بسم الله الرحمن الرحيم مكية [إلا آيتي ٥٨ و٧١ فمدنيتان] وآياتها ٩٨ [نزلت بعد سورة فاطر] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [سورة مريم (١٩): الآيات ١ الى ٣] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
كهيعص (١) ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (٢) إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا (٣)
كهيعص قرأ بفتح الهاء «١» وكسر الياء حمزة، وبكسرهما عاصم، وبضمهما الحسن.
وقرأ الحسن ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ أى: هذا المتلوّ من القرآن ذكر رحمة ربك. وقرئ: ذكر، على الأمر «٢» . راعى سنة الله في إخفاء دعوته، لأنّ الجهر والإخفاء عند الله سيان، فكان الإخفاء أولى، لأنه أبعد من الرياء وأدخل في الإخلاص. وعن الحسن: نداء لا رياء فيه، أو أخفاه لئلا يلام على طلب الولد في إبان الكبرة والشيخوخة «٣» . أو أسره من مواليه الذين خافهم. أو خفت صوته لضعفه وهرمه، كما جاء في صفة الشيخ: صوته خفات، وسمعه تارات.
(١) . قوله «كهيعص قرأ بفتح الهاء» عبارة النسفي. قرأ على ويحيى بكسر الهاء والياء، ونافع بين الفتح والكسر، وإلى الفتح أقرب. وأبو عمرو بكسر الهاء وفتح الياء. وحمزة بعكسه. وغيرهم بفتحهما. (ع)
(٢) . قوله «وقرأ الحسن ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ أى هذا الخ» يحتاج إلى تحرير، فان الرفع قراءة الجمهور. وقوله «ذكر على الأمر» أى ورَحْمَةِ رَبِّكَ بالنصب. (ع)
(٣) . قوله «في إبان الكبرة والشيخوخة» في الصحاح: الكبر في السن، والاسم الكبرة بالفتح. وفيه أيضا:
شاخ الرجل يشيخ شيخا بالتحريك: جاء على أصله، وشيخوخة اه وليس فيه شيوخة. وفيه أيضا: إبان الشيء بالكسر والتشديد: وقته وأوانه. (ع)
واختلف في سنّ زكريا عليه السلام، فقيل: ستون، وخمس وستون، وسبعون، وخمس وسبعون، وخمس وثمانون. [سورة مريم (١٩): آية ٤]
قالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (٤)
قرئ وَهَنَ بالحركات الثلاث، وإنما ذكر العظم لأنه عمود البدن وبه قوامه وهو أصل بنائه، فإذا وهن تداعى وتساقطت قوته، ولأنه أشد ما فيه وأصلبه، فإذا وهن كان ما وراءه أوهن. ووحده لأن الواحد هو الدال على معنى الجنسية، وقصده إلى أن هذا الجنس الذي هو العمود والقوام وأشد ما تركب منه الجسد قد أصابه الوهن، ولو جمع لكان قصدا إلى معنى آخر، وهو أنه لم يهن منه بعض عظامه ولكن كلها. إدغام السين في الشين عن أبى عمرو. شبه الشيب بشواظ النار في بياضه وإنارته وانتشاره في الشعر وفشوّه فيه وأخذه منه كل مأخذ، باشتعال النار، ثم أخرجه مخرج الاستعارة، ثم أسند الاشتعال إلى مكان الشعر ومنبته وهو الرأس. وأخرج الشيب مميزا ولم يضف الرأس: اكتفاء بعلم المخاطب أنه رأس زكريا، فمن ثم فصحت هذه الجملة وشهد لها بالبلاغة. توسل إلى الله بما سلف له من الاستجابة. وعن بعضهم أن محتاجا سأله وقال: أنا الذي أحسنت إلىّ وقت كذا. فقال: مرحبا بمن توسل بنا إلينا، وقضى حاجته. [سورة مريم (١٩): الآيات ٥ الى ٦]
وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (٦)
كان مواليه- وهم عصبته إخوته وبنو عمه- شرار بنى إسرائيل، فخافهم على الدين أن يغيروه ويبدّلوه، وأن لا يحسنوا الخلافة على أمته، فطلب عقبا من صلبه صالحا يقتدى به في إحياء الدين ويرتسم مراسمه فيه مِنْ وَرائِي بعد موتى. وقرأ ابن كثير: من وراي، بالقصر، وهذا الظرف لا يتعلق بخِفْتُ لفساد المعنى، ولكن بمحذوف. أو بمعنى الولاية في الموالي: أى خفت فعل الموالي وهو تبديلهم وسوء خلافتهم من ورائي. أو خفت الذين يلون الأمر من ورائي.
وقرأ عثمان ومحمد بن على وعلى بن الحسين رضي الله عنهم. خفت الموالي من ورائي، وهذا على معنيين، أحدهما: أن يكون وَرائِي بمعنى خلفي وبعدي، فيتعلق الظرف بالموالي: أى قلوا وعجزوا عن إقامة أمر الدين، فسأل ربه تقويتهم ومظاهرتهم بولىّ يرزقه. والثاني: أن يكون
بمعنى قدامى، فيتعلق بخِفْتُ، ويريد أنهم خفوا قدامه ودرجوا ولم يبق منهم من به تقوّ واعتضاد مِنْ لَدُنْكَ تأكيد لكونه وليا مرضيا، بكونه مضافا إلى الله تعالى وصادرا من عنده، وإلا- فهب لي وليا يرثني- كاف، أو أراد اختراعا منك بلا سبب لأنى وامرأتى لا نصلح للولادة يَرِثُنِي وَيَرِثُ الجزم جواب الدعاء، والرفع صفة. ونحوه رِدْءًا يُصَدِّقُنِي وعن ابن عباس والجحدري: يرثنى وارث آل يعقوب، نصب على الحال. وعن الجحدري: أو يرث، على تصغير وارث، وقال: غليم صغير. وعن على رضي الله عنه وجماعة: وارث من آل يعقوب: