شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية (الزرقاني، محمد بن عبد الباقي) القسم: السيرة النبوية الكتاب: شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية للقسطلاني (ت ٩٢٣ هـ) المؤلف: [محمد بن عبد الباقي] الزرقاني (ت ١١٢٢ هـ)ضبطه وصححه: محمد عبد العزيز الخالدي الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان الطبعة: الأولى، ١٤١٧ هـ - ١٩٩٦ معدد الأجزاء: ١٢[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]تاريخ النشر في راميشر: ١ يوليو ٢٠٢٦.
شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - جـ ١ـ[شرح العلامة الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية]ـ المؤلف: أبو عبد الله محمد بن عبد الباقي بن يوسف بن أحمد بن شهاب الدين بن محمد الزرقاني المالكي (المتوفى: ١١٢٢هـ) الناشر: دار الكتب العلمية الطبعة: الأولى ١٤١٧هـ-١٩٩٦معدد الأجزاء: ١٢[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
المجلد الأولباب مقدمةترجمة شهاب الدين أحمد بن محمد القسطلاني مؤلف المواهب اللدنية…بسم الله الرحمن الرحيمترجمة شهاب الدين أحمد بن محمد القسطلاني ١ مؤلف المواهب اللدنية:هو الحافظ شهاب الدين أبو العباس، أحمد بن محمد، بن أبي بكر، بن عبد الملك، بن أحمد، بن محمد، بن حسين، بن علي القسطلاني المصري الشافعي، الإمام العلامة، الحجة الرحالة، الفقيه المقرئ المسند.قال السخاوي: مولده ثاني عشر ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمائة بمصر، ونشأ بها وحفظ القرآن، وتلا السبع وحفظ الشاطبية والجزرية والوردية وغير ذلك، وذكر له عدة مشايخ منهم: الشيخ خالد الأزهري النحوي، والفخر المقدسي، والجلال البكري وغيرهم، وأنه قرأ صحيح البخاري في خمسة مجالس على الشاوي، وتلمذ له أيضًا، وأنه قرأ عليه أعني السخاوي بعض مؤلفاته، وأنه حج غير مرة، وجاور سنة أربع وثمانين وسنة أربع وتسعين، وأنه أخذ بمكة عن جماعة، منهم: النجم بن فهد، وولي مشيخة مقام سيدي الشيخ أحمد الحرار بالقرافة الصغرى، وعمل تأليفًا في مناقب الشيخ المذكور سماه نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار، وكان يعظ بالجامع العمري، وغيره ويجتمع عنده١ انظر ترجمته في السخاوي: الضوء اللامع ٢/ ١٠٣-١٠٤، ابن العماد، شذرات الذهب ٨/ ١٢١-١٢٣، الغزي: الكواكب السائرة ١/ ١٢٦-١٢٧، العيدروسي: النور السافر ١١٣-١١٥، الشوكاني: البدر الطالع ١/ ١٠٢-١٠٣، الكناني: فهرس الفهارس ٢/ ٣١٨-٣٢٠، حاجي خليفة: كشف الظنون ٦٩، ١٦٦، ٣٦٦، ٥٥٢، ٥٥٨، ٦٤٧، ٨٦٧، ٩١٩، ٩٦٠، ٢٠٩٠، ١٢٣٢، ١٢٣٥، ١٢٣٦، ١٢٣٥، ١٥١٩، ١٥٣٤، ١٥٥١، ١٥٥٢، ١٥٦٨، ١٦٦٢، ١٦٦٣، ١٦٨٨، ١٧٩٩، ١٨٤٧، ١٨٦٩، ١٩٣٨، ١٩٦٥، العش: فهرس مخطوطات الظاهرية ٦/ ٥٨-٦٠، البغدادي: إيضاح المكنون ٢/ ٤٨٤-٦٨٤، سركيس: معجم المطبوعات العربية والمصرية ١٥١١، كحالة: معجم المؤلفين ٢/ ٨٥.
الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ، وكتب بخطه شيئًا كثيرًا لنفسه ولغيره وأقرأ الطلبة وتعاطى الشهادة، ثم انجمع وأقبل على التأليف، وذكر من تصانيفه: العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية، والكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز، وشرحًا على الشاطبية زاد فيه زيادات ابن الجزري مع فوائد غريبة، وشرحًا على البردة سماه الأنوار المضية، وكتاب نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس، والروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، وتحفه السامع والقاري بختم صحيح البخاري ورسائل في العمل بالربع المجيب. انتهى ما ذكره السخاوي ملخصًا.وقال في النور: ارتفع شأنه بعد ذلك فأعطي السعادة في قلمه وكَلِمِه، وصنف التصانيف المقبولة التي سارت بها الركبان في حياته، ومن أجلها شرح على صحيح البخاري مزجًا في عشرة أسفار كبار، لعله أجمع شروحه وأحسنها وألخصها، ومنها المواهب اللدنية بالمنح المحمدية، وهو كتاب جليل المقدار عظيم الواقع كثير النفع ليس له نظير في بابه، ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه ويستمد منها ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا، فألزمه بيان مدعاه، فعدد مواضع قال: إنه نقل فيها عن البيهقي، وقال: إنه للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ذكره في أي مؤلفاته لنعلم أنه نقل عن البيهقي، ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته، وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي.وحكى الشيخ جار الله بن فهد، أن الشيخ رحمه الله قصد إزالة ما في خاطر الجلال السيوطي، فمشى من القاهرة إلى الروضة إلى باب السيوطي ودق الباب فقال له: من أنت؟ فقال أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك عليّ، فقال له: قد طاب خاطري عليك، ولم يفتح له الباب ولم يقابله، قال في النور: وبالجملة فإنه كان إمامًا حافظًا متقنا جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف، زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره، ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر.توفي في ليلة الجمعة سابع المحرم سنة ثلاث وعشرين وتسعمائة بالقاهرة
ودفن بالمدرسة العينية جوار منزله، انتهى.وقال في الكواكب: كان موته بعروض فالحج نشأ له من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاء الله المكي، بحيث سقط عن دابته وأغمي عليه، فحمل إليه منزله ثم مات بعد أيام.
التعريف بالمواهب اللدنية بالمنح المحمدية:قال حاجي خليفة في كشف الظنون: المواهب اللدنية في السيرة النبوية في مجلد، للشيخ الإمام شهاب الدين أبي العباس، أحمد بن محمد القسطلاني المصري، المتوفى سنة ٩٢٣ ثلاث وعشرين وتسعمائة، وهو كتاب جليل القدر كثير النفع ليس له نظير في بابه، رتبه على عشرة مقاصد:الأول: في تشريف الله تعالى نبيه بسبق نبوته وطهارة نسبه وولادته ورضاعه ومغازيه وسراياه مرتبًا على السنين إلى وفاته عليه الصلاة والسلام.الثاني: في أسمائه وأولاده وأزواجه وأعمامه وخدمه.الثالث: فيما منحه الله تعالى من كمال خلقته؛ وفيه ثلاثة فصول.الرابع: في معجزاته وخصائصه.الخامس: في خصائص المعراج.السادس: فيما ورد من آي التنزيل في رفعة ذكره.السابع: في وجوب محبته واتباع سنته.الثامن: في طبه وتعبيره الرؤيا.التاسع: في لطيفه من حقائق عباداته.العاشر: في إتمامه سبحانه وتعالى نعمته عليه بوفاته، وفيه ثلاثة فصول.وذكر في كشف الظنون عن القسطلاني أنه فرغ من تأليفه في شوال سنة ٨٩٨ ثمان وتسعين وثمانمائة ومن تبييضه في شعبان سنة ٨٩٩ تسع وتسعين وثمانمائة.وقال الغزي في الكواكب: وأقام عند النبي صلى الله عليه وسلم فحصل له جذب فصنف
المواهب اللدنية لما صحا … وقال: وكان له اعتقاد تام في الصوفية وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا … واختار مذهب مالك رضي الله عنه في تفضيل المدينة على مكة؛ قلت: -أي الغزي- وأول دليل على قبول أعماله وإخلاصه في تأليفه، عناية الناس بكتابه المواهب اللدنية، ومغالاتهم في ثمنه مع قلة الرغبات. ا. هـ. وفي كشف الظنون، ترجمه المولى الفاضل عبد الباقي بن … ١ الشاعر الرومي المشهور أحسن ترجمة وسماه معالم اليقين٢، وتوفي سنة ١٠٨٨هـ.وعلى المواهب حاشية لمولانا نور الدين على القاري المكي المشهور المتوفى سنة ١٠١٤ أربع عشر وألف.وللعلامة لالشيخ إبراهيم بن محمد الميموني المصري الشافعي المتوفى سنة ١٠٧٩ تسع وسبعين وألف، حاشية أيضًا.وشرح المواهب المولى العلامة خاتمة المحدثين محمد بن عبد الباقي بن يوسف الزرقاني المصري المالكي، المتوفى سنة ١١٢٢ اثنتين وعشرين ومائة وألف، شرحًا حافلا في أربع مجلدات، جمع فيه أكثر الأحاديث المروية في شمائل المصطفى صلى الله عليه وسلم وسيره وصفاته الشريفة جزاه الله خيرًا ورحمه رحمة واسعة.وللشيخ أبي الضياء علي بن علي الشبراملسي المتوفى سنة ١٠٨٧ سبع وثمانين، وألف حاشية على المواهب في خمس مجلدات ضخام، نقلها الأميني في خلاصة السير.١ كذا في المطبوع من كشف الظنون.٢ أي أن المؤلف ترجم المواهب إلى الرومية حسب ما يظهر أو شرحه. ا. هـ.
ترجمة الزرقاني شارح المواهب:هو محمد الزرقاني بن عبد الباقي بن يوسف بن أحمد بن علوان المصري، الأزهري المالكي، الشهير بالزرقاني الإمام المحدث، الناسك النحرير، الفقيه العلامة. وقال الزركلي أبو عبد الله: خاتمة المحدثين بالديار المصرية، مولده ووفاته بالقاهرة، ونسبته إلى زرقان من قرى منوف بمصر. وقال كحالة: محدث فقيه أصولي.أخذ عن والده، وعن النور علي الشبراملسي، وعن الشيخ محمد البابلي وغيرهم، كما أخذ عن الشيخ محمد خليل العجلوني الدمشقي والجمال عبد الله الشبراوي:وله من المؤلفات:- شرح على الموطأ. ذكره كحالة١ باسم: أبهج المسالك بشرح موطأ الإمام مالك.- شرح على المواهب اللدنية. قال سركيس: وهو شرح حافل جمع فيه أكثر الأحاديث المروية في شمائل المصطفى وسيره وصفاته الشريفة.- وذكره كحالة٢ باسم: إشراق مصابيح السيرة المحمدية بمزج أسرار المواهب اللدنية.- شرح المنظومة البيقونية.- مختصر٣ المقاصد الحسنة في الأحاديث المشتهرة.- وصول الأماني في الحديث.١ ذكر الزركلي في الأعلام ٦/ ١٨٤: تلخيص المقاصد الحسنة.٢ انظر معجم المؤلفين ١٠/ ١٢٤.٣ مصادر ترجمته: معجم المؤلفين ١٠/ ١٢٤، الجبرتي: عجائب الآثار ١/ ٦٩، المرادي: سلك الدرر ٤/ ٣٢-٣٣، الكناني: فهرس الفهارس ١/ ٣٤٢-٣٤٣، البغدادي: هدية العارفين ٢/ ٣١١، الزركلي: الأعلام ٦/ ١٨٤.
بسم الله الرحمن الرحيمالمقدمة:الحمد لله الذي جعلنا خير أمة أخرجت للناس، ورفع منابر تشريفنا على منابر صفحات الدهور ثابتة الأساس، ووضع عنا الإصر والأغلال، ومنعنا الاجتماع على الضلال، وقدمنا تقديم البسملة في القرطاس، فنحن الآخرون السابقون تبجيلًا وتكريمًا لمن أرسله فينا رؤوفًا رحيمًا، فأقام دعائم الدين بعد طول تناس؛ وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، تعالى عما يقول الظالمون الأرجاس، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده وسوله، وحبيبه وخليله، الأمين المأمون الطيب الأنفاس، ألا وهو أجل من أن يحيط به وصف، وأشرف من أن يضم جواهره نظم أو وصف، زكي المنابت، طيب الأغراس، أضاءت قبل كونه وإرهاصاته المقباس، وأزهرت في حمله وولادته ورضاعه زهراءي، اقتبس منها النبراس، وأشرقت أعلام نبوته، ولمعت لوامع براهين رسالته، فشيدت منار الهدى بعدما كان في إبلاس، وبهر بالآيات البينات، فشق له البدر في دجى الأغلاس، وغلب بمعجزات بدروها في التمام، وجواهرها تروق في الترصيع والانتظام، ورياضها تتأرج بنسمات سماته، وتنشق عن نور زهر شمائله، ونور زهر صفاته التي كل عن إحصاء راموزها المقياس؛ صلى الله وسلم عليه وعلى إخوانه من الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحابته وأزواجه وذريته الطيبين الطاهرين الأكياس، الناهضين بأعباء المناقب، في علياء المناصب، البالغين في نصر الدين، النجوم الثواقب، الهادين من الكفر الجبال الرواس، حتى نسفوها نسفًا، وحكموا بالعدل وأقاموا القسطاس.أما بعد: فهذا الكتاب لم يطلبه مني طالب، ولا رغب إلي من تصنيفه راغب، وإنما تطلبت نفسي فيه مزج المواهب، فأودعته نفائس بها يتنافس في شرح السنة النبوية، وعرائس استجليتها من مخدرات خدور السيرة المحمدية، وجواهر استخرجتها من قاموس الحكم المصطفوية، وزواهر اقتبستها من أرقعة السيرة الهاشمية، وزهور اجتثيتها من جنات وجنات الروضة المدنية، يبهر من عقد نظامها الناظر، وينادي من أي هذا القاصر، فيجيبه حال اللسان الوهاب، قوي قادر، أما العيوب وإن كثرت، فما لا سبيل إلى السلامة منها لغير المعصوم، وقد قال:من ذا الذي ما ساء قط … ومن له الحسنى فقطوقد قال ابن عبدوس النيسابوري: لا أعلم في الدنيا كتابًا سلم إلى مؤلفه ولم يتبعه من يليه، فكيف وفهمي فاتر، ونظري قاصر، ووجودي في الزمان الآخر مع ما أقاسيه من تلاطم أمواج
الهموم وأقلامه من ترادف جيوش الغموم، لكني أنتظر الفرج من الحي القيوم، مستعيذًا به من حسود ظلوم، والله أسال العون على إتمامه، والتوفيق من امتنانه وهو حسبنا ونعم الوكيل.هذا؛ وجامعه الحقير الفاني، محمد بن عبد الباقي الزرقاني، قد أخذ الكتاب رواية ودراية، عن علامة الدنيا؛ الآخذ من بحار التحقيق بالغايتين: القصوى والدنيا، الأصول النحوي النظار الفقيه النحرير الجهبذ الفهامة النبيه الشيخ علي الشمرلسي شيخ الإسلام، فسح الله له وأدام به نفع الأنام. وكم بحمد الله صغى لي وسمع ما أقول وكتب أنقالي وحثني على إحضار ما أراه من النقول، إذا رأى ملالي، ولم أزل عنده من نعم الله بالمحل الأرفع العالي، والله يعلم أني لم أقل ذلك للفخر، وأي فخر لمن لا يعلم ما حاله في القبر، بل امتثالا للأمر بالتحدث بالنعمة، كشف الله عنا كل غمة، بحق روايته له عن شيخ الإسلام أحمد بن خليل السبكي، إجازة عن السيد يوسف الأرميوني عن المؤلف، وعن البرهان إبراهيم اللقاني، عن العرافين المحمدين: البنوفري، وابن الترجمان، عن العارف الشعراني، عن مؤلفها، وعن الفقيه النور الأجهوري، عن البدر القرافي والبنوفري، عن عبد الرحمن الأجهوري، عن مؤلفه. وقد وضع عليه حال القراءة، هاتيك الحاشية الرقيقة، الحاوية لجواهر أبحاثه الدقيقة، وبدور الأنقال الأنيقة. وهو مرادي بشيخنا في الإطلاق، وربما عبرت عنه بالشارح لغرض صحيح لدى الحذاق.ح وأخبرنا به إجازة أبو عبد الله الحافظ محمد العلائي البابلي، قال: أخبرنا بها سماعًا لبعضها وإجازة لباقيها، شيخ الإسلام علي الزيادي، عن قطب الوجود أبي الحسن البكري، عن مؤلفها وهو أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن أحمد القسطلاني القتيبي المصري الشافعي، ولد كما ذكره شيخه الحافظ السخاوي، في الضوء بمصر عشر ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمائة، وأخذ عن الشهاب العبادي، والبرهان العجلوني والفخر لمقدسي، والشيخ خالد الأزهري النحوي، والسخاوي وغيرهم.وقرأ البخاري على الشهاوي في خمسة مجالس وحج مرارًا، وجاور بمكة مرتين وروى عن جمع منهم النجم بن فهد، وكان يعظ بالعمري وغيره الجم الغفير، ولم يكن له في الوعظ نظيرًا انتهى. وتوفي ليلة الجمعة بالقاهرة، سابع محرم سنة ثلاث وعشرين وتسعمائة، وصلي عليه بعد صلاة الجمعة بالأزهر، ودفن بمدرسة العيني، وله عدة مؤلفات أعظمها هذه المواهب اللدنية، التي أشرقت من سطورها أنوار الأبهة والجلالة، وقطرت من أديمها ألفاظ النبوة والرسالة، أحسن فيها ترتيبًا وصنعًا، وأحكمها ترصيعًا، وكساه الله فيها رداء القبول، ففاقت على كثير مما سواها عند ذوي العقول.
شرح مقدمة المواهبمدخل…بسم الله الرحمن الرحيمشرح مقدمة المواهب:قال رحمه الله: "بسم الله الرحمن الرحيم" بدأ بها عملا بقوله صلى الله عليه وسلم: "كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ب بسم الله الرحمن الرحيم، فهو أقطع". رواه الخطيب وغيره من حديث أبي هريرة وأصله في سنن أبي داود، وابن ماجه، والنسائي في عمل يوم وليلة، وابن حبان في صحيحه، بلفظ بالحمد، وفي لفظ أبتر، وآخر أجذم بجيم وذال معجمة، تشبيه بليغ في العيب المنفر.واقتداء بأشرف الكتب السماوية، فإن العلماء متفقون على استحباب ابتدائه بالبسلمة في غير الصلاة وإن لم يقل بأنها منه، كما قاله الخطاب، فسقط اعتراض مالكي على من قال ذلك من المالكية، والأصح أنها بهذه الألفاظ العربية، على هذا الترتيب من خصائص المصطفى وأمته المحمدية، مما في سورة النمل جاء على جهة الترجمة عما في ذلك الكتاب، فإنه لم يكن عربيًا، كما أتقنه بعض المحققين وعند الطبراني عن بريدة رفعه: "أنزل عليّ آية لم ينزل على نبي بعد سليمان غيري {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} [الفاتحة: ١] ".وحديث: " {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} كل كتاب"، رواه الخطيب في الجامع معضلا فيه وجهان أحدهما: لفظ البسملة قد افتتح به كل كتاب من الكتب السماوية المنزلة على الأنبياء، والثاني: إن حقها أن تكون في مفتتح كل كتاب، استعانة وتيمنا بها وهذا أقرب، وإن زعم أن المتبادر الأول، فلا ينافي الخصوصية، ولئن سلم فهو معضل لا حجة فيه.وفي الاسم لغات معلومة، وفي أنه عين المسمى أو غيره كلام سيجيء إن شاء الله تعالى في أول المقصد الثاني، وإضافته إلى الله من إضافة العام للخاص كخاتم حديد، واتفق على أنه أعرف المعارف، وإن كان علمًا انفرد به سبحانه فقال: {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} [مريم: ٦٥] وهو عربي، ونطق غير العرب به من توافق اللغات، مرتجل جامد عند المحققين وقيل مشتق، وعليه جمهور النحاة وهو اسم الله العظيم، كما قاله جماعة، لأنه الأصل في الأسماء الحسنى، لأن سائر الأسماء تضاف إليه، وعدم إجابة الدعاء به لكثير، لفقد شروط الدعاء التي منها أكل الحلال البحت وحفظ اللسان والفرج.والرحمن المبالغ في الرحمة والإنعام، صفة الله تعالى؛ وعورض بوروده غير تابع لاسم قبله. قال تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: ٥] ، {الرَّحْمَنُ، عَلَّمَ الْقُرْآنَ} [الرحمن: ١/ ٢] ، وأجيب بأنه وصف يراد به الثناء، وقيل عطف بيان، ورده السهيلي، بأن اسم الجلالة الشريفة غير مفتقر، لأنه أعرف المعارف كلها؛ ولذا قالوا: "وما الرحمن"، ولم يقولوا: وما الله.والرحيم: فعيل، حول من فاعل للمبالغة، والاسمان مشتقان من الرحمة، وقرن بينهما
الحمد لله................................................................للمناسبة، ومعناهما واحد عند المحققين، إلا أن الرحمن مختص به تعالى، ولذا قدم على الرحيم لأنه صار كالعلم من حيث إنه لا يوصف به غيره، وقول بني حنيفة في مسيلمة: رحمان اليمامة، وقول شاعرهم: لا زلت رحمانا. عنت في الكفر أو شاذ، أو المختص بالله تعالى، أو المعرف باللام، فالرحمن خاص لفظًا لحرمة إطلاقه على غير الله، عام معنى من حيث إنه يشمل جميع الموجودات، والرحيم عام من حيث الاشتراك في التسمي به خاص معنى لرجوعه إلى اللطف والتوفيق، وقد قال صلى الله عليه وسلم: "الله رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما". رواه الحاكم. وقيل: اسم الله الأعظم هو الأسماء الثلاثة: الله الرحمن الرحيم.وروى الحاكم في المستدرك وصححه عن ابن عباس، أن عثمان بن عفان سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} فقال: "هو اسم من أسماء الله تعالى، وما بينه وبين اسم الله الأكبر إلا كما بين سواد العين وبياضها من القرب". ولكون الحمد من أفرادها اقتصر عليها إمامنا في الموطأ والبخاري وأبو داود، ومن لا يحصى، وأيده الحافظ بأن أول ما نزل: {قْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} [العلق: ١] ، فطريق التأسي به الافتتاح بها والاقتصار عليها، وبأن كتبه صلى الله عليه وسلم إلى الملوك وغيرهم مفتتحة بها دون حمدلة وغيرها، لكن المصنف كالأكثر أردفها به، لأن المقتصر عليها لا يسمى حامدًا عرفًا، فقال: "الحمد لله" وللاقتداء بالكتاب العزيز ولقوله صلى الله عليه وسلم: "إن الله عز وجل يحب أن يحمد"، رواه الطبراني وغيره.وروى الشيخان وغيرهما مرفوعًا: لا أحد أحب إليه الحمد من الله عز وجل، وقوله صلى الله عليه وسلم: "فإن الله يحب الحمد يحمد به ليثيب حامده، وجعل الحمد لنفسه ذكرًا ولعباده ذخرًا". رواه الديلمي عن الأسود بن سريع. وقوله صلى الله عليه وسلم: "كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أقطع". رواه أبو داود وابن ماجه وغيرهما، وصححه ابن حبان وأبو عوانة، وإن كان في سنده قرة بن عبد الرحمن تكلم فيه، لأنه لم ينفرد به، بل تابعه سعيد بن عبد العزيز، وأخرجه النسائي. وفي رواية أحمد: لا يفتتح بذكر الله فهو أبتر أو أقطع. تشبيه بليغ في العيب المنفر بحذف الأداة والأصل هو كالأبتر أو الأقطع في عدم حصول المقصود منه، أو استعارة ولا يضر الجمع فيه بين المشبه والمشبه به، لأن امتناعه إذا كان على وجه ينبئ عن التشبيه لا مطلقًا للتصريح بكونه استعارة في نحو:قد زر ازراره على القمرعلى أن المشبه في هذا التركيب محذوف، والأصل هو ناقص، كالأقطع، فحذف المشبه وهو الناقص وعبر عنه باسم المشبه به، فصار المراد من الأقطع الناقص، وعليه فلا جمع بين
الذي أطلع في سماء الأزل شمس أنوار معارف النبوة المحمدية، وأشرق من أفق أسرار مظاهر الرسالة تجلي صفات.................................................الطرفين بل المذكور اسم المشبه به فقط."الذي أطلع" نعت لله، والجملة الفعلية صلة الموصول، وهو وصلته كالشيء الواحد، وهما في معنى المشتق؛ لأن الصلة هي التي حصلت بها الفائدة، وترتيب الحكم على المشتق يؤذن بعلية ما منه الاشتقاق، فكأنه قال الاطلاع إلى آخره، فيكون حمده تعالى لذاته ولصفاته فهو واجب، أي يثاب عليه ثوابه لا أنه يأثم بتركه لا لفظًا ولا نية. وقد قام البرهان عقلا ونقلا على وجوب حمده سبحانه، لأن شكر المنعم واجب به للآيات والأخبار الآمرة بالتدبر الموجبة للتفكر، وهو سبحانه وتعالى، قد أفاض نعمه على كل موجود ظاهره وباطنه وإن كان قد فاوت بينهم فيها، ولذا قيل: نعمتان ما خلا موجود عنهما: نعمة الإيجاد، ونعمة الإمداد."في سماء الأزل،" بالتحريك القدم؛ فهو استعارة بالكناية شبه الأزل من حيث وجوده قبل العالم بمكان يعلوه سماء، وأثبت له السماء استعارة تخييلية، والسماء المظلة للأرض. قال بن الأنباري: تذكر وتؤنث، وقال الفراء: التذكير قليل، وهو على السقف وكأنه جمع سماوة كسحاب، وسحابة وجمعت على سموات."شمس الأنوار:" جمع نور، أي: أضواء."معارف النبوة المحمدية،" ولكونها قبل العالم عبر باطلع المشعر بأنها لم تكن موجودة، ثم كانت لانتفاء القدم لغير الباري، ثم بعد وجوده وإشراقه، بمظاهر الصفات، وهي كائنة في عالم المشاهدة عبر بالإشراق الذي هو الإضاءة لهذا العالم، فقال: "وأشرق" أي: أضاء، وهو لازم؛ كما قال تعالى: {وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا} ويعد في كلام المولدين حملا على أضاء، لأنه بمعناه والشيء يحمل على نظيره وضده. وأضاء جاء متعديًا وازمًا بتضمين معناه، أو بمعنى التصيير كما قيل به في ثلاثة: تشرق الدنيا ببهجتها، واستعماله مزيدًا أكثر، وثبت ثلاثية، فقيل هما بمعنى، وقيل أشرقت: أضاءت، وشرقت، طلعت."من أفق" بضم فسكون وبضمتين؛ كما في القاموس وغيره، أي: ناحية."أسرار مظاهر الرسالة" جمع مظهر، اسم موضع الظهور، وقال في لطائف الأعلام: الأفق في اصطلاح القوم، يكنى به عن الغاية التي ينتهي إليها سلوك المقربين، وكل من حصل منهم إلى الله على مرتبة قرب إليه، فتلك المرتبة هي أفقه ومعراجه."تجلي الصفات" هو عند الصوفية ما يكون مبدؤه من الصفات، من حيث تعيينها وامتيازها عن الذات، كذا في التوقيف. وقال صاحب لطائف الأعلام في إشارات أهل الإلهام،
الأحمدية، أحمده على أن وضع أساس نبوته على سوابق أزليته، ورفع دعائم رسالتهيعنون بالتجلي تجريد القوى والصفات عن نسبتها إلى الخلق بإضافتها إلى الحق، وذلك أن العبد إذا تحقق بالفقر الحقيقي، وهو انتفاء الملك بشهود العز له تعالى، صار قبلة للتجلي الصفاتي، بحيث يصير هذا القلب التقي النقي مرآة ومجلى للتجلي الوحداني الصفاتي الشامل حكمه لجميع القوى والمدارك، كما إليه الإشارة بالحديث القدسي: "فإذا أحببته كنت سمعه" الحديث، وأطال في بيان ذلك."الأحمدية" المنسوبة إلى أحمد صلى الله عليه وسلم وهو اسم لم يتسم به أحد قبله، قال الحافظ: والمشهور أن: "أول من سمي به بعده صلى الله عليه وسلم والد الخليل بن أحمد". لكن زعم الواقدي أنه كان لجعفر بن أبي طالب ابن اسمه أحمد. وحكى ابن فتحون في ذيل الاستيعاب أن اسم أبي حفص بن المغيرة الصحابي أحمد، ويقال في والد أبي السفر أن اسمه أحمد. قال الترمذي: أبو السفر هو سعيد بن يحمد، ويقال: ابن أحمد، انتهى."أحمده على أن وضع أساس" أصل "نبوته"، أي: النبي المفهوم من نبوة أو نبوة محمد صلى الله عليه وسلم المستفاد من المحمدية "على سوابق أزليته"، أي: على الأمور التي اعتبرها في الأزل سابقة على غيرها. قال محمد بن أبي بكر بن عبد القادر الرازي: "وليس هو الفخر" صاحب التفسير في كتابه -مختار الصحاح- الأزل: القدم يقال أزلي: ذكر بعض أهل العلم أن أصل هذه الكلمة قولهم للقديم لم يزل، ثم نسب إلى هذا فلم يستقم الأب باختصار، فقالوا: يزلي ثم أبدلت الباء ألفًا؛ لأنها أخف، فقالوا: أزلي، كما قالوا في الرمح المنسوب إلى ذي يزن أزني."ورفع دعائم رسالته" أي: المعجزات عبر عنها بذلك لمشابهتها لها في إثبات رسالته وتقويتها، كتقوية الجدار بما يدعم به، ثم هو استعارة تصريحية شبه المعجزات بالدعائم واستعار اسمها لها، أو مكنية شبه الرسالة المؤيدة، بالمعجزة ببيت مشيد الأركان مدعم بما يمنع تطرق الخلل له، وأثبت الدعائم تخييلا، ولم تزل البلغاء تستعير الدعائم، كقول ابن زيدون:أين البناء الذي أرسوا قواعده … على دعائم من عز ومن ظفرويقال للسيد في قومه: هو دعامة القوم، كما يقال: هو عمادهم، قال الراغب الرسالة سفارة العبد بين الله وبين خلقه. وقيل: إزاحة علل ذوي العقول فيما تقصر عنه عقولهم من مصالح المعاش والمعاد، وجمع بعض المحققين بينهما، "فقال سفارة بين الله وبين ذوي الألباب لإزاحة عللهم فيما يحتاجونه من مصالح الدراين" وهذا حد كامل جامع بين المبدأ المقصود بالرسالة
على لواحق أبديته.وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الفرد المنفرد في فردانيته بالعظمة والجلال.................وهي الخصوصية، وبين منتهاها وهو إزاحة عللهم، انتهى."على لواحق أبديته"، أي: دهوره التي لا انقضاء لها؛ فالأبد الدهر الذي لا نهاية له أو الدهر، وعبر هنا بلواحق، لأنه محل المعجزات وهي إنما تكون بعد وجوده في ذا العالم، فناسب أن تكون على الأمور اللاحقة الخارقة للعادة. وفيما قيل بسوابق؛ لأنه مظهر لأساس النبوة وهو معتبر قبل وجود العالم."وأشهد" أقر وأعلم وأبين، والشهادة الإخبار عن أمر متيقن قطعًا، "أن لا إله إلا الله" لا معبود بحق، إلا الله، أتى به لخبر أبي داود والترمذي والبيهقي، وصححه مرفوعًا، كل خطبة ليس فيها تشهد فهي كاليد الجذماء، أي: القليلة البركة، وأن المخففة من الثقيلة لا الناصبة للفعل إذ لا فعل هنا، ولأن أشهد من أفعال اليقين فيجب أن يكون بعدها أن المؤكدة لتناسب اليقين."وحده:" نصب على الحال بمعنى متوخذًا، وهو توكيد لتوحيد الذات. "لا شريك" لا مشارك "له" تأكيدًا لتوحيد الأفعال ردًا على نحو المعتزلة. وقد روى مالك وغيره مرفوعًا: "أفضل ما قلته أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله وحده لا شريك له"."الفرد:" قال الراغب: الفرد الذي لا يختلط بغيره، وهو أعم من الوتر وأخص من الواحد، وجمعه فرادى. قال تعالى: {لا تَذَرْنِي فَرْدًا} [الأنبياء: ٨٩] أي: وحيدًا. ويقال في الله فرد تنبيها على أنه مخالف للأشياء كلها في الازدواج، المنبه عليها بقوله تعالى: {وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ} [الذاريات: ٤٩] ، معناه أنه المستغني عما عداه، فهو كقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} [العنكبت: ٦] ، فإذا قيل هو فرد فمعناه منفرد بوحدانيته، مستغن عن كل تركيب مخالف للموجودات كلها."المنفرد" من باب الانفعال للمطاوعة، والمراد بدون صنع بل بذاته، وإطلاقه على الله، إما لثبوته كما يشعر به كلامهم، أو للاكتفاء بورود ما يشاركه في مادته ومعناه، أو بناء على جواز إطلاق ما لا يوهم نقصًا مطلقًا، أو على سبيل التوصيف دون التسمية كما ذهب إليه الغزالي."في فرادنيته بالعظمة والجلال" مرادف، فجلال الله: عظمته، والعظمة هي جلاله وكبرياؤه. لكن قال الرازي: الجليل الكامل في الصفات، والكبير الكامل في الذات، والعظيم الكامل فيهما. فالجليل يفيد كمال الصفات السلبية والثبوتية. وقد ذهب الأصمعي إلى أن