الإصابة في تمييز الصحابة (ابن حجر العسقلاني)القسم: التراجم والطبقاتالكتاب: الإصابة في تمييز الصحابةالمؤلف: أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن أحمد بن حجر العسقلاني (ت ٨٥٢هـ)تحقيق: عادل أحمد عبد الموجود وعلى محمد معوضالناشر: دار الكتب العلمية - بيروتالطبعة: الأولى - ١٤١٥ هـعدد الأجزاء: ٨[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]تاريخ النشر في Ramisher: ١ يوليو ٢٠٢٦.
[المجلد الثاني]بسم الله الرحمن الرحيم ذكر بقية حرف الحاء[تتمة القسم الأول] الحاء بعدها الألف١٥٣٩- حازم بن حرملة:بن مسعود الغفاريّ «١» . له حديث في الإكثار من الحوقلة.روى عنه أبو زينب مولاه.أخرجه ابن ماجة، وابن أبي عاصم في الوحدان، والطّبراني وغيرهم: كلّهم في الحاء المهملة، وإسناده حسن.وذكره ابن قانع في الخاء المعجمة، فصحّف. ١٥٤٠- حازم بن حرام الجذامي»: من أهل البادية بالشام.روى الباوردي والدّولابي والعقيلي من طريق سليمان بن عقبة بن شبيب بن حازم، عن أبيه، عن جدّه، عن أبيه حازم، قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم بصيد اصطدته من الأردن «٣» وأهديتها إليه فقبلها وكساني عمامة عدنيّة، وقال لي: «ما اسمك؟» قلت: حازم. قال «بل أنت مطعم» .واختصره بعضهم.واختلف في أبيه، فقيل بمهملتين، وقيل بكسر أوله ثم زاي، واتفقوا على أنه جذامي- بضم الجيم ثم ذال معجمة.وقال أبو عمر: خزاعيّ- بضم المعجمة ثم زاي. والأول هو الصواب.(١) ينظر حلية الأولياء ١/ ٣٥٦، الكاشف ١/ ١٩٩، التاريخ الكبير ٣/ ١٠٩ الطبقات ١/ ٣٣، أسد الغابة ت (١٠٠٨) .(٢) أسد الغابة ت (١٠٠٩) ، الاستيعاب ت (٤٦٧) .(٣) الأردن: بالضم ثم السكون وضم الدال المهملة وتشديد النون والأردن اسم البلد، أهل السير يقولون: إن الأردن وفلسطين ابنا سام بن إرم بن سام بن نوح عليه السلام وهي أحد أجناد الشام الخمسة وهي كورة واسعة منها الغور وطبرية وصور وعكا وما بين ذلك. انظر معجم البلدان ١/ ١٧٦.
١٥٤١- حازم:غير منسوب «١» .روى عبدان، ومن طريقه أبو موسى من رواية محمد السعدي- وهو أخو عطية، عن عاصم البصريّ، عن حازم، قال: فرض رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر طهورا، للصّائم من اللّغو والرّفث» «٢» الحديث. ١٥٤٢ ز- حاصر الجني:بمهملات: الجنّي، أحد وفد نصيبين. تقدم ذكره في ترجمة الأرقم الجنّي. ١٥٤٣- حاطب بن أبي بلتعة «٣»: بفتح الموحدة وسكون اللام بعدها مثناة ثم مهملة مفتوحات، ابن عمرو بن عمير بن سلمة بن صعب بن سهل اللّخمي، حليف بني أسد بن عبد العزّى.يقال: إنه حالف الزّبير. وقيل: كان مولى عبيد اللَّه بن حميد بن زهير بن الحارث بن أسد فكاتبه فأدّى مكاتبته.اتفقوا على شهوده بدرا، وثبت ذلك في الصحيحين من حديث علي في قصة كتابة حاطب إلى أهل مكة يخبرهم بتجهيز رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إليهم، فنزلت فيه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ … [الممتحنة: ١] الآية. فقال عمر: دعني أضرب عنقه.فقال: إنّه شهد بدرا. واعتذر حاطب بأنّه لم يكن له في مكة عشيرة تدفع عن أهله فقبل عذره.وروى قصته ابن مردويه من حديث ابن عباس، فذكر معنى حديث عليّ، وفيه، فقال:يا حاطب، ما دعاك إلى ما صنعت؟ فقال: يا رسول اللَّه كان أهلي فيهم، فكتبت كتابا لا يضرّ اللَّه ولا رسوله.وروى ابن شاهين «٤» والباورديّ والطّبرانيّ، وسمّويه، من طريق الزهريّ، عن عروة، عن عبد الرحمن بن حاطب بن أبي بلتعة، قال: حاطب رجل من أهل اليمن، وكان حليفا للزّبير، وكان من أصحاب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وقد شهد بدرا، وكان بنوه وإخوته بمكة، فكتب حاطب من المدينة إلى كبار قريش ينصح لهم فيه … فذكر الحديث نحو حديث علي. وفي(١) أسد الغابة ت (١٠١٠) .(٢) أخرجه الدارقطنيّ في السنن ٢/ ١٣٨ وأورده المتقي الهندي في كنز العمال حديث رقم (٢٤١٢٥) وعزاه للدارقطنيّ والبيهقي عن ابن عباس.(٣) أسد الغابة ت (١٠١١) ، الاستيعاب، ت (٤٧٢) .(٤) أورده السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٠٣ والحسين في إتحاف السادة المتقين ٧/ ١٣٧.
آخره: فقال حاطب: واللَّه ما ارتبت في اللَّه منذ أسلمت، ولكنّني كنت امرأ غريبا، ولي بمكة بنون وإخوة … الحديث. وزاد في آخره: فأنزل اللَّه تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ … [الممتحنة: ١] الآيات.ورواه ابن مردويه من حديث أنس، وفيه نزول الآية.ورواه ابن شاهين من حديث ابن عمر بإسناد قوي.وروى مسلم وغيره من طريق أبي الزبير عن جابر أنّ عبدا لحاطب بن أبي بلتعة جاء يشكو حاطبا، فقال: يا رسول اللَّه، ليدخلنّ حاطب النّار. فقال: «لا، فإنّه شهد بدرا والحديبيّة» .وروى ابن السّكن من طريق محمد بن عبد الرحمن بن حاطب، عن أبيه، عن حاطب: سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول: «يزوّج المؤمن في الجنّة ثنتين وسبعين زوجة: سبعين من نساء الجنّة، وثنتين من نساء الدّنيا»«١» . وأغرب أبو عمر، قال: لا أعلم له غير حديث واحد: «من رآني بعد موتي … »الحديث.قلت: وقد ظفرت بغيره كما ترى، ثم وجدت له ثلاثة أحاديث غيرها: أحدها أخرجه ابن شاهين من طريق يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب عن أبيه جده، قال: بعثني رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إلى المقوقس ملك الإسكندرية، فجئته بكتاب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم … الحديث.ثانيها أخرجه ابن مندة من هذا الوجه مرفوعا. «من اغتسل يوم الجمعة» .. الحديث.ثالثها أخرجه الحاكم من طريق صفوان بن سليم، عن أنس، عن حاطب بن أبي بلتعة- أنه طلع على النبيّ صلى الله عليه وسلم وهو يشتدّ وفي يد عليّ بن أبي طالب ترس فيه ماء.. الحديث.وروى مالك في «الموطأ» قصة مع رفيقه في عهد عمر.وقال المرزبانيّ في «معجم الشعراء» : كان أحد فرسان قريش في الجاهلية وشعرائها.وقال ابن أبي خيثمة: قال المدائني: مات حاطب في سنة ثلاثين في خلافة عثمان وله خمس وستون سنة، وكذا رواه الطبراني عن يحيى بن بكير.(١) أورده السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٩ والمتقي الهندي في كنز العمال حديث رقم (٣٩٣٧٥) وعزاه لابن السكن وابن عساكر عن محمد بن عبد الرحمن بن حاطب بن أبي بلتعة عن أبيه عن جده.
١٥٤٤- حاطب بن الحارث بن معمر «١»بن حبيب بن وهب بن حذافة بن جمح القرشي ثم الجمحيّ.ذكره ابن إسحاق في مهاجرة الحبشة، وسمى يونس بن بكير وحده في روايته جدّه المغيرة، وغلّطوه.وذكر الواقديّ وغيره قالوا: إنه هاجر الهجرة الثانية، ومات بأرض الحبشة. وذكره الطبرانيّ فيمن مات بالحبشة هو وأخوه حطّاب. ١٥٤٥- حاطب بن عبد العزّى:بن أبي قيس بن عبد ود بن نصر «٢» بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤيّ القرشي العامري ابن عم الّذي بعده.ذكر أبو موسى في الذّيل أنّ عبد اللَّه بن الأجلح عدّه- عن أبيه عن بشر بن تميم وغيره- من المؤلّفة. ١٥٤٦- حاطب بن عمرو:بن عبد شمس «٣» بن عبد ودّ القرشي ثم العامري، أخو سهيل.كان حاطب من السابقين، ويقال: إنه أول مهاجر إلى الحبشة، وبه جزم الزهريّ.واتفقوا على أنه ممن شهد بدرا. وقيل: إنه آخر من خرج إلى الحبشة مع جعفر بن أبي طالب.قال البلاذريّ: هو غلط، وقد قالوا: إنه هو الّذي زوّج النبيّ صلى الله عليه وسلم سودة بنت زمعة، وهذا يدلّ على أنه رجع من الحبشة قبل الهجرة إلى المدينة. ١٥٤٧- حاطب بن عمرو:بن عتيك بن أمية بن زيد بن مالك «٤» بن عوف بن عمرو بن عوف بن مالك الأنصاري ثم الأوسي.قال أبو عمر: شهد بدرا، ولم يذكره ابن إسحاق فيهم.قلت: ولا رأيته عند غيره، وإنما عندهم جميعاً أنه الحارث بن حاطب، وقد تقدم،(١) التاريخ الصغير ١/ ٤١٢، العبر ١/ ٨٤، وأسد الغابة ت (١٠١٢) ، الاستيعاب ت (٤٧١) .(٢) أسد الغابة ت (١٠٦٣) .(٣) الثقات ٣/ ٨٣، تجريد أسماء الصحابة ١/ ١١٤، الجرح والتعديل ٣/ ١٣٥١، الوافي بالوفيات ١١/ ٣٩٩، أصحاب بدر ١٢٨، المصباح المضيء ١/ ١٠١، العقد الثمين ٤/ ٤٥، أسد الغابة ت (١٠١٤) ، الاستيعاب ت (٤٧٠) .(٤) أسد الغابة ت (١٠١٥) ، الاستيعاب ت (٤٦٩) .
[المجلد الأول] من هو الصّحابيّ؟الصّحابيّ لغة:مشتقّ من الصّحبة، وليس مشتقّا من قدر خاصّ منها، بل هو جار على كل من صحب غيره قليلا أو كثيرا.كما أنّ قولك: مكلّم، ومخاطب، وضارب، مشتق من المكالمة، والمخاطبة، والضّرب.وجار على كلّ من وقع منه ذلك، قليلا أو كثيرا. يقال: صحبت فلانا حولا وشهرا ويوما وساعة وهذا يوجب في حكم اللّغة اجراءها على من صحب النبي صلى الله عليه وسلم ساعة من نهار.قال السّخاويّ: «الصّحابيّ لغة: يقع على من صحب أقلّ ما يطلق عليه اسم صحبة، فضلا عمّن طالت صحبته وكثرت مجالسته» [ (١) ] . الصّحابيّ عند علماء الأصولقال أبو الحسين في «المعتمد» : هو من طالت مجالسته له على طريق التّبع له والأخذ عنه، أما من طالت بدون قصد الاتباع أو لم تطل كالوافدين فلا.وقال الكيا الطّبريّ: هو من ظهرت صحبته لرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم صحبة القرين قرينه حتى يعد من أحزابه وخدمه المتصلين به.قال صاحب «الواضح» : وهذا قول شيوخ المعتزلة. وقال ابن فورك: هو من أكثر مجالسته واختص به. الصّحابيّ عند علماء الحديثقال ابن الصّلاح حكاية عن أبي المظفّر السّمعانيّ أنه قال: أصحاب الحديث يطلقون اسم الصّحابة على كل من روى عنه حديثا أو كلمة، ويتوسعون حتى يعدون من رآه رؤية من[ (١) ] فتح المغيث للسّخاوي ٣/ ٨٦.
الصّحابة، وهذا لشرف منزلة النبي صلى الله عليه وسلم أعطوا كل من رآه حكم الصّحابة [ (١) ] .وقال سيّد التّابعين سعيد بن المسيّب: الصّحابي من أقام مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم سنة أو سنتين، وغزا معه غزوة أو غزوتين [ (٢) ] .ووجهه أن لصحبته صلى الله عليه وسلم شرفا عظيما فلا تنال إلا باجتماع طويل يظهر فيه الخلق المطبوع عليه الشخص كالغزو المشتمل على السّفر الّذي هو قطعة من العذاب، والسّنة المشتملة على الفصول الأربعة التي يختلف فيها المزاج.وقال بدر الدّين بن جماعة [ (٣) ] : وهذا ضعيف، لأنه يقتضي أنه لا يعد جرير بن عبد اللَّه البجليّ، ووائل بن حجر وأضرابهما من الصحابة، ولا خلاف أنهم صحابة.وقال العراقيّ: ولا يصح هذا عن ابن المسيّب، ففي الإسناد إليه محمّد بن عمر الواقديّ شيخ ابن سعد ضعيف في الحديث [ (٤) ] .وقال الواقديّ: ورأيت أهل العلم يقولون: كل من رأى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وقد أدرك الحلم فأسلم وعقل أمر الدّين ورضيه فهو عندنا ممّن صحب النبيّ صلى الله عليه وسلم ولو ساعة من نهار [ (٥) ] .وهذا التعريف غير جامع، لأنه يخرج بعض الصحابة ممّن هم دون الحلم ورووا عنه كعبد اللَّه بن عبّاس، وسيّدي شباب أهل الجنّة الحسن والحسين، وابن الزبير.قال العراقيّ: والتّقييد بالبلوغ شاذّ [ (٦) ] .وقال السّيوطيّ في «تدريب الرّاوي» : ولا يشترط البلوغ على الصّحيح، وإلا لخرج من أجمع على عدّه في الصّحابة.والأصح ما قيل في تعريف الصّحابيّ أنه «من لقي النبيّ صلى الله عليه وسلم في حياته مسلما ومات على إسلامه.[ (١) ] المقدمة ص ١١٨، وفتح المغيث للعراقي ٤/ ٣، ٣١.[ (٢) ] الكفاية ٦٩، وعلوم الحديث ٢٩٣، المنهل الرّويّ ١١٧، تدريب الرّاوي ٢/ ٢١١.[ (٣) ] المنهل ١١٧ بتصرف، وتدريب الرّاوي ٢/ ٢١١.[ (٤) ] تدريب الرّاوي ٢/ ٢١٢.[ (٥) ] فتح المغيث ٤/ ٣٢ والكفاية ٥.[ (٦) ] فتح المغيث ٤/ ٣٢.
شرح التّعريف:(من لقي النّبيّ صلى الله عليه وسلم : جنس في التّعريف يشمل كل من لقيه في حياته، وأمّا من رآه بعد موته قبل دفنه صلى الله عليه وسلم فلا يكون صحابيّا كأبي ذؤيب الهذليّ الشّاعر فإنه رآه قبل دفنه.(مسلما) : خرج به من لقيه كافرا وأسلم بعد وفاته كرسول قيصر فلا صحبة له.(ومات على إسلامه) : خرج به من كفر بعد إسلامه ومات كافرا.أما من ارتدّ بعده ثم أسلم ومات مسلما فقال العراقيّ: فيهم نظر، لأن الشّافعيّ وأبا حنيفة نصّا على أن الردّة محبطة للصّحبة السابقة كقرّة بن ميسرة والأشعث بن قيس.وجزم الحافظ ابن حجر شيخ الإسلام ببقاء اسم الصّحبة له كمن رجع إلى الإسلام في حياته كعبد اللَّه بن أبي سرح.وهل يشترط لقيه في حال النّبوة أو أعم من ذلك حتى يدخل من رآه قبلها ومات على الحنيفية كزيد بن عمرو بن نفيل، وكذا من رآه قبلها وأسلم بعد البعثة ولم يره؟.قال العراقيّ: ولم أر من تعرّض لذلك، وقد عد ابن مندة زيد بن عمرو في الصّحابة. هل من الملائكة صحابة؟الملائكة أجسام نورانيّة قادرة على التّشكيل والظهور بأشكال مختلفة، وهي تتشكل بأشكال حسنة، شأنها الطاعة وأحوال جبريل مع النبي صلى الله عليه وسلم حين تبليغه الوحي وظهوره في صورة دحية الكلبي تؤيد رجحان هذا التعريف للملائكة على غيره.والملائكة لا يوصفون بذكورة ولا أنوثة ولا يتوالدون، فمن وصفهم بذكورة فسق ومن وصفهم بأنوثة أو خنوثة كفر، لقوله تعالى: وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ [ (١) ] الآية، ومسكنهم السموات ومنهم من يسكن الأرض.وقد دل على وجودهم الكتاب والسنّة والإجماع فالمنكر كافر، وإذا فيجب الإيمان إجمالا فيمن علم منهم إجمالا، وتفصيلا فيمن علم بالشخص كجبريل وميكائيل أو بالنوع كحملة العرش والحافين من حوله والكتبة والحفظة وقد خلق اللَّه الملائكة جندا له منفذين لأوامره في خلقه فمنهم ساكن السّماوات وأفضلهم حملة العرش والحافّين من حوله وهم الكروبيون، ومنهم الموكلون بالنار وهم الزبانية مع مالك ومنهم الموكلون بالجنة لإعداد النعيم مع رضوان، ومنهم سفير اللَّه إلى أنبيائه وهو جبريل، والموكل بالمطر والسحاب[ (١) ] الزخرف: ١٩.
والرزق وهو ميكائيل، وصاحب النفخ وهو إسرافيل، والموكلون بحفظ بني آدم والكاتبون لأعمالهم، ومنهم منكر ونكير فتانا القبر، ومنهم ملك الموت وأعوانه وهو عزرائيل وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ. عصمة الملائكةوالقول الحق أنهم معصومون يستحيل صدور الذنوب منهم كبيرة كانت أو صغيرة بدليل قوله تعالى: لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ [ (١) ] .وقوله: يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ [ (٢) ] . وقوله: يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ [ (٣) ] . وقوله: إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ [ (٤) ] . أي أن شأنهم وحياتهم التي فطروا عليهما هي الخضوع والعبادة واللَّه أعلم وهل هم صحابة أم لا؟. أجاب الحافظ ابن حجر رحمه الله فقال: وهل تدخل الملائكة محل نظر؟، وقد قال بعضهم إن ذلك ينبئ على أنه هل كان مبعوثا إليهم أو لا. وقد نقل الإمام فخر الدّين في «أسرار التّنزيل» الإجماع على أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن مرسلا إلى الملائكة ونوزع في هذا النقل بل رجح الشيخ تقيّ الدّين السّبكيّ أنه كان مرسلا إليهم. هل من الجن صحابة؟!اختلف علماء التّوحيد في بيان حقيقة الجن، فقال بعضهم بتغاير حقيقته، فعرّفوا الجن بأنها أجسام هوائية لطيفة تتشكل بأشكال مختلفة وتظهر منها أفعال عجيبة، منهم المؤمن ومنهم الكافر.أما الشّياطين: فهي أجسام نارية شأنها إقامة النفس في الغواية والفساد.وقال آخرون إن حقيقتها واحدة وهي أجسام نارية عاقلة قابلة للتشكل بأشكال حسنة أو قبيحة، وهم كبني آدم يأكلون ويشربون ويتناسلون ويكلفون، منهم المؤمن ومنهم العاصي، أما الشّيطان فاسم للعاصي، ويدل على ذلك قوله تعالى: وَالْجَانَّ خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نارِ السَّمُومِ [ (٥) ] . كما يدل على تكليفهم ووجودهم قوله تعالى: وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ.الآيات، وقوله: قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقالُوا إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَداً [ (٦) ] . وحيث ثبت وجودهم بكلام اللَّه وكلام أنبيائه[ (١) ] التحريم: ٦.[ (٢) ] الأنبياء: ٢٠.[ (٣) ] النحل: ٥٠.[ (٤) ] الأعراف: ٢٠٦.[ (٥) ] الحجر: ٢٧.[ (٦) ] الأحقاف: ٢٩.
وانعقد عليه الإجماع كان الإيمان بما ثبت واجبا ومنكره كافر.. والسؤال بعد ذلك هل هم داخلون في الصحابة الحق؟.نعم. يدخل في الصّحابة رضوان اللَّه تعالى عليهم من رآه صلى الله عليه وسلم أو لقيه مؤمنا به من الجنّ، لأنه صلى الله عليه وسلم بعث إليهم قطعا وهم مكلّفون، وفيهم العصاة والطّائعون.قال الحافظ ابن حجر، الرّاجح دخولهم، لأن النبي صلى الله عليه وسلم بعث إليهم قطعا.قال السّبكيّ في فتاويه: كونه صلى الله عليه وسلم مبعوثا إلى الإنس والجن كافّة وأن رسالته شاملة للثقلين فلا أعلم فيه خلافا، ونقل جماعة الإجماع عليه.قال السّبكيّ: والدّليل عليه قبل الإجماع الكتاب والسّنة، أما الكتاب فآيات منها قوله تعالى: لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً. [ (١) ]وقد أجمع المفسّرون على دخول الجنّ في ذلك في هذه الآية. ومع ذلك هو مدلول لفظها، فلا يخرج عنه إلّا بدليل.ومنها قوله تعالى في سورة الأحقاف: فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ [ (٢) ] .والمنذرون هم المخوفون مما يلحق بمخالفته لوم، فلو لم يكن مبعوثا إليهم لما كان القرآن الّذي أتى به لازما لهم ولا خوفوا به.ومنها قولهم فيها، أَجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ فأمر بعضهم بعضا بإجابته دليل على أنه داع لهم، وهو معنى بعثه إليهم.ومنها قولهم: وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ … الآية، وذلك يقتضي ترتيب المغفرة على الإيمان به، وأن الإيمان به شرط فيها، وإنّما يكون كذلك إذا تعلّق حكم رسالته بهم، وهو معنى كونه مبعوثا إليهم.ومنها قولهم: وَمَنْ لا يُجِبْ داعِيَ اللَّهِ الآية، فعدم إعجازهم وأوليائهم، وكونهم في ضلال مرتّب على عدم إجابته، وذلك أدلّ دليل على بعثته إليهم.ومنها قوله تعالى: سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ [ (٣) ] . فهذا تهديد ووعيد شامل لهم وارد على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم عن اللَّه، وهو يقتضي كونه مرسلا إليهم، وأيّ معنى للرسالة غير ذلك وكذلك مخاطبتهم في بقيّة السورة بقوله: وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ، [ (٤) ] وغير ذلك من الآيات التي تضمّنتها هذه السورة.[ (١) ] الفرقان: ١.[ (٢) ] الأحقاف: ٢٩.[ (٣) ] الرحمن: ٣١.[ (٤) ] الرحمن: ٤٦.
ومنها قوله تعالى في سورة الجنّ: فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَداً [ (١) ] ، فإن قوة هذا الكلام تقتضي أنهم انقادوا له وآمنوا بعد شركهم، وذلك يقتضي أنّهم فهموا أنّهم مكلّفون به، وكذلك كثير من الآيات التي في هذه السّورة التي خاطبوا بها قومهم.ومنها قولهم فيها: وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدى آمَنَّا بِهِ [ (٢) ] ، وكذا قولهم: فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولئِكَ تَحَرَّوْا رَشَداً [ (٣) ] الآيات.ومنها قوله تعالى: قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ [ (٤) ] .فهذه الآية تقتضي أن النبي صلى الله عليه وسلم منذر بالقرآن كله من بلغه القرآن جنيّا كان أو إنسيّا، وهي في الدّلالة كآية الفرقان أو أصرح، فإن احتمال عود الضّمير على الفرقان غير وارد هنا، فهذه مواضع في الفرقان تدل على ذلك دلالة قوية، أقواها آية الأنعام هذه، وتليها آية الفرقان، وتليها آيات الأحقاف، وتليها آيات الرحمن، وخطابها في عدّة آيات: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ، وتليها سورة الجنّ، فقد جاء ترتيبها في الدلالة والقوة كترتيبها في المصحف، وفي القرآن أيضا ما يدلّ لذلك، ولكن دلالة الإطلاق اعتمدها كثير من العلماء في مباحث، وهو اعتماد جيد وهو هنا أجود، لأن الأمر بالإنذار، والمطلق إذا لم يتقيّد بقيد يدل على تمكن المأمور في الإتيان به في أي فرد شاء من أفراده وفي كلها، وهو صلى الله عليه وسلم كامل الشفقة على خلق اللَّه، والنصيحة لهم والدعاء إلى اللَّه تعالى، فمع تمكنه من ذلك لا يتركه في شخص من الأشخاص، ولا في زمن من الأزمان، ولا في مكان من الأمكنة، وهكذا كانت حالته- صلى الله عليه وسلم، ويعلم أيضا من الشريعة أن اللَّه تعالى لم يرده قوله: قُمْ فَأَنْذِرْ [ (٥) ] مطلق الإنذار حتى يكتفي بإنذار واحد لشخص واحد، بل أراد التّشمير والاجتهاد في ذلك، فهذه القرائن تفيد الأمر بالإنذار لكل من يفيد فيه الإنذار، والجن بهذه الصّفة، لأنه كان فيهم سفهاء وقاسطون وهم مكلفون فإذا أنذروا رجعوا عن ضلالهم فلا يترك النبي صلى الله عليه وسلم دعاءهم، والآية بالقرائن المذكورة مفيدة للأمر بذلك فثبتت البعثة إليهم بذلك، ومنها كل آية فيها لفظ المؤمنين ولفظ الكافرين مما فيه أمر أو نهي ونحو ذلك فإنّ المؤمنين والكافرين صفتان لمحذوف، والموصوف المحذوف يتعيّن أن يكون النّاس بل المكلّفون أعمّ من أن يكونوا إنسا أو جنّا، وإذا ثبت ذلك أمكن الاستدلال بما لا يعدّ ولا يحصى من الآيات كقوله تعالى:[ (١) ] الجن: ٢.[ (٢) ] الجن: ١٣.[ (٣) ] الجن: ١٤.[ (٤) ] الأنعام: ١٩.[ (٥) ] المدثر: ٢.
فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ، أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [ (١) ] فالجن الذين لم يتبعوه ليسوا مفلحين، وإنما يكون كذلك، وإذا ثبتت رسالته في حقهم.وكقوله تعالى: لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرى لِلْمُحْسِنِينَ [ (٢) ] ، وكقوله: هُدىً لِلْمُتَّقِينَ [ (٣) ] ، ونحو ذلك من الآيات أيضا قوله تعالى: إِنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ [ (٤) ] ، ومن الجن كذلك، ولو تتبّعنا الآيات التي من هذا الجنس لوجدناها جاءت كثيرة.واعلم أن المقصود بتكثير الأدلة أن الآية الواحدة والآيتين قد يمكن تأويلها، ويتطرّق إليها الاحتمال فإذا كثرت قد تترقى إلى حدّ يقطع بإرادة ظاهرها، وبقي الاحتمال والتأويل عنها.وأمّا السّنّةففي صحيح مسلم من حديث العلاء عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: (فضّلت على الأنبياء بستّ: أعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرّعب، وأحلّت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض طهورا ومسجدا، وأرسلت إلى الخلق كافّة، وخيم بي التّيسيّون) [ (٥) ] .ومحل الاستدلال قوله: (وأرسلت إلى الخلق كافّة) ، فإنه يشمل الجن والإنس، وحمله على الإنس خاصّة تخصيص بغير دليل فلا يجوز، والكلام فيه كالكلام في قوله تعالى: لِلْعالَمِينَ.فإن قال قائل: على أن المراد بالخلق الناسرواية البخاري من حديث جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أعطيت خمسا لم يعطهنّ أحد من الأنبياء قبلي)[ (٦) ] ، فذكر من جملتها:[ (١) ] الأعراف: ١٥٧.[ (٢) ] الأحقاف: ١٢.[ (٣) ] البقرة: ٢.[ (٤) ] يس: ١١.[ (٥) ] أخرجه مسلم في الصحيح ١/ ٣٧١- ٣٧٢ كتاب المساجد ومواضع الصلاة (٥) حديث رقم (٥/ ٥٢٣) والترمذي في السنن ٤/ ١٠٤- ١٠٥ كتاب السير (٢٢) باب ما جاء في الغنيمة (٥) حديث رقم ١٥٥٣ وقال حسن صحيح وأحمد في المسند ٢/ ٤١٢- والبيهقي في السنن ٢/ ٤٣٢، ٩/ ٥ والبيهقي في دلائل النبوة ٥/ ٤٧٢- وذكره الهيثمي في الزوائد ٨/ ٢٦٩- والهندي في كنز العمال حديث رقم ٣١٩٣٢.[ (٦) ] متفق عليه من حديث جابر بن عبد اللَّه رضي الله عنه أخرجه البخاري في الصحيح ١/ ٤٣٥- ٤٣٦ كتاب القيم (٧) باب (١) حديث رقم (٣٣٥) - واللفظ له- ومسلم في الصحيح ١/ ٣٧٠ كتاب المساجد (٥) حديث رقم (٣/ ٥٢١) وأحمد في المسند ٣/ ٣٠٤، ٥/ ١٤٨- والدارميّ في السنن ٢/ ٢٢٤ والبيهقي في السنن ١/ ٢١٢، ٢/ ٣٢٩، ٤٣٣، ٦/ ٢٩١، ٩/ ٤٠ وأبو نعيم في الحلية ٨/ ٣١٦- وابن أبي شيبة
«وأرسلت إلى النّاس كافّة» ،قلنا: لو كان هذا حديثا واحدا كنا نقول: لعلّ هذا اختلاف من الرّواة، ولكن الّذي ينبغي أن يقال: إنهما حديثان، لأن حديث مسلم من رواية أبي هريرة، وفيه ست خصال، وحديث البخاريّ من رواية جابر وفيه خمس خصال.والظّاهر أنّ النّبي صلى الله عليه وسلم قالهما في وقتين، وفي حديث مسلم زيادة في عدة الخصال، وفي سنن المرسل إليهم فيجب إثباتها زيادة على حديث جابر، وليس بنا ضرورة إلى حمل أحد الحديثين على الآخر إذ لا منافاة بينهما، بل هما حديثان مختلفا المخرج والمعنى، وإن كان بينهما اشتراك في أكثر الأشياء، وخرج كل من صاحبي الصّحيحين واحدا منها ولم يذكر الآخر.فهذا الحديث الّذي ذكرناه عن مسلم واستدللنا به أصرح الأحاديث الصحيحة الدالة على شمول الرّسالة للجنّ والإنس.ومن الأدلّة أيضا أن النّبي صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين وشريعته آخر الشرائع وناسخة لكل شريعة قبلها، ولا شريعة باقية الآن غير شريعته، ولذلك إذا نزل عيسى ابن مريم صلى الله عليه وسلم إنّما يحكم بشريعة محمّد صلى الله عليه وسلم فلو لم يكن الجن مكلفين بها لكانوا إمّا مكلفين بشريعة غيرها، وهو خلاف ما تقرّر، وإمّا ألّا يكونوا مكلّفين أصلا، ولم يقل أحد بذلك، ولا يمكن القول به، لأن القرآن كله مليء بتكليفهم، قال تعالى: لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ وقال قالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ إلى غير ذلك من الآيات، ودخولهم النار دليل على تكليفهم، وهذا أوضح من أن يقام عليه دليل، فإن تكليفهم معلوم من الشرع بالضرورة، وتكليفهم بغير هذه الشّريعة يستلزم بقاء شريعة معها، فثبت أنّهم مكلّفون بهذه الشريعة كالإنس [ (١) ] .وقال ابن حزم الظّاهريّ:قد أعلمنا اللَّه أن نفرا من الجن آمنوا وسمعوا القرآن من النبي صلى الله عليه وسلم ففيهم صحابة فضلاء. هذا واللَّه تعالى أعلى وأعلم.[ (١١) ] / ٤٣٢ والبخاري في التاريخ الكبير ٤/ ١١٤، ٥/ ٤٥٥ وذكره المنذري في الترغيب ٤/ ٤٣٣- والهيثمي في الزوائد ٨/ ٦١، ٦٢ والهندي في كنز العمال حديث رقم ٣١٩٣٠، ٣٢٠٥٩، ٣٢٠٦٠، ٣٢٠٦١، ٣٢٠٦٢.[ (١) ] انظر فتاوى السبكي ٢/ ٥٩٤ وما بعدها بتصرف.
بم يعرف الصّحابيّ؟يعرف الصّحابيّ بأحد الأدلّة التّالية:أولا: التّواتر، وهو رواية جمع عن جمع يستحيل عادة تواطؤهم على الكذب، وذلك كأبي بكر وعمر وعثمان وعليّ وبقيّة العشرة المبشّرين بالجنّة- رضي الله عنهم.ثانيا: الشّهرة أو الاستفاضة القاصرة عن حد التواتر كما في أمر ضمام بن ثعلبة، وعكاشة بن محصن.ثالثا: أن يروى عن آحاد الصّحابة أنه صحابي كما في حممة بن أبي أحممة الدّوسيّ الّذي مات ب «أصبهان» مبطونا فشهد له أبو موسى الأشعريّ أنه سمع النّبي صلى الله عليه وسلم حكم له بالشهادة، هكذا ذكره أبو نعيم في «تاريخ أصبهان» .رابعا: أن يخبر أحد التّابعين بأنه صحابي بناء على قبول التّزكية من واحد عدل وهو الرّاجح.خامسا: أن يخبر هو عن نفسه بأنه صحابيّ بعد ثبوت عدالته ومعاصرته، فإنه بعد ذلك لا يقبل ادّعاؤه بأنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم أو سمعه،لقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: «أرأيتكم ليلتكم هذه، فإنّه على رأس مائة سنة منه لا يبقى أحد ممّن على ظهر الأرض … » [ (١) ] .يريد بهذا انخرام ذلك القرن، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم ذلك في سنة وفاته، ومن هذا المأخذ لم يقبل الأئمّة قول من ادّعى الصّحبة بعد الغاية المذكورة.وقد ذكر الحافظ ابن حجر في «الإصابة» - هنا- ضابطا يستفاد منه معرفة جمع كثير من الصّحابة يكتفى فيهم بوصف يتضمّن أنهم صحابة، وهو مأخوذ من ثلاثة آثار:أحدها: أنهم كانوا لا يؤمّرون في المغازي إلا الصّحابة، فمن تتبّع الأخبار الواردة من الرّدة والفتوح وجد من ذلك الكثير.[ (١) ] أخرجه البخاري في الصحيح ١/ ٢٣٥ كتاب مواقيت الصلاة باب ذكر العشاء والعتمة حديث رقم ٥٦٤ ومسلم في الصحيح ٤/ ١٩٦٥ كتاب فضائل الصحابة (٤٤) بابقوله صلى الله عليه وسلم لا تأتي مائة سنة وعلى الأرض نفس منفوسة اليوم(٥٣) حديث رقم (٢١٧/ ٢٥٣٧) والترمذي في السنن ٤/ ٤٥١ كتاب الفتن (٣٤) باب (٦٤) حديث رقم ٢٢٥١- وأحمد في المسند ٢/ ٢٢١ والبيهقي في السنن ١/ ٤٥٣، ٩/ ٧ والبيهقي في دلائل النبوة ٦/ ٥٠٠ والحاكم في المستدرك ٢/ ٣٧ وذكره الهندي في كنز العمال حديث رقم ٣٨٣٤٤.
ثانيها: أن عبد الرّحمن بن عوف قال: كان لا يولد لأحد مولود إلا أتى به النبي صلى الله عليه وسلم فدعا له، وهذا أيضا يوجد منه الكثير.ثالثها: أنه لم يبق بالمدينة ولا بمكّة ولا الطّائف ولا من بينها من الأعراف إلا من أسلم وشهد حجّة الوداع، فمن كان في ذلك الوقت موجودا اندرج فيهم، لحصول رؤيتهم للنبيّ صلى الله عليه وسلم وإن لم يرهم هو.قال الذّهبيّ في «الميزان» في ترجمة «رتن» ٢/ ٤٥ «وما أدراك ما رتن؟! شيخ دجّال بلا ريب، ظهر بعد السّتمائة فادّعى الصّحبة، والصّحابة لا يكذبون وهذا جريء على اللَّه ورسوله، وقد ألّفت في أمره جزءا» . حكمة اللَّه في اختيار الصّحابةالواقع أنّ العقل المجرّد من الهوى والتعصّب، يحيل على اللَّه في حكمته ورحمته، أن يختار لحمل شريعته الختاميّة أمة مغموزة أو طائفة ملموزة تعالى اللَّه عن ذلك علوّا كبيرا، ومن هنا كان توثيق هذه الطّبقة الكريمة طبقة الصّحابة، يعتبر دفاعا عن الكتاب والسّنّة وأصول الإسلام من ناحية، ويعتبر إنصافا أدبيّا لمن يستحقونه من ناحية ثانية، ويعتبر تقديرا لحكمة اللَّه البالغة في اختيارهم لهذه المهمّة العظمى من ناحية ثالثة، كما أن توهينهم والنيل منهم يعدّ غمزا في هذا الاختيار الحكيم، ولمزا في ذلك الاصطفاء والتّكريم فوق ما فيه من هدم الكتاب والسنّة والدّين.على أن المتصفّح لتاريخ الأمّة العربية وطبائعها ومميزاتها يرى من سلامة عنصرها وصفاء جوهرها، وسمو مميزاتها، ما يجعله يحكم مطمئنّا بأنّها صارت خير أمّة أخرجت للنّاس بعد أن صهرها الإسلام، وطهرها القرآن ونفى خبثها سيّد الأنام، عليه الصلاة والسلام.ولكن الإسلام قد ابتلي حديثا بمثل أو بأشدّ ممّا ابتلي به قديما، فانطلقت ألسنة في هذا العصر ترجف في كتاب اللَّه بغير علم، وتخوض في السّنة بغير دليل، وتطعن في الصّحابة دون استحياء، وتنال من حفظة الشريعة بلا حجّة، وتتهمهم تارة بسوء الحفظ، وأخرى بالتزيد وعدم التثبت، وقد زوّدناك، وسلّحناك، فانزل في الميدان ولا تخش عداك.يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ.نصرنا اللَّه بنصرة الإسلام، وثبت منا الأقدام والحمد للَّه في البدء والختام.