نهاية الرتبة في طلب الحسبة - الشيزري (عبد الرحمن بن نصر الشيرزي) القسم: السياسة الشرعية والقضاء الكتاب: نهاية الرتبة في طلب الحسبة[ذكره في كشف الظنون باسم: نهاية الرتبة الظريفة في طلب الحسبة الشريفة]المؤلف: عبد الرحمن بن نصر الشيزري (ت نحو ٥٩٠ هـ)قام على نشره: السيد الباز العريني (مدرس بمدرسة الخديو إسماعيل الثانوية)بإشراف: محمد مصطفى زيادة (أستاذ تاريخ العصور الوسطى بجامعة فؤاد الأول) الناشر: مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر - القاهرةعام النشر: ١٣٦٥ هـ - ١٩٤٦ معدد الصفحات: ١١٨[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]تاريخ النشر في راميشر: ١ يوليو ٢٠٢٦.
كتاب نهاية الرتبة في طلب الحسبة تأليفعبد الرحمن بن نصر الشيزري قام على نشرهالسيد الباز العرينيمدرس بمدرسة الخديو إسماعيل الثانوية بإشرافمحمد مصطفى زيادةأستاذ تاريخ العصور الوسطى بجامعة فؤاد الأول القاهرةمطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر(١٣٦٥ - ١٩٤٦)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١)قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْأَوْحَدُ الْعَالِمُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ نَصْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: أَحْمَدُ اللَّهَ عَلَى مَا أَنْعَمَ، وَأَسْتَعِينُهُ فِيمَا أَلْزَمَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ، لَا شَرِيكَ لَهُ الْعَلِيُّ الْأَعْظَمُ(٢)، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ، وَرَسُولُهُ [النَّبِيُّ](٣) الْأَكْرَمُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ، وَعَلَى آلِهِ، وَأَصْحَابِهِ، وَسَلَّمَ.وَبَعْدُ، فَقَدْ سَأَلَنِي مَنْ اسْتَنَدَ لِمَنْصِبِ الْحِسْبَةِ، وَقُلِّدَ النَّظَرُ فِي مَصَالِحِ الرَّعِيَّةِ، وَكَشْفِ أَحْوَالِ السُّوقَةِ، وَأُمُورِ الْمُتَعَيِّشِينَ(٤)، أَنْ أَجْمَعَ لَهُ مُخْتَصَرًا كَافِيًا، فِي سُلُوكِ مَنْهَجِ الْحِسْبَةِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَشْرُوعِ، لِيَكُونَ عِمَادًا لِسِيَاسَتِهِ، وَقِوَامًا لِرِيَاسَتِهِ، فَأَجَبْته إلَى مُلْتَمَسِهِ، ذَاهِبًا إلَى الْوَجَازَةِ، لَا إلَى الْإِطَالَةِ، وَضَمَّنْته طُرَفًا مِنْ الْأَخْبَارِ، وَطَرَّزْته بِحِكَايَاتٍ، وَآثَارٍ(٥)، وَنَبَّهْت فِيهِ عَلَى غِشِّ [الْمُتَعَيِّشِينَ فِي](٦) الْمَبِيعَاتِ، وَتَدْلِيسِ أَرْبَابِ الصِّنَاعَاتِ، وَكَشْفِ سِرِّهِمْ الْمَدْفُونِ، وَهَتْكِ(٧) سِتْرِهِمْ الْمَصُونِ، رَاجِيًا بِذَلِكَ ثَوَابَ الْمُنْعِمِ لِيَوْمِ الْحِسَابِ.وَاقْتَصَرْت فِيهِ عَلَى ذِكْرِ الْحِرَفِ الْمَشْهُورَةِ دُونَ غَيْرِهَا، لِمَسِيسِ الْحَاجَةِ إلَيْهَا، وَجَعَلْته أَرْبَعِينَ بَابًا، يَحْتَذِي الْمُحْتَسِبُ عَلَى مِثَالِهَا، وَيَنْسُجُ عَلَى مِنْوَالِهَا، وَسَمَّيْته نِهَايَةَ الرُّتْبَةِ فِي طَلَبِ الْحِسْبَةِ "، وَمَا تَوْفِيقِي إلَّا بِاَللَّهِ، عَلَيْهِ تَوَكَّلْت، وَإِلَيْهِ أُنِيبُ.(١) الإضافة من ع، هـ فقط.(٢) في س "العظيم"، وما هذا من ل، م، هـ، وبه يستقيم السجع.(٣) الإضافة من هـ فقط.(٤) في س "المتمعشين"، وما هنا من ص، م، ل، هـ، ع، وهو الصواب لغويا.(٥) في س "وانتثار"، وما هنا من ص، م، ل.(٦) الإضافة من ع.(٧) في س "وهتكت"، والتصويب من ص، م، ل، م، ع، وبه تستقيم العبارة، على قاعدة أن كلمة "هتك" معطوفة على المصدر السابق.
ترجمة الأبوابالباب الأول فيما يجب على المحتسب من شروط الحسبة ولزوم مستحباتهاالباب الثاني في النظر في الأسواق(١) والطرقاتالباب الثالث في معرفة القناطير والأرطال والمثاقيل والدراهمالباب الرابع في معرفة الموازين والمكاييل وعيار الأرطال والمثاقيلالباب الخامس في الحسبة على الحبوبيين والدقاقينالباب السادس في الحسبة على الخبازينالباب السابع في الحسبة على الفرانينالباب الثامن في الحسبة على صناع الزلابيةالباب التاسع في الحسبة على الجزارين والقصابينالباب العاشر في الحسبة على الشوائينالباب الحادي عشر في الحسبة على الرواسينالباب الثاني عشر الحسبة على قلائي السمك(٢)الباب الثالث عشر في الحسبة على الطباخينالباب الرابع عشر في الحسبة على الهرائسيينالباب الخامس عشر في الحسبة على النقانقيينالباب السادس عشر في الحسبة على الحلوانيينالباب السابع عشر في الحسبة على الصيادلةالباب الثامن عشر في الحسبة على العطارينالباب التاسع عشر في الحسبة على الشرابيينالباب العشرون في الحسبة على السمانينالباب الحادي والعشرون في الحسبة على البزازين(١) في س "سوقات"، وجميع النسخ الأخرى كما هنا وهو الصواب، إذ تجمع "سوق" على "أسواق" فقط. (لسان العرب).(٢) في س "السماكين"، وما هنا من ص، م، ع، ل، هـ.
الباب الثاني والعشرون في الحسبة على الدلالينالباب الثالث والعشرون في الحسبة على الحاكةالباب الرابع والعشرون في الحسبة على الخياطينالباب الخامس والعشرون في الحسبة على القطانينالباب السادس والعشرون في الحسبة على الكتانينالباب السابع والعشرون في الحسبة على الحريريينالباب الثامن والعشرون في الحسبة على الصباغينالباب التاسع والعشرون في الحسبة على الأساكفةالباب الثلاثون في الحسبة على الصيارفالباب الحادي والثلاثون في الحسبة على الصاغةالباب الثاني والثلاثون في الحسبة على النحاسين والحدادينالباب الثالث والثلاثون في الحسبة على البياطرةالباب الرابع والثلاثون في الحسبة على نخاسي العبيد والدوابالباب الخامس والثلاثون في الحسبة على الحمامات وقومتهاالباب السادس والثلاثون في الحسبة على الفصادين والحجامين(١)الباب السابع والثلاثون في الحسبة على الأطباء والكحالين والمجبرين والجرائحيينالباب الثامن والثلاثون في الحسبة على مؤدبي الصبيانالباب التاسع والثلاثون في الحسبة على أهل الذمةالباب الأربعون يشتمل على جمل وتفاصيل في أمور الحسبة(١) في س "الحجاميين"، وما هنا من ص، م، ل، هـ، ع، وهو الصواب، لأن المفرد حجام وليس حجامي (لسان العرب). أما التعريف بهذا اللفظ وغيره من الاصطلاحات الفنية، فإنه يأتي في مواضعه من المتن.
الْبَابُ الْأَوَّلُفِيمَا يَجِبُ عَلَى الْمُحْتَسِبِ مِنْ شُرُوطِ الْحِسْبَةِ، وَلُزُومِ مُسْتَحَبَّاتِهَالَمَّا كَانَتْ الْحِسْبَةُ أَمْرًا بِمَعْرُوفٍ، وَنَهْيًا عَنْ مُنْكَرٍ، وَإِصْلَاحًا بَيْنَ النَّاسِ، وَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْمُحْتَسِبُ فَقِيهًا، عَارِفًا بِأَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ، لِيَعْلَمَ مَا يَأْمُرُ بِهِ، وَيَنْهَى عَنْهُ.فَإِنَّ الْحَسَنَ مَا حَسَّنَهُ الشَّرْعُ، وَالْقَبِيحَ مَا قَبَّحَهُ [الشَّرْعُ](١)، وَلَا مَدْخَلَ [لِلْعُقُولِ](٢) فِي مَعْرِفَةِ الْمَعْرُوفِ، وَالْمُنْكَرِ إلَّا بِكِتَابِ اللَّهِ عز وجل، وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ صلى الله عليه وسلم وَرُبَّ جَاهِلٍ يَسْتَحْسِنُ بِعَقْلِهِ مَا قَبَّحَهُ الشَّرْعُ، فَيَرْتَكِبُ الْمَحْظُورَ، وَهُوَ غَيْرُ عَالِمٍ بِهِ، وَلِهَذَا الْمَعْنَى كَانَ طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةً عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَصْلٌ وَأَوَّلُ مَا يَجِبُ عَلَى الْمُحْتَسِبِ أَنْ يَعْمَلَ بِمَا يَعْلَمُ، وَلَا يَكُونُ قَوْلُهُ مُخَالِفًا لِفِعْلِهِ، فَقَدْ قَالَ [اللَّهُ](٣) عز وجل فِي ذَمِّ عُلَمَاءِ بَنْيِ إسْرَائِيلَ: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ}، وَرَوَى أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «رَأَيْت لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي رِجَالًا تُقْرَضُ شِفَاهُهُمْ بِالْمَقَارِيضِ(٤)، فَقُلْت: مَنْ هَؤُلَاءِ يَا جِبْرِيلُ؛ قَالَ: هَؤُلَاءِ(٥) خُطَبَاءُ أُمَّتِك الَّذِينَ يَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَيَنْسَوْنَ أَنْفُسَهُمْ».وَقَالَ اللَّهُ عز وجل مُخْبِرًا عَنْ شُعَيْبٍ عليه السلام لَمَّا نَهَى قَوْمَهُ عَنْ بَخْسِ الْمَوَازِينِ، وَنَقْصِ الْمَكَايِيلِ: {وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلا الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ}، وَلَا يَكُونُ [الْمُحْتَسِبُ](٦) كَمَا قَالَ ابْنُ هَمَّامٍ السَّلُولِيُّ(٧):(١) الإضافة من ع فقط.(٢) أغفل كاتب س هذا اللفظ، وهو وارد في جميع النسخ الأخرى.(٣) الإضافة من ل، هـ فقط.(٤) كذا في س، وفي ل "بمقاريض من النار".(٥) الإضافة من ص، م.(٦) الإضافة يقتضيها الأسلوب، وسيجد القارئ إضافات أخرى بدون تعليق عليها، إلا إذا كان للتعليق أهمية خاصة.(٧) في س، ص، ع، ل، هـ "أبو همام الشاذلى"، وما هنا من "لسان العرب" في شرح كلمة =
إذَا نُصِبُوا لِلْقَوْلِ قَالُوا فَأَحْسَنُوا … وَلَكِنَّ حُسْنَ الْقَوْلِ خَالَفَهُ الْفِعْلُوَذَمُّوا لَنَا الدُّنْيَا، وَهُمْ يَرْضَعُونَهَا … أَفَاوِيقَ حَتَّى مَا يَدُرُّ لَهَا ثَعْلُ(١)وَقَالَ آخَرُ:لَا تَنْهَ عَنْ خُلُقٍ، وَتَأْتِيَ مِثْلَهُ … عَارٌ عَلَيْك إذَا فَعَلْت عَظِيمُ(٢) فَصْلٌوَيَجِبُ عَلَى الْمُحْتَسِبِ أَنْ يَقْصِدَ بِقَوْلِهِ، وَفِعْلِهِ وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى، وَطَلَبَ مَرْضَاتِهِ، خَالِصُ النِّيَّةِ لَا يَشُوبُهُ فِي طَوِيَّتِهِ رِيَاءٌ، وَلَا مِرَاءٌ، وَيَجْتَنِبُ فِي رِيَاسَتِهِ مُنَافَسَةَ(٣) الْخَلْقِ، وَمُفَاخَرَةَ أَبْنَاءِ الْجِنْسِ، لِيَنْشُرَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ رِدَاءَ الْقَبُولِ وَعِلْمَ التَّوْفِيقِ، وَيَقْذِفَ لَهُ فِي الْقُلُوبِ مَهَابَةً، وَجَلَالًا، وَمُبَادَرَةً إلَى قَبُولِ قَوْلِهِ بِالسَّمْعِ، وَالطَّاعَةِ. فَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَرْضَى اللَّهَ بِسَخَطِ النَّاسِ كَفَاهُ شَرَّهُمْ، وَمَنْ أَرْضَى النَّاسَ بِسَخَطِ اللَّهِ وَكَلَهُ إلَيْهِمْ، وَمَنْ أَحْسَنَ فِيمَا بَيْنَهُ، وَبَيْنَ اللَّهِ أَحْسَنَ اللَّهُ فِيمَا بَيْنَهُ، وَبَيْنَ النَّاسِ، وَمَنْ أَصْلَحَ سَرِيرَتَهُ أَصْلَحَ اللَّهُ عَلَانِيَتَهُ، وَمَنْ عَمِلَ لِآخِرَتِهِ كَفَاهُ اللَّهُ أَمْرَ دُنْيَاهُ».وَذَكَرُوا أَنَّ أَتَابِكَ طُغْتِكِينَ(٤)،= "ثعل". وفي كتاب الأمالى لأبي على القالى، جـ ٢ ص ٤٦ (طبعة دار الكتب المصرية، سنة ١٩٢٦ م)، أن ابن همام هذا كان معاصرا لزياد بن أبيه في أوائل الدولة الأموية.(١) في س "بدرها بعل"، وما هنا من (لسان العرب). والأفاويق جمع الجمع للفظ "فيقة"، وهي اللبن الذي يتجمع في الضرع (القاموس المحيط). أما الثعل فهو الزيادة في ضرع الناقة، ويقصد به هنا المبالغة في الارتضاع. (لسان العرب).(٢) انفردت "ص" بإضافة الأبيات الآتية إلى هذا البيت:يا أيها الرجل المعلم غيره … هلا لنفسك كان ذا التعليمتصف الدواء لذي السقام … وذى الضنا كيما يصح به وأنت سقيمونراك تلقح بالرشاد عقولنا … أبدا وأنت من الرشاد عديمفهناك ينفع ما تقول ويقتدى … بالوعد منك وينفع التعليم(٣) في س"مناقشة"، وما هنا من النسخ الأخرى.(٤) في س والنسخ الأخرى "طغدكين"، والصواب ما هنا. وهو طغتكين بن عبد الله أمين الدولة ظاهر الدين أبو منصور، ملوك السلطان طُطش السلجوقي بدمشق. وقد ترقي طغتكين في خدمة سيده حتَّى صار مربيا لولده دقاق، فلما تولى دقاق سلطنة دمشق بعد وفاة أبيه ططش سنة ٤٨٨ هـ (١٠٩٥ م) صار طغتكين أتابكا له وبيده جميع السلطة. ثم مات دقاق وترك أولادا صغارا، فتمكن طغتكين من إعلان نفسه سلطانا بدمشق، ونال رضى السلطان السلجوقي الأعظم بغداد؛ ووقعت بينه وبين الصليبيين، حروب كثيرة، ومات سنة ٥٢٢ هـ (١١٢٨ م). وتولى الحكم من بعده ابنه الأكبر تاج الملوك بوري، =
سُلْطَانَ دِمَشْقَ، طَلَبَ لَهُ مُحْتَسِبًا، فَذُكِرَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، فَأَمَرَ بِإِحْضَارِهِ، فَلَمَّا بَصَرَ بِهِ قَالَ: " إنِّي وَلَّيْتُك أَمْرَ الْحِسْبَةِ عَلَى النَّاسِ، بِالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ ". قَالَ: " إنْ كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، فَقُمْ عَنْ هَذِهِ الطَّرَّاحَةِ(١)، وَارْفَعْ هَذَا الْمَسْنَدَ، فَإِنَّهُمَا حَرِيرٌ وَاخْلَعْ هَذَا الْخَاتَمَ، فَإِنَّهُ ذَهَبٌ. فَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِي الذَّهَبِ، وَالْحَرِيرِ: " إنَّ هَذَيْنِ حَرَامٌ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي، حِلٌّ لِإِنَاثِهَا ". قَالَ فَنَهَضَ السُّلْطَانُ عَنْ طَرَّاحَتِهِ، وَأَمَرَ بِرَفْعِ مَسْنَدِهِ، وَخَلَعَ الْخَاتَمَ مِنْ أُصْبُعِهِ، وَقَالَ: " قَدْ ضَمَمْت إلَيْك النَّظَرَ فِي أُمُورِ الشُّرْطَةِ "، فَمَا رَأَى النَّاسُ مُحْتَسِبًا أَهْيَبَ مِنْهُ. فَصْلٌوَيَنْبَغِي لِلْمُحْتَسِبِ أَنْ يَكُونَ مُوَاظِبًا عَلَى سُنَنِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، مِنْ قَصِّ الشَّارِبِ، وَنَتْفِ الْإِبْطِ، وَحَلْقِ الْعَانَةِ، وَتَقْلِيمِ الْأَظْفَارِ، وَنَظَافَةِ(٢) الثِّيَابِ وَتَقْصِيرِهَا، وَالتَّعَطُّرِ بِالْمِسْكِ وَنَحْوِهِ، وَجَمِيعِ سُنَنِ الشَّرْعِ وَمُسْتَحَبَّاتِهِ. هَذَا مَعَ الْقِيَامِ عَلَى الْفَرَائِضِ، وَالْوَاجِبَاتِ، فَإِنَّ ذَلِكَ أَزْيَدُ فِي تَوْقِيرِهِ، وَأَنْفَى لِلطَّعْنِ فِي دِينِهِ.وَقَدْ حُكِيَ أَنَّ رَجُلًا حَضَرَ عِنْدَ السُّلْطَانِ مَحْمُودٍ(٣) يَطْلُبُ الْحِسْبَةَ بِمَدِينَةِ غَزْنَةَ(٤)، فَنَظَرَ السُّلْطَانُ فَرَأَى شَارِبَهُ قَدْ غَطَّى فَاهُ= وما زالت سلطنة دمشق بيد سلالة طغتكين حتَّى استولى عليها نور الدين محمود بن زنكى سنة ١١٥٣ م، ثم أصبحت من ممتلكات صلاح الدين مؤسس الدولة الأيوبية في مصر والشام. انظر. Ency، Isl. Arts) (Tughtakin، Damascus(١) الطرَّاحة - وجمعها طراريح - مرتبة يفترشها السلطان إذا جلس. (المقريزى: السلوك في معرفة دول الملوك، جـ ١، ص ٤٤٩، حاشية ٣).(٢) في س "نضافة"، والتصويب من النسخ الأخرى. ويلاحظ أن النسخ كلها تحتوي على أخطاء نحوية وإملائية، وبعض الألفاظ وارد بصيغة عامية، وسيعني الناشر بتصحيح ذلك من غير تعليق، إلا إذا كان للتعليق أهمية خاصة.(٣) المقصود هنا محمود بن سبکتكين الذي أسس الدولة الغزنويه بأفغانستان سنة ٣٨٩ هـ (٩٩٩ م)، وكان قد حصل من الخليفة العباسي القادر بالله على تقليد بالسلطنة، واستولى على الجزء الأكبر من أملاك السامانيين، واتخذ غزنة عاصمة له. ثم انتصر سبكتكين على السلاجقة والبويهين، وضم إليه العراق العجمي، وجعل ابنه مسعودا حاكما على أصفهان والري؛ ومات بغزنة سنة ٤٢١ هـ (١٠٣٠ م). انظر: (Ency. Isi. Art. Mahmud) .(٤) غزنة مدينة بأفغانستان، تقع فوق هضبة تشرف على سهول الهند، وتتصل بها عن طريق عدة وديان؛ وقد اتخذها سبکتکين قاعدة لملكه، وتعاقب على حكمها السلاجقة وخوارزمشاه، ثم هدمها المغول سنة ٦١٨ هـ (١٢٢١ م)، فلم تقم لها قائمة من بعد ذلك. انظر: Ency، Isl. Arts Mahmud) (Ghazna.
مِنْ طُولِهِ، وَأَذْيَالُهُ تُسْحَبُ عَلَى الْأَرْضِ. فَقَالَ لَهُ: " يَا شَيْخُ، اذْهَبْ فَاحْتَسِبْ عَلَى نَفْسِك، ثُمَّ عُدْ، وَاطْلُبْ الْحِسْبَةَ عَلَى النَّاسِ ". فَصْلٌوَلْيَكُنْ [مِنْ] شِيمَتِهِ الرِّفْقُ، وَلِينُ الْقَوْلِ، وَطَلَاقَةُ الْوَجْهِ، وَسُهُولَةُ الْأَخْلَاقِ. عِنْدَ أَمْرِهِ لِلنَّاسِ وَنَهْيِهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ أَبْلَغُ فِي اسْتِمَالَةِ الْقُلُوبِ، وَحُصُولِ الْمَقْصُودِ.قَالَ اللَّهُ عز وجل لِنَبِيِّهِ صلى الله عليه وسلم: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ}، وَلِأَنَّ الْإِفْرَاطَ فِي الزَّجْرِ رُبَّمَا أَغْرَى بِالْمَعْصِيَةِ، وَالتَّعْنِيفُ بِالْمَوْعِظَةِ تَمُجُّهُ(١) الْأَسْمَاعُ، وَقَدْ حُكِيَ أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ عَلَى الْمَأْمُونِ، فَأَمَرَهُ بِمَعْرُوفٍ، وَنَهَاهُ عَنْ مُنْكَرٍ، وَأَغْلَظَ لَهُ فِي الْقَوْلِ، فَقَالَ لَهُ الْمَأْمُونُ: [يَا هَذَا،](٢) إنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْك أَنْ يَلِينَ الْقَوْلَ لِمَنْ هُوَ شَرٌّ مِنِّي، فَقَالَ لِمُوسَى، وَهَارُونَ: {فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى}؛ ثُمَّ أَعْرَضَ [عَنْهُ](٣)، وَلَمْ يَلْتَفِتْ إلَيْهِ؛ وَلِأَنَّ الرَّجُلَ قَدْ يَنَالُ بِالرِّفْقِ مَا لَا يَنَالُ بِالتَّعْنِيفِ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «إنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ كُلَّ رَفِيقٍ، يُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ مَا لَا يُعْطِي عَلَى التَّعْنِيفِ».وَلْيَكُنْ مُتَأَنِّيًا، غَيْرَ مُبَادِرٍ إلَى الْعُقُوبَةِ، وَلَا يُؤَاخِذُ أَحَدًا بِأَوَّلِ ذَنْبٍ يَصْدُرُ [مِنْهُ](٤)، وَلَا يُعَاقِبُ [بِأَوَّلِ](٥) زَلَّةٍ تَبْدُو؛ لِأَنَّ الْعِصْمَةَ فِي الْخَلْقِ مَفْقُودَةٌ فِيمَا سِوَى الْأَنْبِيَاءِ [- صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ -](٦) وَإِذَا عَثَرَ بِمَنْ نَقَصَ الْمِكْيَالَ، أَوْ بَخَسَ الْمِيزَانَ، أَوْ غَشَّ بِضَاعَةً أَوْ صِنَاعَةً بِمَا يَأْتِي وَصْفُهُ فِي أَبْوَابِهِ مِنْ أَنْوَاعِ الْغُشُوشِ، اسْتَتَابَهُ عَنْ مَعْصِيَتِهِ، وَوَعَظَهُ، وَخَوَّفَهُ، وَأَنْذَرَهُ الْعُقُوبَةَ، وَالتَّعْزِيرَ(٧)؛ فَإِنْ عَادَ إلَى فِعْلِهِ عَزَّرَهُ عَلَى حَسَبِ مَا يَلِيقُ [بِهِ](٨) مِنْ التَّعْزِيرِ بِقَدْرِ الْجِنَايَةِ، وَلَا يَبْلُغُ بِهِ الْحَدَّ(١) في س "مجة"، وما هنا من النسخ الأخرى.(٢)،(٣)،(٤)،(٥) ما بين الحاصرتين غير وارد في "س"، وأضيف من النسخ الأخرى.(٦) الإضافة من ص، م فقط.(٧) التعزير عقاب المذنب أو المخالف لأمور لم تشرع فيها الحدود، ويترك أمر العقاب فيها لولى الأمر. ويختلف التعزير بحسب الذنوب المرتكبة وحال المذنب نفسه، وهو أنواع - مثل التَّوبيخ والزجر بالكلام، والحبس، والنهي عن الوطن، والضرب؛ وقد فصلت "كتب الفقه الأصول المتبعة في هذه الأنواع.انظر (ابن تيمية: الحسبة في الإسلام، ص ٣٨؛ المَاوَرْدِيُّ: الأحكام السلطانية، ص ٢٢٧ - ٢٣١).(٨) الإضافة من ع، م، هـ.
وَيَتَّخِذُ [الْمُحْتَسِبُ] لَهُ سَوْطًا، وَدِرَّةً(١) [، وَطُرْطُورًا](٢)، وَغِلْمَانًا، وَأَعْوَانًا فَإِنَّ ذَلِكَ أَرْعَبُ لِقُلُوبِ الْعَامَّةِ، وَأَشَدُّ خَوْفًا، وَيُلَازِمُ الْأَسْوَاقَ، وَالدُّرُوبَ فِي أَوْقَاتِ الْغَفْلَةِ عَنْهُ، وَيَتَّخِذُ لَهُ فِيهَا عُيُونًا، يُوَصِّلُونَ إلَيْهِ الْأَخْبَارَ، وَأَحْوَالَ السُّوقَةِ. فَصْلٌوَمِنْ الشُّرُوطِ اللَّوَازِمِ لَلْمُحْتَسِبِ أَنْ يَكُونَ عَفِيفًا عَنْ أَمْوَالِ النَّاسِ، مُتَوَرِّعًا عَنْ قَبُولِ الْهَدِيَّةِ مِنْ الْمُتَعَيِّشِينَ، وَأَرْبَابِ الصِّنَاعَاتِ، فَإِنَّ ذَلِكَ رِشْوَةٌ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم (أ): «لَعَنَ اللَّهُ الرَّاشِيَ وَالْمُرْتَشِيَ»؛ وَلِأَنَّ التَّعَفُّفَ عَنْ ذَلِكَ أَصَوْنُ لِعَرْضِهِ، وَأَقْوَمُ لِهَيْبَتِهِ، وَيُلْزِمُ [الْمُحْتَسِبُ] غِلْمَانَهُ، وَأَعْوَانَهُ بِمَا الْتَزَمَهُ مِنْ هَذِهِ الشُّرُوطِ، فَإِنَّ أَكْثَرَ(٣) مَا تَتَطَرَّقُ التُّهْمَةُ إلَى الْمُحْتَسِبِ مِنْ غِلْمَانِهِ، وَأَعْوَانِهِ، فَإِنْ عَلِمَ أَنَّ أَحَدًا مِنْهُمْ أَخَذَ رِشْوَةً أَوْ قَبِلَ هَدِيَّةً صَرَفَهُ عَنْهُ، لِتَنْتَفِيَ عَنْهُ الظُّنُونُ، وَتَنْجَلِيَ عَنْهُ الشُّبُهَاتُ.(١) في س "او دره"، وما هنا من سائر النسخ الأخرى. والدرة أداة للضرب، كانت تتخذ في عصر المؤلف من جلد البقر أو الجمل، وتحشي بنوى التمر. (انظر الفهرس).(٢) الإضافة من ع. والطرطور غطاء للرأس، وهو طويل دقيق من أعلى، وكان يصنع في عصر المؤلف من اللبد، وينقش بالخرق الملونة، ويكلل بالخرز والودع والأجراس وأذناب الثعالب والسنانير؛ ويضعه المحتسب على رأس المذنب لتشهيره وتجريسه. (انظر الفهرس).(٣) في س "كان أكثر"، وما هنا من سائر النسخ الأخرى، وهو أصوب.
الْبَابُ الثَّانِي فِي النَّظَرِ فِي الْأَسْوَاقِ، وَالطُّرُقَاتِيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ الْأَسْوَاقُ فِي الِارْتِفَاعِ، وَالِاتِّسَاعِ عَلَى مَا وَضَعَتْهُ الرُّومُ(١) قَدِيمًا، وَيَكُونَ مِنْ جَانِبَيْ السُّوقِ إفْرِيزَانِ يَمْشِي عَلَيْهِمَا النَّاسُ فِي زَمَنِ الشِّتَاءِ، إذَا لَمْ يَكُنْ السُّوقُ مُبَلَّطًا، وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ مِنْ السُّوقَةِ إخْرَاجُ مِصْطَبَةِ(٢) دُكَّانِهِ عَنْ سَمْتِ أَرْكَانِ السَّقَائِفِ(٣) إلَى الْمَمَرِّ الْأَصْلِيِّ؛ لِأَنَّهُ عُدْوَانٌ عَلَى الْمَارَّةِ، يَجِبُ عَلَى الْمُحْتَسِبِ إزَالَتُهُ، وَالْمَنْعُ مِنْ فِعْلِهِ، لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ لُحُوقِ الضَّرَرِ بِالنَّاسِ. وَيَجْعَلُ لِأَهْلِ كُلِّ صَنْعَةِ مِنْهُمْ سُوقًا يَخْتَصُّ بِهِمْ، وَتُعْرَفُ صِنَاعَتُهُمْ [فِيهِ](٤)، فَإِنَّ ذَلِكَ لِقُصَّادِهِمْ أَرْفَقُ، وَلِصَنَائِعِهِمْ أَنْفَقُ، وَمَنْ كَانَتْ صِنَاعَتُهُ تَحْتَاجُ إلَى وُقُودِ نَارٍ، كَالْخَبَّازِ وَ [الطَّبَّاخِ]،(٥) وَالْحَدَّادِ، فَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يُبْعِدَ حَوَانِيتَهُمْ عَنْ(١) أقيمت الأسواق في مدن الدولة الرومانية حول الميدان (Forum) والمعابد والكنائس غالبًا، ثم أنشئت الدكاكين على جانبي الشوارع المختلفة، وجعل لكل صنف من أصناف التجارة موضع خاص، وبنيت السقوف فوق تلك المواضع لحماية المارة من الشمس والمطر، ولذا سميت تلك الأسواق بالسقائف؛ وقد سري هذا النظام أيضًا في معظم المدن الإسلامية. راجع: Rostovtzeff: Social and Economic ١٣٥. Mez: Die Renaissance des Islams History of the Roman Empire، p الترجمة العربية، جـ ٢، ص ٣٢٥ - ٣٢٦؛ وكذلك (Ency. Soc. Sc. Art. Marketing) .(٢) المصطبة بناء من الحجر أو الأجر يقام بجانب وجهة الدكان، ويبلغ ارتفاعها نحو المتر، وسطحها في مستوى أرضية الدكان، ويجلس عليها صاحب الدكان مع زبائنه. وقد ظلت المصاطب شائعة الاستعمال في مصر حتَّى أمر محمد على إزالتها لكيلا تضيق على المارة، وذلك في سنة ١٢٥٠ هـھ (١٨٣٥ م). راجع (Lane: The Manners & Customs of the Modern Egyptians، pp. ٣٢٢، ٥٦٣ note ٢)وانظر كذلك دفتر مجموع أمور إدارة وإجراءات من تسليمات مجلس الأحكام المصرية، ص ٢٦٩. (دار محفوظات عابدين).(٣) السقائف - ومفردها سقيفة - الأسواق المظللة لحماية السابلة من المطر والشمس. (انظر Dozy: Supp. Diet، Ar) ، وكانت شائعة في أسواق القسطنطينية، وغيرها من مدن الدولة البيزنطية.(انظر ١٣٥. Rostovtzeff: Op، Cit. p) . والراجح أن العرب أخذوها عن تلك المدن، فقد أمر زياد ابن أبيه ألا تغلق أبواب الحوانيت في البصرة، وطلب أن يمد السقيف عليها. راجع أبو هلال العسكري (كتاب الأوائل، ص ٢٣٩ ب). وظلت السقائف سائدة في أسواق مصر حتَّى عهد محمد على، وإلى الآن في الأحياء الوطنية. (انظر ٥٦٣. Lane: op، Cit.، p) .(٤) الإضافة من هـ فقط.(٥) الإضافة من ص، م.
الْعَطَّارِينَ وَالْبَزَّازِينَ، لِعَدَمِ الْمُجَانَسَةِ بَيْنَهُمْ، وَحُصُولِ الْأَضْرَارِ. فَصْلٌ وَلَمَّا لَمْ تَدْخُلْ الْإِحَاطَةُ بِأَفْعَالِ السُّوقَةِ تَحْتَ وُسْعِ الْمُحْتَسِبِ، جَازَ لَهُ أَنْ يَجْعَلَ لِأَهْلِ كُلِّ صَنْعَةٍ عَرِيفًا مِنْ صَالِحِ أَهْلِهَا، خَبِيرًا بِصِنَاعَتِهِمْ، بَصِيرًا بِغُشُوشِهِمْ وَتَدْلِيسَاتِهِمْ، مَشْهُورًا بِالثِّقَةِ وَالْأَمَانَةِ، يَكُونُ مُشْرِفًا عَلَى أَحْوَالِهِمْ، وَيُطَالِعُهُ بِأَخْبَارِهِمْ، وَمَا يُجْلَبُ إلَى سُوقِهِمْ مِنْ السِّلَعِ وَالْبَضَائِعِ، وَمَا تَسْتَقِرُّ عَلَيْهِ مِنْ الْأَسْعَارِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَسْبَابِ الَّتِي يَلْزَمُ الْمُحْتَسِبُ مَعْرِفَتَهَا. فَقَدْ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ. «اسْتَعِينُوا عَلَى كُلِّ صَنْعَةٍ بِصَالِحِ أَهْلِهَا». فَصْلٌ وَلَا يَجُوزُ لِلْمُحْتَسِبِ تَسْعِيرُ الْبَضَائِعِ عَلَى أَرْبَابِهَا، وَلَا أَنْ يُلْزِمَهُمْ بَيْعَهَا بِسِعْرٍ مَعْلُومٍ؛ لِأَنَّ السِّعْرَ غَلَا(١) عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ: «سَعِّرْ لَنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: إنَّ اللَّهَ هُوَ الْمُسَعِّرُ(٢)، وَإِنِّي لِأَرْجُوَ أَنْ أَلْقَى اللَّهَ، وَلَيْسَ أَحَدٌ يُطَالِبُنِي بِمَظْلِمَةٍ فِي نَفْسٍ، وَلَا مَالٍ»(٣).وَإِذَا رَأَى الْمُحْتَسِبُ أَحَدًا قَدْ احْتَكَرَ الطَّعَامَ مِنْ سَائِرِ الْأَقْوَاتِ، وَهُوَ أَنْ يَشْتَرِيَ ذَلِكَ فِي وَقْتِ الرَّخَاءِ(٤)، وَيَتَرَبَّصُ بِهِ [الْغَلَاءَ](٥)، فَيَزْدَادُ ثَمَنُهُ، أَلْزَمهُ بَيْعَهُ إجْبَارًا؛ لِأَنَّ الِاحْتِكَارَ حَرَامٌ، وَالْمَنْعُ مِنْ فِعْلِ الْحَرَامِ، وَاجِبٌ.وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «الْجَالِبُ مَرْزُوقٌ، وَالْمُحْتَكِرُ مَلْعُونٌ»(٦)(١) في س "غلاء غلا"، وما هنا من هـ.(٢)،(٣) في س "أن الله هو القابض الباسط"، وما هنا من ص، م، ع، هـ. وفي رواية أخرى - عن أبي هريرة - جاء رجل إلى النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم، فقال له يا رسول الله سعر لنا، فقال بل ادعوا الله، ثم جاء رجل فقال يا رسول الله سعر لنا، فقال بل الله يرفع ويخفض، وإني لأرجو أن ألقي الله وليست لأحد عندي مظلمة. انظر (ابن تيمية: الحسبة في الإسلام، ص ٢٨).(٤) في س، "الغلا"، وما هنا من ص.(٥) الإضافة من ص، م.(٦) أضافت النسخة "ل" ما يأتي، زيادة عن جميع النسخ الأخرى، وقد وردت هذه الزيادة أيضًا في ابن الأخوة (كتاب معالم القرية، ص ٦٥ - ٦٦)، وفي الغزالى (كتاب إحياء علوم الدين، جـ ٢، س ٦٦ - ٦٧)، ونصها: فالاحتكار هو الطعام الذي يدخر، ينتظر به غلاء الأسعار، وهو =
وَلَا يَجُوزُ تَلَقِّي الرُّكْبَانِ، وَهُوَ أَنْ تَقْدُمَ قَافِلَةٌ فَيَلْتَقِيهِمْ إنْسَانٌ خَارِجَ الْبَلَدِ، فَيُخْبِرَهُمْ بِكَسَادِ مَا مَعَهُمْ لِيَبْتَاعَ مِنْهُمْ رَخِيصًا، فَإِنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم «نَهَى عَنْ تَلَقِّي الرُّكْبَانِ، وَنَهَى عَنْ بَيْعِ السِّلَعِ حَتَّى يَهْبِطَ بِهَا إلَى السُّوقِ». فَإِنْ عَثَرَ الْمُحْتَسِبُ بِمَنْ يَقْصِدُ ذَلِكَ رَدَعَهُ عَنْ فِعْلِهِ، بَعْدَ التَّعْزِيرِ.وَيَنْبَغِي أَنْ يَمْنَعَ أَحْمَالَ الْحَطَبِ، وَأَعْدَالَ(١) التِّبْنِ، وَرَوَايَا(٢) الْمَاءِ، وَشَرَائِجَ(٣) السِّرْجِينِ(٤)، وَالرَّمَادِ، وَأَشْبَاهَ ذَلِكَ، مِنْ الدُّخُولِ إلَى الْأَسْوَاقِ، لِمَا فِيهِ [مِنْ](٥) ا لضَّرَرِ بِلِبَاسِ النَّاسِ، وَيَأْمُرُ جَلَّابِي الْحَطَبِ وَالتِّبْنِ، وَنَحْوِهِمْ إذَا، وَقَفُوا بِهَا فِي الْعِرَاصِ(٦)، أَنْ يَضَعُوا الْأَحْمَالَ(٧) عَنْ ظُهُورِ= ظلم عام، وصاحبه مذموم في الشرع. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من احتكر الطعام أربعين يوما ثم تصدق به، لم تكن صدقته كفارة لاحتكاره. وروى ابن عمر عن النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال من احتكر الطعام أربعين يوما فقد بريء من الله، وبريء الله منه، وقيل كأنما قتل نبيا - (في الغزالى، كأنما قتل الناس جميعًا). وعن علي رضي الله عنه، من احتكر الطعام أربعين يوما قسا قلبه؛ وعنه رضي الله عنه، أنه أحرق طعام محتكر بالنار. وروي من جلب طعاما فباعه بسعر يومه فكأنما تصدق به، وفي آخر فكأنما أعتق رقبة. وقيل في قول الله عز وجل: ومَنْ يُرِدْ فِيهِ بإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ، إن الاحتكار من الظلم وداخل تحته في الوعيد. وعن بعض السلف أنه كان بواسط، فجهز سفينة حنطة إلى البصرة، وكتب إلى وكيله بع هذا الطعام يوم يدخل البصرة ولا تؤخره إلى غد. فوافق [ذلك] سعة في السعر، فقال له التجار وإن أخرته جمعة ربحت فيه أضعافه، فأخره جمعة، فربح فيه أمثاله وكتب إلى صاحبه بذلك. فكتب إليه صاحب الطعام، يا هذا إنا كنا قنعنا برح يسير مع سلامة ديننا، وإنك قد خالفت، وما نحب أن نريح أضعافه بذهاب شيء من الدين، فقد جنيت علينا جناية، فإذا أتاك كتابي هذا فخذ المال كله، فتصدق به على فقراء البصرة، وليتنى أنجو من اثم الاحتكار كفافا، لا على ولا لي.(١) الأعمال جمع عدل، وهو حمل بعير، ويقدر بنحو ستين صاعا، ويسمي العدل باسم الوسق أيضًا. (المخصص، جـ ١٢، ص ٢٦٦).(٢) الروايا جمع راوية، وهي وعاء مصنوع من جلد الثور، يسع أربع قرب، والقربة سعة جلد ماعز من الماء؛ ويحمل الجمل راويتين عادة. انظر (ابن الحاج: المدخل، جـ ٤، ص ١٧٨، ١٧٩؛ Lane: op. Cit. p. ٣٢٩) .(٣) الشرائج جمع شريجة، وهي القفص من سعف النخل. (القاموس المحيط).(٤) السرجين لفظ أصله فارسي (سركين)، ومعناه الدمن أو الزبل. انظر الجواليقى (المعرب،ص ١٨٦؛ Zenker: Dictionnaire Turc - Arabe - persan) .(٥) الإضافة من ل، هـ.(٦) في س "العراض"، وما هنا من م. والعراص جمع عرصه، وهي المكان الواسع الذي لا بناء فيه. (لسان العرب).(٧) في س "إن يضعوها"، وما هنا من ع، وهو أوضح المعنى.
الدَّوَابِّ؛ لِأَنَّهَا إذَا وَقَفَتْ، وَالْأَحْمَالُ عَلَيْهَا أَضَرَّتْهَا، وَكَانَ فِي ذَلِكَ تَعْذِيبٌ لَهَا، وَقَدْ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ تَعْذِيبِ الْحَيَوَانِ لِغَيْرِ مَأْكَلِهِ»، وَيَأْمُرُ أَهْلَ الْأَسْوَاقِ بِكَنْسِهَا وَتَنْظِيفِهَا مِنْ الْأَوْسَاخِ، وَالطِّينِ الْمُجْتَمِعِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَضُرُّ بِالنَّاسِ، لِأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ «لَا ضَرَرَ، وَلَا إضْرَارَ». فَصْلٌ وَأَمَّا الطُّرُقَاتُ، وَدُرُوبُ الْمَحَلَّاتِ، فَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ إخْرَاجُ جِدَارِ [دَارِهِ، وَلَا دُكَّانِهِ](١) فِيهَا إلَى الْمَمَرِّ الْمَعْهُودِ، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا فِيهِ أَذِيَّةٌ، وَإِضْرَارٌ عَلَى السَّالِكِينَ، كَالْمَيَازِيبِ الظَّاهِرَةِ مِنْ الْحِيطَانِ فِي زَمَنِ الشِّتَاءِ، وَمَجَارِي الْأَوْسَاخِ الْخَارِجَةِ(٢) مِنْ الدُّورِ فِي زَمَنِ الصَّيْفِ إلَى وَسَطِ الطَّرِيقِ. بَلْ يَأْمُرُ الْمُحْتَسِبُ أَصْحَابَ الْمَيَازِيبِ أَنْ يَجْعَلُوا عِوَضَهَا مَسِيلًا مَحْفُورًا فِي الْحَائِطِ مُكَلَّسًا، يَجْرِي فِيهِ مَاءُ السَّطْحِ، وَكُلُّ مَنْ كَانَ فِي دَارِهِ مَخْرَجٌ لِلْوَسَخِ إلَى الطَّرِيقِ، فَإِنَّهُ يُكَلِّفُهُ(٣) سَدَّهُ فِي الصَّيْفِ، وَيَحْفِرُ لَهُ فِي الدَّارِ حُفْرَةً يَجْتَمِعُ إلَيْهَا.وَلَا يَجُوزُ التَّطَلُّعُ عَلَى الْجِيرَانِ مِنْ السُّطُوحَاتِ، وَالنَّوَافِذِ، وَلَا أَنْ يَجْلِسَ الرِّجَالُ فِي طُرُقَاتِ النِّسَاءِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ [وَكَذَلِكَ النِّسَاءُ لَا يَجْلِسْنَ عَلَى أَبْوَابِ بُيُوتِهِنَّ فِي طُرُقَاتِ الرِّجَالِ](٤). فَمَنْ فَعَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ عَزَّرَهُ الْمُحْتَسِبُ، سِيَّمَا إذَا رَأَى رَجُلًا أَجْنَبِيًّا مَعَ امْرَأَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ يَتَحَدَّثَانِ فِي مَوْضِعِ خَلْوَةٍ، فَإِنَّهُ أَشَدُّ لِلتُّهْمَةِ فِي حَقِّهَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.(١) الإضافة من ع، م، هـ.(٢) في س "خارجه"، وما هنا من ل، م، هـ.(٣) في س "يكلف"، وما هنا من ل، م.(٤) ما بين الحاصرتين وارد في ص، م فقط.
الْبَابُ الثَّالِثُ فِي مَعْرِفَةِ الْقَنَاطِيرِ، وَالْأَرْطَالِ وَالْمَثَاقِيلِ، وَالدَّرَاهِمِلَمَّا كَانَتْ هَذِهِ [أُصُولُ](١) الْمُعَامَلَاتِ، وَبِهَا(٢) اعْتِبَارُ الْمَبِيعَاتِ، لَزِمَ الْمُحْتَسِبَ مَعْرِفَتُهَا، وَتَحْقِيقُ كَمَيِّتِهَا، لِتَقَعَ الْمُعَامَلَةُ بِهَا مِنْ غَيْرِ غَبْنٍ، عَلَى الْوَجْهِ الشَّرْعِيِّ. وَقَدْ اصْطَلَحَ أَهْلُ كُلِّ إقْلِيمٍ وَبَلَدٍ [فِي الْمُعَامَلَةِ](٣) عَلَى أَرْطَالٍ تَتَفَاضَلُ فِي الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ، سِيَّمَا أَهْلُ الشَّامِ خَاصَّةً، وَسَأَذْكُرُ مِنْ ذَلِكَ مَا لَا يَسَعُ الْمُحْتَسِبَ جَهْلُهُ، لِيَعْلَمَ تَفَاوُتَ الْأَسْعَارِ. أَمَّا الْقِنْطَارُ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ الْعَظِيمُ فِي كِتَابِهِ الْكَرِيمِ، فَقَدْ قَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ " هُوَ أَلْفٌ، وَمِائَتَا أُوقِيَّةٍ "؛ وَقَالَ(٤) أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ(٥): " هُوَ مِلْءُ مِسْكِ(٦) ثَوْرٍ ذَهَبًا ".وَأَمَّا الْقِنْطَارُ الْمُتَعَارَفُ فَهُوَ مِائَةُ رِطْلٍ، وَالرِّطْلُ سِتُّمِائَةٍ، وَأَرْبَعَةٌ وَثَمَانُونَ دِرْهَمًا، وَهُوَ اثْنَتَا عَشْرَةَ أُوقِيَّةً(٧).وَالْأُوقِيَّةُ سَبْعَةٌ وَخَمْسُونَ دِرْهَمًا. هَذَا رِطْلُ شَيْزَرٍ(٨)، الَّذِي رَسَمَهُ بِهَا بَنُو مُنْقِذٍ.(١) ما بين الحاصرتين وارد في ل، هـ فقط.(٢) في س "وزنها"، وما هنا من ل، هـ.(٣) ما بين الحاصرتين وارد في ل، هـ فقط.(٤) في س "فقد قال"، وما هنا من م، ع.(٥) المقصود بهذه التسمية سعد بن مالك بن سنان الخزرجي المدني، أحد الصحابة الذين شهدوا بيعة الشجرة، وكان أبوه من شهداء أحد. وقد روى أبو سعيد هذا كثيرًا من أحاديث النَّبِيّ، وهي واردة في صحيح البخاري ومسند مسلم، وكانت وفاته سنة ٧٤ هـ، عن ست وثمانين سنة. (الذهي: تذكرة الحفاظ، جـ ١، ص ٣٧ - ٣٨).(٦) المسك هنا الجلد (المخصص، جـ ٤ ص ١٠١)، ويطلق على جلد الثور. انظر الثعالبي (فقه اللغة، ص ٩٥).(٧) في س، وسائر النسخ الأخرى، "اثني عشر"، والصواب كما بالمتن.(٨) شيزر بلدة بشمال الشام، وتقع على نهر الأورنت. وقد فتحها أبو عبيدة عامر بن الجراح سنة ١٧ هـ صلحا، واقترن اسمها بأسرة بن منقذ من بني كنانة منذ القرن الخامس الهجري (١٠٢٥ م)، إذ تولوها خالفا عن سالف، وصدوا عنها إغارات القبائل المجاورة وهجمات الصليبيين والبيزنطيين. ثم استولى عليها نور الدين محمود بن زنكي؛ وقد أصبحت من ممتلكات الأيوبيين سنة ٥٧٠ هـ (١١٧٤ م). راجع (ياقوت: معجم البلدان - طبعة فستنفلد - ج ص ٣٥٣)، وكذلك (Ency، ١ s. Art. Shaizar) . هذا ويلاحظ أن المؤلف ذكر بلدة شيزر وموازينها قبل غيرها من بلاد الشام، وفي ذلك ما يدلُّ ترجيحا على أنه ألف كتابه بهذه البلدة، وأن نسبته إليها لا تحتمل شيئًا من الشك. انظر المقدمة).