الجواهر والدرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر (السخاوي) القسم: التراجم والطبقات الكتاب: الجواهر والدرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر المؤلف: شمس الدين أبو الخير محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن أبي بكر بن عثمان بن محمد السخاوي (ت ٩٠٢هـ)المحقق: إبراهيم باجس عبد المجيد الناشر: دار ابن حزم للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت - لبنان الطبعة: الأولى، ١٤١٩ هـ - ١٩٩٩ معدد الأجزاء: ٣ (متسلسلة الترقيم)[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]تاريخ النشر في راميشر: ١ يوليو ٢٠٢٦.
الجواهر والدرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر - جـ ١الجواهر والدرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر تأليفشمس الدين محمد بن عبد الرحمن بن محمد السخاوي المتوفى سنة ٩٠٢ هـ تحقيقإبراهيم باجس عبد المجيد [الجزء الأول]
الجواهر والدرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر - مقدمة بسم الله الرحمن الرحيم جميع الحقوق محفوظةالطبعة الأولى١٤١٩ هـ - ١٩٩٩ م الكتب والدراسات التي تصدرها الدار تعبر عن آراء واجتهادات أصحابها دار ابن حزم للطباعة والنشر والتوزيعبيروت - لبنان - ص ب: ٦٣٦٦/ ١٤ - تليفون: ٧٠١٩٧٤
مقدمة التحقيقإن الحمد للَّه، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ باللَّه من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. من يهده اللَّه فلا مضلَّ له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: ١٠٢].{يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء: ١].{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)} [الأحزاب: ٧٠، ٧١].اللهم لك الحمد حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، لك الحمد ربنا على أن هدايتنا للإيمان، ولك الحمد على أن علمتنا، ولك الحمد على آن ألهمتنا الحمد، فلك الحمد في الأولى، ولك الحمد في الأخرى، ولك الحمد في كل حين.{رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ}.والصلاة والسلام على خير الحامدين وخير الشاكرين، وخير الأنبياء والمرسلين، محمد بن عبد اللَّه، وعلى آله وصحبه، خير آل وخير صحب، رضي الله عنهم أجمعين، وحشَرَنَا في زمرتهم يوم الدين.
وبعد، فهذه ترجمة لأحد أعلام الإسلام العاملين، الذين أثرَوا العلوم الإسلامية بالعديد من المؤلفات النافعة، ألا وهو حافظ عصره أبو الفضل شهاب الدين أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، المتوفى سنة ٨٥٢ هـ، كتبها تلميذه العالم الفذ أبو الخير شمس الدين محمد بن عبد الرحمن السخاوي، المتوفى سنة ٩١١ هـ.ولا أعلم أحدًا قبل السخاوي أفرد ترجمة ابن حجر بكتاب مستقل، وهذا ما قاله المؤلف أيضًا عند إيراده قول ابن الشحنة في ابن حجر (١): "وترجمته لا يسعها هذا المكان، وقد أُفرِدت بالتأليف، لكني لم أقف عليه"، فقال السخاوي: وكأنه رضي الله عنه عنى تصنيفي هذا، فما علمتُ أحدًا غيري أفردها.أما نسبة الكتاب للسخاوي، فأمر لا يختلف عليه اثنان، حيث ذكره هو نفسه في كتبه الأخرى، مثل الضوء اللامع، فذكره في عشرات المواضع،منها: ١/ ٢١، ٥٦، ١٧٧، ٢٣٤، و٢/ ١١، ٤٠، ٥١، ٦٥، ١١٥، ١٢٨، ١٥٠، ١٩٠، ٢٠٨، و٣/ ٣٤، ٩٣، ١٥٦، ١٦١، ١٩١، ١٩٦، ٢٢٨، ٣٠٢، و٤/ ١٨، ٥٦، ٥٧، ٨٥، ٩٤، ١١٦، ١٩٦، ٢٠٢، ٣٣٧، و٥/ ١١١، ٢٢٣، ٢٩٥ و٦/ ١٢٩، ١٥٣، ٣٢٩، و٧/ ١٣، ١٩، ٣٨، ٨٦، ٨٨، ٩١، ١٦٠، ١٦٢، ١٧٨، ١٨٧، ١٨٨، ١٩٥، ٢١١، ٢٣٢، ٢٣٦، ٢٤٦، ٢٨٩، و٨/ ١٧، ٥١، ١٠٣، ١٢٤، ١٦٤، ١٧٧، ٢٢١، ٢٣٢ و٩/ ١٨، ١٠٧، ٢٥٩ و١٠/ ١٦٣، ٢٣٣، ٢٦١، ٢٦٣، ٣١٤ و١١/ ٥٥، و١٢/ ١١، ٣٤. وفي وجيز الكلام في الذيل على دول الإسلام ٢/ ٥٣٢، وفي التبر المسبوك ص ٣٢، ١٣٤، ٢٠٧، ٢٣٨، ٢٤٧، ٢٨٥، وفي التحفة اللطيفة ١/ ٩٩ - ١٠٠، وفي الذيل على رفع الإصر ص ٣٢، ٣٣، ٨٥، ٨٧، ٢٤٠، ٣٥٣، ٤٨٩، وفي الإعلان بالتوبيخ ص ٢٢٩.وكذا ذكره من ترجم للسخاوي، مثل الشوكاني في البدر الطالع ٢/ ١٨٥، والنجم الغزي في الكواكب السائرة ١/ ٥٣ وغيرهم. منهم من ذكره بعنوانه الصريح، ومنهم من ذكر باسم ترجمة شيخه أو ترجمة ابن حجر، وخالف الجميع(١) ١/ ٣٢٩.
في ذكر العنوان البصروي في مختصره "جمان الدرر"؛ حيث سماه "تناسق الدرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر"، ولا أعرف مستنده في هذه التسمية.وقد كتب اللَّه القبول لهذا الكتاب بين طلبة العلم، فتداولوه كتابة وقراءة ودرسًا على مؤلفه، وانتشرت نسَخُه في حياته في شتى الأمصار، حيث نجد النسخ المعتمدة في التحقيق كتبت كلُّها في حياة المؤلف، وأكثر من نسخة منها قُرِئت عليه، ودوَّن عليها الكثير من الزيادات والإضافات التي اجتمعت لديه في فترات لاحقة. وقد قال المصنف في ترجمة شيخه من كتاب "التبر المسبوك" ص ٢٣١: قد أفردت له ترجمة حافلة في مجلد ضخم، لا تفي ببعض أحواله وما له عليَّ من الحقوق، كتبها عنِّي الأكابر وتهادوها بينهم.والكتاب وإن كان موضوعًا في ترجمة الحافظ ابن حجر، إلا أن فيه الكثير الكثير من الفوائد التي لا نجدها مجتمعة في كتاب مفرد (١)، والمؤلف رحمه الله يستطرد كثيرًا في ذكر هذه الفوائد، حتى إنه في كثير من الأحيان يبتعد عن الموضوع الذي يبحثه، ثم يقول: "وكل هذا استطراد"، أو: "وذكرت هذا هنا استطرادًا"، أو: "وكل هذه استطرادات، لكنها نافعة" أو: "وإن خرجت عن المقصود". وشبه هذه العبارات.وكانت فكرة جمع هذه الترجمة عند السخاوي تراوده في حياة شيخه الحافظ ابن حجر، حيث قال: "وكان وقع في خاطري جمع ترجمة شيخنا في حياته، والتمستُ منه أن يملي عليَّ منها ما لا أطَّلع عليه إلا من قِبَله".إلا أن هذه الفكرة لم تولد إلا بعد وفاة الحافظ ابن حجر، وتحديدًا سنة ٨٧١ هـ، حيث فرغ السخاوي من كتابة هذه الترجمة في مكة المكرمة كما ذكر في نهاية الكتاب. لكن هذا التاريخ لم يكن نهاية المطاف بالنسبة للكتاب، إذ زاد مؤلفه فيه زيادات كثيرة في سنوات لاحقة، فكان كلما تجدَّد له شيء ألحقه في مكانه، فنجده عند حديثه عن مجالس الإملاء التي كان يتولاها شيخه، والتي انقطعت بموته وجددها هو، يقول: وزادت عدة ما(١) وضعت فهرسًا مستقلًّا لبعض الفوائد الواردة في الكتاب.
أمليته منه إلى حين كتابتي هذه الأحرف في أثناء سنة سبع وسبعين على المائتين، ثم انتهت إلى أزيد من ثلاثمائة في أواخر سنة تسع وسبعين. ويقول في أثناء ثناء الأئمة على شيخه الحافظ: ومنهم جماعة بقيد الحياة في هذا الحين، وهو سنة ست وثمانين (١)، كما يذكر إنشاد أحد المادحين لابن حجر بقصيدة سنة ثلاث وسبعين (٢).ويلاحظ أن بعض هذه العبارات لم يرد في نسخة ما، وورد في غيرها في أثناء النص، بينما ورد في نسخة ثالثة في الهامش بخط المصنف، ومرد ذلك إلى أن النسخة الأولى كتبت من نسخة لم ترد فيها هذه الزيادات، بينما الثانية كتبت عن الأصل المعدل، وسيأتي بيان ذلك عند وصف النسخ المعتمدة في التحقيق.واختلاف التاريخ بين تأليف الكتاب وإعادة النظر فيه من قبل المؤلف، أدى إلى الاختلاف في بعض العبارات، فضلًا عن الزيادات الكثيرة الملحقة؛ فنجد في نسخة تتكرر عبارة "نفع اللَّه به" عند ذكره أحد الأشخاص، بينما استبدلت في النسخ الأخرى بعبارة "رحمه الله"، أو "كان اللَّه له"، فهو عند كتابة النسخة الأولى كان ذلك الشخص على قيد الحياة، وقد توفي حال كتابة النسخة الثانية أو إلحاق الزيادات بها.ومن الطريف أن اختلاف النسخ هذا يرشدنا إلى تاريخ سوء العلاقة بين المصنف وقرينه برهان الدين البقاعي، المتوفى سنة ٨٨٥ هـ، ومعلوم ما بينهما من ملاسنات ظهرت مسطورة على صفحات كتبهم، فالمصنف رحمه الله كان أولًا عندما يرد ذكر البقاعي يقول: الشيخ أبو الحسن إبراهيم بن عمر البقاعي، أو الشيخ برهان الدين البقاعي، بينما نجد أن لقب الشيخ قد حذف من النسخ الأخرى المعدلة، ويزيد في هذه أشياء لم تكن موجودة في النسخة الأولى، بل هو فيها يشن الغارة على البقاعي، ويؤرخ ذلك في سنة سبع وسبعين وثمانمائة.(١) ١/ ٣٢٩.(٢) ١/ ٤٩٣.
ترجمة المؤلفأفرد المؤلف ترجمة موسعة لنفسه في كتاب كبير سماه "إرشاد الغاوي بل إسعاد الطالب والراوي بترجمة السخاوي" (١). كما ترجم لنفسه ترجمة مختصرة أيضًا في كتابه "التحفة اللطيفة".وكذلك ترجم لنفسه ترجمة مطولة في كتابه ذئاع الصيت "الضوء اللامع لأهل القرن التاسع"، حيث استغرقت الترجمة الصفحات ٢ - ٣٢ من الجزء الثامن من الكتاب، فرأيت من الخير إيراد هذه الترجمة مع شيء من الاختصار وحذف بعض العبارات والفقرات، ولعل اللَّه يفسح في الأجل، فييسر تحقيق كتابه "إرشاد الغاوي"، ففيه فوائد جليلة ولا شك، لا توجد في "الضوء اللامع" أو "التحفة اللطيفة". فأقول وباللَّه التوفيق: [اسمه ونسبه:]محمدُ بن عبد الرحمن بن محمد بن أبي بكر بن عثمان بن محمد، الملقب شمس الدِّين أبو الخير وأبو عبد اللَّه، ابن الزّين أو الجلال أبي الفضل وأبي محمد، السخاوي الأصل القاهريُّ الشافعيُّ، ويعرف(١) منه نسخة مكتبة لايدن بهولندا رقمها ١١٠٦ (٢٣٦٦. Or)، ونسخة ثانية في مكتبة أيا صوفيا بتركيا رقمها ٢٩٥٠. وقد زودني بمصورتهما مشكورًا أخونا الفاضل محمد ابن ناصر العجمي الكويتي، وفي النية القيم على تحقيق هذا الكتاب بعون اللَّه وتوفيقه.
بالسَّخاوي، وربما يقال له: ابنُ الباردِ، شهرةً لجدّهِ بين أناس مخصوصين، ولذا لم يشتهر بها أبوه بين الجمهور ولا هو، بل يكرهها كابن عُلَيْبَة وابن الملقِّن في الكراهة، ولا يذكره بها إلا من يحتقره. [مولده:]ولد في ربيع الأول سنة إحدى وثلاثين وثمانمئة بحارة بهاء الدِّين، علو الدَّرب المجاور لمدرسة شيخ الإسلام البُلقينيّ محلّ أبيه وجدِّه، ثم تحوَّل منه حين دخل في الرابعة مع أبويه لمُلْكٍ اشتراه أبوه مجاورٍ لسكن شيخه ابن حَجَر. [نشأته العلمية:]أدخله أبوه المكتب بالقرب من المَيْدان عند المؤدِّب الشَّرف عيسى بن أحمد المقسيّ الناسخ، فأقام عنده يسيرًا جدًّا، ثم نقله لزوج أخته الفقيه الصَّالح البدر حسين بن أحمد الأزهري أحد أصحاب العارف باللَّه يوسف الصَّفِّي، فقرأ عنده القرآن، وصلَّى به للناس التراويح في رمضان بزاويةٍ لأبي أُمِّه الشيخ شمس الدِّين العدويّ المالكيّ، ثم توجَّه به أبوه لفقيهه المُجاور لسَكَنِهِ، الشَّيخِ المفيدِ النفَّاع القُدوة الشمسِ محمد بن أحمد النحريريّ الضَّرير -مؤدِّب البرهان بن خضر والجلالِ بن المُلقِّن وابن أسد وغيرهم من الأئمة، وأحد من علّق شيخه في "تذكرته" من نوادره، وسمع منه الطَّلبَةُ والفُضلاءُ، ويعرف بالسُّعوديّ، وذلك حين انقطاعه بمنزله لضعفه، فجوَّده عليه وانتفع به في آداب التجويد وغيرها، وعلّق عنه فوائد ونوادر، وقرأ عليه حديثًا والتحق في قراءته عليه بشيوخه، وتلاهُ في غُضُون ذلك مرارًا على مؤدّبه بعد زوج عمَّته الفقيه الشمس محمد بن عمر الطَّباخ أبوه، أحد قُرَّاء السَّبع هو، وحفظ عندهُ بعض "عمدة الأحكام"، ثم انتقل بإشارة السُّعودي المذكور للعلَّامة الشِّهاب بن أسد، فأكمل عنده حفظها مع حفظ "التَّنبيه" كتاب عمه، و"المنهاج الأصلي"، و"ألفية ابن مالك" و"النُّخبة"، وتلا عليه لأبي عمرو، ثمَّ لابن كثير، وسمع عليه غيرهما من الرِّوايات إفرادًا
وجمعًا، وتدرَّب به في المطالعة والقراءة، وصار يشارك غالب من يتردَّد إليه للتَّفهُّم في الفقه والعربية والقراءات وغيرها.وكلَّما انتهى حفظُه لكتاب عرضه على شيوخ عصره، فكان من جملة من عَرَضَ عليه ممَّن لم يأخذ عنه بعدُ: المحبُّ ابن نصر اللَّه البغدادي الحنبليّ، والشَّمسُ بن عمَّار المالكي، والنُّورُ التِّلْوانيّ، والجمال عبد اللَّه الزَّيتُوني، وكذا الزَّينِ عُبادة ظنًّا، فقد اجتمع به وبالشَّمس البِسَاطيّ مع جدّه، ثم حفظ بعدُ "ألفية العراقي"، و"شرح النخبة"، وغالب "الشاطبيَّة"، وبعض "جامع المختصرات"، و"مقدمة السَّاوي في العروض"، وغير ذلك مما لم يكمله.وقرأ بعض القرآن على النُّور البِلْبِيسيّ إمام الأزهر، والزَّين عبد الغني الهيثمي "ابن كثيرٍ" ظنًّا، وسمع الكثير من الجمع للسَّبع وللعَشْر على الزين رضوان العُقْبِيّ، البعض من ذلك على الشِّهاب السّكندري وغيره، بل سمع (الفاتحة) وإلى (المفلحون) للسَّبع على شيخه بقراءة ابن أسد وجعفر السّنهوري وغيرهما من أئمة القُرّاء.ولزم الأستاذ الفريد البرهان بن خضر أحد أصحاب عمّه ووالده، حتَّى أمْلى عليه عدَّة كراريس من مقدّمة في العربية مفيدةٍ، وقرأ عليه غالب "شرح الألفية" لابن عقيل، وسمع الكثير من "توضيحها" لابن هشام وغيره من كتب الفنِّ وغيره. وكذا قرأ على أوحد النُّحاة الشهاب أبي العباس الحنَّاوي مقدمته المسماة "بالدُّرة المضيَّة"، وكتبها له بخطه إكرامًا لجدّه، وتدرَّب بهما في الإعراب؛ حيث أعرب على الأول من (الأعلى) إلى (الناس)، وعلى الثاني مواضع من "صحيح البخاري"، وأخذ العربية أيضًا عن الشهاب الأُبَّذي المغربي والجمال بن هشام الحنبلي حفيد سيبويه وقته الشهير وغيرهما.وقرأ "التَّنبيه" تقسيمًا على ابن خضر، والسّيِّد البدر النَّسَّابة، وبعضه على الشَّمس الشَّنْشي. وحضر تقسيمه مرارًا عند غير هؤلاء، بل حضر عند الشمس الونائيّ تلك الدّروس الطنَّانة التي أقرأها في "الروضة"، ولم يسمع الفقه عن أفصح منه، ولا أجمع. واليسير جدًّا عند القاياتي، وكذا أخذ
الكثير من الفقه عن العلم صالح البُلْقينيّ، ومن جملة ذلك في "الروضة"، و"المنهاج"، وبعض "التدريب" لوالده، و"التكملة" التي له، وسمع دروسًا من "شرح الحاوي" لابن الملقن على شيخه، وكذا من التفسير والعروض.وحضر تقسيم "البَهْجَة" بتمامه عند الشرف المُناوي، وتقسيم "المهذَّب" أو غالبه عند الزين البُوتَيْجيّ، وتردّد إليه في الفرائض وغيرها. بل أخذ طرفًا من الفرائض والحساب والميقات وغيرها عن الشهاب بن المجدي، وقرأ الأصول على الكمال ابن إمام الكامليّة، قرأ عليه غالب "شرحه الصغير على البيضاويّ"، وسمع غير ذلك من فقه وغيره، وقرأ على غيره في "متن البيضاوي"، وحضر كثيرًا من دروس التقي الشُّمُنِّي في الأصلين والمعاني والبيان والتفسير، وعليه قرأ شرحه نظم والده لـ "النُّخْبة" مع شرح أبيه لها، بل أخذ عن العز عبد السَّلام البغدادي في العربية والصَّرف والمنطق وغيرها، وكذا أخذ دروسًا كثيرة عن الأمين الأقصرائي وكثيرًا من التَّفسير وغيره عن السعد بن الديري، ومن "شرح ألفيَّة العراقي" عن الزَّين السّندبيسيّ، بل قرأ الشّرح بتمامه على الزَّين قاسم الحنفي، وأخذ قطعة من "القاموس في اللُّغة" تحريرًا وإتقانًا مع المحبّ بن الشّحنة. وكتب يسيرًا على شيخ الكتاب الزين عبد الرحمن بن الصَّائغ، ثم ترك لِمَا رأى عنده من كثرة اللَّغط، ولزم الشَّمس الطَّنتَدائيّ الحنفي أمام مجلس البيبرسيَّة فيها أيامًا.وقبل ذلك كلِّه سمع مع والده ليلًا الكثيرَ من الحديث على شيخه إمام الأئمة الشِّهاب ابن حَجَر، فكان أوَّل ما وقف عليه من ذلك في سنة ثمانٍ وثلاثين، وأوقع اللَّه في قلبه صحبته، فلازم مجلسه، وعادت عليه بركتُه في هذا الشّأن الذي باد جمالُه، وحادَ عن السَّنن المعتبر عمَّالُه، فأقبل عليه بكلِّيته إقبالًا يزيد على الوصف، بحيث تقلَّل ممَّا عداه، لقول الحافظ الخطيب: "إنَّه علمٌ لا يعلق إلا بمن قَصَر نفسَه عليه، ولم يضمّ غيرَه من الفنون إليه". وقول إمامنا الشّافعي لبعض أصحابه: "أتريد أن تجمعَ بين الفقه والحديث؟ هيهات"!
وتوجيه شيخنا تقديم شيخه له فيه على ولده وغيره بعدم التوغُّل فيما عداه، كتوجيهه لكثير ممَّن وصف من أئمة المحدّثين وحفّاظهم وغيرهم باللَّحن، بأن ذلك بالنسبة للخليل وسيبويه ونحوهما دون خلوّهم أصلًا منه حسبما بسط ذلك معنى وأدلة في عدة من تصانيفه؛ ولذا توهم الغبيُّ الغمْرُ ممَّن لم يخالطْهُ أنه لا يحسُنها، وقال العارف المخالط: إنَّ من قصرَهُ على هذا العلم ظلمَهُ.وداوم الملازمة لشيخه حتى حَمَلَ عنه علمًا جمًّا، واختص به كثيرًا، بحيث كان من أكثر الآخذين عنه، وأعانه على ذلك قربُ منزله منه، فكان لا يفوته مما يقرأ علبه إلَّا النَّادر، إمّا لكونه حمله أو لأن غيره أهم منه، وينفرد عن سائر الجماعة بأشياء. وعلم شدَّةَ حرصه على ذلك، فكان يرسل خلفه أحيانًا بعض خدمه لمنزله يأمره بالمجيء للقراءة.وقرأ عليه "الاصطلاح" بتمامه، وسمع عليه جلّ كتبه؛ "كالألفية" وشرحها مرارًا، و"علوم الحديث" لابن الصلاح إلَّا اليسير من أوائله، وأكثر تصانيفه في الرجال وغيرها "كالتقريب" وثلاثة أرباع أصله، ومعظم "تعجيل المنفعة"، و"اللِّسان" بتمامه، و"مشتبه النّسبة"، و"تخريج الرَّافعي"، و"تلخيص مسند الفردوس"، و"المقدّمة" و"بَذْل الماعون" و"مناقب كل من الشافعي واللّيث"، و"أماليه الحلبية"، و"الدمشقية"، وغالب "فتح الباري"، و"تخريج المصابيح" و"ابن الحاجب الأصلي"، وبعض "إتحاف المهرة"، و"تغليق التعليق"، و"مقدمة الإصابة" وجملة، وفي بعضه ما سمعه أكثر من مرة، وقرأ بنفسه منها "النخبة" و"شرحها"، و"الأربعين المتباينة"، و"الخصال المكفِّرة"، و"القول المسدّد"، و"بلوغ المرام"، و"العشرات العشاريات"، و"المائة"، والملحق بها لشيخه التَّنُوخي، و"الكلام على حديث أم رافع"، و"ملخص ما يقال في الصَّباح والمَسَاء"، و"ديان خُطَبِهِ" و"ديوان شعره" وأشياء يطول إيرادها.وسمع بسؤاله له من لفظه أشياء؛ كـ "العشرة العشريات"، و"مسلسلات الإبراهيمي" خارجًا عمّا كتبه عنه في الإملاء مع الجماعة من سنة ستٍّ وأربعين وإلى أن مات.
وأذن له في الإقراء والإفادة والتَّصنيف، وصلَّى به إمامًا التَّروايح في بعض ليالي رمضان. وتدرَّب به في طريق القوم، ومعرفة العالي والنازل والكَشْف عن التراجم والمُتُون وسائر الاصطلاح وغير ذلك.وكذا تدرَّب في الطَّلبة بمستمليه مفيد القاهرة الزين رِضوان العُقْبِيّ، وأكثر من ملازمته قراءة وسماعًا، وبصاحبه النَّجم عمر بن فهد الهاشمي، وانتفع بإرشاد كلٍّ منهم وأجزائه وإفادته، بل كتب شيخُه من أجله إلى دمياط لمن عنده "المعجم الصغير" للطبراني بإرساله إليه، حتى قرأه عليه، لكون نسخته قد انمحى الكثيرُ منها، وما علم أنَّه في أوقات سعيد السُّعداء إلَّا بعدُ.ولم ينفكَّ عن ملازمته ولا عدل عنه بملازمة غيره من علماء الفنون خوفًا على فقده، ولا ارتحل إلى الأماكن النائية، بل ولا حجَّ إلَّا بعد وفاته، لكنَّه حمل عن شيوخ مصر والواردين إليها كثيرًا من دواوين الحديث وأجزائه، بقراءته وقراءة غيره في الأوقات التي لا تعارض أوقاته عليه غالبًا، ولا سيما حين اشتغاله بالقضاء وتوابعه، حتَّى صار أكثرَ أهل العصر مسموعًا، وأكثرَهم رواية، ومن محاسن من أخذ عنه من عنده: الصَّلاح بن أبي عُمَرَ، وابن أمية، وابن النَّجم، وابن الهبل، والشمس بن المحب، والفخر بن بشارة، وابن الجُوخي، والمنيجي، والزيتاوي، والبياني، والسُّوقي، والطبقة، ثم من عنده القاضي العزّ بن جماعة، والتَّاج السُّبكي، وأخوه البهاء، والجمال الإسنائي، والشهاب الأذرعيّ، والكرْماني، والصَّلاح الصَّفدي، والقيراطي، والحراوي، ثم الحسين التكريتي، والأميوطي، والباجي، وأبو البقاء السُّبكي، والنَّشَاوريّ، وابن الذّهبي، وابن العلائي، والآمدي، والنَّجم بن الكشك، وأبو اليمن بن الكويك، وابن الخشاب، وابن حاتم، والمليجي وابن رزين، والبدر بن الصَّاحب، ثم السّراج الهندي، والبُلْقيني، وابن المُلَقِّن، والغَرَاقي الهيثمي، والإبناسيّ، والبرهان بن فرحون، وهكذا حتى سمع من أصحاب أبي الطَّاهر بن الكويك، والعزّ بن جماعة، وابن خير، ثم من أصحاب الولي العراقي، والفُوّيّ، وابن الجَزَري، ثم من يليهم.
وقمش وأخذ عمَّن دبَّ ودَرَج وكتب العاليَ والنازلَ، حتى بلغت عدَّةُ من أخذ عنه بمصر والقاهرة وضواحيها كإنبابة، والجِيْزة، وعُلوِّ الأهرام، والجامع العمريّ وسَرْيَاقُوس، والخانقاه، وبلبيس، وسفط الحناء، ومُنْية الرّديني، وغيرها زيادةً على أربعمائة نفس؛ كل ذلك وشيخُه يمدُّه بالأجزاء والكتب والفوائد التي لا تنحصر، وربما نبَّهه على عوالٍ لبعض شيوخ العصر، ويحضُّه على قراءتها. وشكا إليه ضيقَ عَطَن بعضهم، فكاتبه يستعطفه عليه، ويرغِّبُهُ في الجلوس معه، ليقرأ ما أحبَّه. [رحلاته:]بعد وفاة شيخه سافر لدِمْيَاطَ، فسمع بها من بعض المُسندِين، وكتب عن نفر من المتأدّبين.ثم توجَّه في البحر لقضاء فريضة الحج، وصحب والدته معه، فلقي بالطُّور واليَنْبُوع وجُدّة غير واحدٍ أخذ عنهم، ووصل لمكّة أوائل شعبان، فأقام بها إلى أن حجَّ.وقرأ بها من الكتب الكبار والأجزاء القصار ما لم يتهيَّأ لغيره من الغُرَباء، حتى قرأ داخل البيت المعظَّم، وبالحِجْر، وعلو غار ثَوْر، وجبل حراء، وبكثير من المشاهد المأثورة بمكّة، وظاهرها، كالجِعْرَانَةِ، ومِنًى، ومسجد الخِيْف على خَلْق، كأبي الفتح المراغيّ، والبرهان الزَّمزمي، والتَّقي بن فهد، والزَّين الأميوطيّ، والشّهاب الشّوائطي، وأبي السَّعادات بن ظهيرة، وأبي حامد بن الضّياء، وزيادة على ثلاثين نفسًا، فمنهم من يروي عن البهاء بن خليل، والكَرْماني، والأذرعي، والنَّشاوري، والجمال الأمْيوطي، وابن أبي المجد، والتَّنُوخي، وابن صديق، والعراقي، والهَيْثَمي، والأبناسي، والمجدين اللُّغوي وإسماعيل الحنفي، ومن لا أحصره سوى من أجاز له فيها، وهم أضعاف ذلك، وأعانه عليه صاحبُه النَّجم بن فهد بكتبه وفوائده ونفسه ودلالته على الشيوخ، وكذا بكتب والده، ثمَّ انفصَلَ عنها، وهو متعلِّق الأمل بها.
وقرأ في رجوعة بالمدينة الشَّريفة تجاه الحُجْرة النبويَّة على البدر عبد اللَّه بن فرحون، وبغيره من أماكنها على الشّهاب أحمد بن النُّور المحلّي، وأبي الفرج المرَاغي في آخرين.ثم يَنْبُوع أيضًا وعقبة أيْلَة، وقبل ذلك برابغ وخُلَيص.ورجع للقاهرة، فأقام بها ملازمًا السَّماع والقراءة والتَّخريجَ والاستفادة من الشُّيوخِ والأقران غيرَ مشتغل بما يعطِّله عن مزيد الاستفادة، إلى أن توجه لَمنُوفٍ العُلْيا، فسمع بها قليلًا، وأخذ بفيشا الصغرى عن بعض أهلها ثم عاد لوطنه، فارتحل إلى الثغر السكندري، وأخذ عن جمع من المُسنِدين والشُّعراء بها وبأمّ دينار، ودسوق، وفُوَّة، ورشيد، والمحلَّة، وسَمَنُّود، ومُنْية عسّاس، ومُنية نابت، والمنصورة، وفارَسْكُور، ودُنْجية، والطويلة، ومسجد الخَضِر. ودخل دِمْياط، فسمع بها.وحصَّل في هذه الرحلة أشياء جليلة من الكتب والأجزاء والفوائد عن نحو خمسين نفسًا، فيهم من يروي عن ابن الشيخة، والتَّنوخي، والصَّلاح الزِّفتاوي، والمطرِّز، وعبد اللَّه بن أبي بكر الدَّماميني، والبُلْقيني، وابن الملقّن، والعراقي، والهيثمي، والكمال الدَّميري، والحَلَاوي، والسّويداوي، والجمال الرّشيدي، وأبي بكر بن إبراهيم بن العزّ، وابن صديق، وابن أَقْبرس، وناصر الدّين بن الفرات، والنَّجم البالسي، والتاج بن موسى السّكندري، والزين الفيشي المرجاني، وناصر الدين بن الموفق، وابن الخرّاط، والهزبر، والشوف بن الكُوَيْك.ثم ارتحل إلى حلب، وسمع في توجّهه إليها بَسَرْيَاقُوس، والخانقاه، وبَلْبيس، وقَطْيَا، وغزّة، والمجدل، والرّملة، وبيت المقدس، والخليل، ونابلس، ودمشق، وصالحيتهيا، والزَّبداني، وبعلبك، وحمص، وحماة، وسِرْمين، وحلب، وجِبْرين، ثُمَّ بالمعرَّة، وطَرَابُلس، وبرزة، وكفربَطْنا، والمِزَّة، وصالحيَّة مصر، والخطَّارة وغيرها شيئًا كثيرًا، من قريب مائة نفس؛ وفيهم من أصحاب الصَّلاح بن أبي عُمر، وابن أميلة، وابن الهبل، والزين عبد الرحمن بن الأستاذ، وأبي عبد اللَّه محمد بن عمر بن قاضي شُهْبة،