أعمار الأعيان (ابن الجوزي) القسم: التراجم والطبقات الكتاب: أعمار الأعيان المؤلف: ابن الجوزي، جمال الدين أبي الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد (٥١٠ هـ - ٥٩٧ هـ)المحقق: د محمود محمد الطناحي الناشر: مكتبة الخانجي، القاهرة الطبعة: الأولى، ١٤١٤ هـ - ١٩٩٤ معدد الصفحات: ٢٠٠[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]تاريخ النشر في راميشر: ١ يوليو ٢٠٢٦.
أعمار الأعيانلابن الجوزى جمال الدين أبي الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد(٥١٠ هـ - ٥٩٧ هـ) تحقيقالدكتور محمود محمد الطناحي
صف وطبع هذا الكتاب بمكتبة ومطبعة الخانجي ص. ب: ١٣٧٥ بالقاهرة الطبعة الأولى: ١٤١٤ هـ - ١٩٩٤ م رقم الإيداع ٦٥١/ ٩٤الترقيم الدولى I.S.B.N٤ - ٠٩٥ - ٥٠٥ - ٩٧٧
كتاب أعمار الأعيانتأليف شيخنا الإمام العالم الأوحد الصَّدر الكبير جمال الدين شرف الإسلام إمام العلماء، وسيد ورثة الأنبياء أبى الفرج عبد الرحمن بن على بن محمد ابن الجوزىّ مدَّ الله فى عمره.سماعٌ منه لصاحبه محمد بن عمر بن أبى بكر بن عبد الله المقدسىّ، نفعه الله به وبالعلم آمين ربَّ العالمين.سمع جميع كتاب أعمار الأعيان على مؤلّفه جمال الدين أبى الفرج عبد الرحمن بن على بن محمد بن الجوزى، مدَّ الله فى عمره بقراءة عبد الوهاب ابن معالى بن وشاح، وهذا خَطُّه، صاحبُه الفقيهُ الإمام العالم الأوحد نجم الدين أبو عبد الله محمد بن عمر بن أبى بكر، وأبو الطائف أحمد بن عمر بن محمد ابن قدامة المقدسيّان، والفقيهُ الإمام العالم الصدر الكبير نجم الدين أبو محمد عبد المنعم بن على بن نصر بن منصور بن الصقال الحَرّانى. وذلك فى مجلس واحد، فى ثامن عشر شوّال سنة خمس وثمانين وخمسمائة، بمحروسة بغداد، بدار الشيخ الشاطيّة. وصَحَّ وثَبَت. ونقلتُ هذا السماعَ عن نسختى فى سلخ شهر رمضان سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة.هذا صحيح وكتب عبد الرحمن بن علىّ بن محمد بن الجوزىّ.* * *
ب - التراجم المرتبة على الأسماء. ومن أبرزها: وفيات(١) الأعيان لابن خَلّكان، وفوات الوَفَيات لابن شاكر الكتبي، والوافي بالوفيات للصفدي، وسير أعلام النبلاء للذهبي(٢).ثم تأتيك التراجمُ أيضًا في كُتُب أنساب العرب، مثل مختلف القبائل ومؤتلفها لابن حبيب، والاشتقاق لابن دريد، والإيناس بعلم الأنساب للوزير المغربي، وجمهرة أنساب العرب لابن حزم، وعُجالة المبتدي وفُضالة المنتهى في النسب لأبي بكر الحازمي.وفي كُتُب الأنساب بوَجْهٍ عام(٣): إلى قبيلة، أو بلد، أو صناعة،(١) كتاب ابن خلكان هذا يذكِّرُنا بتلك الكُتُب التي قامت على الوَفَيات بمفهومٍ آخر، وأذكر منها هنا: وفيات المصريِّين في العهد الفاطمي لأبي إسحاق بن الحَبَّال المتوفى سنة ٤٨٢، والوفيات لأبي مسعود الأصبهاني المتوفي سنة ٥٦٦، والتكملة لوَفَيات النّقَلَة للحافظ المنذري المتوفي سنة ٦٥٦، ووفيات ابن قُنْفُذ المتوفى سنة ٨١٠.والفرق بين هذه الكُتُب وبين وفيات ابن خَلّكان أن هذا نَزَّل أسماء الأعيان في "وَفَياته" على منازلهم من الترتيب على حروف المعجم، وكذلك صنع ابن شاكر والصَّفدى اللذان حمل كتابهما نفس عنوان ابن خلّكان. أمَّا الوَفَيات المذكورة فقد قامت أساسًا على الوَفَيات، فتذكر السنةَ وتحتها أسماء من تُوُفُّوا فيها، أو تذكر الأعلام المترجمين بتسلسل سِني وفياتهم. وللمؤرخين المسلمين في هذا اللون من التأليف -الوَفَيات- جهودٌ ضخمة، تراها وترى الكلام على مناهجها في كتاب صديقي الدكتور بشار عواد معروف (المنذري وكتابه التكملة) ص ١٩٩ وما بعدها.(٢) وهذا الحافظ الذهبي مؤرِّخ الإسلام، ركنٌ باذخ من أركان التاريخ الإسلامي، وكتاباته في هذا العلم رحبةٌ واسعة، ويأتي على رأسها كتابان: أولهما تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام. وقد تناول فيه تاريخ الإسلام من بدء الهجرة النبوية حتى سنة ٧٠٠، فجَمَع مادّة ضخمةً في نطاقه الزمانيّ الممتدّ عبر سبعة قرون كاملة، وفي نطاقه المكاني الشامل لجميع الرقعة الواسعة التي امتدّ إليها الإسلام من الأندلس غربًا إلى أقصى المشرق. ويُعَدّ هذا الكتاب من أجمع كُتُب التراجم، إذ تُقَدَّرُ تراجِمُه بأربعين ألف ترجمة. انظر كتاب صديقي الدكتور بشار عواد معروف -أحسن الله إليه- (الذهبي ومنهجه في كتابة التاريخ الإسلامي).والكتاب الثاني: هو سير أعلام النبلاء. وهو مطبوعٌ متداول، في خمسة وعشرين مجلدًا، منها مجلَّدان للفهارس. وهو كتاب تاريخ وعِلْم وحضارة.(٣) انظر وجوه الأنساب في أعلام الحديث للخطابي ص ١٧٥٩، والوافي بالوفيات ١/ ٢٢، ٢٣.
بسم الله الرحمن الرحيمولا حولَ ولا قُوَّةَ إلَّا بالله العلىِّ العظيمالحمدُ لله خالقِ خَلْقِه بالقُدرة مِن تُراب، ومُقلِّبِهم بالحكمة فى البُطون والأصلاب، وقاسمِ أرزاقهم وآجالهم، فالكلُّ يجرى بحِساب، فمنهم ضيّقُ الرزق مع حِذْقِه بالأسباب، ومنهم مُوَسَّعٌ عليه ولم يُوغِلْ فى اكتساب.ومنهم مُسْتَلَبٌ فى الطُّفولة، ومنهم مأخوذٌ فى الشَّباب.ومنم من يموت كهْلًا حينَ يُقال: قدْ شاب.ومنهم منفردٌ بالتعمير الطَّويل عن الأقران والأتْراب.قِسْمةٌ قضتْ بها الإرادةُ، لا تغيير لها ولا انقِلاب.{وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ}(١).أحْمَدُه حَمْدَ مُوقِنٍ بالأجْر على الحَمْدِ والثَّواب.وأصلّى على رسوله محمدٍ أشرفِ رجلٍ مَشَى راجلًا، أو ثَنَى رِجلًا فى رِكاب.وعلَى جميع أتباعه على شَريعته والأصحاب، صلاةً يَعُمُّ نفعُها فى الدُّنيا ويومَ المآب.* * *(١) سورة فاطر: ١١.
هذا كتابٌ ذكرتُ فيه أعمارَ الأعيان، فإنَّ مَن رأى كبيرَ القَدْر قد مات صغيرَ السِّنّ، أفاده ذلك ثلاثَ فوائدَ:إحداها: شُكْرُ اللهِ تعالى، إذ أنْعَم عليه بالزِّيادة.والثانيةُ: الانتباهُ للتأهُّب والتَّزوُّد خَوْفَ الاستِلاب.والثالثة: التَّسَلِّى عندَ نُزُولِ الموتِ به.ومَن رأى طاعِنًا فى العُمْر استفاد قُوَّةَ أملٍ للَبَقَاء، وبذلك تَقْوَى(١) النَّفْس، فلا تيأسُ مِن بُلُوغ ذلك المَدَى.وربَّما قال قائلٌ: فالممدوحُ قِصَرُ الأَملِ.فالجوابُ: أنَّ الحازِمَ لا يُعَوِّلُ على الأَمل، كيف وقد قال رسولُ الله صلَّى الله عليه(٢): "وَعُدَّ نَفْسَكَ مِن أهلِ القُبُورِ"(٣)، وقال ابن عُمَر: "إذا أصْبَحْتَ فلا تُحدِّثْ نَفْسَكَ بالمساءِ"(٤)(١) فى الأصل: "يُقوى" بالياء التحتية المضمومة قبل القاف.(٢) هكذا بدون "وسلّم" وهى طريقة لبعض الأقدمين، يكتفون بالصلاة فقط دون التسليم، وقد رأيتها فى أسلوب الشافعىّ، والحربىّ، وابن سَلَّام، والخطَّابىّ، والهروىّ، والخطيب البغدادىّ. وقد علقت على ذلك فى حواشى أمالى ابن الشجرى ٣/ ١٨٦، ويقع هذا أيضًا فى سَنَد الحديث: انظر على سبيل المثال: الزهد لابن المبارك ص ٢٦٧ - ٢٧١، لكنّ الإمام النّووىّ يقول: "ويُكره الاقتصارُ على الصلاة أو التسليم" تدريب الراوى ٢/ ٧٦، وحكاه عنه الحافظ ابن كثير فى تفسيره ٨/ ٤٦٩ (سورة الأحزاب).(٣) هذا من حديث ابن عمر رضى الله عنهما، قال: "أخَذ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ببعض جَسَدى، فقال: كن فى الدُّنيا كأنك غريبٌ أو عابرُ سبيل، وعُدَّ نَفسك فى أهل القبور". عارضة الأحوذى بشرح صحيح الترمذى (باب ما جاء فى قِصَر الأمل. من كتاب الزهد) ٩/ ٢٠٣، وسنن ابن ماجة (باب مثل الدنيا. من كتاب الزهد) ص ١٣٧٨، ومسند أحمد ٢/ ٤١، وحلية الأولياء ١/ ٣١٣.(٤) يروى: "إذا أمْسَيْتَ فلا تنتظر الصَّباح، وإذا أصبحتَ فلا تنتظر المساء، وخُذ مِن صِحَّتك لمرضك، ومن حياتك لموتك". وأخرجه البخارى موقوفًا على ابن عمر، فى كتاب الرّقاق (باب قول =
وإنما تُعَلَّلُ(١) به النَّفسُ إذا ضَعُفَتْ.وإنَّما يُذَمُّ فى حَقِّ الغافِلين، الذين آمالُهم عِنْدَهم كاليقين، فيُوجِب ذلك لهم غَفْلةً وبَطالةً. فأمَّا المُتيقِّظُون فكُلُّ ما عندَهم مُزْعِجٌ، فهم مُحْتاجُون إلى مُسَكِّنٍ ومُرَوِّح، وتَرَى المُتيقِّظَ لا يَقْدِرُ أن يَرَى مَيِّتًا، ولا يُذكَر له الموت. كان ابنُ سِيرِينَ إذا ذُكِر الموتُ ماتَ كلُّ عُضْوٍ منه على حِدَةٍ(٢).فَمَثلُ هذا كَمَثَلِ مَحْرُورٍ، لا يَجُوز أن يَسْتعمِلَ الحَرارة.وفى الناسِ من يَرَى المَوْتَى ولا يَتَغيَّر، فهذا الذى يَنْبغِى أن يُقاوَمَ مرضُه بالتَّخْوِيف.* * *= النبىّ صلى الله عليه وسلم: كن فى الدنيا كأنك غريب. . ." فتح البارى ١١/ ٢٣٣، وكذلك أبو نعيم فى حلية الأولياء ٣/ ٣٠١.وأخرحه أبو نعيم فى الحلية ١/ ٣١٢، مسنَدًا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، برواية ابن الجوزىّ. وانظر الزهد لابن المبارك ص ٥، وكشف الخفا ٢/ ١٣٥.(١) فى الأصل: "يعلل".(٢) سير أعلام النبلاء ٤/ ٦١٠، وحواشيه.
فصلورُبَّما اخْتُلِفَ فى سِنِّ المذكُور، فأنا أعتمدُ على الأَصَحِّ والأَشْهَر.وإنَّما أذكُر العُقُودَ فى السِّنِين، ولا أَلتفِتُ إلى زِيادة أَشْهُرٍ وأيّام، لِما بَيَّنْتُ مِن مَقْصُودِى بما أذكر؛ إذ زيادةُ الشُّهور والأيَّام لا يُؤثِّر(١) فيما قَصْدتُه.ولم أذكُرْ إلَّا مَشْهورَ القَدْر، مُعَظَّمًا فى النُّفُوس.وقد ابتدأتُ بمَنْ مات مِن الصِّغار الفُطَناء، وله عَشْرُ سِنين فما فوقَها؛ لِما بلَغَنِى من قُوَّةِ ذِهْنِه، وَجْودَةِ فِطْنته، وإقبالِه علَى عِلمٍ أو دِين.ثم أَرْتَقى مِن ذلك إلى مَن عُمِّر ألفَ سنةٍ وأكثرَ. واللهُ المُوفِّق.* * *(١) هكذا فى الأصل، بالياء التحتية، وهو عربىٌّ فصيح.
ذِكرُ فَضِيلة طُولِ العُمْرِ فى الخَيْرأخبرنا سَلمان بن مسعود(١)، قال: أنبأنا المُبارَكُ بن عبد الجَبّار، قال: أنبأنا محمد بن علىّ بن إبراهيم البَيْضاوِىّ، قال: أنبأنا أبو عُمر بن حَيُّويَة، قال: أنبأنا عُمر بن سعد القَراطِيسِىّ، حدَّثنا أبو بكر القُرشِىُّ، قال: حدَّثنا المُثَنَّى بن مُعاذ العُنَيْزِىُّ، قال: حدَّثَنِى أبى، قال: حدَّثنا شُعْبةُ، عن علىّ ابن زيد بن جُدْعان، عن عبد الرحمن بن أبى بَكْرةَ، عن أبيه، قال:قِيل: يا رسولَ الله، مَن خيرُ الناس؟ قال: "مَن طالَ عُمُرُه وحَسُنَ عَملُه".قِيل: فأىُّ الناسِ شَرٌّ؟ قال: مَن طال عُمُرُه وساءَ عَملُه"(٢).قال(٣) القرُشِىُّ(٤): وحَدَّثنا أبو خَيْثَمة، قال: حدَّثنا يحيى بن(١) هو أبو محمد سَلْمان بن مسعود بن الحسين بن حامد القصّاب. وُلِد سنة سبع وسبعين وأربعمائة، وتوفّى سنة إحدى وخمسين وخمسمائة. وهو الشيخ الرابع والسبعون من شيوخ ابن الجوزى، كما ذكر فى مشيخته ص ١٧٨، وأسْنَدَ الحديثَ المذكورَ ها هنا، بقراءته عليه فى رجب سنة سبع وأربعين وخمسمائة، مع بعض اختلافٍ فى السَّنَد والمَتْن.(٢) أخرجه الترمذىّ من حديث شُعبة، وقال: حديث حسنٌ صحيح. عارضة الأحوذى (باب ما جاء فى طول العمر للمؤمن. من كتاب الزهد) ٩/ ٢٠٢، وانظر مسند أحمد ٥/ ٤٠، ٤٣، ٤٧ إلى ٥٠، وسنن الدارمى (باب أى المؤمنين خير. من كتاب الرقائق) ٢/ ٣٠٨، ومجمع الزوائد (باب فيمن طال عمره من المسلمين من كتاب التوبة) ١٠/ ٢٠٦.(٣) جاء هنا بالهامش: "حديث طلحة: "ليس أحدٌ أفضل عند الله من مؤمنٍ يُعَمَّرُ فى الإِسلام" الحديث، رواه النَّسائىُّ فى اليوم والليلة". وهو فى عملِ اليوم والليلة للنَّسائى (باب أفضل الذكر وأفضل الدعاء) ص ٤٨٤، وتمامه: "يكثر تكبيرُه وتسبيحُه وتهليلُه وتحميدُه"، وانظر طَرَف الحديثِ فى مسند أحمد ١/ ١٦٣، ومجمع الزوائد (الباب السابق) ١٠/ ٢٠٧.(٤) هو أبو بكر عبد الله بن محمد. ابن أبى الدُّنيا، صاحب التصانيف المشهورة فى الزهد والرقائق. المتوفى سنة ٢٨١، والمصنِّف يحكى عنه كثيرًا فى هذا الكتاب. وسيأتى مبلغ عمره فى ص ٤٨.
أبى بُكَير، قال: حدَّثنا شُعْبةُ، قال(١): أنْبأَنا عَمرو بن مُرَّة، قال: سمعت عَمرو بنَ مَيْمُون يُحدِّثُ عن عبد الله بن رُبَيِّعة(٢) السُّلَمِىّ، عن عُبيد بن خالد -وكان من أصحاب النبىُّ صلى الله عليه وسلم(٣) - قال: آخَى النبىُّ صلَّى الله عليه بينَ رَجُلَيْن، فقُتِل أحدُهما علَى عهد النبىّ صلى الله عليه وسلم، ثم مات الآخَرُ فَصلُّوا عليه. فقال النبىُّ صلَّى الله عليه: "ما قُلْتُمْ له؟ " قال: قُلْنا: اللهمَّ اغفِرْ له، اللهُمَّ ارْحَمْه، اللهُمَّ أَلْحِقْه بصاحِبه.فقال النبىُّ صلّى الله عليه: "فأينَ صلاتُه بعدَ صلاتِه، وصِيامُه بعدَ صِيامِه، وعملُه بعدَ عملِه؟ بينَهما أَبْعدُ ممَّا بينَ السَّماءِ والأرضِ"(٤).* * *(١) فى الأصل: "قال عمر بن مُرّة أنبأنا قال: سمعت عمرو بن ميمون. . ."، وهو خطأ واضطراب. وترى هذا السَّند فيما يأتيك من مواضع تخريج الحديث.(٢) بضم الراء وفتح الباء وتشديد الياء مكسورة، على هيئة التصغير. الإِكمال لابن ماكولا ٤/ ٢٣.وجاء فى الأصل: "الأسلمى" وأثبتُّ صوابَه عن ترجمته فى تهذيب الكمال ١٤/ ٤٩٤، وسير أعلام النبلاء ٣/ ٥٠٤، ودواوين السُّنَّة الآتى ذِكرُها.(٣) هذه الجملة الواقعة بين علامتى الاعتراض جاءت فى مسند أحمد ٣/ ٥٠٠، ٤/ ٢١٩، بعد "عُبيد بن خالد" كما جاءت فى كتابنا، وجاءتْ بعد "عبد الله بن رُبَيِّعة السُّلمىّ" في سنن النَّسائى (باب الدعاء. من كتاب الجنائز) ٤/ ٧٤، وكذلك جاء فى الزهد لابن المبارك ص ٤٧٢، لكنه أسقط "عبيد بن خالد" فكأنه أرْسَلَه، إن لم يكن لعبد الله بن رُبَيِّعة صُحْبة. فقد قال الذهبىّ فى ترجمته فى الموضع المذكور من سير أعلام النبلاء: "قيل: له صُحْبة، فإن لم تكنْ فحديثُه من قبيل المُرْسَل".وقد ترجم له ابن حجر فى الإصابة ٤/ ٨٠، ٨١، وقال: "مختلف فى صُحْبته" وانظر الإصابة أيضًا ٤/ ٤٠٩، ترجمة "عبيد بن خالد"، وأسد الغابة ٣/ ٥٣٦، فقد جاء فيهما أيضًا فى وصف "عبيد ابن خالد": "وكان من أصحاب النبىّ صلى الله عليه وسلم".فهذا الوصفُ كما ترى دائرٌ بين "عبد الله بن رُبَيِّعة" وبين "عبيد بن خالد"، والأول مختلفٌ فى صحبته، والثانى بخلافه.(٤) جاء بالهامش: "رواه أبو داود والنَّسائى"، وقد دَلَلْتُ على موضعه فى سنن النَّسائى. أما أبو داود فقد أخرجه فى (باب فى النُّور يُرَى عندَ قبر الشَّهيد. من كتاب الجهاد) ٣/ ١٦.
عَقْدُ العَشَرة فما زادمات ولَدُ إبراهيم الحَربىِّ لإِحدى عشرة.أخبرنا المحمدان(١): ابنُ عبد الملك وابنُ ناصر، قالا: أنبأنا أحمدُ بن الحسن بن خَيْران، قال: أنبأنا الحسنُ بن أحمد بن شاذان.وأنبأنا عبد الرحمن بن محمد القَزَّاز(٢)، قال: أنبأنا أبو بكر أحمد بن على بن ثابت، قال: أنبأنا أحمد بن محمد بن أبى جعفر الأَخْرم، قالا: أنبأنا أبو علىّ عيسى بن محمد الطُّومارىّ، قال: حدَّثنا محمد بن خلف، وَكِيعٌ(٣)، قال: كان لإِبراهيم الحَرْبىِّ ابنٌ، وكان له إحدى عَشْرَة سنة، قد حفِظ القرآن، ولقَّنَه من الفقه شيئًا كثيرًا، فمات، فجئتُ أُعَزِّيه، فقال لى: كنتُ أشتهى موتَ ابنى هذا.قال: قلت: يا أبا إسحاق، أنت عالِمُ الدُّنيا، تقولُ مِثلَ هذا فى صَبِىٍّ قد أَنْجَبَ، ولقَّنْتَه الحديثَ والققه؟قال: نعم، رأيت فى النَّوم كأنَّ القيامةَ قد قامتْ، وكأنَّ صِبْيانًا بأيديهم قِلالٌ فيها ماءٌ، يستقبِلُون الناسَ يَسْقُونَهُم. وكان اليومُ يومًا حارًّا، شديدًا حَرُّه، قال: فقلتُ لأحدِهم: اسْقِنِى مِن هذا الماء، قال: فَنَظَر إلىَّ وقال: ليس أنت أبى. فقلتُ: فأيْش أنتم؟ فقال: نحن الصِّبيان الذين مُتْنا فى دار الدُّنيا، وَخلَّفْنا آباءَنا، فنستقبلُهم فنَسْقيهم الماءَ.(١) هما من شيوخ المصنِّف، وقد ترجم لهما فى مشيخته ص ٨١، ١٢٦.(٢) وهذا أيضًا من شيوخه، وقد سمع منه "تاريخ بغداد" للخطيب، الذى يروى عنه الخبر الآتى. وانظر مشيخته ص ١١٦، ١١٨.(٣) هو صاحب كتاب "أخبار القضاة" وقد روى عن الحربىّ فى كتابه هذا.
قال: فلهذا تمنّيْتُ موته(١).* * * أبو منصور هِبةُ الله بن علىّ بن عَقِيل (*)تُوفِّىَ لأربَعَ عَشْرةَ سنة.كان قد حَفِظ القرآن، وتفقَّه، وتُوفّى وهو ابن أربعَ عَشْرةَ، ولمَ يَبلُغْ. وكان له كلامٌ يدلُّ على عَقْلٍ غَزيرٍ وفَهْمٍ ودِينٍ.قرأتُ بخَطِّ أبيه أبى الوفاء -وكان هذا الصَّبىُّ قد طال مرضُه، وأنْفَق عليه أبوه مالًا فى المرض وبالَغَ- قال أبو الوفاء: قال لى ابْنِى لمَّا تقَارَبَ أجَلُه: يا سَيِّدى، قد أنفَقْتَ وبالَغْتَ فى الأدوية والطبِّ والأَدْعية، وللهِ سبحانه فِىَّ اخْتِيارٌ، فدَعْنِى مع اختيار الله تعالى.قال أبو الوفاء: فو اللهِ ما أنْطَقَ اللهُ سبحانه وَلدى بهذه المَقالَةِ التى تُشاكِلُ قولَ إسحاقَ لإِبراهيمَ: {افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ}(٢) إلَّا وقد اختاره اللهُ للحُظْوة(٣).* * *(١) تاريخ بغداد ٦/ ٣٧، وطبقات الحنابلة ١/ ٨٩، ٩٠، وبرد الأكباد عند فقد الأولاد ص ٢٩ وذكره المصنِّف فى أثناء ترجمة "الحربى" من صفة الصفوة ٢/ ٤٠٩، ٤١٠.(*) وُلد فى ذى الحجة سنة أربع وسبعين وأربعمائة، وتُوفى سنة ثمان وثمانين وأربعمائة المنتظم ٩/ ٩٧، والذيل على طبقات الحنابلة ١/ ١٦٥، والمنهج الأحمد ٢/ ٢٣٢، وشذرات الذهب ٤/ ٤٠.(٢) سورة الصافات ١٠٢.وقوله: "التى تُشاكل قول إسحاق لإِبراهيم" هذا على أن الذَّبيح هو إسحاق، وهو أحد قولين، والقول الثاني أنه إسماعيل. وقد نصره الإِمام ابن قيّم الجوزيَّة رحمه الله، قال: "وإسماعيل هو الذّبيح على القول الصواب عند علماء الصحابة والتابعين، ومَن بَعْدهم.وأما القولُ بأنه إسحاق فباطلٌ بأكثر من عشرين وجهًا، وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدَّس اللهُ رُوحَه يقول: هدا القولُ إنما هو مُتلقَّى عن أهل الكتاب، مع أنه باطلٌ بنَصّ كتابهم، فإنَّ فيه: إن الله أمر إبراهيم أن يذبح ابنَه بِكْرَه، وفى لفظٍ: وَحِيدَه، ولا يشكُّ أهلُ الكتاب مع المسلمين أن إسماعيل هو بِكْرُ أولادِه. والذى غَرَّ أصحابَ هذا القول أن فى التوراة التى بأيديهم: اذبحْ ابنَكَ إسحاق، قال: وهذه الزيادة مِن تحريفهم وكذبهم؛ لأنها تُناقض قولَه: اذبَحْ بِكْرَك ووحيدَك، ولكنَّ اليهودَ حسدَتْ بنى إسماعيل على هذا الشَّرف، وأحبُّوا أن يكون لهم، وأن يَسُوقُوه إليهم، ويحتازوه لأنفسهم دُونَ العرب، ويأبى اللهُ إلَّا أن يَجعلَ فضْلَه لأهلِه. . ." زاد المعاد ١/ ٧١، ٧٢. وانظر زاد المسير ٧/ ٧٢، ٧٣، وتفسير ابن كثير ٧/ ٢٣.(٣) بهامش الأصل: "فى كتاب الثَّبات عندَ الممات لابن الجوزى: قال أبو الوفاء بن عقيل: مات ولدى عقيل، وكان قد تفقَّه وناظرَ وجمَع أدبًا حَسَنًا، فتعَزَّيْتُ بقصَّة عَمرِو بن عبد وُدّ الذى قتله علىُّ بن أبى طالب، فقالت أُمُّه تَرْثيه:لو كان قاتلُ عَمرٍو غير قاتِلِه … ما زِلتُ أبكى عليه دائمَ الأَبَدِلكنَّ قاتلَهُ مَن لا يُقادُ به … من كان يُدْعَى أبوه بَيْضَةَ الَبَلدِ" =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .= قلتُ: لم أجد ذلك النقل فى كتاب الثبات عند الممات الذى نشره الأستاذ عبد اللطيف عاشور، بمكتبة القرآن. القاهرة ١٩٨٦ م. وهو فى المنتظم ٩/ ١٨٧، والذيل على طبقات الحنابلة ١/ ١٦٤، والمنهج الأحمد ٢/ ٢٣٠، وشذرات الذهب ٤/ ٣٩.وتمام الخَبَر فى هذه الكُتُب: "فأسلاها وغزَّاها جلالةُ القاتل، وفخرها بأنَّ ابنها مَقْتُولُه، فنظرتُ إلى قاتل ولدِى الحكيم المالِك، فهانَ علىَّ القَتْلُ والمَقْتولُ؛ لجلالة القاتل".وهذا الابن الثانى "عقيل" كنيتُه أبو الحسن، وُلِد ليلةَ حادى عشر رمضان سنة إحدى وثمانين وأربعمائة. وكان فى غاية الحُسْن، وكان شابًّا فَهِمًا، ذا خَطٍّ حَسَن. تفقَّه على أبيه، وناظر فى الأصول والفُروع، وسمع الحديثَ الكثيرَ، وكان فقيهًا فاضلًا يفهم المعانى جيّدًا، ويقول الشِّعر، وكان يشهد مجلس الحكم، ويحضر المواكب.توفى يوم الثلاثاء منتصف محرم سنة عشر وخمسمائة، وقيل: يوم الجمعة ثانى عشر ربيع الآخر سنة ثلاث عشرة وخمسمائة.أمَّا قَتْلُ على بن أبى طالب رضى الله عنه لعمرو بن عبد وُدّ، فقد كان يومَ الخَنْدق.وهذا الشعر الذى قيل فى رثائه يُنْسَب أيضًا إلى ابنته عَمْرة، وإلى امرأة من بنى عامر بن لؤىّ. انظر ثمار القلوب ص ٤٩٦، ومجمع الأمثال ١/ ٩٨، واللسان (بيض).ويروى: "مَن لا يُعاب به".
عُميْر بن أبى وَقَّاص (*)أخو سَعْد. قُتِل بَبْدرٍ شَهيدًا، وهو ابن ستَّ عشرةَ سنة.أنبأنا محمد بن أبى طاهر البَزَّاز، قال: أنبأنا أبو محمد الجوهرىّ، قال: أنبأنا ابن حَيُّويةَ، قال: أنبأنا أحمد بن معروف، قال: أنبأنا أبو بكر(١) بن إسماعيل بن محمد بن سعْد، عن أبيه، عن عامر بن سعْد، عن أبيه، قال: رأيت أخى عُمَيْر بنَ أبى وقّاص قبلَ أَنْ يَعْرِضَنا رسولُ اللهِ للخُروج إلى بَدْرٍ، يَتَوارَى. فقلتُ: ما لك يا أخى؟ قال: إنِّى أخاف أن يرانى رسولُ الله فيَسْتَصْغِرَنِى فيَرُدَّنى، وأنا أُحبُّ الخُروجَ، لعلَّ الله أن يَرزُقَنِى الشَّهادة.قال: فعُرِض على رسول اللهِ فاسْتَصْغَره، فقال: "ارْجِعْ"، فبكَى عُمَيرٌ، فأجازه رسولُ الله.قال سعْدٌ: وكنتُ أعْقِدُ له حَمائلَ سَيْفِه مِن صِغَرِه. فقُتِل بَبْدرٍ وهو ابنُ ستَّ عشْرَةَ سنة. قتله عمرُو بنُ عبدِ وُدّ(٢).(*) مغازى الواقدى ص ٢١، ١٤٥، ١٥٥، وطبقات ابن سعد ٣/ ١٣٩، ٤٣٦، والسِّيرة النبوية ص ٢٥٤، ٦٨١، ٧٠٧، والإصابة ٤/ ٧٢٥، ٧٢٦، وسير أعلام النبلاء ١/ ٩٧، فى أثناء ترجمة أخيه "سعد بن أبى وقَّاص" رضى الله عنهما.وانظر المستدرك للحاكم (كتاب معرفة الصحابة) ٣/ ١٨٨.(١) كُتب فوقه "سَقَط سَطْرٌ" وكُتب فى الهامش: "أبو بكر هذا يروى عنه الواقدىُّ".قلتُ: نَعَمْ، روى الواقدىُّ هذا الخَبرَ عن أبى بكر بن إسماعيل، فى المغازى ص ٢١، ولمَّا كان "أحمد بن معروف" المذكورُ فى سَنَدِنا قبل "أبى بكر بن إسماعيل" قد توفى سنة ٣٢٢ - كما فى تاريخ بغداد ٥/ ١٦٠، و"الواقدىُّ محمد بن عمر" الذى يروى عن "أبى بكر بن إسماعيل" قد توفى سنة ٢٠٧، فيكون قد حدث سقطٌ فى سَنَدِنا -بين أحمد بن معروف، وبين أبى بكر بن إسماعيل- لا محالة وفى تقديرى أن هذا السَّقْطَ يُمْلَأُ بثلاثة أسماءٍ على الأقلِّ، ويُؤْنِسُ بذلك ما جاء فى ترجمة الواقدىّ من تاريخ بغداد ٣/ ١٧: "أخبرنا أحمد بن معروف الخشاب، حدَّثَنا الحُسين بن فَهْم، حدَّثنا محمد بن سعد، أخبرنا محمد بن عمر. . ." وهذا هو الواقدىّ. وانظر أيضًا ص ٣ من الجزء نفسه من تاريخ بغداد.(٢) جاء بالهامش بالحُمْرة: "عبد الرحمن بن معاذ بن جبل لم يذكْره" =