تفسير الثعلبي = الكشف والبيان عن تفسير القرآن (الثعلبي) القسم: التفسير الكتاب: الكشف والبيان عن تفسير القرآن المؤلف: أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي، أبو إسحاق (ت ٤٢٧هـ)تحقيق: الإمام أبي محمد بن عاشورمراجعة وتدقيق: الأستاذ نظير الساعدي الناشر: دار إحياء التراث العربي، بيروت - لبنان الطبعة: الأولى ١٤٢٢، هـ - ٢٠٠٢ معدد الأجزاء: ١٠[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]تاريخ النشر في راميشر: ١ يوليو ٢٠٢٦.
[الجزء الأول] ترجمة الثعلبي(ت ٤٢٧ هـ- ١٠٣٥ م) هو أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي النيسابوري، اقترن واشتهر اسمه باسم تفسيره، حتى عرف تفسيره باسم (تفسير الثعلبي) والذي هو في الحقيقة (الكشف والبيان في تفسير القرآن) وبسبب كثرة شيوع الكتاب وانتشاره في البلدان ولسهولة النسبة لمؤلفه سمّي بالأول، وترجم له كثير من أصحاب التراجم والسير في كتبهم، منهم:ابن خلكان في «وفيات الأعيان» (١/ ٧٩- ٨٠) :أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي، النيسابوري، المفسّر المشهور، كان أوحد زمانه في علم التفسير، وصنّف (التفسير الكبير) الذي فاق غيره من التفاسير، وقال السمعاني:يقال له: الثعلبي والثعالبي وهو لقب لا نسب، روى عن جماعة، وكان حافظا عالما بارعا في العربية موثّقا، أخذ عنه أبو الحسن الواحدي، وقد جاء عن أبي القاسم القشيري قال: رأيت ربّ العزّة في المنام وهو يخاطبني وأخاطبه، فكان في أثناء ذلك أن قال الربّ جلّ اسمه: أقبل الرجل الصالح، فالتفّت فإذا أحمد الثعلبي مقبل.وذكره عبد الغفار بن إسماعيل الفارسي في (تاريخ نيسابور) وأثنى عليه وقال: وهو صحيح النقل موثوق به، حدّث عن أبي طاهر بن خزيمة، والإمام أبي بكر بن مهران المقرئ، وكان كثير الحديث كثير الشيوخ، توفّى سنة سبع وعشرين وأربعمائة. الصفدي في «الوافي بالوفيات» (٧: ٣٠٧ ترجمة ٣٢٩٩) :أحمد بن محمد بن إبراهيم أبو إسحاق النيسابوري الثعلبي صاحب التفسير، كان أوحد زمانه في علم القرآن، وله كتاب العرائس في قصص الأنبياء، وذكر ما تقدم. ياقوت في «معجم الأدباء» (٥: ٣٦/ ٥) :المفسّر، صاحب الكتاب المشهور بأيدي الناس، المعروف بتفسير الثعلبي، مات- فيما ذكره عبد الغني بن سعيد الحافظ المصري، ونقلته من حاشية كتاب «الإكمال» لابن ماكولا، في محرم سنة سبع وعشرين وأربعمائة، فقال: أبو إسحاق الثعلبي المفسّر، جليل، خراساني، وذكر وفاته. وذكره عبد الغفّار في السياق فقال: أحمد بن محمد بن إبراهيم أبو إسحاق الثعلبي،
المقرئ، المفسّر، الواعظ، الأديب، الثقة، الحافظ، صاحب التصانيف الجليلة، من التفسير الحاوي أنواع الفرائد، من المعاني والإشارات، ولكمال أرباب الحقائق، ووجوه الإعراب والقراءات، ثم كتاب العرائس والقصص، وغير ذلك ممّا لا يحتاج إلى ذكره لشهرته، وهو صحيح النقل موثوق به، حدّث عن أبي طاهر بن خزيمة، وأبي بكر بن مهران المقرئ، وأبي بكر بن هانئ، وأبي بكر بن الطرّازي، والمخلدي، والخفاف، وأبي محمد بن الرومي، وطبقتهم. وهو كثير الحديث، كثير الشيوخ- وذكر وفاته كما تقدم-.قال: وسمع منه الواحدي التفسير وأخذه منه، وأثنى عليه، وحدّث عنه بإسناد رفعه إلى عاصم، قال: الرياسة بالحديث رئاسة نذلة، إن أصحّ الشيخ وحفظ وصدق فاحمى، قالوا: هذا شيخ كيّس. وإذا وهم قالوا: شيخ كذّاب. وله كتاب ربيع المذكّرين. ابن كثير في «البداية والنهاية» (١٢/ ٤٣) :أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعالبي:ويقال الثعلبي أيضا، وهو لقب وليس بنسبة، النيسابوري المفسر المشهور، له التفسير الكبير، وله كتاب العرائس في قصص الأنبياء عليهم السلام وغير ذلك، وكان كثير الحديث واسع السماع، ولهذا يوجد في كتبه من الغرائب شيء كثير، وذكره عبد الغفار بن إسماعيل الفارسي في تاريخ نيشابور وأثنى عليه وقال: هو صحيح النقل موثوق به، توفّي في سنة سبع وعشرين وأربعمائة، وقال غيره: توفّي يوم الأربعاء لسبع بقين من المحرم منها، ورؤيت له منامات صالحة رحمه الله ، وقال السمعاني: ونيسابور كانت مغصبة «١» فأمر سابور الثاني ببنائها مدينة. السبكي في «طبقات الشافعية الكبرى» (٤: ٥٨- ٥٩/ ترجمة ٢٦٧) :أحمد بن محمد بن إبراهيم أبو إسحاق النيسابوري الثعلبي: صاحب التفسير، كان أوحد زمانه في علم القرآن، وله كتاب العرائس في قصص الأنبياء عليهم السلام … إلى أن قال:روى عن أبي طاهر محمد بن الفضل بن خزيمة، وأبي محمد المخلدي، وأبي بكر بن هانئ، وأبي بكر بن مهران المقرئ، وجماعة. وعنه أخذ أبو الحسن الواحدي، ثم ذكر رؤيا القشيري … ، ومن شعر الثعلبي:وإنّي لأدعو الله والأمر ضيّق عليّ فما ينفكّ أن يتفرّجاوربّ فتى سدّت عليه وجوهه أصاب له في دعوة الله مخرجاتوفّي في المحرم سنة سبع وعشرين وأربعمائة.(١) المغصبة: قرية صغيرة.
ابن العماد الحنبلي في «شذرات الذهب» ٢/ ٢٣٠:سنة سبع وعشرين وأربعمائة: فيها توفّي أبو إسحاق الثعالبي أحمد بن محمد بن إبراهيم النيسابوري المفسّر، روى عن أبي محمد المخلدي وطبقته من أصحاب السراج، وكان حافظا واعظا، رأسا في التفسير والعربية، متين الديانة، قاله في العبر، وقال ابن خلكان: كان أوحد زمانه في علم التفسير، وصنّف التفسير الكبير الذي فاق غيره من التفاسير، وله كتاب العرائس في قصص الأنبياء وغير ذلك … ثم ذكر قول السمعاني. القفطي في إنباه الرواة على أنباه النحاة (١: ١٥٤/ ترجمة ٥٩) :أحمد بن محمد بن إبراهيم الأستاذ أبو إسحاق الثعالبي.ويقال: الثعلبي، المقرئ، المفسّر، الواعظ، الأديب، الثقة، الحافظ، صاحب التصانيف الجليلة، العالم بوجوه الإعراب والقراءات، توفّي سنة سبع وعشرين وأربعمائة.وله (التفسير الكبير) و (العرائس) في قصص الأنبياء، ونحو ذلك. وسمع منه الواحدي التفسير، وأخذ عنه. ثم ذكر ما قاله القشيري. الزركلي في «الأعلام» (١/ ٢١٢) :أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي، أبو إسحاق، مفسّر، من أهل نيسابور، له اشتغال بالتاريخ، من كتبه (عرائس المجالس) في قصص الأنبياء، و (الكشف والبيان في تفسير القرآن) يعرف بتفسير الثعلبي. كحالة في «معجم المؤلفين» (٢/ ٦٠) :أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي النيسابوري (أبو إسحاق) مفسّر، مقرئ، واعظ، أديب، توفّي لسبع بقين من المحرم، من تصانيفه: «الكشف والبيان عن تفسير القرآن» ، «العرائس في قصص الأنبياء» ، و «ربيع المذكرين» . التعريف بهذا التفسير وطريقة مؤلفه فيهألقى مؤلف هذا التفسير ضوءا عليه في مقدمته، وأوضح فيها عن منهجه وطريقته التي سلكها فيه، فذكر أولا اختلافه منذ الصغر إلى العلماء، واجتهاده في الاقتباس من علم التفسير الذي هو أساس الدين ورأس العلوم الشرعية، ومواصلته ظلام الليل بضوء الصباح بعزم أكيد وجهد جهيد، حتى رزقه الله ما عرف به الحق من الباطل، والمفضول من الفاضل، والحديث من القديم، والبدعة من السنّة، والحجة من الشبهة، وظهر له أن المصنفين في تفسير القرآن فرق على طرق مختلفة:
فرقة أهل البدع والأهواء، وعدّ منهم الجبائي والرماني.وفرقة من ألّفوا فأحسنوا، إلّا أنّهم خلطوا أباطيل المبتدعين بأقاويل السلف الصالحين، وعدّ منهم أبا بكر القفال.وفرقة اقتصر أصحابها على الرواية والنقل دون الدراية والنقد، وعدّ منهم أبا يعقوب إسحاق بن إبراهيم الحنظلي.وفرقة حذفت الإسناد الذي هو الركن والعماد، ونقلت من الصحف والدفاتر، وحررت على هوى الخواطر، وذكرت الغث والسمين، والواهي والمتين، قال: وليسوا في عداد العلماء، فصنت الكتاب عن ذكرهم.وفرقة حازوا قصب السبق في جودة التصنيف والحذق، غير أنهم طوّلوا في كتبهم بالمعادات، وكثرة الطرق والروايات، وعدّ منهم ابن جرير الطبري.وفرقة جردت التفسير دون الأحكام وبيان الحلال والحرام، والحل عن الغوامض والمشكلات، والرد على أهل الزيغ والشبهات، كمشايخ السلف الماضين، مثل مجاهد والسدي والكلبي.ثم بيّن أنّه لم يعثر في كتب من تقدمه على كتاب جامع مهذب يعتمد عليه، ثم ذكر ما كان من رغبة الناس إليه في إخراج كتاب في تفسير القرآن وإجابته لمطلوبهم، رعاية منه لحقوقهم، وتقربا به إلى الله سبحانه وتعالى …ثم قال: ثم استخرت الله تعالى في تصنيف كتاب، شامل، مهذّب، ملخّص، مفهوم، منظوم، مستخرج من زهاء مائة كتاب مجموعات مسموعات، سوى ما التقطته من التعليقات والأجزاء المتفرقات، وتلقفته عن أقوام من المشايخ الأثبات، وهم قريب من ثلاثمائة شيخ، نسقته بأبلغ ما قدرت عليه من الإيجاز والترتيب.ثم قال: وخرّجت فيه الكلام على أربعة عشر نحوا: البسائط والمقدمات، والعدد والترتيلات، والقصص والروايات، والوجوه والقراءات، والعلل والاحتجاجات، والعربية واللغات، والإعراب والموازنات، والتفسير والتأويلات، والمعاني والجهات، والغوامض والمشكلات، والأحكام والفقهيات، والحكم والإشارات، والفضائل والكرامات، والأخبار والمتعلقات. أدرجتها في أثناء الكتاب بحذف الأبواب، وسمّيته (كتاب الكشف والبيان عن تفسير القرآن) .ثم ذكر في أول الكتاب- كما يأتي- أسانيده إلى من يروي عنهم التفسير من علماء السلف، واكتفى بذلك عن ذكرها في أثناء الكتاب، كما ذكر أسانيده إلى مصنّفات أهل عصره-
وهي كثيرة- وكتب الغريب والمشكل والقراءات، ثم ذكر بابا في فضل القرآن وأهله، وبابا في معنى التفسير والتأويل، ثم شرع في التفسير.والحق أنّ هذا التفسير من التفاسير المعتبرة، حيث فسّره بما جاء عن السلف مع اختصاره للأسانيد، اكتفاء بذكرها في مقدمة الكتاب، وأنّه يعرض للمسائل النحوية ويخوض فيها بتوسّع ظاهر، كما في الآية (٩٠) من سورة البقرة عند ذكر نعم وبئس.كما أنّه يعرض لشرح الكلمات اللغوية وأصولها وتصاريفها، ويستشهد على ما يقول بالشعر العربي، فمثلا عند ما يصل إلى تفسير الآية (١٧١) من سورة البقرة نجده يحلل كلمة (ينعق) تحليلا دقيقا ويصرفها على وجوهها كلها.وهكذا عند تفسير الآية (١٧٣) من السورة نفسها يحلل لفظ (البغي) ويتكلم عن أصل المادة بتوسّع.ويتوسع في الكلام عن الأحكام الفقهية عند ما يتناول آية من آيات الأحكام، فتراه يذكر الأقوال والخلافات والأدلة ويتعرض للمسألة من جميع نواحيها.فمثلا عند تفسير الآية (١١) من سورة النساء فإنّه يفيض في الكلام عمّا يفعل بتركة الميّت بعد موته، ثم يذكر جملة الورثة والسهام المحددة، ومن فرضه الربع، ومن فرضه الثمن، والثلثان، والثلث، والسدس … وهكذا، ثم يعرض لنصيب الجدّ والجدّة والجدّات، ثم يقول بعد هذا: فصل في بساط الآية، وفيه يتكلم عن نظام الميراث عند الجاهلية وقبل مبعث الرسول صلى الله عليه وسلم.ونجده عند تفسير الآية (٢٤) من سورة النساء يتوسع في نكاح المتعة ويذكر أقوال العلماء وأدلتهم بتوسع ظاهر.وعند ذكر الآية (٣١) من سورة النساء فإنّه يقول: (فصل في أقاويل أهل التأويل في عدد الكبائر، مجموعة من الكتاب والسنّة، مقرونة بالدليل والحجة) ثم يسردها جميعا ويذكر أدلتها على وجه التفصيل.وعند تفسير الآية (٤٣) من سورة النساء فإنّه يعرض أقوال السلف في معنى (اللمس والملامسة) ثم يقول:واختلف الفقهاء في حكم الآية على خمسة مذاهب.ويتوسع على الخصوص في بيان مذهب الشافعي ويسرد أدلته ويذكر تفصيل كيفية الملامسة عنده، كما يعرض لأقوال العلماء في التيمم ومذاهبهم وأدلتهم بتوسع ظاهر عند ما يتكلم عن قوله تعالى فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً.
وذكر فضائل أهل البيت رضي الله عنهم عند ذكر الآيات النازلة في حقّهم، وبالخصوص الآيات النازلة في حق علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه عن السلف الصالح.وهكذا يتطرق الكتاب إلى نواح علمية متعددة لا يكاد يجدها القارئ في كتاب تفسيري آخر.وكان هذا التفسير ولا زال مصدرا من المصادر الإسلامية التي يرجع إليها حتى عند كثير من المفسرين، وأهل التاريخ والحديث وغيرهم.
علمنا في التفسيراعتمدنا في تحقيق التفسير (الكشف والبيان) على أربعة نسخ: الأولى من أول القرآن الكريم الى آخره سورة الكهف وهي مصورة عن مكتبة جستربيتي دبلين في إيرلندا الجنوبية تحت رقم (٣٦١٧) ، وخطها قديم جدا وفيها سقط ومسح كثير.والثانية: نسخة مصورة عن مخطوطة المرعشي في قم تحت رقم (٤٢٦) من أول سورة الكهف الى آخر القرآن، باستثناء آخر سورة الرحمن وسورة الواقعة وبداية الحديد، وخطها أفضل من الأولى، مع وجود بعض الكلام غير المقروء.والنسخة الثالثة مصورة عن مخطوطة دار الكتب الظاهرية بدمشق الرقم (٧٨٨١) يعود كتابتها إلى القرن الحادي عشر، وتحتوي على الجزء الثالث وقسم من الجزء الخامس من التفسير، وأخذنا منها نهاية سورة الرحمن وسورة الواقعة وبداية سورة الحديد.ومن هذه النسخ الثلاثة لفّقنا نسخة الأصل واعتمدنا على إخراج هذا الكتاب.والنسخة الرابعة غير كاملة، من آية ١٨ من سورة الكهف الى آية ٦٩ من سورة المؤمن (غافر) ، مصورة عن مكتبة أصفهان، وهي واضحة الألفاظ وبخط جيد نسبيا، يعود كتابتها إلى سنة ١١٠٠ هـ تقريبا، وقد أشرنا إليها في الهامش عند وجود التفاوت بينها وبين النسخة الكاملة الملفقة.وواجهتنا مشكلة لقدم المخطوط، وهي أسماء رجال السند المتشابهة، وحاولنا حلها من كتب الرجال، والتفاسير التي تذكر الأسانيد.مع وجود كلام كبير غير المقروء أو بياض في نسخة الأصل وبعض النسخ الأخرى، حاولنا تكملته من المصادر التي نقل عنها الثعلبي، أو المصادر التي نقلت عنه، كتفسير ابن جرير الطبري وتفسير القرطبي وتفسير ابن كثير، وزاد المسير لابن الجوزي وغيرها من التفاسير، وكالكتب التي تحدثت عن علوم القرآن ككتاب البرهان وأحكام القرآن للجصاص وللنحاس والإحكام لابن حزم.كما وكنا نعرض الحديث الشريف وأقوال الصحابة على كتب الحديث والصحاح والمعاجم لضبط النص وتخريجه.وأما الأشعار فكانت فيها صعوبة واضطراب، من ناحية الوزن والضبط، حاولنا بالاستفادة
من بعض الشعراء لحلّ قسم منها، وحاولنا من بعض التفاسير وكتب اللغة والمعاجم حلّ القسم الآخر.وأما الألفاظ المبهمة فضبطناها وشرحناها من كتب اللغة والتفاسير الأخرى.كما وعرضنا الآيات القرآنية المستشهد بها على المصحف الشريف وخرّجناها منه.(كلمة شكر:) هذا ونشكر كل من ساهم في إنجاز هذا العمل المتواضع أمثال الأخ السيد محمد الموسوي الناصري والمحقق الأخ العزيز الشيخ ماجد العطية، والأخ المحقق الشيخ أبو علي فرج الله، والأخ كريم راضي الواسطي، والأخ الشيخ أبو مسلم الساعدي وغيرهم من الإخوة الأفاضل.ونخصّ بالشكر سماحة السيد محمد رضا الجلالي وسماحة السيد الأبطحي والشيخ محمد باقر المحمودي الذين كانت لهم يد العون في الحصول على بعض صور المخطوط.والحمد لله رب العالمين علي عاشور
يَعْرِفُونَهُ يعني محمّدا كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ من بين النصارى.الكلبي عن الربيع عن ابن عبّاس قال: لمّا قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة قال عمر لعبد الله ابن سلام: لقد أنزل الله على نبيّه الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ فكيف يا عبد الله هذه المعرفة؟فقال عبد الله بن سلام: يا عمر لقد عرفته فيكم حين رأيته كما أعرف ابني إذا رأيته مع الصبيان يلعب، وأنا أشدّ معرفة بمحمّد منّي لابني، فقال عمر: وكيف ذاك؟فقال: أشهد إنّه رسول حقّ من الله، وقد نعته الله في كتابنا وما أدري ما تصنع النساء، فقال له عمر: وفقك الله يا بن سلام فقد صدقت وأصبت.وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ يعني صفة محمّد صلى الله عليه وسلم وأمر الكعبة.وَهُمْ يَعْلَمُونَ ثمّ قال الْحَقُّ ١٤٧ أي هذا الحقّ خبر ابتداء مضمر.وقيل: رفع بإضمار فعل أي جاءك الحقّ كما قال وَجاءَكَ فِي هذِهِ الْحَقُّ «١»وقرأ علي ابن أبي طالب كرّم الله وجهه الْحَقَّ مِنْ رَبِّكَ نصبا على الإغراء.فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ الشاكّين مفتعل من المرية والخطاب في هذه الآية: وفي ما قبلها للنبيّ صلى الله عليه وسلم والمراد به غيره وكلّ ما ورد عليك من هذا النحو فهو سبيله. [سورة البقرة (٢) : الآيات ١٤٨ الى ١٥٢]وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٤٨) وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٤٩) وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَاّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَاّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٠) كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِنا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (١٥١) فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ (١٥٢)لِكُلٍّ وِجْهَةٌأي ولكلّ أهل ملّة قبلة.َ مُوَلِّيهامستقبلها ومقبل إليها يقال: ولّيته، وولّيت إليه. إذا أقبلت إليه وولّيت عنه إذا أدبرت عنه.وأصل التولية: الانصراف، وقرأ ابن عبّاس وابن عامر وأبو رجاء وسليمان بن عبد الملك:هو مولاها: أي مصروف إليها.(١) سورة هود: ١٢٠.
وفي حرف أبي: ولك قبلة هو مولّيها، وفي حرف عبد الله: ولكلّ جعلنا قبلة هو موليها.سْتَبِقُوا الْخَيْراتِوبادروا فعل الخيرات، ومجازه فاستبقوا إلى الخيرات: أي يسبق بعضكم بعضا فحذف حرف الخبر. كقول الشاعر:وهو الداعي [......] «١» عليكم بالحرب … ومن يمل سواكم فإني منه غير مائلأراد من يمل إلى سواكم.ْنَ ما تَكُونُوايريد أهل الكتاب.ْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاًيوم القيامة فيجزيكم بأعمالكم.َّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌوَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ حيث حرف بدل على الموضع، وفيه ثلاث لغات: بالياء وحرف الثاء وهي لغة قريش، وقراءة العامّة، واختلفوا في وضع رفعها فقيل:هو مبني على الضم مثل: منذ وقط، وقيل: رفع على الغاية كقوله لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ «٢» .وحيثَ: بالياء ونصب الثاء وهي قراءة عبيد بن عمير.قال الكسائي: إنّما نصب بسبب الياء لأنّها ساكنة وإذا اجتمع ساكنان في حرف حركوا الثاني إلى الفتح لأنّه أخف الحركات مثل: ليت وكيف.وحوث: بالواو والضم وهي لغة ابن عمر.يروى إنّه سئل أين يضع المصلّى يده في الصلاة، فقال: ارم بهما حوث وقعتا.فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ إلى وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ أيّها المؤمنون.فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ هي لام كي دخلت على أن فكتبت بالكسرة ما قبلها، وترك بعضهم همزها تخفيفا، والحجة فعلة من الحج وهو الفصل، ومنه المحجة وهي الطريق الواضح المسلوك لأنّه مقصود، ويقال: للمخاصمة محاجة لقصد كلّ واحد من الخصمين إلى إقامة بينته، وإبطال ما في يد صاحبه.واختلفوا في تأويل هذه الآية ووجه قوله إِلَّا فقال بعض أهل التأويل: ومعنى الآية حوّلت القبلة إلى الكعبة لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إذا صلّيتم إليها فيحتجّون عليكم ويقولون:لم تركتم التوجه إلى الكعبة وتوجهتم إلى غيرها لولا إنّه ليست لكم قبلة؟(١) كلمة سقط في المخطوط.(٢) سورة الروم: ٤.
إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا وهم قريش واليهود وأمّا قريش فتقول إنّما رجع إلى الكعبة لأنّه عليم أنّها قبلة آبائه وهي الحقّ وكذا يرجع إلى ديننا ويعلم أنّه الحقّ، وأمّا اليهود فإنّهم يقولون لم ينصرف عن بيت المقدس مع علمه بأنّه حق إلّا إنّه إنّما يفعل برأيه فيزعم إنّه أمر به، وهذا القول اختيار المفضّل بن سلمة الضبي وهو قول صحيح مرضي.وقال قوم: معنى الآية لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ يعني لأهل الكتاب عليكم حُجَّةٌ وكانت حجّتهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه في صلاتهم نحو بيت المقدّس إنّهم كانوا يقولون: ما درى محمّد وأصحابه أين قبلتهم حتّى هديناهم نحن، وقولهم: يخالفنا محمّد في ديننا ويتّبع قبلتنا فهذه الحجّة التي كانوا يحتجّون بها على المؤمنين على وجه الخصومة والتمويه بها على الجّهال من المشركين ثمّ قال إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا وهم مشركوا مكّة وحجّتهم إنّهم قالوا: لمّا صرفت القبلة إلى الكعبة أنّ محمّدا قد تحيّر في دينه فتوجّه إلى قبلتنا وعلم إنّا أهدى سبيلا منه وانّه لا يستغني عنّا ويوشك أن يرجع إلى ديننا كما رجع إلى قبلتنا، وهذا قول مجاهد وعطاء وقتادة والربيع والسّدي واختيار محمد بن جرير.وعلى هذين القولين إلّا استثناء صحيح على وجه نحو قولك: ما سافر أحد من النّاس إلّا أخوك فهو إثبات للأخ من السفر، وما هو منفي عن كلّ أحد من النّاس، وكذلك قوله تعالى لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا من قريش نفي عن أن يكون لأحد حجة قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه بسبب تحولهم إلى الكعبة إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا من قريش فإن لهم قبلهم حجة لما ذكرنا.ومعنى الحجة في هذين القولين: الخصومة والجدل، والدعوى بالباطل كقوله لا حُجَّةَ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ «١» : أي لا خصومة، وقوله أَتُحَاجُّونَنا فِي اللَّهِ «٢» ولِيُحَاجُّوكُمْ وتُحَاجُّونَ وحاجَجْتُمْ كلّها بمعنى المجادلة. والمخاصمة لا بمعنى الدليل والبرهان، وموضع الّذين خفض كأنه قال: إلّا للذين ظلموا. فلما سقطت اللام حلّت (الّذين) محلها قاله الكسائي.قال الفراء: موضعه نصب بالاستثناء، وإنّما [......] «٣» منهم ردّ إلى لفظ الناس لأنّه عام، وإن كان كلّ واحد منهم غير الآخر والله أعلم، وقال بعضهم: هو استثناء منقطع من الكلام الأول ومعناه إلّا يكون للنّاس كلّهم عليكم حجة اللهمّ إلّا الّذين ظلموا فإنّهم يحاجونكم في الباطل ويجادلونكم بالظلم، وهذا كما يقول للرجل: النّاس كلّهم لك سامرون إلّا الظالم لك: يعني لا [......] «٤» ذلك بتركه حمدك لعداوته لك، وكقولك للرجل: مالك عندي حق(١) سورة الشورى: ١٥.(٢) سورة البقرة: ١٣٩.(٣) كلمة غير مقروءة.(٤) سقط في أصل المخطوط.
إلّا أن تظلم، وما لك حجة إلّا الباطل، والباطل لا يكون حجّة، وهذا استثناء من غير الحسن.كقول القائل: ليس في الدّار أحد إلّا الوحش. كقول النابغة:وما بالرّبع من أحد إلّا وأرى لأيا ما … أمنّها وننوي كالحوض بالمظلومة الجلدوهذا قول الفراء والمؤرخ.وقال أبو روق: لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ يعني اليهود عليكم حجة وذلك إنّهم كانوا قد عرفوا إنّ الكعبة قبلة إبراهيم وقد كانوا وجدوا في التوراة أنّ محمّدا سيحوّل إليها. فحوّله الله إليها لئلا يكون لهم حجة فيحتجون. بأن هذا النبيّ الّذى نجده في كتابنا سيحوّل إليها ولم تحوّل أنت فلمّا حوّل النبيّ صلى الله عليه وسلم ذهبت حجّتهم ثمّ قال: إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا منهم يعني إلّا أن يظلموكم فيكتموا ما عرفوا.وقال الأخفش: معناه لكفى الّذي ظلموا ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ يعني: لكن يتبعون الظّن، قوله: وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ «١» يعني لكن تبتغى وجه ربّك فيكون منفردا من الكلام الأوّل.وروى أبو عبيد عن أبي عبيدة إنّه قال: ليس موضع إلّا هاهنا موضع الاستثناء لأنّه لا يكون للظالم حجّة إنّما هو في موضع واو العطف كأنّه قال: ولا الّذين ظلموا يعني والّذين ظلموا لا يكون لهم أيضا حجّة.وأنشد المفضل:ما بالمدينة دار غير واحدة … دار الخليفة إلّا دار مروانا «٢»وأنشد أيضا:وكلّ أخ مفارقة أخوه … لعمر أبيك إلّا الفرقدانيعني والفرقدان أيضا متفرقان وأنشد الأخفش:وارى لها دارا بأغدرة السيدان … لم يدرس لها رسمإلّا رمادا هامدا دفعت … عنه الرياح خوالد سحم «٣»أي: وأرى دارا ورمادا، يؤيّد هذا القول ما روى أبو بكر بن مجاهد عن بعضهم إنّه قرأ(١) سورة الليل: ١٩.(٢) مجمع البيان: ١/ ٤٢٧.(٣) مجمع البيان: ١/ ٤٢٧.
بعضهم: (إلى الّذين ظلموا) مخفّفا يعني مع الّذين ظلموا.ومعنى الآية: لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ، يعني اليهود عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ في أمر الكعبة حيث لا يستقبلونها وهي قبلة إبراهيم فيقولون لكم تزعمون إنّكم على دين إبراهيم ولم تستقبلوا قبلته ولا للذين ظلموا وهم مشركوا مكّة لأنّهم قالوا: إنّ الكعبة قبلة جدّنا إبراهيم فما بال محمّد تحوّل عنها فلا يصلّي إليها ويصلّي إلى قبلة اليهود.وقال قطرب: معناها إلّا على الّذين ظلموا فيكون ردّه على الكاف والميم أي إلّا على الّذين ظلموا فإنّ عليهم الحجّة فحذف حرف الجر وهذا إختيار أبي منصور الأزهري.قال الثعلبي: سمعت أبا القاسم الحبيبي يحكيها عنه وحكى محمّد بن جرير عن بعضهم إنّه قال: إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا هاهنا ناس من العرب كانوا يهودا ونصارى وكانوا يحتجّون على النبيّ صلى الله عليه وسلم فأمّا سائر العرب فلم يكن لهم حجّة وكانت حجّة من احتجّ أيضا داحضة باطلة لأنّك تقول لمن تريد أن تكسر حجّته عليه: أنّ لك عليّ حجّة ولكن منكسرة إنك لتحتجّ بلا حجّة وحجّتك ضعيفة، فمعنى الآية: إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ من أهل الكتاب فإنّ لهم عليكم حجّة واهية.فَلا تَخْشَوْهُمْ في انصرافكم إلى الكعبة وفي تظاهرهم عليكم في المحاجة والمجاوبة فانّي وليّكم أظهركم عليهم بالحجّة والنصرة.وَاخْشَوْنِي في تركها ومخالفتها.وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ عليكم عطف على قوله لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ ولكن أتمّ نعمتي بهدايتي ايّاكم إلى قبلة إبراهيم فتتمّ لكم الملّة الحنيفيّةوقال علي (كرّم الله وجهه) :تمام النعمة: الموت على الإسلام،وروي عنه أيضا إنّه قال: النّعم ستة: الإسلام والقرآن ومحمّد والستر والعافية والغنى ممّا في أيدي النّاس.وَلَعَلَّكُمْ في لعلّ ست لغات: علّ ولعلّ ولعنّ وعنّ ولعّا.ولها ستة أوجه هي من الله عز وجل واجب، ومن النّاس على معاني قد تكون بمعنى الاستفهام كقول القائل: لعلّك فعلت ذلك مستفهما.وتكون بمعنى الظّن كقول القائل: قدم فلان فردّ عليه الرّاد: لعلّ ذلك.بمعنى أظنّ وأرى ذلك.وتكون بمعنى الإيجاب بمنزلة ما أخلقه كقوله: قد وجبت الصّلاة فيرد الرّاد: لعلّ ذلك أي ما أخلقه.وأنشد الفرّاء:
لعلّ المنايا مرّة ستعود … وآخر عهد الزائرين جديدوتكون بمعنى الترجّي والتمنّي كقولك: لعلّ الله أن يرزقني مالا، ولعلّني أحجّ.وأنشد الفرّاء:لعلّي في هدى أفي وجودي … وتقطيعي التنوقة واختياليسيوشك أن يتيح إلى كريم … ينالك بالذّرى قبل السؤالويكون بمعنى عسى تكون ما يراد ولا يكون كقوله: يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ «١» . أي عسى أبلغ.وقال أبو داود:فأبلوني بليتكم لعلّي … أصالحكم واستدرج نويا «٢»أي نواي ويكون بمعنى كي على الجزاء كقوله: انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ بمعنى لكي يفقهوا ونظائرها كثيرة وقوله: وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ أي لكي تهتدوا من الضّلالة.قال الربيع: خاصم يهودي أبا العالية فقال: إنّ موسى كان يصلّي إلى صخرة بيت المقدس، فقال أبو العالية: كان يصلّي عند الصخرة إلى البيت الحرام فقال لي: بيني وبينك مسجد صالح فإنه نحته من الجبل فقال أبو العالية: قد صلّيت فيه وقبلته إلى البيت الحرام.قال: فأخبر أبو العالية إنّه مرّ على مسجد ذي القرنين وقبلته الكعبة «٣» .كَما أَرْسَلْنا هنا الكاف للتشبيه ويحتاج إلى شيء يرجع إليه واختلفوا فيه فقال بعضهم:هو راجع إلى ما قبلها والكاف من ما قبلها تقديره: فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي كما أرسلت فيكم رسولا فيكون إرسال الرّسول شرطا للخشية مزيدا بإتمام النّعمة.وقيل: معناه وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ كَما أَرْسَلْنا.وقال محمّد بن جرير: إنّ إبراهيم دعا بدعوتين فقال رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ «٤» فهذه الدعوة الأولى.والثانية قوله رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ «٥» فبعث الله الرسول وهو محمّد صلى الله عليه وسلم ووعد في هذه الآية أن يجيب الدّعوة الثانية أن يجعل من ذرّيته أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ فمعنى الآية: وَلِأُتِمَ(١) سورة غافر: ٣٦. [.....](٢) النوي: هو الصاحب الذي نيته نيتك.(٣) راجع تفسير الطبري: ٢/ ٤٨.(٤) سورة البقرة: ١٢٨.(٥) سورة البقرة: ١٢٩.