زاد المعاد في هدي خير العباد - ط عطاءات العلم (ابن القيم)القسم: السيرة النبويةالكتاب: زاد المعاد في هدي خير العباد[آثار الإمام ابن قيم الجوزية وما لحقها من أعمال (٣٠)]المؤلف: أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب ابن قيم الجوزية (٦٥٩ - ٧٥١)الناشر: دار عطاءات العلم (الرياض) - دار ابن حزم (بيروت)الطبعة: الثالثة، ١٤٤٠ هـ - ٢٠١٩ م (الأولى لدار ابن حزم)عدد الأجزاء: ٧ (٦ والفهارس)جـ ١: تحقيق (محمد أجمل الإصلاحي)، تخريج (سراج منير محمد منير)، مراجعة (سليمان بن عبد الله العمير، عبد الرحمن بن صالح السديس)جـ ٢: تحقيق (محمد عزير شمس)، تخريج (جعفر حسن السيد)، مراجعة (سليمان بن عبد الله العمير، جديع بن جديع الجديع)جـ ٣: تحقيق (نبيل بن نصار السندي)، مراجعة (سليمان بن عبد الله العمير، أحمد بن فارس السلوم)جـ ٤: تحقيق (محمد أجمل الإصلاحي)، تخريج (مصطفى بن سعيد إيتيم)، مراجعة (سليمان بن عبد الله العمير، عبد الرحمن بن حسن قائد)جـ ٥: تحقيق (علي بن محمد العمران، محمد عزير شمس)، تخريج (إبراهيم بن محمد شلبي)، مراجعة (سليمان بن عبد الله العمير، عبد الله بن علي الشهراني)جـ ٦: تحقيق (محمد عزير شمس)، تخريج (حسين بن حسن باقر)، مراجعة (سليمان بن عبد الله العمير، عبد الرحمن بن صالح السديس)قدمه للشاملة: مؤسسة «عطاءات العلم»، جزاهم الله خيرا[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]تاريخ النشر في Ramisher: ١ يوليو ٢٠٢٦.
آثار الإمام ابن القيم الجوزية وما لحقها من أعمال (٣٠) زاد المعاد في هدي خير العباد تأليفالإمام أبي عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب ابن قيم الجوزية(٦٩١ هـ - ٧٥١ هـ) دار عطاءات العلم - دار ابن حزم
النسخ المعتمدة في تحقيق هذا الجزء ١ - م= نسخة دار الكتب المصرية الأولى (٧٥٤ هـ)٢ - ق= نسخة القرويين (٧٦٦ هـ)٣ - ك= نسخة الشيخ محمد عبد الحي الكتاني (٧٧٢ هـ)٤ - ع= نسخة أوقاف بغداد (٧٩٠ هـ)٥ - ص= نسخة ابن خاص ترك (تركيا)، قوبلت على أصل مقروء على المؤلف٦ - ج= نسخة عمجه زاده حسين (تركيا) عليها خط سبط ابن العجمي (ت ٨٤١)٧ - مب= نسخة دار الكتب المصرية برقم ٢٣٤٨ - ن= النسخة اليمنية بمتحف طوب قابي سراي (١١٥٢ هـ)
بسم الله الرحمن الرحيموبه نستعينالحمد لله ربِّ العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، ولا إله إلا الله إله الأولين والآخرين، وقيُّوم السماوات والأرضين، ومالك يوم الدين، الذي لا فوز إلا في طاعته، ولا عزَّ إلا في التذلُّل لعظمته، ولا غنى إلا في الافتقار إلى رحمته، ولا هدى إلا في الاستهداء بنوره، ولا حياة إلا في رضاه، ولا نعيم إلا في قربه، ولا صلاح للقلب ولا فلاح إلا في الإخلاص له وتوحيد حبِّه؛ الذي إذا أطيع شكر، وإذا عُصِي تاب وغفر، وإذا دعي أجاب، وإذا عومل أثاب.والحمد لله الذي شهدت له بالربوبية جميعُ مخلوقاته، وأقرَّت له بالإلهية جميعُ مصنوعاته، وشهدت بأنه الله الذي لا إله إلا هو بما أودعها من عجائب صنعته وبدائع آياته. وسبحان الله وبحمده عددَ خلقه ورضا نفسه وزنةَ عرشه ومدادَ كلماته. ولا إله إلا الله وحده، لا شريك له في إلهيته، كما لا شريك له في ربوبيته، ولا شبيه له في ذاته ولا في أفعاله ولا في صفاته(١).والله أكبر كبيرًا، والحمد لله كثيرًا، وسبحان الله بكرةً وأصيلًا. وسبحان من تسبِّح له السماوات وأملاكها، والنجوم وأفلاكها، والأرض وسكَّانها، والبحار وحيتانها، والنجوم والجبال والشجر والدوابُّ والآكام والرمال، وكلُّ رطب ويابس، وكلُّ حيٍّ وميِّت {تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ(١) هذه الفقرة إنما وردت في مب، ن والنسخ المطبوعة، وقد وضعت علامة اللحق في ص بعد «أثاب» ولكن لم نجد اللحق في حاشيتها.
وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا} [الإسراء: ٤٤].وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، كلمة قامت بها الأرض والسماوات، وخُلِقت لأجلها جميعُ المخلوقات، وبها أرسل الله تعالى رسله، وأنزل كتبه، وشرع شرائعه. ولأجلها نُصِبت الموازين، ووُضِعت الدواوين، وقام سوق الجنة والنار. وبها تقسَّمت الخليقة إلى المؤمنين والكفار والأبرار والفجار. فهي منشأ الخلق والأمر والثواب والعقاب، وهي الحقُّ الذي خُلِقت له الخليقة، وعنها وعن حقوقها السؤال والحساب، وعليها يقع الثواب والعقاب. وعليها نُصِبت القبلة، وعليها أُسِّست الملَّة، ولأجلها جُرِّدت سيوفُ الجهاد، وهي حقُّ الله على جميع العباد، فهي كلمة الإسلام، ومفتاح دار السلام.وعنها يُسأل الأولون والآخرون، فلا تزول(١) قدما العبد بين يدي الله تعالى حتى يُسأل عن مسألتين: ماذا كنتم تعبدون؟ وماذا أجبتم المرسلين؟(٢) فجواب الأولى بتحقيق لا إله إلا الله معرفةً وإقرارًا وعملًا. وجواب الثانية بتحقيق أن محمدًا رسول الله معرفةً وإقرارًا وانقيادًا وطاعةً.فأشهد(٣) أن محمدًا عبده ورسوله، وأمينه على وحيه، وخِيرته من خلقه،(١) ق: «ولا تزول».(٢) أخرجه الطبري في «تفسيره» (١٤/ ١٤١) عن أبي العالية بلفظ: «يُسأل العبادُ كلُّهم عن خَلَّتين يوم القيامة: عما كانوا يعبدون، وعما أجابوا المرسلين»، وعن أبي العالية نقله المؤلف في «طريق الهجرتين» (٢/ ٦٤٤) و «مدارج السالكين» (١/ ٤٢٠).(٣) أدخل الفاء لكونه مرتَّبًا على جواب المسألة الثانية. وفي مب، ن: «وأشهد».
وسفيره بينه وبين عباده، المبعوث بالدين القويم والمنهج المستقيم. أرسله الله رحمةً للعالمين، وإمامًا(١) للمتقين، وحجَّةً على الخلائق أجمعين. أرسله على حين فترة(٢) من الرسل، فهدى به إلى أقوم الطرق وأوضح السبل. وافترض على العباد طاعته وتعزيره وتوقيره ومحبته والقيام بحقوقه، وسدَّ دون جنته الطرق، فلم يفتح(٣) لأحد إلا من طريقه. فشرح له صدره، ورفع له ذكره، ووضع عنه وِزره، وجعل الذلَّة والصَّغار على من خالف أمره.ففي «المسند»(٤) من حديث(٥) عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بُعِثتُ بالسيف بين يدي الساعة حتى يُعبد الله وحدَه لا شريك له. وجُعِل رزقي تحت ظلِّ رمحي. وجُعِل الذلَّة والصَّغار على مَن خالف أمري.(١) من هنا بداية النسخة الكتانية (ك).(٢) ك: «على فترة».(٣) مب: «تفتح».(٤) برقم (٥١١٤، ٥١١٥، ٥٦٦٧). وأخرجه أبو داود مختصرًا (٤٠٣١). وعلَّق البخاري بعضه قبل الحديث (٢٩١٤) بصيغة التمريض. انظر: «تغليق التعليق» (٣/ ٤٤٥، ٤٤٦). ومدار الحديث على عبدالرحمن بن ثابت بن ثوبان، وهو مختلف فيه، قال يعقوب بن شيبة: «اختلف أصحابنا فيه، فأما يحيى بن معين فكان يضعِّفه، وأما علي ابن المديني فكان حسَن الرأي فيه، وكان ابن ثوبان رجل صدق». وعليه فالإسناد محتمل للتحسين وقد حسّن الحديث ابن تيمية في «اقتضاء الصراط المستقيم» (١/ ٢٦٩) وذكر أن أحمد وغيره احتج به، والذهبي في «سير أعلام النبلاء» (١٥/ ٥٠٩)، والحافظ في «فتح الباري» (١٠/ ٢٢٢)، وصححه الألباني في «إرواء الغليل» (١٢٦٩). وله شواهد، لكنها ضعيفة أو مرسلة. وانظر: «أنيس الساري» (٧/ ٤٩٧٨ - ٤٩٨١).(٥) بعده في ن: «أبي منيب الجرشي عن»، وكذا في النسخ المطبوعة.
ومَن تشبَّه بقوم فهو منهم».وكما أن الذلَّة مضروبة على من خالف أمره، فالعزُّ لأهل طاعته ومتابعته. قال تعالى: {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [آل عمران: ١٣٩]. وقال تعالى: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} [المنافقون: ٨]. وقال تعالى: {فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ} [محمد: ٣٥].وقال تعالى(١): {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [الأنفال: ٦٤]. أي: الله وحده كافيك، وكافي أتباعك، فلا تحتاجون(٢) معه إلى أحد. وهنا تقديران، أحدهما: أن تكون الواو عاطفةً لـ (مَنْ) على الكاف المجرورة. ويجوز العطف على الضمير المجرور بدون إعادة الجار على المذهب المختار، وشواهده كثيرة، وشُبَهُ المنع منه واهية.والثاني: أن تكون الواو واوَ مع، وتكون (مَنْ) في محلِّ نصب عطفًا على الموضع، فإن «حسبك» في معنى «كافيك»، أي الله يكفيك ويكفي من اتبعك، كما تقول العرب: حسبك وزيدًا درهم. قال الشاعر:إذا كانت الهيجاء وانشقَّت العصا … فحسبُك والضحاكَ سيفٌ مهنَّدُ(٣)(١) من هنا تبدأ النسخة العراقية (ع).(٢) ك، ع: «ولا تحتاجون».(٣) عزاه القالي في «ذيل الأمالي» (ص ١٤٠) إلى جرير، ولم يرد في ديوانه. وقد ورد البيت في مصادر كثيرة ولكن دون عزو. انظر مثلًا «معاني القرآن» للفراء (١/ ٤١٧) و «الأصول» لابن السراج (٢/ ٣٧) و «جمهرة اللغة» (٢/ ١٠٤٧) و «سمط اللآلي» (٣/ ٦٥).
وهذا أصحُّ التقديرين.وفيها تقدير ثالث: أن تكون (مَن) في موضع رفع بالابتداء، أي: ومن اتبعك من المؤمنين فحسبهم الله.وفيها تقدير رابع، وهو خطأ من جهة المعنى(١): وهو(٢) أن تكون (مَن) في موضع رفع عطفًا على اسم الله، ويكون المعنى: حسبك الله وأتباعك. وهذا وإن قاله بعض الناس(٣)، فهو خطأ محض لا يجوز حمل الآية عليه، فإن الحسب والكفاية لله وحده، كالتوكل والتقوى والعبادة. قال تعالى(٤): {وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ} [الأنفال: ٦٢]. ففرَّق بين الحسب والتأييد، فجعل الحسب له وحده، وجعل التأييد له بنصره وبعباده(٥).وأثنى سبحانه على أهل التوحيد(٦) من عباده حيث أفردوه بالحسب،(١) انظر: «منهاج السنة» (٧/ ٢٠١ - ٢٠٨). وقال شيخ الإسلام في «الاقتضاء» (٢/ ٣٦٦): «ومن ظن أن معناها: حسبك الله والمؤمنون، فقد غلط غلطًا عظيمًا من وجوه كثيرة مبسوطة في غير هذا الموضع». ونحوه في «رسالة العبودية» (ص ٥٠) و «الإخنائية» (ص ٤٨٧) وغيرهما. وانظر: رسالة ابن رُشَيِّق في مؤلفاته ضمن «الجامع لسيرة شيخ الإسلام» (ص ٢٨٧).(٢) ك، ع: «وهي».(٣) هو قول مجاهد والكسائي، وهو أحبُّ إلى الفراء. انظر: «زاد المسير» (٣/ ٣٧٣) و «معاني الفراء» (١/ ٤١٧ - ٤١٨).(٤) ق، ع، ن: «الله تعالى».(٥) انظر: «منهاج السنة» (٧/ ٢٠٥).(٦) في النسخ المطبوعة: «التوحيد والتوكل». وهو خطأ وقع في الطبعة الهندية، وتابعتها الطبعات الأخرى!
فقال تعالى: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} [آل عمران: ١٧٣]، ولم يقولوا: حسبنا الله ورسوله. فإذا كان هذا قولهم، ومدحُ الربِّ تعالى لهم بذلك، فكيف يقول لرسوله: اللهُ وأتباعُك حسبُك؟ وأتباعُه قد أفردوا الربَّ تعالى بالحسب، ولم يُشركوا بينه وبين رسوله فيه، فكيف يُشرك بينهم وبينه في حسب رسوله؟! هذا من أمحل المحال وأبطل الباطل.ونظير هذا قوله سبحانه: {وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ} [التوبة: ٥٩]. فتأمَّلْ كيف جعل الإيتاء لله ولرسوله، كما قال تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ} [الحشر: ٧]، وجعل الحسب له وحده، فلم يقل: وقالوا: حسبنا الله ورسوله، بل جعله خالصَ حقِّه؛ كما قال: {إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ}. ولم يقل: وإلى رسوله، بل جعل الرغبة إليه وحده، كما قال تعالى: {(٦) فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧) وَإِلَى رَبِّكَ} [الشرح: ٧ - ٨]. فالرغبة والتوكل والإنابة والتحسُّب لله وحده، كما أن العبادة والتقوى والسجود(١) والنذر والحلف لا يكون إلا له(٢) سبحانه وتعالى.ونظير هذا قوله تعالى: {(٣٥) أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ} [الزمر: ٣٦]. والحسب: هو الكافي، فأخبر سبحانه أنه وحده كافٍ عبدَه، فكيف يجعل أتباعه مع الله في هذه الكفاية؟ والأدلة الدالة على بطلان هذا التأويل الفاسد(١) بعده في ن زيادة: «لله وحده».(٢) ع، ك: «لله».
أكثر من أن تذكر هاهنا.والمقصود أن بحسب متابعة الرسول تكون العزة والكفاية والنصرة، كما أن بحسب متابعته تكون الهداية والفلاح والنجاة، فالله تعالى علَّق سعادة الدارين بمتابعته، وجعل شقاوة الدارين في مخالفته، فلأتباعه الهدى والأمن والفلاح والعِزُّ والكفاية والنصرة والولاية والتأييد وطيب العيش في الدنيا والآخرة، ولمخالفيه الذلة والصغار والخوف والضلال والخذلان والشقاء في الدنيا والآخرة.وقد أقسم صلى الله عليه وسلم بأنه لا يؤمن أحد حتى يكون هو أحبَّ إليه من نفسه وولده ووالده والناس أجمعين(١).وأقسم الله سبحانه بأنه لا يؤمن من لم يحكِّمه في كلِّ ما تنازع فيه هو وغيره، ثم يرضى بحكمه، ولا يجد في نفسه حرجًا مما حكم به، ثم يسلِّم له تسليمًا وينقاد انقيادًا.وقال تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ تَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ}(٢) [الأحزاب: ٣٦]، فقطع سبحانه وتعالى التخيير بعد أمره وأمر رسوله، فليس لمؤمن أن يختار شيئًا بعد أمره صلى الله عليه وسلم، بل إذا أمر فأمرُه(١) كما في حديث عمر عند البخاري (٦٦٣٢)، وحديث أنس عند مسلم (٤٥/ ٧٢). وانظر: «جلاء الأفهام» (ص ٤٦٥). وقد تصرَّف محققا طبعة الرسالة في المتن ليكون لفظه موافقًا للفظ حديث أنس.(٢) كذا في الأصول «تكون» على قراءة أبي عمرو. وبها قرأ نافع وابن كثير أيضًا. «الإقناع» لابن الباذش (٢/ ٧٣٧). وقراءة أبي عمرو هي التي كانت سائدة في الديار الشامية في زمن المؤلف.
حَتْم؛ وإنما الخيرة في قول غيره إذا خفي أمره، وكان ذلك الغير من أهل العلم به وبسنته، فبهذه الشروط يكون قول غيره سائغ الاتباع، لا واجب الاتباع. فلا يجب على أحد اتباع قول أحد سواه، بل غايته أنه يسوغ له اتباعه، ولو ترك الأخذ بقوله لم يكن عاصيًا لله ورسوله.فأين هذا ممن يجب على جميع المكلَّفين اتباعُه، ويحرم عليهم مخالفتُه، ويجب عليهم تركُ كلِّ قولٍ لقوله؛ فلا حكم لأحد معه، ولا قول لأحد معه، كما لا تشريع لأحد معه؟ وكلُّ من سواه، فإنما يجب اتباعه على قوله إذا أمر بما أمر به، ونهى عما نهى عنه، فكان مبلِّغًا محضًا، ومخبرًا لا منشئًا ومؤسِّسًا. فمن أنشأ أقوالًا وأسَّس قواعد بحسب فهمه وتأويله لم يجب على الأمة اتباعها، ولا التحاكم إليها حتى تُعرَض على ما جاء به(١)، فإن طابقته ووافقته وشهد لها بالصحة قُبِلت حينئذ، وإن خالفته وجب ردُّها واطِّراحُها. وإن لم يتبين فيها أحد الأمرين جُعلت موقوفةً، وكان أحسن أحوالها أن يجوز الحكم والإفتاء بها وتركه، وأما أن(٢) يجب ويتعيَّن فكلَّا ولمَّا(٣)!(١) في طبعة الفقي بعده زيادة: «الرسول»، وهي عمدة طبعة الرسالة كما ذكرنا في مقدمة التحقيق.(٢) ق، مب، ن: «أنه».(٣) لم أجد في كلام العرب أو كتب العربية استعمال «لمَّا» مفردةً أو معطوفة على «كلَّا» كما هنا، لزجر المخاطب والردِّ عليه. وقد جاء في قول فتيان الشاغوري الدمشقي (ت ٦١٥) في «ديوانه» (ص ٤٧٢):إذا أنا سُمْتُ حسنَ الصبر قلبي … أباه وقال لي: كلَّا ولمَّاوأظن أنه اقتبسه من قول العجاج (التهذيب ١٠/ ٣٦٤):قد طلبت شيبانُ أن يُصاكموا … كلَّا، ولمَّا تصطفِقْ مآتمُونقله بعد حذف الفعل المجزوم بها من سياق التهديد إلى توكيد معنى الإنكار مطلقًا. وقد استعمل شيخ الإسلام هذا التعبير في «بيان الدليل» (ص ٣٧٧)، والمصنف في «الطرق الحكمية» (٢/ ٥٦٠) و «مفتاح دار السعادة» (٢/ ٨٩٦) وغيرهما أيضًا. وسيأتي مرة أخرى في هذا الكتاب (٦/ ٢٧٥). وجاء في «البداية والنهاية» (٨/ ٩٩) في مثل هذا السياق: «حاشا وكلَّا ولمَّا»!
وبعد، فإن الله سبحانه هو المنفرد(١) بالخلق والاختيار من المخلوقات، قال تعالى: {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ} [القصص: ٦٨]. وليس المراد بالاختيار هاهنا(٢) الإرادة التي يشير إليها المتكلمون بأنه الفاعل المختار، وهو سبحانه كذلك، ولكن ليس المراد بالاختيار هاهنا هذا المعنى، وهذا الاختيار داخل في قوله: {يَخْلُقُ} فإنه لا يخلق إلا باختياره، وداخل في قوله: {مَا يَشَاءُ} فإن المشيئة هي الاختيار. وإنما المراد بالاختيار هاهنا: الاجتباء والاصطفاء، فهو اختيار بعد الخلق، والاختيار العامُّ اختيار قبل الخلق؛ فهو أعمُّ وأسبقُ، وهذا أخص؛ وهو متأخر، فهو اختيار من الخلق، والأول اختيار للخلق.وأصح القولين أن الوقف التام على قوله: {وَيَخْتَارُ}، ويكون {مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ} [القصص: ٦٨] نفيًا، أي: ليس هذا الاختيار إليهم، بل هو إلى الخالق وحده. فكما أنه المتفردُ(٣) بالخلق، فهو المتفرد(٤) بالاختيار منه(٥). فليس(١) ج، ك، ن: «المتفرد».(٢) مب: «هاهنا بالاختيار». وبعده في ق: «والإرادة». وكذا كان في ن، ثم ضرب على الواو لأنها مقحمة.(٣) ص، ع، مب، ن: «المنفرد».(٤) ع، مب، ن: «المنفرد».(٥) «منه» ساقط من ع، ك.
لأحد أن يخلق ولا يختار سواه، فإنه سبحانه أعلم بمواقع اختياره، ومحالِّ رضاه، وما يصلح للاختيار مما لا يصلح له؛ وغيرُه لا يشاركه في ذلك بوجه.وذهب بعض من لا تحقيق عنده ولا تحصيل إلى أن (ما) في قوله: {مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ} [القصص: ٦٨] موصولة، وهي مفعول {وَيَخْتَارُ} أي: ويختار الذي لهم الخيرة(١). وهذا باطل من وجوه:أحدها: أن الصلة حينئذ تخلو من العائد، لأن {الْخِيَرَةُ} مرفوع بأنه اسم كان، والخبر {لَهُمُ}، فيصير المعنى: ويختار الذي كان الخيرة لهم، وهذا التركيب محال من القول.فإن قيل: يمكن تصحيحه بأن يكون العائد محذوفًا، ويكون التقدير: ويختار الذي كان لهم الخيرة فيه، أي ويختار الأمر الذي كان لهم الخيرة في اختياره.قيل: هذا يفسد من وجه آخر، وهو أن هذا ليس من المواضع التي يجوز فيها حذف العائد، فإنه إنما يحذف مجرورًا إذا جُرَّ بحرفٍ جُرَّ الموصولُ بمثله مع اتحاد المعنى، نحو قوله تعالى: {يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ} [المؤمنون: ٣٣] ونظائره. ولا يجوز أن يقال: جاءني الذي مررت، ورأيت الذي رغبت، ونحوه(٢).(١) وهذا الذي اختاره ابن جرير في «تفسيره» (١٨/ ٢٩٩ - هجر)، ووصف القول الأول بأنه «قول لا يخفى فساده على ذي حِجًا من وجوه … »! وانظر: «معاني الزجاج» (٤/ ١٥١) و «إيضاح الوقف والابتداء» لابن الأنباري (١/ ٨٢٤) و «تفسير القرطبي» (١٣/ ٣٠٥ - ٣٠٦).(٢) فيه نظر، فإنَّ عائد الموصول المجرور يجوز حذفه إذا كان متعيِّنًا حتى لا يلتبس بغيره، كقوله تعالى: {لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ} أي: تأمرنا به؛ وقوله: {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ} أي تؤمر به. انظر: «شرح الكافية» للرضي (٢/ ٢٢٢ - ٢٢٣).
الثاني: أنه لو أريد هذا المعنى لنصَب الخيرة، وشغَل فعلَ الصلة بضمير يعود على الموصول، فكان يقول: ويختار ما كان لهم الخيرة، أي: الذي كان هو عين(١) الخيرة لهم، وهذا لم يقرأ به أحد البتة، مع أنه كان وجه الكلام على هذا التقدير.الثالث: أن الله سبحانه يحكي عن الكفار اقتراحهم في الاختيار، وإرادتهم أن تكون الخيرة لهم، ثم ينفي هذا سبحانه عنهم، ويبيِّن تفرده بالاختيار، كما قال تعالى: {وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (٣١) أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} [الزخرف: ٣١ - ٣٢]، فأنكر عليهم سبحانه تخيُّرَهم عليه، وأخبر أن ذلك ليس إليهم، بل إلى(٢) الذي قسم بينهم معايشهم المتضمنة لأرزاقهم ومُدَد آجالهم، فكذلك(٣) هو(٤) الذي يقسم فضله بين أهل الفضل على حسب علمه بمواقع الاختيار، ومن يصلح له ممن لا يصلح، فهو(٥) الذي رفع بعضهم فوق بعض درجات، وقسم بينهم معايشهم ودرجات التفضيل، فهو القاسم ذلك وحده(٦) لا غيره. وهكذا هذه(١) لفظ «عين» لم يرد في ص.(٢) «بل إلى» ساقط من ق.(٣) مب، ن: «وكذلك».(٤) «هو» ساقط من ع، ك.(٥) ق، مب، ن: «وهو».(٦) ص، ع، ك: «وحده ذلك».
الآية بيَّن فيها انفراده بالخلق والاختيار، وأنه سبحانه أعلم بمواقع اختياره، كما قال تعالى: {وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَاتِهِ}(١) [الأنعام: ١٢٤]، أي: الله أعلم بالمحلِّ الذي يصلح لاصطفائه وكرامته وتخصيصه بالرسالة والنبوة دون غيره.الرابع: أنه نزه نفسه سبحانه عما اقتضاه شركهم من اقتراحهم واختيارهم فقال: {مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [القصص: ٦٨] ولم يكن شركهم مقتضيًا لإثبات خالق سواه حتى ينزِّهَ(٢) نفسه عنه، فتأمله فإنه في غاية اللطف.الخامس: أن هذا نظير قوله في الحج: {إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (٧٣) مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ}، ثم قال: {اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٧٥) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ} [الآيات: ٧٣ - ٧٦]. وهذا نظير قوله في القصص: {وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ} [الآية: ٦٩]، ونظير قوله في الأنعام: {اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَاتِهِ} [آية: ١٢٤] فأخبر في ذلك كلِّه عن علمه المتضمن لتخصيصه محالَّ اختياره بما خصصها به، لعلمه بأنها تصلح له دون غيرها. فتدبَّر السياق في هذه الآيات تجده منتظِمًا لهذا المعنى، دائرًا عليه، والله أعلم.(١) كذا في النسخ الخطية: {رِسَالَاتِهِ} على قراءة أبي عمرو وغيره.(٢) ق، ن: «نزه».