تفسير القاسمي محاسن التأويل (جمال الدين القاسمي) القسم: التفسير الكتاب: محاسن التأويل المؤلف: محمد جمال الدين بن محمد سعيد بن قاسم الحلاق القاسمي (ت ١٣٣٢ هـ)المحقق: محمد باسل عيون السود الناشر: دار الكتب العلمية - بيروت الطبعة: الأولى - ١٤١٨ هـ[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]تاريخ النشر في راميشر: ١ يوليو ٢٠٢٦.
المجلد الأول بسم الله الرحمن الرحيم ترجمة المؤلف ١- عصر المؤلف:عاش القاسمي معظم حياته في أشد أيام الظلم والظلام. فقد ولد ونظام الحكم المطلق قائم في الدولة العثمانية، فالحريات بجميع أنواعها مفقودة، والأقلام مغلولة، والأحرار مطاردون، والدستور معلق، وأعوان السلطان مبثوثون في كل مكان، والجاسوسية تفتك بالأبرياء، والعدالة تكاد تكون مفقودة لفساد النظام القضائي، وشراء مراكز القضاء.في هذا الجو السياسي الخانق عاش القاسمي معظم حياته.أما الحياة الثقافية في ولاية سورية فكانت أشبه بالمفقودة، فلا مدارس، ولا معاهد، ولا جامعات، واعتماد القلة من الناس على الكتاتيب وحلقات الجوامع والدروس الخاصة في البيوت. جهل مطبق فرضته الدولة على الناس، ليعيشوا في جوّ من الظلام والغباء، وليسهل على حكامها ومستغليها اضطراد الأمور في مسلك من الظلم والبطش والخنوع.وكان حال الحياة الدينية نتيجة طبيعية للحياة الثقافية: جمود على القديم، وكتب صفراء يتداولها الطلاب، ومتون كثيرا ما يحفظونها من غير فهم، وحواش وتعليقات تزيد في اضطراب عقول الطلاب. وتقليد أعمى غلت معه العقول، حتى كتب الحديث ما كانت تقرأ على الأغلب إلا للتبرك، أما كتب التفسير فممتنعة عن الخاصة بله العامة.وحسب الرجل أن يقرأ بعض كتب الفقه، ليعتمّ ويقال إنه عالم. وكتب اللغة والنحو والصرف والأدب يقرؤها بعض الطلاب على أنها أداة لفهم الكتاب والسنّة.وقد كانت الطرق في ذلك العصر في أوج انتشارها، يعتنقها بعض رجال الدين، ويجمعون العامة حولهم، ويشغلونهم عن العمل النافع لإقامة المجتمع الإسلامي الصالح. وقد تعددت هذه الطرق تعدد الأحزاب السياسية، وقامت بين زعمائها خصومات واتهامات لا يكاد يصدقها العقل.أما حقيقة الدعوة الإسلامية وأهدافها السامية، فلم يكن أحد من رجال الدين عارفا بها، أو مهتما بنشرها.والحياة الاجتماعية كانت كذلك مفقودة، إذ لم يعرف الناس أي نوع من أنواع الاجتماع إلا في الولائم وصلاة الجمعة، والسهرات التي كان يسميها أهل الشام (الدّور) . فلا ندوات ثقافية، ولا جمعيات إصلاحية، وحتى ولا جمعيات خيرية.والمرأة التي هي نصف المجتمع غائبة، فليس لها في خدمته إلا نصيب قعيد البيت.في هذا الجو الخانق العجيب، المتخلف في جميع مرافق الحياة، نشأ القاسمي. فكان كالطائر المغني في غير سربه، غريبا عن أهل الزمان، ولعل هذا كله كان أدعى لإقدامه، والقناعة برسالته، وضرورة العمل لها، والسعي لنشرها، لا يبالي في ذلك تكفيرا، ولا محاكمة ولا حبسا.فثبت لهذه المحن كلها، وأكثر منها، كالطود الراسخ، لا يزعزع يقينه وعيد، ولا تهديد، ولا تكفير، ولا حبس. لا تزيده الأيام إلا قوة وعزيمة. ٢- نسبه:حقق القاسمي نسبه في كتابه المطبوع المعروف «شرف الأسباط» . وذكر في ترجمته نفسه أنه «محمد جمال الدين أبو الفرج بن محمد سعيد بن قاسم بن صالح ابن إسماعيل بن أبي بكر المعروف بالقاسمي، نسبة إلى جده المذكور وهو الإمام، فقيه الشام، وصالحها في عصرها، الشيخ قاسم المعروف بالحلاق. وكان أبوه (محمد سعيد) رحمه الله فقيها أديبا، غلب عليه شعر أهل عصره. اشتغل أول حياته بالتجارة، فكان له في العصرونية متجر معروف، ثم اعتزل التجارة لأسباب لا أعرفها. وقد جمع شعره في ديوان سماه ولده جمال الدين «الطالع السعيد في ديوان الإمام الوالد السعيد» وأمه عائشة بنت أحمد جبينة، وجدته لأبيه فاطمة بنت محمد الدسوقي. ٣- ولادته:في زقاق المكتبي، ظاهر باب الجابية وبالقرب من قصر الحجاج في محلة القنوات، كان مسكن والد القاسمي في دار واسعة الفناء، متعددة الغرف. في وسطها بركة ماء متسعة، في هذه الدار ولد القاسمي، قال: «ولادتي كما رأيتها بخط والدي الماجد وخاله العالم النحرير الشيخ حسن جبينة الشهير بالدسوقي قد كانت في ضحوة يوم الاثنين لثمان خلت من شهر جمادى الأولى سنة ثلاث وثمانين ومائتين وألف بوطننا دمشق الشام» .وتوفي جمال الدين القاسمي ١٩١٤ م. تاركا وراءه مؤلفاته الكثيرة التي يكاد يصل عددها المائة ما بين كتاب ورسالة ومقالة … ٤- نشأته ومشيخته:كان لنشأة القاسمي في بيت عرف بالعلم والتقوى أثر كبير في توجيهه الوجهة التي تولاها، واختاره الله لها، فقد كان جده الشيخ قاسم فقيه الشام وصالحها، وكان أبوه فقيها أديبا. وفي جوّ من حرمة الدين وجلاله، فتح عينيه على النور، فأخذ يعبّ من معين ثرّ قوي، مستعينا بتشجيع أبيه الذي لا ينقطع من الدعاء له، وإهدائه الكتب، فأعانه هذا كله على نشأة صحيحة صالحة، لم يعرف فيها لهو الفتيان إلا بالقدر المشروع.قال في ترجمته لنفسه: «قد ربّي في كنف والده، وقرأ القرآن على الحافظ المعمر الشيخ عبد الرحمن بن علي شهاب المصري نزيل دمشق» .«وبعد أن ختمت القرآن، أخذت في تعلم الكتابة عند الأستاذ الكامل الشيخ محمود أفندي ابن محمد بن مصطفى القوصي نزيل دمشق، من صلحاء الأتراك …ثم انتقلت إلى مكتب في المدرسة الظاهرية، وكان معلمه العالم الفاضل الشيخ رشيد أفندي قزيها، الشهير بابن سنان. فقرأت عنده في المكتب المذكور مقدمات وفنون شتى، من توحيد وصرف ونحو ومنطق وغيرها … وكنت في خلال ذلك شارعا في قراءة المختصرات الفقهية والنحوية أيضا عند سيدي الوالد، ثم جودت القرآن المجيد على شيخ القراء بالشام، الشيخ أحمد الحلواني. فقرأت عليه ختمة وأكثر من نصف أخرى، على رواية الإمام حفص عليه الرحمة» .ومن كبار مشايخه الشيخ بكري بن حامد البيطار، والشيخ محمد بن محمد الخاني النقشبندي، والشيخ حسن بن أحمد بن عبد القادر جبينة، الشهير بالدسوقي.وقد أجاز له إجازة عامة كثير من كبار الشيوخ، منهم مفتي الشام العلامة محمود أفندي الحمزاوي، والإمام طاهر بن عمر الآمدي، مفتي الشام أيضا، والعلامة الشيخ محمد الطنطاوي الأزهري ثم الدمشقي. ٥- طريقته في التأليف:بلغ الجمود من بعض أدعياء الدين أن امتنعوا عن الاحتجاج بالكتاب والسنة، في أي أمر من أمور الدنيا والدين، وقنعوا بكتب الفقهاء وحدها، على ما فيها من اختلاف. وأصبح قول الفقيه عندهم هو وحده الحجة والسند، فلما أدرك القاسمي هذه الحقيقة المرة، رأى أن الإصلاح لا يمكن أن يتم بالاستشهاد بالكتاب وحده، وإن كان دستور المسلمين الخالد، ولا بالسنّة معه، وإن كانت متممة له، لذلك عمد إلى الإكثار من نقل أقوال أئمة المسلمين الغابرين في كتبه، يختار ما كان منسجما مع دعوته السامية، ذلك لأن خصومه من رجال الدين، إذا كان لهم أن يعترضوا على أقواله، فليس لهم أن يعترضوا على أقوال الفقهاء الأقدمين، بل عليهم أن يسلموا بما جاء فيها.ولم يكن يقتصر في نقوله عن الأئمة المعروفين من المذاهب الأربعة وغيرهم من فلاسفة المسلمين. وإنما كان يجد القول الصحيح لدى زيدي أو معتزلي أو خارجي أو غيرهم، فلا يمنعه ذلك من الاستشهاد بقوله. لا بل قد يرى قولا لأحد العلماء الفرنجة، فيسارع إلى التقاطه وضمه إلى كتابه. ٦- أسلوبه:كان والد القاسمي مولعا بالأدب إلى جانب تعمقه بالفقه، فنشأ ولده تنشئة أدبية على الطريقة التي عرفها أهل ذلك الزمان. وكان أسلوب معظم الكتّاب في ذلك العصر يعتبر السجع أصلا في الإنشاء وقد التزمه القاسمي في مقدمات كتبه كلها تقريبا، جريا على ما ألف الناس، ولكنه كان سجعا قليل التكلف، أقرب إلى الفطرة منه إلى الصنعة.ثم شاعت طريقة الترسل، وكان الأستاذ الإمام محمد عبده من الذين دعوا إلى نشرها، وكان القاسمي أحد المعجبين بالأستاذ الإمام، فعدل عن السجع في بعض ما كتب إلى الترسل، فجاء أسلوبه فيه عربيا صافيا، رائعا في قوة التركيب، وجزالة الألفاظ، ودقة الأداء.
وترسله على قلّته، يمثل صفاء ذهن القاسمي، وتمكنه من اللغة العربية وغوصه على المعاني، وسعة اطلاعه على مخلفات التراث العربي القديم، وعلى ما ضمّت المكتبة العربية من طريف المؤلفات وحديثها.ويرى المتتبع لكتبه أنه كان أحرص على الفكرة منه على الأسلوب. أما أسلوبه في الإلقاء فقد أطاعت اللغة العربية لسانه على شكل لم يؤلف لدى رجال الدين في ذلك العصر، وكانت الألفاظ تنثال على لسانه في كثير من الانسجام والرقة والعذوبة. ٧- ثقافته العامة:لم يكن لرجال الدين في عصر القاسمي أي اهتمام بغير كتب الفقه والآلة، أما القاسمي فقد صرف اهتمامه إلى جميع أنواع المعرفة التي أخذت في الانتشار، وعزم على أن يتعلم في شبابه وكهولته ما فاته تعلمه في طفولته.ولعل أوضح عنوان لثقافته العامة مؤلفاته الكثيرة المتعددة، ومكتبته الخاصة التي حوت كتبا شتى، لم يخل واحد منها من تصحيح أو تعليق. فإلى جانب كتب التفسير والحديث والفقه واللغة والتصوف والأدب والتاريخ، ترى كتب الفلسفة وكتب الاجتماع، وكتب الرياضيات وكتب الجغرافيا. ولم تخل مكتبته من كتب الفرق الإسلامية، وكتب الديانات الأخرى، كاليهودية والنصرانية. أضف إلى هذا أنه كان مواظبا على مطالعة المجلات الشهرية العلمية والتاريخية والأدبية التي كانت تصدر في زمانه كالمقتبس والمقتطف والهلال، ومن الآثار الواضحة لثقافته العامة، مؤلفاته العديدة. فقد ألّف في مواضيع نادرة ومتعددة، فإلى جانب مؤلفاته في التفسير والحديث والأصول، وضع كتابا في تاريخ دمشق، ورسالة في الجن، وكتيبا في الشاي والقهوة والدخان، ومقالة عن القلب.وإذا قرأت كتابه «دلائل التوحيد» رأيت فيه حصيلة حسنة من علوم الفلك والجغرافيا والحيوان والنبات والجيلوجيا. وفي كتابه «إرشاد الخلق إلى العمل بخبر البرق» وضع خاتمة بعنوان «طرف تاريخية وطرائف أدبية» بحث فيها عن «التلغراف» ومعناه، واشتقاقه من اللغة اليونانية، وأول من استعمل الكهرباء في المخابرة عن بعد، وكذلك «التلفون» .ويحدث أن يصاب عام ١٣١٢ بمرض «البواسير» ، فيتألم، ويدفعه ألمه إلى البحث عن هذا المرض بحثا علميا، ويضع في ذلك رسالة سماها «ما قاله الأطباء المشاهير في علاج البواسير» ، ويعقد في كتابه «تعطير الشام في مآثر دمشق الشام» فصلا عن «الزراعة في الشام والذرائع لإصلاحها فتراه يشير الى السمادات الكيماوية وأنواعها: الفسفورية والبوتاسية وإلى ضرورة استعمال الآلات الميكانيكية في الحرث والحصاد، وإلى الآفات والأمراض والحشرات الزراعية وطرق مكافحتها.وقد أولع عام ١٣٢٤- ١٩٠٧ بفقه اللغات، (فيلولوجيا) ، وأخذ يبحث عن أصول بعض الألفاظ المعربة من لغاتها الأصلية: اليونانية والسريانية والعبرية والفارسية والقبطية والألمانية والفرنسية وغيرها.وعلى الجملة فقد كان آخذا بأطراف المعرفة من كل سبب، لم يمنعه عن ذلك مخالفة في الدين أو المذهب أو العقيدة أو الطريقة.
بسم الله الرحمن الرحيم مقدّمةتبارك الذي أنزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا، ورقّاه في مراتب البلاغة إلى مقام لو اجتمعت الجن والإنس على معارضته لم يقدروا، ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا. فسبحان من أوضح لنا به معالم الدين، وأبان بمشارق أنواره مناهج الأدلة للمجتهدين. أحمده سبحانه وتعالى وأشكره، وأستعينه وأستغفره. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الملك الحق المبين. وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله المبعوث رحمة للعالمين، بملة حنيفية، وشرعة قويمة عليّة، وعلى آله وأصحابه الذين عرفوا مقاصد التنزيل فحصّلوه، وأسسوا قواعده وفصّلوه، وجالت أفكارهم في آياته، واعملوا الجد في تحقيق مبادئه وغاياته، وعلى من اقتفى أثرهم، ممن لا يزالون ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم.أما بعد، فإن أكرم ما تمتد إليه أعناق الهمم، وأعظم ما تتنافس فيه الأمم، العلم الذي هو حياة القلب، وصحة اللب وأجلّ أصنافه وأرفعها، وأكمل معالمه وأنفعها، هي العلوم الشرعية، والمعارف الدينية. إذ بها انتظام صلاح العباد، واغتنام الفلاح في المعاد. وعلم التفسير، من بينها، أعلاها شأنا، وأقواها برهانا، وأوثقها بنيانا، وأوضحها تبيانا. فإنه مأخذها وأساسها، وإليه يستند اقتناصها واقتباسها، بل هو، كما وصف به، رئيسها ورأسها. كيف لا وموضوعه، وهو الكتاب المجيد، كلية الشريعة، وعمدة الملة، وينبوع الحكمة، وآية الرسالة، ونور الأبصار والبصائر. وإنه لا طريق إلى الله سواه، ولا نجاة بغيره، ولا تمسك بشيء يخالفه. فلا جرم، لزم من رام الاطلاع على كليات الشريعة الغراء، وطمع في إدراك مقاصدها واللحاق بأهلها النجباء، أن يتخذه سميره وأنيسه، ويجعله على المدى، نظرا وعملا، جليسه.فيوشك أن يفوز بالبغية، ويظفر بالطّلبة، ويجد نفسه من السابقين، وفي الرعيل الأول
المهتدين، ويشرق في قلبه نور الإيقان، وتطلع في بصيرته شمس العرفان، ويتبوأ في الدنيا والآخرة مكانا عليا، وتدرج النبوة بين جنبيه وإن لم يكن نبيا.وإني كنت حركت الهمة إلى تحصيل ما فيه من الفنون، والاكتحال بإثمد مطالبه لتنوير العيون، فأكببت على النظر فيه، وشغفت بتدبر لآلئ عقوده ودراريه.وتصفحت ما قدر لي من تفاسير السابقين، وتعرفت، حين درست، ما تخللها من الغث والسمين. ورأيت كلّا، بقدر وسعه، حام حول مقاصده. وبمقدار طاقته، جال في ميدان دلائله وشواهده. وبعد أن صرفت في الكشف عن حقائقه شطرا من عمري. ووقفت على الفحص عن دقائقه قدرا من دهري. أردت أن أنخرط في سلك مفسريه الأكابر. قبل أن تبلى السرائر وتفنى العناصر. وأكون بخدمته موسوما، وفي حملته منظوما. فشحذت كليل العزم، وأيقظت نائم الهم. واستخرت الله تعالى في تقرير قواعده، وتفسير مقاصده. في كتاب اسمه بعون الله الجليل: «محاسن التأويل» ، أودعه ما صفا من التحقيقات، وأوشّحه بمباحث هي المهمات. وأوضح فيه خزائن الأسرار. وأنقد فيه نتائج الأفكار، وأسوق إليه فوائد التقطتها من تفاسير السلف الغابر. وفرائد عثرت عليها في غضون الدفاتر. وزوائد استنبطتها بفكري القاصر. مما قادني الدليل إليه. وقوي اعتمادي عليه. وسيحمد السابح في لججه، والسانح في حججه، ما أودعته من نفائسه الغريبة البرهان، وأوردته من أحاديثه الصحاح والحسان، وبدائعه الباهرة للأذهان، فإنها لباب اللباب، ومهتدى أولي الألباب. ولم أطل ذيول الأبحاث بغرائب التدقيقات، بل اخترت حسن الإيجاز في حل المشكلات. اللهم إلا إذا قابلت فرسان مضمار الحق جولة الباطلات، فهنالك تصوّب أسنّة البراهين نحو نحور الشبهات.ولا يخفى أن من القضايا المسلمة، والمقدمات الضرورية، أنه مهما تأنق الخبير في تحبير دقائقه السميّة، فما هو إلا كالشرح لشذرة من معانيه الظاهرة، وكالكشف للمعة يسيرة من أنواره الباهرة، إذ لا قدرة لأحد على استيفاء جميع ما اشتمل عليه الكتاب، وما تضمنه من لباب اللباب، لأنه منطو على أسرار مصونة، وجواهر حكم مكنونة لا يكشفها بالتحقيق إلا من اجتباه مولاه، ولا تتبين حقائقها إلا بالتلقى عن خيرته ومصطفاه.
هذا وقد حليت طليعته بتمهيد خطير، في مصطلح التفسير. وهي قواعد فائقة، وفوائد شائقة، جعلتها مفتاحا لمغلق بابه، ومسلكا لتسهيل خوض عبابه، تعين المفسر على حقائقه، وتطلعه على بعض أسراره ودقائقه.فدونك أيها الباحث عن مطالب أعلى العلوم، التائق لأسنى نتائج الفهوم، المتعطش إلى أحلى موارده، المنقب عن مصادر مقاصده، ينبوعا لمعاني الفرقان، وعقدا ضمّ درر التبيان، وقف بك من الطريق السابلة على الظهر، وخطب لك عرائس الحكم ثم وهب لك المهر، فقدّم قدم عزمك فإذا أنت بحول الله قد وصلت، وأقبل على ما قبلك منه فها أنت قد فزت بما حصلت. وفارق وهد التقليد راقيا إلى يفاع الاستبصار، وتسنّم أوج التحقيق في مطالع الأنظار. والبس التقوى شعارا، والاتّصاف بالإنصاف دثارا. واجعل طلب الحق لك نحلة، والاعتراف به لأهله ملة. ولا ترد مشرع العصبية، ولا تأنف من الإذعان إذا لاح وجه القضية، أنفة ذوي النفوس العصية. فذلك مرعى لسوّامها وبيل، وصدود عن سواء السبيل.وكان شروعي في هذه النية الحميدة، بعد استخارته تعالى أياما عديدة في العشر الأول من شوال في الحول السادس عشر بعد الثلاثمائة وألف. نفعنا الله بما يجري منه على يدينا، ولا جعله حجة علينا، ونحن نستغفر الله مما تعاطيناه من الأمر العظيم، واقتحمناه من الخطر الجسيم، ونستعيذ به من الوقوع في حبائل العدوّ الرجيم، ونسأله توفيقا يقف بنا على جادة الاستقامة، ويصرفنا عن عمل ما يعقبه ملام أو ندامة، ونرجو من فضله تعالى حياة طيبة وعزما تنحط من دونه المصاعب، وعونا على إكمال هذا المأرب تبيضّ به وجوه المطالب. وهداية قدسية إلى الطريقة المثلى، وعناية لدنيّة نقوى بها على تأييد كلمة الحق الفضلى، فهو وليّ الأنعام، في البدء والختام.
وإلّا أنتم فقد تركتم حكم التوراة. فأنزل الله تعالى: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنَّا بِأَفْواهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ … - إلى قوله- … وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ …[المائدة: ٤١- ٤٢] . - إلى قوله- … فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا، وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ [المائدة: ٤٤- ٤٥] …فبين سبحانه أنّه سوى بين نفوسهم، ولم يفضل منهم نفسا على أخرى، كما كانوا يفعلونه إلى قوله: وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ، فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ، وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ، لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً … - إلى قوله- أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ، وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [المائدة: ٤٨- ٥٠] .فحكم الله سبحانه وتعالى في دماء المسلمين أنها كلها سواء. خلاف ما عليه أهل الجاهلية. وأكثر سبب الأهواء الواقعة بين الناس- في البوادي والحواضر- إنما هي البغي وترك العدل. فإن إحدى الطائفتين قد يصيب بعضها دما من الأخرى. أو مالا. أو يعلو عليها بالباطل، فلا ينصفها. ولا تقتصر الأخرى على استيفاء الحق! فالواجب في كتاب الله الحكم بين الناس في الدماء، والأموال، وغيرها … بالقسط الذي أمر الله به، ومحو ما كان عليه كثير من الناس من حكم الجاهلية..! وإذا أصلح مصلح بينهم فليصلح بالعدل، كما قال تعالى: وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما، فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى، فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّهِ، فَإِنْ فاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ، وَأَقْسِطُوا، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُفدعا رجلا من علمائهم فقال «أنشدك الله الذي أنزل التوراة على موسى! أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟» قال: لا. ولولا أنك نشدتني بهذا لم أخبرك. نجده الرجم. ولكنه كثر في أشرافنا.قلنا: إذا أخذنا الشريف تركناه. وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد. قلنا: تعالوا فلنجتمع على شيء نقيمه على الشريف والوضيع. فجعلنا التحميم والجلد مكان الرجم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «اللهم! إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه» فأمر به فرجم. فأنزل الله عز وجل: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ. إلى قوله: إِنْ أُوتِيتُمْ هذا فَخُذُوهُ [المائدة: ٤١] .يقول: ائتوا محمدا صلى الله عليه وسلم فإن أمركم بالتحميم والجلد فخذوه، وإن أفتاكم بالرجم فاحذروا. فأنزل الله تعالى: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ [المائدة: ٤٤] ، وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [المائدة: ٤٥] .
تمهيد خطير في قواعد التفسير ١- قاعدة في أمهات مآخذه:للناظر في القرآن، لطلب التفسير، مآخذ كثيرة. أمهاتها أربعة:الأول- النقل عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: وهذا هو الطراز المعلم. لكن يجب الحذر من الضعيف منه والموضوع، فإنه كثير. ولهذا قال أحمد: ثلاثة كتب لا أصل لها:المغازي، والملاحم، والتفسير.قال المحققون من أصحابه: مراده أن الغالب أنه ليس لها أسانيد صحاح متصلة. وإلا فقد صح من ذلك كثير، كتفسير الظلم بالشرك في آية الأنعام.والحساب اليسير بالعرض، والقوة بالرمي في قوله: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ [الأنفال: ٦٠] .الثاني- الأخذ بقول الصحابيّ: فإن تفسيره عندهم بمنزلة المرفوع إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، كما قاله الحاكم في مستدركه. وقال أبو الخطاب، من الحنابلة: يحتمل أن لا يرجع إليه إذا قلنا: إن قوله ليس بحجة. والصواب الأول، لأنه من باب الرواية لا الرأي.قلت: ما قاله الحاكم نازعه فيه ابن الصلاح وغيره من المتأخرين، بأن ذلك مخصوص بما فيه سبب النزول أو نحوه، مما لا مدخل للرأي فيه. ثم رأيت الحاكم نفسه صرح به في علوم الحديث فقال: ومن الموقوفات تفسير الصحابة. وأما من يقول إن تفسير الصحابة مسند، فإنما يقوله فيما فيه سبب النزول. فقد خصص هنا، وعمّم في المستدرك. فاعتمد الأول، والله أعلم. ثم قال الزركشي: وفي الرجوع إلى قول التابعي روايتان عن أحمد. واختار ابن عقيل المنع، وحكوه عن شعبة، لكن عمل المفسرين على خلافه. فقد حكوا في كتبهم أقوالهم لأن غالبها تلقوها من الصحابة. وربما يحكى عنهم عبارات مختلفة الألفاظ، فيظن من لا فهم عنده أن ذلك اختلاف محقق فيحكيه أقوالا، وليس كذلك، بل يكون كل واحد منهم ذكر معنى من الآية لكونه أظهر عنده أو أليق بحال السائل. وقد يكون بعضهم يخبر عن
الشيء بلازمه ونظيره، والآخر بمقصوده وثمرته، والكل يؤول إلى معنى واحد غالبا.فإن لم يمكن الجمع، فالمتأخر من القولين عن الشخص الواحد مقدم، إن استويا في الصحة عنه، وإلا فالصحيح المقدم.الثالث- الأخذ بمطلق اللغة: فإن القرآن نزل بلسان عربي، وهذا قد ذكره جماعة، ونص عليه أحمد في مواضع، لكن نقل الفضل بن زياد عنه أنه سئل عن القرآن يمثل له الرجل ببيت من الشعر؟ فقال: ما يعجبني. فقيل: ظاهره المنع.ولهذا قال بعضهم في جواز تفسير القرآن بمقتضى اللغة روايتان عن أحمد، وقيل:الكراهة تحمل على من صرف الآية عن ظاهرها إلى معان خارجة محتملة يدل عليها القليل من كلام العرب، ولا يوجد غالبا إلا في الشعر ونحوه، ويكون المتبادر خلافها.وروى البيهقي في (الشّعب) عن مالك قال: لا أوتى برجل غير عالم بلغة العرب يفسر كتاب الله إلا جعلته نكالا.الرابع- التفسير بالمقتضى من معنى الكلام، والمقتضب من قوة الشرع: وهذا هو الذي دعا به النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس حيثقال: «اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل» «١»، والذي عناهعليّ بقوله: إلا فهما يؤتاه الرجل في القرآن. ومن هنا اختلف الصحابة في معنى الآية، فأخذ كل برأيه على منتهى نظره. ولا يجوز تفسير القرآن بمجرد الرأي والاجتهاد من غير أصل. قال تعالى: وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ [الإسراء: ٣٦] . وقال: وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ [البقرة: ١٦٩] .وقال: لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ [النحل: ٤٤] . أضاف البيان إليه.وقال صلى الله عليه وسلم: «من تكلم في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ» أخرجه أبو داود «٢» والترمذي والنسائي.وقال: «من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار» «٣» أخرجه أبو داود «٤» .وقال البيهقي في الحديث الأول: إن صح. أراد- والله أعلم- الرأي الذي(١) أخرجه البخاريّ في: - العلم، - باب قول النبيّ صلى الله عليه وسلم: «اللهم علمه الكتاب» .(٢- ٣)في سنن أبي داود في العلم، باب الكلام في كتاب الله بغير علم، حديث ٣٦٥٢.عن جندب قال: قال صلى الله عليه وسلم «من قال بكتاب الله عز وجل برأيه فأصاب فقد أخطأ». (٤) أخرجه الترمذيّ في التفسير، باب ما جاء في الذي يفسر القرآن برأيه.
يغلب من غير دليل قام عليه، وأما الذي يشدّه برهان، فالقول به جائز.وقال في المدخل: في هذا الحديث نظر، وإن صح، فإنما أراد به- والله أعلم- فقد أخطأ الطريق، فسبيله أن يرجع في تفسير ألفاظه إلى أهل اللغة. وفي معرفة ناسخه ومنسوخه، وسبب نزوله، وما يحتاج فيه إلى بيانه، إلى أخبار الصحابة الذين شاهدوا تنزيله، وأدّوا إلينا من السنن ما يكون بيانا لكتاب الله تعالى. قال تعالى:وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [النحل: ٤٤] .فما ورد بيانه عن صاحب الشرع ففيه كفاية عن فكرة من بعده، وما لم يرد عنه بيانه ففيه حينئذ فكرة أهل العلم بعده، ليستدلوا بما ورد بيانه على ما لم يرد. قال: وقد يكون المراد به من قال فيه برأيه من غير معرفة منه بأصول العلم وفروعه، فيكون موافقته للصواب، إن وافقه، من حيث لا يعرفه، غير محمودة.وقال الماوردي: قد حمل بعض المتورعة هذا الحديث على ظاهره، وامتنع من أن يستنبط معاني القرآن باجتهاده، ولو صحبها الشواهد، ولم يعارض شواهدها نص صريح. وهذا عدول عما تعبّدنا بمعرفته من النظر في القرآن، واستنباط الأحكام، كما قال تعالى: لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ [النساء: ٨٣] ولو صح ما ذهب إليه، لم يعلم شيء بالاستنباط، ولما فهم الأكثر من كتاب الله شيئا. وإن صح الحديث فتأويله أن من تكلم في القرآن بمجرد رأيه، ولم يعرج على سوى لفظه، وأصاب الحق، فقد أخطأ الطريق، وإصابته اتفاق. إذ الفرض أنه مجرد رأي لا شاهد له. وفيالحديث: «القرآن ذلول ذو وجوه فاحملوه على أحسن وجوهه» أخرجه أبو نعيم وغيره من حديث ابن عباس. فقوله «ذلول» يحتمل معنيين:أحدهما: أنه مطيع لحامليه تنطق به ألسنتهم.والثاني: أنه موضح لمعانيه حتى لا يقصر عنه أفهام المجتهدين.وقوله: «ذو وجوه» يحتمل معنيين:أحدهما: أن من ألفاظه ما يحتمل وجوها من التأويل.والثاني: قد جمع وجوها من الأوامر والنواهي والترغيب والترهيب والتحريم.وقوله: «فاحملوه على أحسن وجوهه» يحتمل معنيين:أحدهما: الحمل على أحسن معانيه.والثاني: أحسن ما فيه من العزائم دون الرخص، والعفو دون الانتقام
وفيه دلالة ظاهرة على جواز الاستنباط والاجتهاد في كتاب الله تعالى- كذا أفاده الزركشي في البرهان.وقال أبو حيان: ذهب بعض من عاصرناه إلى أن علم التفسير مضطر إلى النقل في فهم معاني تركيبه، بالإسناد إلى مجاهد وطاوس وعكرمة وأضرابهم. وأن فهم الآيات يتوقف على ذلك، قال: وليس كذلك. قال الزركشي- بعد حكاية ذلك-:الحق أن علم التفسير، منع ما يتوقف على النقل، كسبب النزول، والنسخ، وتعيين المبهم، وتبيين المجمل. ومنه ما لا يتوقف. ويكفي في تحصيله الثقة على الوجه المعتبر. قال: وكان السبب في اصطلاح كثير على التفرقة بين التفسير والتأويل، والتمييز بين المنقول والمستنبط، ليحيل على الاعتماد في المنقول وعلى النظر في المستنبط. قال: واعلم أن القرآن قسمان: قسم ورد تفسيره بالنقل، وقسم لم يرد.والأول إما أن يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم أو الصحابة أو رؤوس التابعين. فالأول يبحث فيه عن صحة السند، والثاني ينظر في تفسير الصحابي، فإن فسره من حيث اللغة، فهم أهل اللسان، فلا شك في اعتماده، أو بما شاهده من الأسباب والقرائن، فلا شك فيه. وإن تعارضت أقوال جماعة من الصحابة، فإن أمكن الجمع فذاك، وإن تعذر قدّم ابن عباس، لأن النبي صلى الله عليه وسلم بشره بذلك حيثقال: «اللهم علمه التأويل». وقد رجّح الشافعي قول زيد في الفرائضلحديث «أفرضكم زيد» «١» .وأما ما ورد عن التابعين، فحيث جاز الاعتماد فيما سبق، فكذلك، وإلا وجب الاجتهاد.وأما ما لم يرد فيه نقل، فهو قليل، وطريق التوصل إلى فهمه النظر إلى مفردات الألفاظ من لغة العرب ومدلولاتها واستعمالها بحسب السياق.وقال الإمام ابن خلدون في مقدمة «العبر» في علوم القرآن:وأما التفسير: فاعلم أن القرآن نزل بلغة العرب، وعلى أساليب بلاغتهم، فكانوا كلهم يفهمونه، ويعلمون معانيه في مفرداته وتراكيبه، وكان ينزل جملا جملا،(١)أخرجه ابن ماجة، في المقدمة، باب فضائل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، حديث ١٥٤. عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدهم في دين الله عمر، وأشدهم حياء عثمان، وأقضاهم عليّ بن أبي طالب، وأقرؤهم لكتاب الله أبيّ بن كعب، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، وأفرضهم زيد بن ثابت. ألا وإن لكل أمة أمينا، وأمين الأمة أبو عبيدة بن الجراح».
وآيات آيات، لبيان التوحيد والفروض الدينية، بحسب الوقائع، ومنها ما هو في العقائد الإيمانية، ومنها ما هو في أحكام الجوارح، ومنها ما يتقدم، ومنها ما يتأخر ويكون ناسخا له. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يبين المجمل، ويميز الناسخ من المنسوخ، ويعرّفه أصحابه، فعرفوه وعرفوا سبب نزول الآيات ومقتضى الحال منها منقولا عنه، كما علم من قوله تعالى: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ «١» أنها نعي النبي صلى الله عليه وسلم، وأمثال ذلك.ونقل ذلك عن الصحابة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين، وتداول ذلك التابعون من بعدهم، ونقل ذلك عنهم، ولم يزل ذلك متناقلا بين الصدر الأول والسلف، حتى صارت المعارف علوما، ودونت الكتب، فكتب الكثير من ذلك، ونقلت الآثار الواردة فيه عن الصحابة والتابعين، وانتهى ذلك إلى الطبري والواقدي والثعالبي، وأمثال ذلك من المفسرين، فكتبوا فيه ما شاء الله أن يكتبوه من الآثار ثم صارت علوم اللسان صناعية من الكلام في موضوعات اللغة، وأحكام الإعراب، والبلاغة في التراكيب فوضعت الدواوين في ذلك، بعد أن كانت ملكات للعرب، لا يرجع فيها إلى نقل ولا كتاب. فتنوسي ذلك، وصارت تتلقى من كتب أهل اللسان، فاحتيج إلى ذلك في تفسير القرآن، لأنه بلسان العرب، وعلى منهاج بلاغتهم. وصار التفسير على صنفين:تفسير نقلي مسند إلى الآثار المنقولة عن السلف، وهي معرفة الناسخ والمنسوخ، وأسباب النزول، ومقاصد الآي. وكل ذلك لا يعرف إلا بالنقل عن الصحابة والتابعين.وقد جمع المتقدمون في ذلك وأوعوا، إلا أن كتبهم ومنقولاتهم تشتمل على الغث والسمين، والمقبول والمردود. والسبب في ذلك أن العرب لم يكونوا أهل كتاب ولا علم، وإنما غلبت عليهم البداوة والأمية. وإذا تشوقوا إلى معرفة شيء مما تشوق إليه النفوس البشرية في أسباب المكونات، وبدء الخليقة، وأسرار الوجود، فإنما يسألون عنه أهل الكتاب قبلهم، ويستفيدونه منهم، وهم أهل التوراة من اليهود، ومن تبع دينهم من النصارى. وأهل التوراة الذين بين العرب يومئذ بادية(١) أخرجه البخاريّ في التفسير، سورة إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ، باب وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجاً.عن ابن عباس أن عمر رضي الله عنه سألهم عن قوله تعالى: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ؟ قالوا: فتح المدائن والقصور. قال: ما تقول يا ابن عباس؟ قال: أجل أو مثل ضرب لمحمد صلى الله عليه وسلم، نعيت له نفسه.
مثلهم، ولا يعرفون من ذلك إلا ما تعرفه العامة من أهل الكتاب، ومعظمهم من حمير، الذين أخذوا بدين اليهودية. فلما أسلموا بقوا على ما كان عندهم مما لا تعلّق له بالأحكام الشرعية التي يحتاطون لها، مثل أخبار بدء الخليقة، وما يرجع إلى الحدثان والملاحم، وأمثال ذلك. وهؤلاء مثل كعب الأحبار، ووهب بن منبه، وعبد الله بن سلام وأمثالهم. فامتلأت التفاسير من المنقولات عندهم في أمثال هذه الأغراض، أخبار موقوفة عليهم، وليست مما يرجع إلى الأحكام، فيتحرى في الصحة التي يجب بها العمل. ويتساهل المفسرون في مثل ذلك، وملؤوا كتب التفسير بهذه المنقولات. وأصلها، كما قلنا، عن أهل التوراة الذين يسكنون البادية، ولا تحقيق عندهم بمعرفة ما ينقلونه من ذلك. إلا أنهم بعد صيتهم، وعظمت أقدارهم، لما كانوا عليه من المقامات في الدين والملة. فتلقيت بالقبول من يومئذ. فلما رجع الناس إلى التحقيق والتمحيص، وجاء أبو محمد بن عطية، من المتأخرين بالمغرب، فلخص تلك التفاسير كلها، وتحرى ما هو أقرب إلى الصحة منها، ووضع ذلك في كتاب، متداول بين أهل المغرب الأندلس، حسن المنحى. وتبعه القرطبي في تلك الطريقة، على منهاج واحد في كتاب آخر مشهور، بالمشرق.والصنف الآخر من التفسير، وهو ما يرجع إلى اللسان من معرفة اللغة والإعراب، والبلاغة، وتأدية المعنى بحسب المقاصد والأساليب وهذا الصنف من التفسير قلّ أن ينفرد عن الأول إذ الأول هو المقصود بالذات، وإنما جاء هذا بعد أن صار اللسان وعلومه صناعة. انتهى. ٢- قاعدة في معرفة صحيح التفسير، وأصح التفاسير عند الاختلاف:قال الإمام محمد بن المرتضى اليماني رضي الله عنه في كتابه «إيثار الحق على الخلق» : فصلفي الإرشاد إلى طريق المعرفة لصحيح التفسير، وأصح التفاسير عند الاختلاف بطريق واضح لا يشك أهل الإنصاف في حسن التنبيه عليه والإرشاد إليه:«اعلم أن كتاب الله تعالى، لما كان مفزع الطالب للحق بعد الإيمان، وكان محفوظا كما وعد به الرحمن، دخل الشيطان على كثير من طريق تفسيره، وعدم
الفرق بين التفسير والتحريف والتأويل والتبديل، ولو كان لكل مبتدع أن يحمله على ما يوافق هواه، بطل كونه فرقا بين الحق والباطل. وقد ثبت أنه يقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق. وهذا لا يتم إلا بحراسته من دعاوى المبطلين في تصرفاتهم واحتيالهم على التشويش فيه، ولبس صوادعه وقواطعه بخوافيه، وهذه هذه فليهتم المعظم له بمعرفتها، ويتأملها حق التأمل، ويتعرف أسبابها ممن قد مارسها» وقد أوضحها رضي الله عنه في كتابه المذكور، وجوّد الكلام عليها ثم قال:فإذا عرفت ذلك فلا غنى عن معرفة مراتب المفسرين، حيث يكون التفسير راجعا إلى الرواية ثم مراتب التفسير، حيث يكون التفسير راجعا إلى الدراية.أما مراتب المفسرين: فخيرهم الصحابة رضي الله عنهم، لما ثبت من الثناء عليهم في الكتاب والسنة، ولأن القرآن أنزل على لغتهم، فالغلط أبعد عنهم من غيرهم، ولأنهم سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عما أشكل عليهم، وأكثرهم تفسيرا حبر الأمة وبحرها عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، وقد جمع عنه تفسير كامل، ولم يتفق مثل ذلك لغيره من الصدر الأول الذين عليهم في مثل ذلك المعوّل، ومتى صح الإسناد إليه كان تفسيره من أصح التفاسير، مقدما على كثير من الأئمة الجماهير، وذلك لوجوه:أولها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا له بالفقه في الدين، وتعلّم التأويل أي التفسير، وصح ذلك واشتهر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وله طرق في مجمع الزوائد. وقال الحافظ أبو مسعود في أطرافه: إنه مما أخرجه البخاري ومسلم بكماله.وفيهما من غير طريق أبي مسعود عند سائر الرواة «اللهم علمه الكتاب والحكمة»،وفي رواية «اللهم فقهه في الدين». وفي رواية الترمذي: أنه رأى جبريل عليه السلام مرتين، ودعا له النبي صلى الله عليه وسلم بالحكمة مرتين. وينبغي معرفة سائر مناقبه مع ذلك في مواضعها، ولولا خوف الإطالة لذكرتها.وثانيها: أن الصحابة اتفقوا على تعظيمه في العلم عموما، وفي التفسير خصوصا، وسموه البحر والحبر وشاع ذلك فيهم من غير نكير، وظهرت إجابة الدعوة النبوية فيه، وقصة عمر معه، رضي الله عنهما، مشهورة، في سبب تقديمه وتفضيله على من هو أكبر منه من الصحابة، وامتحانه في ذلك «١» .(١) أخرجه البخاريّ في التفسير سورة إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ باب فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً.
وثالثها: كونه من أهل بيت النبوة، ومعدن الرسالة.ورابعها: أنه ثبت عنه أنه كان لا يستحل التأويل بالرأي. روي عنه أنه قال: من قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار. وفي رواية «بغير علم» رواه أبو داود في العلم، والنسائي في فضائل القرآن، والترمذي في التفسير، وقال: حديث حسن، وشرطه فيما قال فيه «حسن» أن يأتي من غير طريق.والخامس: أن الطرق إليه محفوظة غير منقطعة، فصح منها تفسير نافع، ممتع.ولذلك خصصته بالذكر، وإن كان غيره أكبر منه، وأقدم وأعلم وأفضل، مثل علي بن أبي طالب عليه السلام، من جنسه وأهله، وغيره من أكابر الصحابة رضي الله عنهم.لكن ثبوت التفسير عنهم قليل بالنظر إليه، رضي الله عنهم أجمعين.ثمّ المرتبة الثانية من المفسرين «التابعون» ومن أشهر ثقاتهم المصنفين في التفسير: مجاهد وعطاء وقتادة والحسن البصري وأبو العالية رفيع بن مهران ومحمد ابن كعب القرظي وزيد بن أسلم. ويلحق بهؤلاء عكرمة، ثم مقاتل بن حيان ومحمد ابن زيد، ثم علي بن أبي طلحة، ثم السدي الكبير. وتتمة هذا في الإيثار وفي الإتقان.قال ابن تيمية: أعلم الناس بالتفسير أهل مكة لأنهم أصحاب ابن عباس، كمجاهد، وعطاء بن أبي رباح وعكرمة مولى ابن عباس وسعيد بن جبير وطاوس وغيرهم. وكذلك في الكوفة أصحاب ابن مسعود. وعلماء أهل المدينة في التفسير مثل زيد بن أسلم الذي أخذ عنه ابنه عبد الرحمن بن زيد، ومالك بن أنس. انتهى. ٣- قاعدة في أن غالب ما صح عن السلف من الخلاف يرجع إلى اختلاف تنوّع، لا اختلاف تضادّ:قال ابن تيمية: يجب أن يعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم بيّن لأصحابه معاني القرآن، كما بيّن لهم ألفاظه. فقوله تعالى: لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ يتناول هذا وهذا. وقد قال أبو عبد الرحمن السّلمي: حدثنا الذين كانوا يقرءون القرآن كعثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود وغيرهما أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي صلى الله عليه وسلم عشر آيات لم يتجاوزوها حتى يعلموا ما فيها من العلم والعمل. قالوا: فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعا. ولهذا كانوا يبقون مدة في حفظ السورة.