جوامع السيرة - ط المعارف (ابن حزم) القسم: السيرة النبوية الكتاب: جوامع السيرة وخمس رسائل أخرى المؤلف: أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم (٣٨٤ - ٤٥٦ هـ)تحقيق: د إحسان عباس [ت ١٤٢٤ هـ]، د ناصر الدين الأسد [ت ١٤٣٦ هـ]مراجعة: أحمد محمد شاكر [ت ١٣٧٧ هـ]الناشر: دار المعارف - مصر، ١٩٥٠ معدد الصفحات: ٣٨١تنبيه: الرسائل الـ ٥ الأخرى الملحقة بالمطبوع، منشورة بالشاملة، كلٌ على حدة[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]تاريخ النشر في راميشر: ١ يوليو ٢٠٢٦.
بسم الله الرحمن الرحيمصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلمأخبرني بتصانيف أبي محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الفارسي الظاهري، شيخنا الإمام الأوحد الرحلة أبو حيان محمد بن يوسف بن علي ابن حيان الأندلسي الجياني رحمه الله تعالى، قال: أخبرني بتصانيف الإمام أبي محمد وجميع رواياته، الكاتب أبو محمد عبد الله بن محمد هارون الطائي القرطبي بمدينة تونس وغيره، قالوا: أخبرنا قاضي الجماعة على مذهب أهل الحديث، أبو القاسم أحمد بن يزيد بن بقي (ح)(١) وأخبرنا الحافظ القاضي أبو علي الحسن بن عبد العزيز بن أبي الأحوص عن ابن بقي أيضاً، قال: أخبرنا القاضي الخطيب أبو الحسن شريح بن محمد [بن] شريح الرعيني، وهو آخر من حدث عنه، قال: أخبرنا أبو محمد علي بن سعيد بن حزم رحمة الله عليه.وكان في صدر الأصل الذي كتبت منه:"كتب إلى القاضي أبو الحسن شريح بن محمد بن شريح الرعيني من حمص الأندلس، قال: أنبأنا أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الظاهري الحافظ، قال: وقرأت على ابن أبي محمد بن عبد الله بن محمد ابن مرزوق اليحصبي بمصر، عن أبي بكر عبد الباقي بن محمد بن بريال الحجاري(٢)، قال رحمه الله تعالى ":(١) " ح " اختصار كلمة " تحويل "، وهو اصطلاح للمحدثين يستخدمونه للإشارة إلى تحويل الإسناد من أوله.(٢) في الأصل: ابن ريال الحجازي، وهو خطأ، وقد ترجمنا له في المقدمة.
باب نسب(١) رسول الله صلى الله عليه وسلمهو أبو القاسم محمد بن عبد الله بن عبد المطلب واسمه شيبة الحمد بن هاشم، - واسمه عمرو بن عبد مناف واسمه المغيرة ابن قصي - واسمه زيد بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركه بن الياس بن مصر بن نزار بن معد بن عدنان.ههنا انتهى النسب الصحيح الذي لا شك فيه.وعدنان لا شك من ولد إسماعيل الذبيح رسول الله، بن إبراهيم خليل الله ورسوله، صلى الله على سيدنا محمد، وعليهما وعلى جميع رسله وأنبيائه.وفي عبد المطلب يجتمع معه عليه السلام: بنو علي، وجعفر، وعقيل بني أبي طالب -، وبنو العباس، وبنو الحارث، وبنو أبي لهب.وفي عبد مناف يجتمع معه: بنو أمية، وسائر بني عبد شمس، وبنو المطلب، وبنو نوفل.وفي قصي يجتمع معه: بنو عبد العزي، وبنو عبد الدار، الذين منهم حجبة الكعبة.(١) انظر نسبه في: ابن هشام ١: ١، ابن سعد ١/ ١: ٢٧، وطبري ٢: ١٧٢، تهذيب ابن عساكر ١: ٢٧٧، تلقيح الفهوم: ٥، ابن سيد الناس ١: ٢١، ابن كثير ٢: ٢٥٢ زاد المعاد ١: ٢٨، تهذيب النووى ١: ٢١، تاريخ الذهبي ١: ١٨.
وفي كلاب يجتمع معه: بنو زهرة، وأمه منهم، وهي آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة.وفي مرة يجتمع [معه](١): بنو تيم بن مرة، وبنو مخزوم بن يقظة ابن مرة.وفي كعب يجتمع معه: بنو عدي، وبنو جمح، وبنو سهم(٢).وفي لؤي يجتمع معه: بنو عامر بن لؤي.وفي غالب يجتمع معه: بنو تيم الأدرم.وفي فهر يجتمع معه: بنو الحارث، وبنو محارب. وفهر هذا: هو أبو قريش كلها، من لم يكن من ولده فلا نسب له في قريش، ومن كان من ولد فهر فهو قرشي.وفي كنانة يجتمع معه: كل من ينتمي إلى كنانة من بني عبد مناة، وملك(٣)، وملكان، وحدال(٤)، وعمرو بن كنانة.وفي خزيمة يجتمع معه: بنو أسد، والقارة، وهم بنو الهون بن خزيمة.وفي مدركة يجتمع معه: بنو هذيل.وفي اليأس يجتمع معه: بنو تميم وإخوتهم، وبنو ضبة، ومزينة،(١) زيادة للسياق.(٢) عدي: هو ابن كعب، أما جمح وسهم فهما: ابنا عمرو بن هصيص بن كعب (الجمهرة: ١٥٠).(٣) قال ابن حزم في الجمهرة: ١٠ " ليس في العرب ملك، بإسكان اللام، غير " ملك ابن كنانة " فقط، وسائرهم " مالك " بكسر اللام وقبلها ألف، ولا أعرف فيمن تأخر من اسمه " ملك " أيضاً إلا " ملك " والد بكر بن مالك صاحب فرغانة من كبار الدهاقين ".(٤) في الأصل: حدان، والتصحيح عن الجمهرة: ١٧ ونسب قريش: ١٠ والطبري ٢: ١٨٨.
والرباب، وخزاعة، وأسلم. فأما الرباب فهم: تيم، وعدي، وثور، وعكل.وفي مضر يجتمع معه: قبائل قيس كلها(١): سليم، ومازن، وفزارة، وعبس، وأشجع، ومرة، وسائر بني ذبيان، وغطفان؛ وعقيل، وقشير، والحريش، وجعدة، والعجلان، وكلاب، والبكاء، وهلال، وسواءة، وبنو جشم، وبنو نصر، وثقيف، وسعد، وسائر هوازن، ومحارب، وعدوان، وفهم، وباهلة، وغنى، والطفاوة، وسائر قيس.وفي نزار يجتمع معه: قبائل ربيعة، كبكر، وتغلب، وعنز بني وائل، وعبد القيس وقبائلها(٢)، وعنزة، والنمر بن قاسط.وفي معد يجتمع معه: إياد، بلا شك.وفي عدنان يجتمع معه: بنو عك، وغافق(٣).وفي إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام، يجتمع معه: بنو إسرائيل، ومن عرف نسبه من بني عيصاد(٤) بن إسحاق أخي يعقوب، وذلك لا يوجد اليوم.وأما قضاعة وقبائل قحطان، وهم أهل اليمن، فالله أعلم بتشعبهم، إلا أنهم يجتمعون معه في نوح، بلا شك، وبالله تعالى التوفيق.(١) انظر جمهرة الأنساب: ٢٣٢ - ٢٧٥، في أنساب قبائل قيس وشعبها.(٢) انظر الجمهرة: ٢٧٨ في عبد القيس وقبائلها.(٣) يوهم كلام ابن حزم أن غافقاً غير عك. والصحيح أن بني غافق من عك. الجمهرة: ٣٠٩.(٤) سماه الطبري ١: ١٦٢ عيص أو عيصاً، وفي الجمهرة: ٤٧٤: عيصاب، وهو عيسو الذي تذكره التوراة، ونسله هم الأدوميون، يؤيد هذا قول ابن حزم في الجمهرة: " وكان بنوه يسكنون جبال السراة التي بين الشام والحجاز، وقد بادوا جميعاً "، وهذا ينطبق على الأدوميين.
مولده ومبعثه وسنه ووفاته (١)صلى الله عليه وسلمولد رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة، وعاش يتيماً، إذ مات أبوه وهو عليه السلام لم يكمل له ثلاث سنين(٢)، وماتت أمه وهو لم يستكمل سبع سنين.وكفله جده عبد المطلب، ومات عبد المطلب ولرسول الله صلى الله عليه وسلم ثماني سنين.ثم كفله عمه أبو طالب، وكان به رفيقاً، وقد خفف الله تعالى بذلك من عذابه، فهو أخف أهل النار عذاباً.وأتته عليه السلام النبوة من عند الله عز وجل، وهو في غار حراء، وهو عليه السلام ابن أربعين سنة، فأقام بمكة ثلاث عشرة سنة، أسلم فيها رجال من أصحابه ونساء.(١) راجع موله في ابن هشام ١: ١٦٧؛ ابن سعد ١/ ١: ٦٢؛ الطبري ٢: ١٧٢؛ تهذيب ابن عساكر ١: ٢٨٠؛ تلقيح الفهوم: ٤؛ ابن سيد الناس ١: ٢٦؛ ابن كثير ٢: ٢٥٩ تاريخ الذهبي ١: ٢١، الإمتاع: ٣.ومبعثه في: ابن هشام ١: ٢٤٩؛ ابن سعد ١/ ١: ١٢٦؛ الطبري ٢: ٢٠١؛ ابن سيد الناس ١: ٨٠؛ ابن كثير ٢: ٣٠٦؛ زاد المعاد ١: ٣٣؛ تاريخ الذهبي ١: ٦٧؛ الإمتاع: ١٢.وسنه في: ابن سعد ٢/ ٢: ٨١؛ ابن كثير ٥: ٢٥٦، تاريخ الذهبي ١: ٣٢٢، الإمتاع: ٥٥١.ووفاته في: ابن هشام ٤: ٢٩٨؛ ابن سعد ٢/ ٢: ٤٧؛ الطبري ٣: ١٨٨ تلقيح الفهوم: ٣٨؛ ابن سيد الناس ٢: ٣٣٥؛ ابن كثير ٥: ٢٣٧، تاريخ الذهبي ١: ٣١٥؛ الإمتاع: ٥٥١.(٢) في تقدير سن الرسول حين توفي أبوه خلاف بين أصحاب السير (انظر الإمتاع: ٥) والجمهور على أن أباه توفي وهو صلى الله عليه وسلم حمل في بطن أمه.
ثم هاجر إلى المدينة، إذ أكرم الله الأنصار رضوان الله عليهم بذلك، فأقام بالمدينة عشر سنين.ومات عليه السلام بها، وقبره فيها، في المسجد، في بيته الذي كان بيت عائشة أم المؤمنين رضوان الله عليها، وفيه دفن صلى الله عليه وسلم.ابتدأه وجعه في بيت عائشة(١)، واشتد أمره في بيت ميمونة أم المؤمنين رضوان الله عليها، فمرض في بيت عائشة بإذن نسائه، رضوان الله عليهن، بذلك.وصلى الناس عليه أفذاذاً(٢)، وكفن في ثلاثة أثواب بيض سحولية(٣) قطنية، ليس فيها قميص ولا سراويل(٤) ولا عمامة؛ ولحد له في قبره، وهو الحفرة تحت جرف القبر.وتولى غسله علي والعباس عمه، والفضل، وقثم، ابنا العباس، وأسامة بن زيد مولاه، وشقران مولاه أيضاً، رضي الله عنهم.ودخل في قبره علي بن أبي طالب رضوان الله عليه، والفضل، وقثم، وشقران، وقيل: أوس بن خولي الأنصاري.وقد قيل: إن المغيرة بن شعبة نزل في قبره بحيلة.وسجى ببرد حبرة، ووضعت في قبره قطيفة كان يتغطاها.(١) ذكر ابن سعد ٢/ ٢: ١٠، ٢٩ والمقريزي في الإمتاع: ٥٤٢، ٥٤٣ أن الوجع ابتدأه في بيت ميمونة وأنه اشتد به هناك أيضاً، فاستأذن نساءه في التحول إلى بيت عائشة فأذن له؛ وفي الإمتاع: ٥٤١: وقيل إن وجعه ابتدأه في بيت زينب بنت جحش.(٢) أفذاذاً: لا يؤمهم أحد.(٣) سحولية: نسبة إلى قرية سحول باليمن، يحمل منها ثياب قطن بيض.(٤) لم نجد ذكراً للسراويل عند غير ابن حزم، وأشهر الروايات ما ورد عند ابن سعد: ٢/ ٢: ٦٥، وقد جاء فيها: أن رسول الله كفن في ثلاثة أثواب ليس فيها قباء ولا قميص ولا عمامة.
ومات وله ثلاث وستون سنة ولد ليوم الاثنين، لثمان بقين من ربيع الأول، ونبئ يوم الاثنين لأيام خلت من ربيع الأول، وهاجر يوم الاثنين، لأيام خلت لربيع. ومات صلى الله عليعه وسلم يوم الاثنين لثمان خلون لربيع الأول؛ وقد قيل غير ذلك.ولم يختلف في أنه عليه السلام مات يوم الاثنين، ودفن ليلة الأربعاء، وقيل: يوم الثلاثاء.وكانت علته اثني عشر يوماً، وقيل: أربعة عشر يوماً، ابتدأ به صداع وتمادى به، وكان ينفث في علته شيئاً يشبه نفث آكل الزبيب.ومات بعد أن خيره الله عز وجل بين البقاء في الدنيا ولقاء ربه عز وجل، فاختار عليه السلام لقاء ربه تعالى. أعلام رسول الله صلى الله عليه وسلم (١)(١) منها القرآن، الذي دعا العرب وغيرهم مذ بعثه الله عز وجل قرناً إلى يومنا هذا، وإلى يوم القيامة إلى أن يأتوا بمثله إن شكوا في صدقه، فأعجز الله تعالى عن ذلك جميع البلغاء، ومنع الجن عن ذلك وغيرهم، قال تعالى: {وإن كنتم في ريب مما نزلنا على(١) عقد ابن سعد في الطبقات ١/ ١: ١١٢ فصلاً لعلامات النبوة نزول الوحي على رسول الله؛ وأوردها ابن كثير ٦: ٧٤ مفصلة، واستخرج الأحاديث المتعلقة بها. وقد أفاض في ذكرها أبو نعيم في كتابه " دلائل النبوة " وخاصة في الفصلين الثاني والعشرين والتاسع والعشرين، وفيها كتب السيوطي كتاب الخصائص الكبرى. وتقصاها البيهقي في كتاب دلائل النبوة وهو مخطوط. والمواهب اللدنية ١: ٤٥٣ وانظر أيضاً صحيح البخاري ٤: ١٩١ في باب علامات النبوة، وتاريخ الذهبي ١: ٧٤، ٢٤٠ وما بعدها.
عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين} (البقرة: ٢٢). وقال تعالى {أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين} (يونس: ٣٨).(٢) وشق الله تعالى له القمر بمكة، إذ سألته قريش آية، فأنزل الله تعالى في ذلك: {اقتربت الساعة وانشق القمر. وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر} (القمر: ١ ٢).(٣) وأطعم النفر الكثير في منزل جابر، وفي منزل أبي طلحة يوم الخندق:مرة ثمانين رجلاً من أربعة أمداد من شعير وعناق(١).ومرة أكثر من ذلك، من أقراص من شعير، حملها أنس بن مالك في يده.ومرة أطعم جميع الجيش، وهم تسعمائة، من تمر يسير أتت به ابنة بشير بن سعد في يدها، فأكلوا منه حتى شبعوا، وفضلت منه فضلة.(٤) ونبع الماء من بين أصابعه، فشرب منه العسكر كلهم وهم عطاش، وتوضأوا كلهم، كل ذلك من قدح صغير ضاق عن أن يبسط فيه صلى الله عليه وسلم يده المكرمة.وأهراق من وضوئه في عين تبوك، ولا ماء فيها، ومرة أخرى في بئر الحديبية، فجاشتا بالماء، فشرب من عين تبوك أهل الجيش، وهم(١) أمداد: جمع مد، وهو مكيال، وهو ربع صاع، والصاع أربعة أمداد. قيل إن أصل المد مقدر بأن يمد الرجل يديه فيملأ كفيه طعاماً. والعناق: الأنثى من أولاد المعز.
ألوف، حتى رووا كلهم، وفاضت إلى يوم القيامة. وشرب من بئر الحديبية ألف وأربعمائة، حتى رووا كلهم، ولم يكن فيها قبل ذلك ماء.(٥) وأمر عليه السلام عمر بن الخطاب رضوان الله عليه أن يزود أربعمائة راكب من تمر كان في اجتماعه كربضة البعير، فزودهم كلهم منه، وبقى بجثته كما كان(١).(٦) ورمى الجيش بقبضة من تراب، فعميت عيونهم، ونزل بذلبك القرآن في قوله تعالى: {وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى} (الأنفال: ١٧)(٧) وأبطل عز وجل الكهانة بمبعثه، فانقطعت، وكانت ظاهرة موجودة.(٨) وحن إليه الجذع الذي كان يخطب إليه، إذ عمل له المنبر، حتى سمع منه جميع الحاضرين مثل صوت الإبل، فضمه إليه، فسكن. وموضع الجذع معروف إلى اليوم، موقف عليه.(٩) ودعا اليهود إلى تمنى الموت، وأخبرهم أنهم لا يتمنونه، فحيل بينهم وبين النطق بذلك، وهذا منصوص في القرآن(٢).(١) الربضة (بضم الراء وكسرها)، ويقال: " أتانا بتمر مثل الربضة الخروف " أي قدر جثة الخروف الرابض. في الأصل: " وبقى بجنسه كما كان "، وكأنها محرفة عن " بجثته "، وجثة الإنسان وغيره شخصه. قال ابن فارس إن أصل مادته (جث) تدل على تجمع الشيء.(٢) هو أمر الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: {قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين. ولن يتمنوه أبداً بما قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين} (البقرة: ٩٤ - ٩٥) وأمره تعالى: {قل يأيها الذين هادوا إن زعمتم أنكم أولياء لله من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين. ولا يتمنونه أبداً بما قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين} (الجمعة: ٦ - ٧).
(١٠) وأخبر بالغيوب.وأنذر بأن عماراً تقتله الفئة الباغية.وأن عثمان رضي الله عنه تصيبه بلوى [وله] الجنة(١).وأن الحسن بن علي رضوان الله عليهما سيد يصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين، فكان كل ذلك.وأخبر عن رجل قاتل في سبيل الله عز وجل بأنه من أهل النار، فظهر ذلك، بأن ذلك الرجل قتل نفسه.وهذه الأشياء لا تعرف ألبتة بشيء من وجوه تقدمه المعرفة، لا بنجوم، ولا بكتف، ولا بخطٍ، ولا بزجرٍ.(١١) وأتبعه سراقة بن مالك بن خعشم، فساخت قدماً فرسه في الأرض، ثم أخرجها وأتبعه دخان، حتى استعاذه سراقة، فدعا له، فانطلقت الفرس.(١٢) وأنذر بأن ستوضع في ذراعيه سوار كشرى، فكان كذلك(٢).(١٣) وأخبر بقتل الأسود العنسي الكذاب ليلة قتله، وهو بصنعاء اليمن، وأخبر بمن قتله.(١) ما بين القوسين ليس في الأصل، وما أثبتناه هو الصواب لحديث البخاري (٥: ١٣ - ١٤) عن أبي موسى الأشعري قال: " … ثم جاء آخر يستأذن، فسكت هنيهة، ثم قال: أئذن له وبشره بالجنة، على بلوى ستصيبه، فإذا عثمان بن عفان ".(٢) ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لسراقة بن مالك: " كيف بك إذا لبست سواري كسرى " فلما فتحت الفتوح أتى عمر بسواري كسرى، فدعا سراقة وألبسه إياهما.
(١٤) وأنذر بموت النجاشي، وبينه وبينه البحر الملح، ومسيرة أيام في البر، وخرج هو وجميع أصحابه إلى البقيع، فصلوا عليه فوجد قد مات ذلك اليوم، إذ ورد الخبر بذلك.(١٥) وخرج من بيته على مائة من قريش ينتظرونه ليقتلوه بزعمهم، فوضع التراب على رؤوسهم، ولم يروه.(١٦) وشكا إليه البعير بحضرة أصحابه وتذلل له.(١٧) وقال لنفر من أصحابه: أحدكم في النار ضرسه مثل أحد، فماتوا كلهم على الإسلام وارتد منهم واحد: وهو الرحال الحنفي، فقتل مرتداً مع مسيلمة الكذاب، لعنها الله تعالى.(١٨) وقال لآخرين منهم: آخركم موتاً في النار، فسقط آخرهم موتاً في النار، فاحترق فمات.(١٩) ودعا شجرتين فأتتاه فاجتمعتا، ثم أمرهما فافترقتا.(٢٠) وكان صلوات الله وسلامه عليه نحو الربعة، فإذا مشى مع الطوال طالهم(١).(٢١) ودعا النصارى إلى المباهلة بالتلاعن(٢)، فامتنعوا، وأخبر أنهم إن فعلوا ذلك هلكوا كلهم، فعلموا صحة قوله، فامتنعوا.(٢٢) وأتاه عامر بن الطفيل بن مالك بن جعفر بن كلاب بن ربيعة(١) هكذا قال ابن حزم " نحو الربعة " والذي في ابن سعد وغيره " فوق الربعة ".(٢) المباهلة: الملاعنة؛ وقد ذكرت مباهلة نصارى نجران في سورة آل عمران: ٦١، وانظر ابن هشام ٢: ٢٣٣، وابن سعد ١/ ٢: ٨٤ والإمتاع: ٥٠٢.
ابن عامر بن صعصعة، وأربد بن قيس(١) بن جزء بن خالد بن جعفر ابن كلاب، وهما فارسا العرب وفاتكاهم، عازمين على قتله، فحال الله بينهما وبين ذلك؛ وضرب بين أربد وبينه، صلى الله عليه وسلم، مرة بعامر، ومرة بسور، ودعا عليهما، فهلك عامر في وجهه من منصرفه عنه عليه السلام، وأهلك أربد الصاعقة، أحرقته، لعنهما الله.(٢٣) وأخبر أنه يقتل أبي بن خلف الجمحي، فخدشه يوم أحد خدشاً لطيفاً، فكانت منيته منها.(٢٤) وأطعم السم، فمات من أكله معه لحينه، وعاش هو صلى الله عليه وسلم بعد ذلك بأربع سنين؛ وكلمه ذراع الشاة المسمومة بأنه مسموم.(٢٥) وأخبر أصحابه يوم بدر بمصارع صناديد قريش، ووقفهم على مصارعهم رجلاً رجلاً، فلم يتعد واحد منهم ذلك الموضع.(٢٦) وأنذر بأن طوائف من أمته يغزون في البحر، وقال لأم حرام بنت ملحان: أنت منهم؛ فكانت منهم؛ وصح غزو طائفة من أمته في البحر.(٢٧) وزويت له الأرض، فأرى مشارقها ومغاربها(٢)، وأنذر ببلوغ ملك أمته ما زوى له منها، فكان ذلك؛ وبلغ ملكهم من(١) هكذا جاء نسبه أيضاً في الجمهرة: ٢٦٨ وابن هشام ٤: ٢١٣ والطبري ٣: ١٦٥ وابن سيد الناس ٢: ٢٣٢ والإمتاع: ٥٠٨ والأغاني ١٥: ١٣٠. وفي ابن سعد ١/ ٢: ٥١: هو أربد بن ربيعة بن مالك بن جعفر، وهذا خطأ لا ندري كيف وقع في كتاب ابن سعد، ولو كان خطأ من ابن سعد لاستدركه عليه علماء الأمة الذين نقلوا عنه، أو لنقلوا خلافة لإجماع النسابين. ولعل ناسخ هذه النسخة من كتابه رأى ابن سعد يقول " وأربد أخو لبيد بن ربيعة بن مالك بن جعفر " فسها وخلط نسباً في نسب. وأربد بن قيس، أخو لبيد بن ربيعة لأمه بلا شك.(٢) زويت: طويت وجمعت.
أول المشرق إلى بلاد السند والترك إلى ىخر المغرب من سواحل البحر المحيط بالأندلس وبلاد البربر، ولم يتسعوا في الجنوب والشمال كل الاتساع، أعنى مثل اتساعهم شرقاً وغرباً، فكان كما أخبر سواء بسواء.(٢٨) وأخبر فاطمة ابنته رضوان الله عليها أنها أول أهله لحاقاً به، فكان كذلك.(٢٩) وأخبر نساءه رضوان الله عليهن بأن أطوالهن يداً أسرعهن لحاقاً به، فكانت زينب بنت جحش الأسدية أطولهن يداً بالصدقة، وأولهن موتاً بعده.(٣٠) ومسح ضرع شاة فدرت، فكان ذلك سبب إسلام عبد الله ابن مسعود. ومرةً أخرى في أخرى في خيمتي أم معبد الخزاعية.(٣١) وندرت عين بعض أصحابه، وهو قتادة، فسقطت، فردها(١)، فكانت أصح عينيه وأحسنهما.(٣٢) وتفل في عيني علي رضوان الله عليه، وهو أرمد، يوم خيبر، فصح من حينه، ولم يرمد بعدها، وبعثه بالراية وقد قال: لا ينصرف حتى يفتح الله عليه، فكان كما قال، لم ينصرف كرم الله وجهه، إلا بالفتح.(٣٣) وكانوا يسمعون تسبيح الطعام بين يديه.(٣٤) وأصيبت رجل بعض أصحابه، فمسحها فبرئت من حينها.(٣٥) وقل زاد جيشٍ كان فيه، فدعا بجميع ما بقي مكن الزاد،،(١) هو قتادة بن النعمان، وقد أصيبت عينه يوم أحد. انظر ابن هشام ٣: ٨٧؛ وندر الشيء: خرج من موضعه وسقط.
فاجتمع منه شيء يسير جداً، فدعا عليه بالبركة، ثم أمرهم فأخذوا، فلم يبق وعاء في العسكر إلا ملئ.(٣٦) وحكى الحكم بن أبي العاصي(١) مشيته مستهزئاً، فقال له: كذلك فكن، فلم يزل يرتعش إلى أن مات.(٣٧) وخطب أمامة بنت الحارث بن عوف(٢) بن أبي حارثة بن مرة بن نشبة بن غيظ بن مرة بن عوف بن سعد بن ذيبان، وكان أبوها أعرابيا جافياً، سيد قومه، فقال: إن بها بياضاً، وكانت العرب تكنى بهذا عن البرص، فقال له صلوات الله وسلامه عليه: لتكن كذلك؛ فبرصت من وقتها، وانصرف أبوها، فرأى ما حدث بها، فتزوجها ابن عمها، يزيد بن جمرة بن عوف بن أبي حارثة، فولدت له الشاعر شبيب بن يزيد وهو المعروف بابن البرصاء(٣).إلى غير ذلك من آياته ومعجزاته صلى الله عليه وسلم؛ وإنما أتينا بالمشهور المنقول نقل التواتر. بالله التوفيق.(١) لم يعده ابن حبيب في المستهزئين، بل ذكره فيمن كانوا يؤذون رسول الله (المحبر ص ١٥٧)، وليس في ترجمة الحكم كما وردت في الاستيعاب وأسد الغابة والإصابة ما يشير إلى شيء مما ذكره ابن حزم هنا؛ غير أن البلاذري ذكره في أنساب الأشراف (٥: ٢٧) وقال: كان مغموصاً عليه في دينه، فكان يمر خلف رسول الله فيغمز به ويحكيه ويخلج بأنفه وفمه، وإذا صلى قام خلفه، فأشارا بأصابعه، فبقى على تخليجه وأصابته خبلة.(٢) في الأصل: " الحارث بن أبي عوف " وصوابه من الجمهرة: ٢٤١، وطبقات ابن سلام: ٥٦٦، وابن هشام ٣: ٢٢٦. والحارث المذكور هو قائد بني مرة يوم الأحزاب. وانظر الخبر في ترجمته في الإصابة.(٣) في الأغاني (١١: ٨٩) أن أمه اسمها قرصافة، وأنها سميت البرصاء لبياضها لا لبرص فيها؛ وقال ابن الأنباري في شرح المفضليات (ص: ٣٣٦) إن قرصافة أم أمه، أما أمه فهي جمرة وقيل جبرة.