الطرق الحكمية في السياسة الشرعية - ط عطاءات العلم (ابن القيم)القسم: السياسة الشرعية والقضاءالكتاب: الطرق الحكمية في السياسة الشرعية[آثار الإمام ابن قيم الجوزية وما لحقها من أعمال (٩)]المؤلف: أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب ابن قيم الجوزية (٦٩١ - ٧٥١)المحقق: نايف بن أحمد الحمدراجعه: سليمان بن عبد الله العمير - إبراهيم بن على العبيدالناشر: دار عطاءات العلم (الرياض) - دار ابن حزم (بيروت)الطبعة: الرابعة، ١٤٤٠ هـ - ٢٠١٩ م (الأولى لدار ابن حزم)عدد الأجزاء: ٢ (متسلسلة الترقيم)قدمه للشاملة: مؤسسة «عطاءات العلم»، جزاهم الله خيرا[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]تاريخ النشر في Ramisher: ١ يوليو ٢٠٢٦.
الطرق الحكمية في السياسة الشرعية - ط عطاءات العلم - جـ ٢آثار الإمام ابن قيم الجوزية وما لحقها من أعمال (٩) الطرق الحكمية في السياسة الشرعية تأليفالإمام أبي عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب ابن قيم الجوزية (٦٩١ هـ - ٧٥١ هـ) تحقيقنايف بن أحمد الحمد إشرافبكر بن عبد الله أبو زيد [الجزء الثاني]
قال الشيخ الإمام العلامة الحبر البحر الفهامة سيد الحفاظ، وفارس المعاني والألفاظ، ترجمان القرآن، ذو الفنون البديعة الحسان، شمس الدين أبو عبد الله محمد بن قيم الجوزية، - رحمه الله تعالى -:الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وكفى بالله شهيدًا، أرسله بين يدي الساعة بشيرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا، فهدى به من الضلالة، وبصَّر به من العمى، وأرشد به من الغي، وفتح به أعينًا عميًا وآذانًا صمًّا وقلوبًا غلفًا، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا(١). أما بعد:وسألتَ(٢) عن الحاكم، أو الوالي يحكم بالفراسة(٣)(١) هذه الخطبة مثبتة في "ب" و"د" و"هـ". أما "أ" ففيها: "اللهم صلِّ على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. سئل الشيخ الامام العالم العلامة شيخ الإسلام، شمس الدين محمد بن أبي بكر بن أيوب الزرعي رحمه الله الشهير بابن قيم الجوزية عن مسائل عديدة تسمى الطرابلسيات، وردت عليه من طرابلس الغرب، فمنها ما قاله في جواب المسائل".(٢) وفي "جـ": "سألني أخي".(٣) قال ابن العربي رحمه الله: "وحقيقتها الاستدلال بالخَلقِ على الخُلُقِ، وذلك يكون بجودة القريحة، وحدة الخاطر، وصفاء الفكر" ا. هـ. أحكام القرآن: (٣/ ١٠٦). وانظر: المستصفى (١/ ٥٥)، وانظر في مسألة الحكم =
والقرائن(١) التي يظهر له بها الحق، والاستدلال بالأمارات، ولا يقف مع مجرد ظواهر البينات والإقرار(٢) حتى إنه ربما يتهدد أحد الخصمين(٣) إذا ظهر له(٤) منه أنه مبطل، وربما ضربه، وربما سأله عن أشياء تدله على صورة(٥) الحال، فهل ذلك صواب أم خطأ؟فهذه مسألة كبيرة عظيمة النفع، جليلة القدر، إن أهملها الحاكم أو الوالي أضاع حقًّا كثيرًا، وأقام باطلًا كبيرًا، وإن توسع فيها(٦) وجعل معوّله عليها دون الأوضاع الشرعية، وقع في أنواعٍ من الظلم والفساد.وقد سئل أبو الوفاء ابن عقيل عن هذه المسألة، فقال: ليس ذلك حكمًا بالفراسة، بل حكم بالأمارات. وإذا تأملتم الشرع وجدتموه يجوّز التعويل على ذلك، وقد ذهب مالك(٧) رحمه الله إلى التوصل= بالفراسة: أحكام القرآن لابن العربي (٣/ ١٠٧)، تفسير القرطبي (١٠/ ٤٤)، تبصرة الحكام (٢/ ١٣٥)، معين الحكام (١٦٨)، روح المعاني (١٤/ ٧٤).(١) القرائن: جمع قرينة، و"القرينة: كل أمارة ظاهرة تقارن شيئًا خفيًّا فتدل عليه" ا. هـ. المدخل الفقهي العام (٢/ ٩١٨)، دار الفكر بيروت مصورة طبعة دمشق ١٩٦٨ م.(٢) وفي "جـ": "والأحوال".(٣) وفي "جـ": "المدعيين".(٤) "له" ساقطة من "أ".(٥) وفي "جـ": "بيان الحال".(٦) "فيها" ساقطة من "جـ".(٧) وفي "جـ": "وقال أصحاب مالك".
بالإقرار بما يراه الحاكم(١). وذلك مستند إلى قوله تعالى: {إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ} [يوسف: ٢٦]، ولذا(٢) حكمنا بعقد الأَزَج(٣)، وكثرة الخشب في الحائط، ومعاقد القمط(٤) في الخُص(٥)، وما يصلح للمرأة(٦) والرجل في الدعاوى. وفي مسألة العطار والدباغ إذا اختصما في الجلد، والنجار والخياط إذا تنازعا في(١) تبصرة الحكام (٢/ ١٤٧ و ٢١٦)، ومنح الجليل (٩/ ٧٠٣)، بدائع الفوائد (٣/ ١١٦).(٢) في "أ" و"ب": "ومتى".(٣) الأزج: بوزن فرس. ضرب من الأبنية. القاموس المحيط (٢٢٩)، المطلع على أبواب المقنع (٤٠٤). وقيل: السقف والبيت يبنى طولًا. المصباح المنير (١٣)، والتوقيف على مهمات التعاريف (٥٣).(٤) المعاقد: واحدها معقد بكسر القاف على أنه موضع العقدة، وبفتحها على أنه العقد نفسه. المطلع (٤٠٤). والقمط بكسر القاف ما يشد به الأخصاص. القاموس المطلع (٨٨٣، ٤٠٤)، طلبة الطلبة (٢٤٤). وقيل: بضم القاف بوزن "عُنُق" جمع قماط، وهي الشُّرَط التي يُشدُّ بها الخص ويوثق من ليف أو خوص أو غيرها. النهاية (٤/ ١٠٨)، طلبة الطلبة (٢٤٤). والخص: البيت يسقف بخشبة. القاموس (٧٩٦)، وسمي به لما فيه من الخصاص وهي الفروج والأنقاب. المطلع (٤٠٤).(٥) انظر: مصنف ابن أبي شيبة (٤/ ٤٦٤)، المبسوط (١٧/ ٩٠)، معين الحكام (١٢٩)، الرسالة لابن أبي زيد (٢٤٨)، فصول الأحكام للباجي (٣٢٤)، الفروق (٤/ ١٠٣)، تبصرة الحكام (٢/ ١٢٣)، تهذيب الفروق (٤/ ١٦٧)، الشرح الكبير للمقدسي (٢٩/ ١٣٣)، الإنصاف (٢٩/ ١٣١)، المبدع (١٠/ ١٤٩)، الإرشاد لابن أبي موسى (٥١٤)، قواعد ابن رجب (٣/ ١٠٩)، بدائع الصنائع (٦/ ٢٥٨)، الفتاوى الهندية (٤/ ٩٩).(٦) وفي "جـ": "وما يخص المرأة".
المنشار والقدوم، والطباخ والخباز إذا تنازعا في القِدرِ، ونحو ذلك، فهل ذلك إلا الاعتماد على الأمارات؟وكذلك الحكم بالقافة(١) والنظر في أمر الخنثى، والأمارات الدالة على أحد حاليه. والنظر في أمارات القبلة، واللوْث(٢) في القسامة(٣). انتهى(٤).والحاكم إذا لم يكن فقيه النفس في الأمارات، ودلائل الحال، ومعرفة شواهده، وفي القرائن الحالية والمقالية، كفقهه في كليات(٥) الأحكام: أضاع حقوقًا كثيرة على أصحابها، وحكم بما يعلم الناس بطلانه ولا يشكون فيه، اعتمادًا منه على نوع ظاهر لم يلتفت إلى باطنه وقرائن(٦) أحواله.(١) وفي "جـ": بدل "القافة": "بالتأمل". القافة جمع قائف، وهو الذي يعرف الآثار. مختار الصحاح (٥٥٦)، النظم المستعذب (٢/ ٨٣). وذكر المناوي أنه الذي يعرف النسب بفراسته ونظره إلى أعضاء المولود. التوقيف (٥٦٩).(٢) اللوث: بفتح اللام وسكون الواو البينة الضعيفة غير الكاملة. المغني لابن باطيش (١/ ٦٩١)، والمصباح المنير (٥٦٠). وعرفه ابن القيم بقوله: اللوث علامة ظاهرة لصدق المدعي. الطرق الحكمية، وذكر نحوه ابن تيمية في الجواب الصحيح (٦/ ٤٦٧).(٣) القسامة: بفتح القاف اسم للقسم، وشرعًا هي: أيمان مكررة في دعوى قتل معصوم. انظر: الإنصاف (٢٦/ ١٠٩)، شرح منتهى الإرادات (٣/ ٣٢٩)، معونة أولي النهى (٨/ ٣٣٣)، كشاف القناع (٧/ ٦٧).(٤) في "ب": "انتهى كلامه".(٥) في "ب": "كفقهه في جليات"، وفي "جـ" "كجزئيات وكليات".(٦) في "جـ": "وسائر".
فها هنا نوعان من الفقه، لا بد للحاكم منهما: فقه في أحكام الحوادث الكلية، وفقه في نفس الواقع وأحوال الناس، يميز به(١) بين الصادق والكاذب، والمحق والمبطل(٢). ثم يطابق بين هذا وهذا، فيعطي الواقع حكمه من الواجب، ولا يجعل الواجب مخالفًا للواقع.ومن له ذوق في الشريعة، واطلاع على كمالها(٣) وتضمنها(٤) لغاية مصالح العباد في المعاش والمعاد، ومجيئها بغاية العدل الذي يسع الخلائق، وأنه لا عدل فوق عدلها، ولا مصلحة فوق ما تضمنته من المصالح: تبين له(٥) أن السياسة العادلة جزء من أجزائها، وفرع من فروعها، وأن مَن أحاط علمًا(٦) بمقاصدها ووضعها مواضعها(٧) وحَسُنَ فهمه فيها: لم يحتج معها إلى(٨) سياسة غيرها ألبتة.فإن السياسة(٩) نوعان(١٠): سياسة ظالمة فالشريعة تحرمها،(١) في "ب": "تميزه".(٢) في "ب": "والباطل".(٣) وفي "جـ": "كمالاتها".(٤) في "ب": "أو بعضها".(٥) في "جـ": "عرف".(٦) وفي "جـ": "وأن من له معرفة".(٧) في "د": "بمواقعها".(٨) في "ب" و"هـ": "لم يحتج إلى".(٩) سيأتي تعريف السياسة (٢٩).(١٠) انظر: حاشية ابن عابدين (٤/ ١٦)، البحر الرائق (٥/ ١١٨)، تبصرة الحكام (٢/ ١٣٧)، ومعين الحكام (١٦٩)، بدائع الفوائد (٣/ ١٥٤)، =
وسياسة عادلة تخرج الحق من الظالم الفاجر، فهي(١) من الشريعة، عَلِمَها من عَلِمها، وجهلها من جهلها.ولا تنس في هذا الموضع قول سليمان نبي الله صلى الله عليه وسلم للمرأتين اللتين ادعتا الولد. فحكم به داود صلى الله عليه وسلم للكبرى، فقال سليمان: "ائتُونِي بالسِّكّينِ أَشُقُّهُ بَيْنَكُمَا". فسمحت الكبرى بذلك، فقالت الصغرى: لا تَفْعَل يَرْحَمكَ الله، هُوَ ابْنُهَا "فَقَضى بهِ لِلصُّغْرَى"(٢)، فأي شيء أحسن من اعتبار هذه القرينة الظاهرة! فاستدل برضا الكبرى بذلك، وأنها قصدت الاسترواح إلى التأسّي بمساواة الصغرى في فقد ولدها، وبشفقة(٣) الصغرى عليه، وامتناعها من الرضا بذلك(٤): على أنها هي أمه(٥)، وأن الحامل لها على الامتناع هو(٦) ما قام بقلبها من الرحمة والشفقة التي وضعها الله تعالى في قلب الأم، وقويت هذه القرينة عنده، حتى قدمها على إقرارها، فإنه حكم به لها مع(٧) قولها "هو= إعلام الموقعين (٤/ ٣٧٢).(١) في "أ" و"جـ": "بعين الشريعة".(٢) أخرجه البخاري رقم (٦٧٦٩) كتاب الفرائض، باب إذا ادعت المرأة ابنًا، ومسلم (١٧٢٠) في الأقضية، باب بيان اختلاف المجتهدين، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.(٣) وفي "ب" و "هـ": "وشفقة".(٤) وفي "جـ": "هـ": "بذلك دال".(٥) في "جـ": "على أنها أمه".(٦) وفي "جـ": "الامتناع من الدعوى ما قام".(٧) وفي "ب": "حكم به مع".
ابنها"وهذا هو الحق(١)، فإن الإقرار إذا كان لعلة اطلع عليها الحاكم لم يلتفت إليه أبدًا(٢). ولذلك ألغينا إقرار المريض مرض(٣) الموت بمال لوارثه؛ لانعقاد سبب التهمة، واعتمادًا على قرينة الحال في قصده تخصيصه.ومن تراجم قضاة السنة والحديث على هذا الحديث ترجمة أبي عبد الرحمن النسائي في "سننه"(٤) قال: "التوسعة للحاكم في أن يقول للشيء الذي لا يفعله: أفعل كذا، ليستبين به الحق".ثم ترجم عليه ترجمة أخرى أحسن من هذه، فقال: "الحكم بخلاف ما يعترف به المحكوم عليه، إذا تبين للحاكم أن الحق غير ما اعترف به"(٥) فهكذا يكون الفهم عن الله ورسوله.ثم ترجم عليه ترجمة أخرى فقال: "نقض الحاكم ما حكم به غيره ممن هو مثله، أو أجل منه"(٦). فهذه ثلاث قواعد.(١) انظر للمؤلف: بدائع الفوائد (٢/ ٣٠٥) طبعة البيان، وإغاثة اللهفان (٢/ ٤٨٩)، وزاد المعاد (٣/ ١٤٦)، وعدة الصابرين (٢٧٠). وانظر: تفسير ابن كثير (٥/ ٣٥١)، غذاء الألباب (١/ ١٣٩)، معالم القربة في طلب الحسبة (٢٢٠).(٢) قوله "أبدًا" مثبت في "هـ".(٣) وفي "ب": "المريض في مرض".(٤) المجتبى (٨/ ٢٣٦)، والسنن الكبرى (٣/ ٤٧٢).(٥) السنن الكبرى (٣/ ٤٧٣).(٦) المجتبى (٨/ ٢٣٦)، والسنن الكبرى (٣/ ٤٧٣).
ورابعة: وهي ما نحن فيه، وهي الحكم بالقرائن وشواهد الحال.وخامسة: وهي أنه لم يجعل الولد لهما، كما يقوله أبو حنيفة(١).فهذه خمس سنن في هذا الحديث.ومن ذلك: قول الشاهد الذي ذكر الله شهادته، ولم ينكر(٢) عليه، بل لم يعبه(٣) بل حكاها مقررًا لها، فقال تعالى: {وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٥) قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٦) وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٧) فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (٢٨)} [يوسف: ٢٥ - ٢٨] فتوصل بقدِّ القميص إلى معرفة(٤) الصادق منهما من الكاذب. وهذا لَوث(٥) في أحد المتنازعين، يبين به أولاهما بالحق(٦).وقد ذكر الله سبحانه اللوث في دعوى المال في قصة شهادة أهل(١) انظر: المبسوط (١٧/ ٧١)، بدائع الصنائع (٦/ ٢٤٤)، البحر الرائق (٤/ ٢٤٤). وسيأتي كلام المصنف في ذلك في الطريق السادس والعشرين. انظر: زاد المعاد (٥/ ٤٢٣)، وإعلام الموقعين (١/ ٣٥٥).(٢) في "جـ": "ينكرها".(٣) وفي "ب" "هـ": "ولم".(٤) وفي "جـ": "تمييز".(٥) وفي "ب": "من اللوث".(٦) وفي "جـ": "يبين به وجه الحق". وانظر: تفسير الطبري (٧/ ١٩٤)، الأحكام للمالقي (١٩٠)، زاد المعاد (٣/ ١٤٩).
الذمة على المسلمين في الوصية في السفر، وأمر بالحكم بموجبه(١). وحكم النبي صلى الله عليه وسلم بموجب اللوث في القسامة، وجوز للمدعين أن يحلفوا خمسين يمينًا، ويستحقون(٢) دم القتيل(٣). فهذا لوث في الدماء، والذي في سورة المائدة(٤) لوث في الأموال، والذي في سورة يوسف(٥) لوث في الدعوى في العرض ونحوه(٦).وقد حكم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه والصحابة معه رضي الله عنهم برجم المرأة إذا(٧) ظهر بها الحبل، ولا زوج لها ولا سيد(٨). وذهب إليه مالك(٩) وأحمد(١٠) - في أصح روايتيه(١١) -(١) سيأتي تفصيل ذلك في الطريق السابع عشر.(٢) وفي "ب": "ويستحقوا".(٣) في الحديث الذي رواه البخاري رقم (٣١٧٣)، ومسلم رقم (١٦٦٩) (١١/ ١٥٥) من حديث سهل بن أبي حثمة رضي الله عنه.(٤) المائدة (١٠٦ - ١٠٧).(٥) يوسف (٢٥ - ٢٦).(٦) إعلام الموقعين (٤/ ٤٥٠)، زاد المعاد (٣/ ١٤٨).(٧) وفي "جـ": " التي".(٨) رواه البخاري (٦٨٣٠) (١٢/ ١٤٨)، ومسلم رقم (١٦٩١) (١١/ ٢٠٤).(٩) الموطأ (٢/ ٨٢٧)، الاستذكار (٢٤/ ٦٤)، الكافي (٥٧٥)، المعونة (٣/ ١٣٨٩)، تبصرة الحكام (٢/ ٩٧ و ١٢٤).(١٠) التمام للقاضي أبي الحسين (٢/ ٢٠٤)، الكافي (٤/ ٢٠٦)، المحرر (٢/ ١٥٦)، السياسة الشرعية (١١١)، الشرح الكبير (٢٦/ ٣٤١)، الإنصاف (٢٦/ ٣٤٢).(١١) وقال المؤلف في إعلام الموقعين (٣/ ١٢): "في ظاهر مذهبه".
اعتمادًا على القرينة الظاهرة. وحكم عمر(١) وابن مسعود(٢) رضي الله عنهما ولا يعرف لهما مخالف من الصحابة(٣) - بوجوب الحد برائحة الخمر من فيّ الرجل(٤)، أو قَيْئِه له، اعتمادًا على القرينة الظاهرة(٥).ولم يزل الأئمة والخلفاء يحكمون بالقطع إذا وجد المال المسروق مع المتهم(٦)، وهذه القرينة أقوى من البينة والإقرار، فإنهما خبران يتطرق إليهما الصدق والكذب، ووجود المال معه نص صريح لا يتطرق إليه شبهة، وهل يشك أحد رأى قتيلًا يتشحط في دمه، وآخر قائم على رأسه بالسكين: أنه قتله؟ ولا سيما إذا عرف بعداوته(٧)،(١) رواه مالك (٢/ ٨٤٢)، وابن أبي شيبة (٥/ ٥١٩) رقم (٢٨٦١٩)، ورواه النسائي في الكبرى (٣/ ٢٣٨) رقم (٥٢١٧)، ورواه البخاري تعليقًا (١٠/ ٦٥)، وصحح الحافظ ابن حجر إسناد مالك. تغليق التعليق (٥/ ٢٦)، وصحح ابن كثير إسناد النسائي. انظر: مسند الفاروق (٢/ ٥١٣).(٢) رواه عنه البخاري رقم (٥٠٠١) (٨/ ٦٦٣) مع الفتح، ومسلم (٨٠١) (٦/ ٣٣٥).(٣) "من الصحابة" مثبتة في "جـ".(٤) انظر: المدونة (٦/ ٢٦١)، مصنف عبد الرزاق (٩/ ٢٢٨)، مصنف ابن أبي شيبة (٥/ ٥١٩)، الاستذكار (٢٤/ ٢٥٨)، الكافي لابن عبد البر (٥٧٨)، المغني (١٢/ ٥٠١)، مجموع فتاوى ابن تيمية (٢٠/ ٣٨٣) و (٢٨/ ٣٣٩)، إعلام الموقعين (٣/ ١٢).(٥) وقال في إعلام الموقعين (٤/ ٤٥٣): "هذا هو الصواب".(٦) انظر: زاد المعاد (٣/ ١٤٩)، إعلام الموقعين (١/ ١٤٦)، تهذيب السنن (٦/ ٣٦٨) مع العون.(٧) تبصرة الحكام (١/ ٣٩٢)، روضة الطالبين (٧/ ٢٣٧)، الممتع في شرح المقنع (٥/ ٦٢٠)، رسائل ابن نجيم (٣٥٧).
ولهذا جوز جمهور العلماء لولي القتيل أن يحلف خمسين يمينًا: أن ذلك الرجل قتله، ثم قال مالك(١) وأحمد(٢): يقتل به. وقال الشافعي: يقضى عليه بديته(٣).وكذلك إذا رأينا رجلًا مكشوف الرأس - وليس ذلك عادته - وآخر هارب قدامه بيده عمامة، وعلى رأسه عمامة: حكمنا له بالعمامة التي بيد الهارب قطعًا، ولا نحكم بها لصاحب اليد التي قطعنا وجزمنا بأنها يد ظالمة غاصبة بالقرينة الظاهرة التي هي أقوى بكثير من البينة والاعتراف(٤).وهل القضاء بالنكول(٥) إلا رجوع إلى مجرد القرينة الظاهرة، التي(١) الموطأ (٨٧٩)، الاستذكار (٢٥/ ٣١٤)، الكافي (٦٠٢)، تفسير القرطبي (١/ ٤٥٧)، تبصرة الحكام (١/ ٣٩٢)، القوانين (٣٨٥)، التفريع (٢/ ٢٠٧).(٢) المغني (١٢/ ٢٠٤)، المحرر (٢/ ١٥١)، الإرشاد (٤٤٥)، التذكرة (٢٩٤)، رؤوس المسائل (٥/ ٥٤٧)، المذهب الأحمد (١٨٢)، معونة أولي النهى (٨/ ٣٤١)، الفروع (٦/ ٤٨)، كشاف القناع (٦/ ٧٦)، والكافي (٥/ ٢٨٤).(٣) مختصر المزني "مع الأم" (٩/ ٢٦٨)، معالم السنن (٦/ ٣١٦)، روضة الطالبين (٧/ ٢٤٧)، التهذيب (٧/ ٢٢٥)، الحاوي (١٣/ ١٤)، الإشراف لابن المنذر (٣/ ١٤٧) ثم اختار القول بالقود، الأم (٦/ ١١٨) مغني المحتاج (٤/ ١١٦)، إحكام الأحكام (٤/ ٢٨٠).(٤) إغاثة اللهفان (٢/ ٧٠)، إعلام الموقعين (١/ ١٣٢)، زاد المعاد (٣/ ١٤٧)، الفروع (٦/ ٤٨١).(٥) النكول اصطلاحًا: الامتناع عن اليمين. طلبة الطلبة (٨٢)، شرح حدود ابن عرفة (٢/ ٦١١).
علمنا بها(١) ظاهرًا أنه لولا صدق المدعي لدفع المدعى عليه دعواه باليمين؟ فلما نَكَلَ عنها كان نكوله قرينة ظاهرة، دالة على صدق المدعي، فقدمت(٢) على أصل براءة الذمة.وكثير من القرائن والأمارات أقوى من النكول، والحس شاهد بذلك، فكيف يسوغ تعطيل شهادتها؟ومن ذلك: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر الزبير أن يقرر عَمَّ حُيَىّ بن أخطب(٣) بالعذاب على إخراج المال الذي غَيَّبه، وادعى نفاده. فقال له: "العَهْدُ قَريبٌ، وَالمَالُ أَكْثر مِنْ ذَلِكَ"(٤) فهاتان قرينتان في غاية القوة: كثرة المال، وقصر المدة التي يُنفق كله فيها.وشرح ذلك: أنه صلى الله عليه وسلم لما أجلى بني النضير من المدينة، على أن لهم ما حملت الإبل من أموالهم، غير الحلقة والسلاح، وكان لأبي الحُقَيق(٥) مال عظيم - بلغ مسك(٦) ثور من ذهب وحلي - فلما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم(١) في "ب": "علمناها".(٢) في "ب" و"جـ": "فتقدمت".(٣) اسمه "سَعْية" كما في رواية أبي داود (٢٩٩٠) (٨/ ٢٣٨). وفي فتوح البلدان للبلاذري (٣٧): "سيعة بن عمرو".(٤) سيأتي تخريجه قريبًا.(٥) هكذا في النسخ جميعها "لأبي الحقيق"، والصواب: ابن أبي الحُقَيق. كما سيذكره ابن القيم وكما هو مثبت في كتب السنة التي روت ذلك. وسيأتي ذكرها عند تخريج الحديث.(٦) المسك: الجلد. انظر: المصباح المنير (٥٧٣)، والقاموس (١٢٣٠)، جامع =
خيبر وكان بعضها عنوة(١) وبعضها صلحًا ففتح أحد جانبيها صلحًا، وتحصن(٢) أهل الجانب الآخر، فحصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة عشر يومًا، فسألوه الصلح، وأرسل ابن أبي الحُقَيق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنزل فأكلمك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "نعم"، فنزل ابن أبي الحُقَيق فصالح رسول الله صلى الله عليه وسلم على حَقْن دماء مَن في حصونهم من المقاتلة، وترك الذرية لهم(٣)، ويخرجون من خيبر وأرضها بذراريهم، ويُخَلُّون بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين ما كان لهم من مال وأرض، وعلى الصفراء والبيضاء(٤) والكُراع(٥) والحَلْقة(٦)، إلا ثوبًا على ظهر إنسان. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وَبَرِئَت مِنْكُم ذِمَّةُ اللهِ وَذِمَّةُ رَسُولِهِ إنْ كَتَمتُمُونِي شَيْئًا" فصالحوه على ذلك(٧).قال حماد بن سلمة: أخبرنا عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قاتل أهل خيبر حتى ألجأهم إلى قصرهم، فغلبَ على الزرع والأرض والنخل، فصالحوه على أن يُجلوا منها،= الأصول (٢/ ٦٤٤).(١) أي قهرًا. القاموس (١٦٩٦)، وطلبة الطلبة (١٥٣).(٢) وفي "ب": "وعصى".(٣) في "ب": "وترك الذرية".(٤) الصفراء: الذهب، البيضاء: الفضة. القاموس (٤٤٥ و ٨٢٢)، عون المعبود (٨/ ٢٣٩)، جامع الأصول (٢/ ٦٤٤).(٥) الكُراع: الخيل. مختار الصحاح (٥٦٧)، طلبة الطلبة (١٤٨).(٦) الحَلْقة: الدرع. القاموس (١١٣٠)، مختار الصحاح (١٤٩).(٧) سيأتي تخريجه في الحديث الذي يليه.