البدور الزاهرة في القراءات العشر المتواترة - النشار (أبو حفص النشار) القسم: التجويد والقراءات الكتاب: البدور الزاهرة في القراءات العشر المتواترة المؤلف: أبو حفص سراج الدين عمر بن زين الدين قاسم بن محمد بن علي الأنصاري النشار (ت ٩٣٧ هـ)شرح وتحقيق: أ. د. أحمد عيسى المعصراوي(شيخ عموم المقارئ المصرية، ورئيس لجنة مراجعة المصحف الشريف بالأزهر، وأستاذ الحديث وعلوم السنة - جامعة الأزهر) الناشر: دار النوادر للطباعة والنشر - الكويت(ضمن إصدارات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية - قطر) الطبعة: الثانية، ١٤٣٢ هـ - ٢٠١١ معدد الأجزاء: ٤[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]تاريخ النشر في راميشر: ١ يوليو ٢٠٢٦.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، وجميع من والاه، وبعدفإن علم القراءات سنةٌ متَّبعةٌ، تواصلت فيها أجيال الأمه بالتلقي والمدارسة، ونحن اليوم في حاجة مع هذه النهضة القرآنية المباركة لإعادة تقديمه ودعمه.من هنا رأينا أن نسند الأمر إلى أهله، لنشر كتاب الإمام ابن النشار "البدور الزاهرة" بنشرةٍ محققة، تزيِّنها شروح موثقة ميسرة، لشيخ عموم المقاريء المصرية، الأستاذ الشيخ أحمد المعصراوي، حيث لقي الكتاب كذلك عناية لجنة إحياء التراث الإسلامي بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، وتولَّتْهُ بالرعاية إدارة الشئون الإسلامية، وقالت بتمويله الهيئة القطرية للأوقاف فالشكر لكل الجهود المخلصة، سائلا الله تعالى التوفيق لما يحب ويرضى. فيصل بن عبد الله آل محمودوزير الأوقاف والشئون الإسلاميةرئيس الهيئة القطرية للأوقافدولة قطر
محضة(١)، وقرأ ورش بين اللفظين(٢).والباقون بالفتح.قوله تعالى: {إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ} [١١] قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، بفتح الياء التحتية وسكون الغين وفتح الشين مخففة، وبعدها ألف. و"النُّعاسُ" برفع السين(٣).وقرأ نافع، وأبو جعفر بضم الياء، وإسكان الغين وكسر الشين مخففة وبعدها ياء تحتية. و"النُّعَاسَ"(٤).قوله تعالى: {وَيُنَزِّلُ} [١١] قرأ أبو عمرو، وابن كثير، ويعقوب بإسكان النون، وتخفيف الزاي.والباقون بفتح النون وتشديد الزاي(٥).قوله تعالى: {الرُّعْبَ} [١٢] قرأ ابن عامر، والكسائي، وأبو جعفر، ويعقوب بضم(١) وكذا قرأها ابن ذكوان من طريق الصوري، وقد سبق الكلام عن الإمالة في مثل هذا الحرف قريبًا بما أغنى عن إعادته (وانظر: شرح طيبة النشر ٣/ ٨٨، ٨٩، التيسير ص ٤٦، إتحاف فضلاء البشر في القراءات الأربعة عشر - الدمياطي ج ١/ ص ١٠٧).(٢) هي رواية ورش من طريق الأزرق فقط.(٣) قال ابن الجزري:. . . . . . . . . . . . . . . . … رفع النعاس (حبر) يغشى فاضممواكسر لباق. . . . . . . . . . . … . . . . . . . . . . . . . . . . .والحجة لمن قرأه بالألف والرفع أنه جعل الفعل للنعاس فرفعه وأخذه من غشي يغشى والكاف والميم في موضع نصب.(٤) الحجة لمن ضم الياء الأولى ونصب النعاس وخفف أنه جعل الفعل لله عز وجل وعداه إلى المفعولين، وأخذه من أغشى يغشي، ومن شدد أخذه من غشى يغشي، والمعنى: أن المسلمين أصبحوا يوم بدر جنبًا على غير ماء، وعدوهم على الماء، فوسوس لهم الشيطان، فأرسل الله عليهم مطرًا فطهرهم به (شرح طيبة النشر ٤/ ٣٢٣، الحجة في القراءات السبع - ابن خالويه ج ١/ ص ١٧٠، النشر ٢/ ٢٧٦، وابن القاصح ص ٢٣٣، والمبسوط ص ٢٢٠، التيسير ص ١١٦).(٥) سبق توضيح الكلام على هذه الكلمة قريبًا (وانظر: المبسوط ص ١٣٢، ١٣٣، النشر ٢/ ٢١٨، الغاية ص ١٠٤، شرح طيبة النشر ٤/ ٤٧).
بسم الله الرحمن الرحيمكلمة لجنة إحياء التراث الإسلامي الحمد لله رب العالمين والصلاه والسلام على سيد المرسلين وآله وصحبه ومن سار على نهجه واتبع هداه إلى يوم الدين. أما بعد:دأبت وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في دولة قطر على نشر كتب التراث، واعتنت بها عناية لا تخفى على ذي بصيرةٍ، وهي اليوم تقدم سِفرًا نفيسًا من هذه الكتب، وهو "البدور الزاهرة في القراءات العشر المتواترة، لأبي حفص سراج الدين عمر بن زين الدين قاسم بن علي الأنصاري النشار المتوفي سنة ٩٢٧ هـ.وقد قام بتحقيقه ودراسته وشرحه، الأستاذ الدكتور أحمد عيسى المعصراوي، شيخ عموم المقاريء المصرية.وتبدو أهمية الكتاب بأنه يضيف إلى كتب القراءات القليلة - قياسًا إلى العلوم الشرعية الأخرى عملًا جديدًا.فبالإضافة إلى التعريف بالقراءات العشر المتواترة، فهو يشرحها شرحًا مدرسيًّا يضع الطالب لمعرفة القراءات على طريقٍ واضحةٍ.ولذا رأت لجنة إحياء التراث الإسلامي، أن يكون هذا الكتاب القيم من منشوراتها.آملين أن يتقبله الله جهدًا علميًّا خالصًا لوجهه الكريم. لجنة إحياء التراث الإسلامي
قوله تعالى: {رَمَى} [١٧] قرأ حمزة، والكسائي، وخلف، وشعبة - بخلاف عنه - بالإمالة محضة(١)، وعن نافع الفتح وبين اللفظين(٢). والباقون بالفتح.قوله تعالى: {مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ} [١٨] قرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وأبو جعفر بفتح الواو، وتشديد الهاء، وتنوين النون، و "كَيْدِ" بنصب الدال(٣).وقرأ حفص بإسكان الواو، وتخفيف الهاء، ورفع النون من غير تنوين، وخفض دال "كَيْدِ" على الإضافة(٤). وقرأ الباقون بإسكان الواو، وتخفيف الهاء، ورفع النون= البشر ص ١٤٤، الكشف عن وجوه القراءات ١/ ٢٥٧).(١) هناك قاعدة مطردة؛ وبر أن حمزة والكسائي وخلف البزار أمالوا جميع الألفات المنقلبة عن ياء، وما كان منها على وزن فعلى مثلثة الفاء، وما كان منها على وزن فعالى بضم الفاء وفتحها، فأمال هؤلاء ألفات التأنيث كلها وهي زائدة رابعة فصاعدًا دالة على مؤنث حقيقي أو مجازي في الواحدة والجمع اسمًا كان أو صفة، وهو معنى قول التيسير: مما ألفه للتأنيث وهي محصورة فيما ذكره ابن الجزري بقوله:وكيف فَعْلَى وفُعَالى ضمه … وفتحه وما بياء رسمه(النشر ٢/ ٣٥، ٣٦، وشرح طيبة النشر ٣/ ٥٥، ٥٦).(٢) هي رواية ورش من طريق الأزرق فقط.(٣) قال ابن الجزري:. . .. . .. . .. . . اشددن مع موهن … خفف (ظـ) ـبى (كنز)وحجة هذه القراءة: أنها على أنه اسم فاعل من أوهن كأكرم معدى بالهمزة والتنوين على الأصل في اسم الفاعل و {كيدَ] بالنصب على المفعولية به، وحجتهم في ذلك أن التشديد إنما وقع لتكرر الفعل، وذلك ما ذكره الله من تثبيت أقدام المؤمنين بالغيث، وربطه على قلوبهم، وتقليله إياهم في أعينهم عند القتال، فذلك منه شيء بعد شيء، وحال بعد حال، في وقت بعد وقت، فكان الأولى بالفعل أن يشدد، لتردد هذه الأفعال، فكأنه أوقع الوهن بكيد الكافرين مرة بعد مرة، فوجب أن يقال موهّن لهذه الملة (إتحاف فضلاء البشر في القراءات الأربعة عشر - الدمياطي ج ١/ ص ٢٩٧، شرح طيبة النشر ٤/ ٣٢٤، البشر ٢/ ٢٧٦، المبسوط ص ٢٢١، إعراب القرآن ١/ ٢٧١، حجة القراءات - ابن زنجلة ج ١/ ص ٣٠٩).(٤) علم سكون واو {مُوهِنُ} من لفظه، قال ابن الجزري:. . .. . .. . .. . . . .... . .. . .. .. .. . .. . .. . .. . .. . .. . … ولا ينونمع خفض كيد (عـ) ـد. . .. . .. . .. . .. . .. . .. .....................ووجه قراءة {مُوهِنُ} أنه اسم الفاعل من أوهن، أو وهن معدى بالهمزة أو التضعيف (إتحاف فضلاء البشر في القراءات الأربعة عشر - الدمياطي ج ١/ ص ٢٩٧، شرح طيبة النشر ٤/ ٣٢٤، النشر ٢/ ٢٧٦، المبسوط ص ٢٢١، إعراب القرآن ١/ ٢٧١، حجة القراءات ج ١/ ص ٣٠٩).
مِقَدِّمَةُ المحقّق بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي نزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا. أحمده حق حمده؛ فهو المنفرد بالدوام، المتطوِّل بالإنعام. سبحانه وتعالى أنزل القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان. أحمده سبحانه على جميع نعمه، وأشكره على تتابع آلائه ومننه. وأصلي وأسلم على سيد ولد آدم محمد صلى الله عليه وسلم النبي العربي الهاشمي القرشي خير من مشى على وجه الأرض، من أُنزِل عليه القرآن فكان خلقه القرآن، وكان قرآنا يمشي على الأرض.وبعد: فإنّ "القرآن الكريم هو الوحي المنزل على محمد للبيان والإعجاز، والقراءات هي اختلاف ألفاظ الوحي المذكور في كتابة الحروف أو كيفياتها من تخفيف وتثقيل وغيرها"(١).ولذلك فإنّ تعدد القراءات لا يعني جعل كل منها قرآنًا يغير حكمًا أو يبدل مضمونًا، كما زعم أولو الزيغ وأثاروا هذه الفكرة المردودة لدى مَنْ له أدنى إلمام بالعربية وسعة مادتها. وليس تحصيلُ هذا العلم بالأمر السهل فيناله الطالب دونما جهد أو تعب، ولذا فقد بذلتِ الطاقات لتذليل المصاعب، فصيغ شعرًا يتضمن رموزًا تبعث الأضواء في درب المسيرة، تسهيلًا لهذه الغاية السامية التي تتعشّقها أفئدةٌ عرفت منزلةَ القرآن الكريم ورفعته.وعلم القراءات: هو العلم بكيفية أداء الكلمات القرآنية من حيث الوجه الأدائي نطقًا ولغة، اتفاقًا واختلافًا، مع عزوه لناقله؛ وأعني بقولي: (نطقًا) معرفة كيفية نطق الكلمة من حيث النقل والفصل والرسم .. الخ. وأعني بقولي (لغة) ما ورد فيه الخلاف بين الأئمة في اللفظ المختلف فيه من حيث الأوجه.(١) البرهان ١/ ٣١٨.
ولقد قيّض المولى عز وجل لهذا الكتاب من يقوم على حفظه منذ نزوله حتى يومنا هذا، فتلقاه الصحابة عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم فحفظوه ووعوه في قلوبهم وعقولهم وصدورهم بجميع قراءاته ورواياته، وعندما حدثت حركةُ الفتوحات الإسلامية تفرّق الصحابة في سائر الأمصار، فتلقاه عنهم أهل هذه البلاد وتلقاه عنهم من جاء بعدهم.ولقد قام جهابذة العلماء، فجمعوا الحروف والقراءات، وعزوا الوجوه والروايات، وفرقوا بين الصحيح المتواتر وبين المشهور والشاذ؛ ووضح هؤلاء الأئمة أن القراءة التي لا يجوز ردها، ولا يحل إنكارها، ويجب على الناس قبولها، هي تلك الحروف التي نزل القرآن بها، سواء كانت عن الأئمة السبعة أم عن الأئمة العشرة.ولقد تعددتِ الكتبُ التي تناولت علم القراءات منذ عصر الكتابة الأول إلى عصرنا هذا، وتراوحت تلك الأعمال ما بين الصغير والمتوسط والكبير، ويعدُّ كتابُنا هذا "البدور الزاهرة في القراءات العشر المتواترة" لأبي حفص سراج الدين عمر بن زين الدين قاسم بن شمس الدين محمد بن علي الأنصاري النشار المتوفى سنة ٩٣٧ هـ. من هذه الكتب التي قدمت القراءات القرآنية في صورة سهلة لمن أراد أن يتعلّم القراءات القرآنية بصورة سلسة؛ حيث إن الكتاب يتناول السور القرآنية والآيات القرآنية بصورة متتابعة تسهل على المتعلم المراجعة، وعلى الرغم من أنّ هناك بعض الأخطاء التي وقع فيها المؤلف إلا أن هذه الأخطاء لا تقدح في قيمة الكتاب العلمية، ولله الحمد والمن؛ فقد نبهنا على هذه الأخطاء في أماكنها، وقمنا بالتعليق عليها حتى لا يحدث لبس عند المتلقي، ولقد وضحنا منهجنا في العمل في المقدمة التالية لهذه الصفحات.ولقد حاولنا في هذا العمل المتواضع الذي قمنا به توضيح كل غامض، وتبيين ما لم يقم المؤلف به من توجيه للقراءة، وذكر للمتشابه، أو الذي غفل عنه المؤلف، وذلك حتى يكون بين يدي المتعلم ما يتوق إليه.والله أرجو أن يجعل في هذا العمل القبول والنفع، وإن كان في هذا العمل من جهد فمن الله، وما كان فيه من تقصير فمني ومن نفسي ..والله أسأل أن يجازي كلَّ من ساهم في هذا العمل من صف أو قراءة أو مراجعة الخير
والجزاء، وأخص بالذكر الأخ الفاضل أحمد عبد الرازق البكري الذي بذل مجهودًا كبيرًا في مراجعة التوجيه اللغوي، وكانت له ملاحظات جيدة، كما أخص بالشكر الأخ الفاضل الشيخ محمد أحمد المنشد قاطن المنيا، الذي قام بمراجعة شواهد الكتاب؛ فالله أسأل أن ينفعهما بما قاما به من جهد.وفي النهاية أرجو من الله عز وجل أن يعينني على إخراج بقية هذه السلسلة "سلسلة مكتبة القراءات وعلوم القرآن". وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.أ. د. أحمد عيسى المعصراويشيخ عموم المقاريء المصريةورئيس لجنة مراجعة المصحف الشريفوأستاذ الحديث وعلوم السنة - جامعة الأزهر
تقديمالحمد لله الذي أنزل الكتاب على عبده ليكون للعالمين نذيرًا، أحمده حق حمده فهو أهل للثناء والحمد. سبحانه لم يجمع العلم لإنسان، ولا قصره على مكان، ولا حصره بزمان؛ بل بثّه سبحانه في العباد والبلاد، ونقله عن الآباء إلى الأولاد، سبحانه جلت قدرته، وعلت حكمته. وأصلي وأسلم على خير البرايا محمد صلى الله عليه وسلم، من يسر القرآن بلسانه، واختاره لأدائه وبيانه. أصلي وأسلم عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.ثم أما بعد: فقد وردت الأخبار الكثيرة عن وجوب تعظيم القرآن، والحث على قراءته، وأنَّ حَمَلَتَه كالنجوم يستضاء بهم في ظلمات البر والبحر، وأنهم أشرافُ الأمة وسادتها، فمن ذلك ما أخرجه البخاري في (صحيحه) عن عثمان بن عفان رضي الله عنه أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "خيرُكُم مَنْ تعلَّم القرآنَ وعلَّمه"(١).وروى الشيخان عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "مثلُ المؤمنِ الذي يقرأُ القرآنَ مثل الأترجَّةِ (نوع من الفاكهة) ريحُها طيّبٌ وطعمُها طيّبٌ، ومثلُ المؤمنِ الذي لا يقرأُ القرآنَ مثل التمرةِ لا ريحَ لها وطعمُها حلوٌ، ومثل المنافقِ الذي يقرأُ القرآنَ مثل الريحانةِ ريحُها طيّبٌ، وطعمُها مرٌّ، ومثلُ المنافقِ الذي لا يقرأُ القرآنَ مثل الحنظلةِ ليس لها ريحٌ وطعمُها مُرٌّ"(٢).(١) حديث صحيح الإسناد. أخرجه البخاري في كتاب فضائل القرآن، باب خيركم من تعلم القرآن وعلمه (٥٠٢٧) عن عثمان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: .. به.(٢) حديث حسن الإسناد. أخرجه البخاري في كتاب الأطعمة، باب ذكر الطعام (٥٤٢٧) عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله: .. به.
وقد انفرد القرآن من بين الكتب السماوية بتعدد قراءاته، وقد وضع العلماء القواعد، واستقصوا في أوجه القراءات ما يسد باب الرأي من بعدهم.وقد اعتمد علماء القراءات أنّ كل قراءة وافقت اللغة العربية ووافقت رسم أحد المصاحف العثمانية وصحَّ سندُها فهي القراءة التي يجب قبولها، ولا يحل لأحد جحدها وإنكارها وهي من جملة الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن.وقد اختلف العلماء في بقاء الأحرف السبعة في المصاحف العثمانية - بناءً على اختلافهم في المراد بالأحرف السبعة - على أقوال:أولًا: أن المصاحف العثمانية اشتملت على حرف واحد وهو حرف قريش، وأن الأحرف الباقية إما نسخت في زمن النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم، أو اتفق الصحابة على تركها درءًا للفتنة التي كادت تفتك بالأمة عندما اختلف الناس في قراءة القرآن. وإلى ذلك ذهب ابنُ جرير الطبري، وأبو جعفر الطحاوي، وابن حِبّان، والحارث المحاسبي، وأبو عمر بن عبد البر، وأبو عبيد الله بن أبي صفرة(١).وقال أبو شامة: وصرَّح أبو جعفر الطبري والأكثرون من بعده بأنه حرف منها(٢).وقال أبو عبيد الله بن أبي صفرة: هذه القراءات السبع إنما شرعت من حرف واحد من السبعة المذكورة في الحديث، وهو الذي جمع عثمان عليه المصحف، وهذا ذكره النحاس وغيره(٣).وهذا القول مبني على القول بأنّ المراد بالأحرف السبعة سبع لهجات في الكلمة الواحدة باختلاف الألفاظ واتفاق المعاني، وهو قول ابن جرير ومن وافقه.ثانيًا: أن المصاحف العثمانية اشتملت على جميع الأحرف السبعة، ولم تُهمل منها حرفًا واحدًا. وهو ما ذهب إليه جماعات من القراء والفقهاء والمتكلمين، وهو الذي(١) البرهان في علوم القرآن (١/ ٢٢٤، ٢٢٦، ٢٣٩، ٢٤١، وشرح النووي على صحيح مسلم (١٠٠٦).(٢) انظر البرهان في علوم القرآن (١/ ٢٢٣).(٣) انظر البرهان في علوم القرآن (١/ ٢٢٠).
اختاره القاضي الباقلاني وابن حزم والداودي وغيرهم. قال الباقلاني: الصحيح أن هذه الأحرف السبعة ظهرت واستفاضت عن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم، وضبطها عنه الأئمة، وأثبتها عثمان والجماعة في المصحف، وأخبروا بصحتها، وإنَّما حذفوا منها ما لم يثبت متواترًا، وأن هذه الأحرف تختلف معانيها تارة وألفاظها أخرى، وليست متضاربة ولا متنافية(١).وقال الداودي: وهذه القراءات السبع التي يقرأ الناس اليوم بِها ليس كل حرف منها هو أحد تلك السبعة، بل تكون مفرقة فيها(٢).ثالثًا: أن المصاحف العثمانية اشتملت على ما يحتمله رسمها من الأحرف السبعة، متضمنة لما ثبت في العرضة الأخيرة. قال ابن الجزري: وذهب جماهير العلماء من السلف والخلف وأئمة المسلمين إلى أن هذه المصاحف العثمانية مشتملة على ما يحتمله رسمُها من الأحرف السبعة فقط، جامعة للعرضة الأخيرة التي عرضها النبي على جبريل، متضمنة لَها، لم تترك حرفًا منها.قال: وهذا القول هو الذي يظهر صوابه؛ لأن الأحاديث الصحيحة، والآثار المستفيضة تدلُّ عليه، وتشهد له(٣). وهذا الرأي هو الذي أميل إليه وأرجحه.* * *(١) صحيح مسلم بشرح النووي (١٠٠٦)، والبرهان في علوم القرآن (١/ ٢٢٣ - ٢٢٤).(٢) المرجع السابق.(٣) النشر في القراءات العشر (٣١١).
الأحرف السبعة والقراءات السبعدلتنا النصوص على أن المراد بالأحرف السبعة سبع لهجات نزل بها القرآن، ونود أن ننبه بأن الأحرف السبعة ليست هي القراءات السبع المشهورة، التي يظنُّ كثير من عامة الناس أنها الأحرف السبعة.وهو خطأ عظيم ناشيء عن الخلط وعدم التمييز بين الأحرف السبعة والقراءات السبع. وهذه القراءات السبع وتحديدها بالسبع بصفة خاصة إنما عرفت واشتهرت في القرن الرابع، على يد الإمام المقرئ ابن مجاهد الذي اجتهد في تأليف كتاب يجمع فيه قراءات بعض الأئمة المبرزين في القراءة، فاتفق له أن جاءت هذه القراءات سبعة موافقة لعدد الأحرف مع أنه قد ذكر في كتابه "السبعة" ما يربو على خمسة وعشرين إمامًا من أئمة القراءات، ولكن وقع اختياره على سبعة دون غيرهم من هؤلاء الأئمة الكثر، فلو كانت الأحرف السبعة هي القراءات السبع، لكان معنى ذلك أن يكون فهم أحاديث الأحرف السبعة، بل العمل بها أيضًا متوقفًا حتى يأتي ابن مجاهد ويخرجها للناس. وقد كثر تنبيه العلماء في مختلف العصور على التفريق بين القراءات السبع والأحرف السبعة، والتحذير من الخلط بينهما. معنى الأحرف السبعةاختلف العلماء في المراد بالأحرف السبعة اختلافًا كثيرًا، وفي ذلك يقول الإمام ابن الجزري رحمه الله تعالى في (النشر):"تتبعتُ القراءات صحيحها وشاذِّها وضعيفها ومنكرها، فإذا هي يرجع اختلافها إلى سبعة أوجه من الاختلاف لا يخرج عنها وذلك:١ - إما في الحركات بلا تغير في المعنى والصورة، نحو: اليُسْر، اليُسُر.
٢ - أو بتغير في المعنى فقط نحو: فتلقى آدمُ .. كلماتٍ، فتلقى آدمَ .. كلماتٌ ..٣ - وإما في الحروف بتغير المعنى لا الصورة، نحو: هنالك تبلو، .. تتلو ..٤ - وفي الحروف بتغير الصورة لا المعنى، نحو: الصراط، السراط ..٥ - وفي الحروف بتغير الصورة والمعنى معًا، نحو: كانوا هم أشد منكم، .. منهم ..٦ - وإما في التقديم والتأخير، نحو: فيَقَتُلون ويُقتَلون، فيُقتَلون ويَقتُلون.٧ - وإما في الزيادة والنقصان، نحو: ووصَّى بها إبراهيم، وأوصى .. حقيقة الأحرف السبعةذهب بعض العلماء إلى استخراج الأحرف السبعة باستقراء أوجه الخلاف الواردة في قراءات القرآن كلها صحيحها وسقيمها، ثم تصنيف هذه الأوجه إلى سبعة أصناف، بينما عمد آخرون إلى التماس الأحرف السبعة في لهجات العرب، فَتكوّن بذلك مذهبان رئيسيان، ندكر نموذجًا عن كل واحد منهما فيما يلي:المذهب الأول: مذهب استقراء أوجه الخلاف في لهجات العرب، وفي القراءات كلها ثم تصنيفها، وقد تعرض هذا المذهب للتنقيح على يد أنصاره الذين تتابعوا عليه، ونكتفي بأهم تنقيح وتصنيف لها فيما نرى، وهو تصنيف الإمام أبي الفضل عبد الرحمن الرازي، حيث قال: إن كل حرف من الأحرف السبعة المنزلة جنس ذو نوع من الاختلاف.أحدها: اختلاف أوزان الأسماء من الواحدة، والتثنية، والجموع، والتذكير، والمبالغة. ومن أمثلته {وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ} [المؤمنون: ٨]، وقرئ. (لِأَمَانَاتِهِمْ) بالإفراد.ثانيها: اختلاف تصريف الأفعال وما يسند إليه، نحو الماضي والمستقبل، والأمر، وأن يسند إلى المذكر والمؤنث، والمتكلم والمخاطب، والفاعل، والمفعول به. ومن أمثلته: {فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا} [سبأ: ١٩] بصيغة الدعاء، وقرئ: (رَبنَا بَاعَدَ) فعلًا ماضيًا.
ثالثها: وجوه الإعراب. ومن أمثلته: {وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ} [البقرة: ٢٨٢] قرئ بفتح الراء وضمها. وقوله {ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ} [البروج: ١٥] برفع (الْمَجِيدُ) وجره.رابعها: الزيادة والنقص، مثل: {وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى} [الليل: ٣] قرئ (مَا خَلَقَ الذَّكَرَوَالْأُنْثَى).خامسها: التقديم والتأخير، مثل، {فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ} [التوبة: ١١١]، قرئ: (فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ) ومثل: {وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ}، قرئ: (وجاءت سكرة الحق بالموت).سادسها: القلب والإبدال في كلمة بأخرى، أو حرف بآخر، مثل: {وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا} [البقرة: ٢٥٩] بالزاي، وقرئ: (ننشرها) بالراء.سابعها: اختلاف اللهجات: مثل {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى} [النازعات: ١٥] بالفتح والإمالة في: (أتى) و (موسى) وغير ذلك من ترقيق وتفخيم وإدغام.فهذا التأويل مما جمع شواذ القراءات ومشهورها ومنسوخها على موافقة الرسم ومخالفته، وكذلك سائر الكلام لا ينفك اختلافه عن هذه الأجناس السبعة المتنوعة.المذهب الثاني: أن المراد بالأحرف السبعة لهجات من لهجات قبائل العرب الفصيحة. وذلك لأن المعنى الأصلي للحرف هو اللغة، فأنزل القرآن على سبع لهجات مراعيًا ما بينها من الفوارق التي لم يألفها بعض العرب، فأنزل الله القرآن بما يألف ويعرف هؤلاء وهؤلاء من أصحاب اللهجات، حتى نزل في القرآن من القراءات ما يسهل على جلّ العرب إن لم يكن كلهم، وبذلك كان القرآن نازلًا بلسان قريش والعرب.فهذان المذهبان أقوى ما قيل، وأرجح ما قيل في بيان المراد من الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن الكريم. غير أنا نرى أن المذهب الثاني أرجح وأقوى.ولقد أُمرَ النبِي صلى الله عليه وسلم أن يُقرئ أمته القرآن على سبعة أحرفٍ، فعن عَبْدِ اللهِ بْنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما حَدَّثَهُ: أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: "أَقْرَأَنِي جِبْرِيلُ عَلَى حَرْفٍ، فَرَاجَعْتُهُ، فَلمْ أَزَلْ
أَسْتَزِيدُهُ وَيريدُنِي، حَتَّى انْتَهَى إِلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ"(١).وهذا بلا شك يدل على أنه قد قرأ على هذه الأحرف السبعة؛ ليتعلّمها منه أصحابه، وينقلوها إلى الأمة من بعده.وقد كان النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يعرض القرآن على جبريل عليه السلام، في رمضان من كلِّ سنة، فيُثْبِت الله ما يشاء، وينسخ ما يشاء، أو يأمر بالقراءة على حرف أو أكثر من الأحرف السبعة. فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ: أَي الْقِرَاءَتَيْنِ كَانَتْ أَخِيرًا قِرَاءَةُ عَبْدِ اللهِ أَوْ قِرَاءَةُ زَيْدٍ، قَالَ: قُلْنَا: قِرَاءَةُ زَيْدٍ، قَالَ: لا؛ إِلَّا أَن رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَعْرِضُ الْقُرْآنَ عَلَى جِبْرَائيلَ عَامٍ مَرةً، فَلَمَّا كَانَ فِي الْعَامِ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ عَرَضَهُ عَلَيْهٍ مَرَّتَيْنِ، وَكَانَتْ آخِرَ الْقِرَاءَةِ قِرَاءَةُ عَبْدِ الله(٢).قال ابن عبد البَرِّ: وقد يُشكل هذا القول على بعض الناس، فيقول: هل كان جبريل يلفظ باللفظ الواحد سبع مرات فيُقال له: إنَّما يلزم هذا إن قلنا: إن السبعة الأحرف تجتمع في حرف واحد، ونحن قلنا: كان جبريل يأتي في كل عرضةٍ بحرف، إلى أن تَمُرَّ سبعةٌ(٣).ولقد أجمع الأصوليون والفقهاء على أنه لم يتواتر شيء مما زاد على القراءات العشر، وما وراء العشر لا يحكم بقراءتها، ولا تجوز القراءة بها في الصلاة ولا خارجها لفقدها أحد أركان القراءة الصحيحة وهي:١ - موافقة الرسم العثماني.٢ - موافقة وجه من أوجه اللغة العربية.٣ - صحة سندها.ولكن تجوز قراءتها ومعرفتها من باب الاستدلال بها لغةً كقراءة قوله تعالى في سورة الحجرات {وَلَا تَجَسَّسُوا} (ولا تحسسوا)(٤)، أو استنباط لحكم فقهي كقراءة ابن مسعود(١) حديث صحيح الإسناد. أخرجه البخاري في كتاب فضائل القرآن، بَاب أُنْزِلَ الْقُرآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ (٤٩٩١) عن عَبْدِ الله بْنِ عباسٍ.(٢) حديث حسن الإسناد. أخرجه أحمد في مسنده (١/ ٢٧٥) عن ابن عباس.(٣) نقلًا عن البرهان في علوم القرآن (١/ ٢٢٠).(٤) المعنيان متقاربان يقال: تجسس الأمر إذا تطلبه وبحث عنه، تفعّل من الجس، كما أن التلمس بمعنى التطلب من اللمس لما في اللمس من الطلب، وقد جاء بمعنى الطلب في قوله تعالى {وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ}.=