكب كراه، وبرح به الشوق وبراه. وقطع ودج صبره وفراه، واعتراه من الدهر ما اعتراه، وضاعف ما به كذب حاسد افتراه؛ يأكل المحاسن، ويجهل بمساويه أن يحاسن؛ ويعيد الحق باطلا، والحلى عاطلا؛ ويقلب النحة محنة، ويرى المصافاة إحنة؛ يخاتل مخاتلة الذيب، ويكدر مناهل الخلوص والتهذيب، ويقابل الحق
الواضح بالتكذيب؛ ويشتغل بما لا يعنيه، ويعرض عما يقربه إلى ربه ويزلفه ويدنيه:لي حيلة فيمن ينم … وليس للكذاب حيلهمن كان يخلق ما يقو … ل فحيلتي فيه قليلةإلى الله المشتكى من هذا وأضرابه، ممن لم تصف موارد شرابه:مضت أعمارنا ومضت سنونا … ولم تظفر بذى ثقة يدانِوجربنا الزمان فلم يفدنا … سوى التخويف من أهل الزمانِولا غرو أن كان لأهل الزمان اشباه، ولله بعض أهل الذكاء والتيقظ والانتباه:والناس مثل زمانهم … قدوا الحذاء على مثلهورجال دهرك مثل ده … رك في تقلبه وحالهولذا إذا فسد الزما … ن جرى الفساد على رجالهأستغفر الله، هذه نفثة مصدور ذي المثل، أو هفوة مغمور ساعدها طغيان القلم:نذم زماناً ما له من جناية … ونشكوه لو تغنى عن المرء شكواهولا ذنب فينا للزمان وإنّما … جنينا فعوقبنا بما د جنيناههو القدر الجاري على الكره والرضا … فصبراً وتسليما لمّا قدر اللهونفوسنا أولى باللوم لو سلكنا سبيل خيار القوم؛ واقتفينا سنن التقوى، وتمسكنا بحبل التوفيق الأقوى: