دلائل النبوة - البيهقي (أبو بكر البيهقي)القسم: السيرة النبويةالكتاب: دلائل النبوة ومعرفة أحوال صاحب الشريعةالمؤلف: أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي (٣٨٤ - ٤٥٨ هـ)وثق أصوله وخرج حديثه وعلق عليه: د عبد المعطي قلعجيالناشر: دار الكتب العلمية، بيروت - لبنانالطبعة: الأولى، ١٤٠٥ هـ - ١٩٨٥ معدد الأجزاء: ٧[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]تاريخ النشر في Ramisher: ١ يوليو ٢٠٢٦.
دلائل النبوة - البيهقي - المقدمةـ[دلائل النبوة ومعرفة أحوال صاحب الشريعة]ـالمؤلف: أحمد بن الحسين بن علي بن موسى الخُسْرَوْجِردي الخراساني، أبو بكر البيهقي (المتوفى: ٤٥٨هـ)الناشر: دار الكتب العلمية - بيروتالطبعة: الأولى - ١٤٠٥ هـعدد الأجزاء: ٧[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
الجزء الثانيالسفر الثاني من دلائل النبوة ومعرفة أحوال صاحب الشريعةجمّاع أبواب ما ظهر عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم من الآيات بعد ولادته، وقبل مبعثه وما كانت تجري عليه أحواله حتى بعث نبيا صلى الله عليه وآله وسلم.جماع أبواب المبعث من الْوَقْتُ الَّذِي كُتِبَ فِيهِ مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وآله وسلم نبيا إلى الهجرة ومتبدأ الأمر بالقتال.جماع أبواب ما ظهر علي رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم، من الآيات بعد ولادته، وقبل مبعثه، وما كان، تجري عليه أحواله حتى بعث نبيّا، صلى الله عليه وآله وسلم.
الجزء الأولبسم الله الرحمن الرحيموصلّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا دائما أبدا إلى يوم الدين.أخبرنا الشيخ الإمام السديد [ (١) ] ، أبو الحسن: عُبَيْدُ اللهِ [ (٢) ] بْنُ مُحَمَّدِ بن أحمد البيهقي، قراءة عليه وَأَنَا أَسْمَعُ فَأَقَرَّ بِهِ، قال: حدثنا الشيخ الإمام [ (٣) ] ، أَبُو بَكْرٍ: أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ الْبَيْهَقِيُّ- رحمه الله قال:الحمد لله الأول بلا ابتداء، والآخر بلا انتهاء، القديم الموجود لم يزل، الدّائم الباقي بلا زوال، المتوحّد بالفردانيّة، المنفرد بالإلهيّة، له الأسماء الحسنى، والصفات العلى لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [ (٤) ][ (١) ] في (ص) : أخبرنا الشيخ الإمام الحافظ الناقد، أبو نزار: ربيعة بن الحسن اليمني بقراءتي عليه، قال: أنبأنا الشيخ الإمام الحافظ: أبو المجد المبارك بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ البغدادي المعروف بابن الطباخ، قال: أخبرنا الشيخ السديد …[ (٢) ] في (ح) : عبد، وهو غلط من الناسخ، والصحيح: «عبيد» كما هو في نسخه (ص) ، وهو حفيد المصنف، مضت ترجمته في تقدمتنا للكتاب.[ (٣) ] في (ص) : الزاهد الحافظ الناقد.[ (٤) ] الآية الكريمة (١١) من سورة الشورى.
العليم القدير، العليّ الكبير، الوليّ الحميد، العزيز المجيد، المبدئ المعيد، الفعّال لما يريد، له الخلق والأمر، وبه النّفع والضّر، وله [ (٥) ] الحكم والتقدير، وله الملك والتّدبير، ليس له في صفاته شبيه ولا نظير، ولا له في إلهيّته شريك ولا ظهير، ولا له في ملكه عديل ولا وزير، ولا له [ (٦) ] في سلطانه وليّ ولا نصير، فهو المتفرد بالملك والقدرة، والسلطان والعظمة، لا اعتراض عليه في ملكه ولا عتاب عليه في تدبيره، ولا لوم في تقديره.ونشهد أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ له، إلها واحدا أحدا، سيدا صمدا، لَمْ يَتَّخِذْ صَاحِبَةً وَلَا ولدا.ونشهد أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ونبيّه وصفيّه، ونجيّه ووليّه ورضيّه، وأمينه على وحيه، وخيرته من خلقه، أرسله بالحق بشيرا ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا.صَلَّى اللهِ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ الطيبين، وعلى أصحابه الطاهرين، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين، وسلّم تسليما كثيرا.والحمد لله الذي خلق الخلق بقدرته، وجنّسهم بإرادته وجعلهم دليلا على إلهيّته، فكلّ مفطور شاهد بوحدانيته، وكلّ مخلوق دالّ على ربوبيّته. وخلق الجنّ والإنس ليأمرهم بعبادته من غير حاجة له إليهم، ولا إلى أحد من بريّته، وركّب فيهم العقل الذي به يدرك دلائل قدمه ووجوده، وتوحيده وتمجيده، وحدوث غيره بإبداعه واختراعه، وإحداثه وإيجاده. وبعث فيهم الرسل كما قال جل ثناؤه: إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَعِيسى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهارُونَ[ (٥) ] في (ص) : وإليه.[ (٦) ] له: ساقطة من (ص) .
وَسُلَيْمانَ. وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً، وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْناهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً. رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً [ (٧) ] يعني- والله أعلم- لئلا يقولوا: نحن وإن علمنا بعقولنا أنّ لنا صانعا ومدبّرا، فلم نعلم وجوب عبادته علينا ولا كيفيّتها، ولا إذا عبدناه ما يكون لنا، وإذا لم نعبده ما يكون.فقطع حجّتهم وبعث فيهم رسلا يأمرونهم بعبادته، ويبيّنون لهم كيفيتها، ويبشرون بالجنة من أطاعه، وينذرون بالنار من عصاه، وهذا كقوله: وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقالُوا: رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزى [ (٨) ] .وأيّد كلّ واحد من رسله بما دلّ على صدقه من الآيات والمعجزات التي باينوا بها من سواهم مع استوائهم في عين ما أيّدوا به.ومعجزات الرسل كانت أجناسا كثيرة: وقد أخبر اللهُ- عز وجل أَنَّهُ أعطى «موسى» عليه السلام تسع آيات: العصا، واليد، والدّم، والطوفان، والجراد، والقمّل، والضفادع، والطّمس [ (٩) ] ، والبحر.[ (٧) ] الآيات (١٦٣- ١٦٥) من سورة النساء.[ (٨) ] الآية الكريمة (١٣٤) من سورة طه.[ (٩) ] الطمس على أموالهم، وجاء في القرطبي (١٠: ٣٢٦) أن الآيات التسع هي: «العصا، واليد، واللسان، والبحر، والطوفان، والجراد، والقمّل، والضفادع، والدم» بدون ذكر «الطمس» .وقد جاء ذكر ما أعطاه الله لموسى من الآيات في سورة الأعراف الآية (١٣٣) : فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ، وَالْجَرادَ، وَالْقُمَّلَ، وَالضَّفادِعَ، وَالدَّمَ، آياتٍ مُفَصَّلاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ.وفي سورة الإسراء الآية (١٠١) : وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ فَسْئَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ إِذْ جاءَهُمْ، فَقالَ لَهُ فِرْعَوْنُ: إِنِّي لَأَظُنُّكَ يا مُوسى مَسْحُوراً.وقد ذكر في القرآن الكريم أشياء كثيرة من معجزات موسى- عليه السلام (أحدها) : إزالة العقدة
فأما (العصا) : فكانت حجّته [ (١٠) ] على الملحدين والسحرة جميعا، وكان السحر في ذلك الوقت فاشيا، فلما انقلبت عصاه حيّة تسعى، وتلقّفت حبال السّحرة وعصيّهم- علموا أن حركتها عن حياة حادثة فيها بالحقيقة، وليست من جنس ما يتخيّل [ (١١) ] بالحيل. فجمع ذلك الدّلالة على الصانع وعلى نبوته جميعا.[ () ] من لسانه، وصار فصيحا، (وثانيها) انقلاب العصا حية، (وثالثها) تلقف الحية حبال السحرة وعصيهم مع كثرتها، (ورابعها) : اليد البيضاء، و (خمس أخر) وهي: الطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، (والعاشر) : شق البحر «وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ» ، (والحادي عشر) : الحجر: «اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ» (الثاني عشر) : إظلال الجبل «وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ» (الثالث عشر) : إنزال المن والسلوى عليه وعلى قومه، (الرابع عشر والخامس عشر) : قوله تعالى: «وَلَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ، وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ» (السادس عشر) :الطمس على أموالهم من النخل، والدقيق، والأطعمة …وذكر الله- جل شأنه- في القرآن هذه المعجزات الست عشرة لموسى- عليه السلام وتخصيص التسعة بالذكر لا يقدح فيه ثبوت الزائد عليه، أما الآيات التسع، فقد اتفقوا على سبع منها وهي: العصا، واليد، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، وبقي الاثنتان، ولكل واحد من المفسرين قول آخر فيهما،وأجودها ما روى صفوان بن عسّال. أنّ يهوديّين قال أحدهما لصاحبه: اذهب بنا إلى هذا النّبيّ نسأله، فقال: لا تقل نبيّ فإنّه إن سمعها تقول نبيّ كانت له أربعة أعين، فأتيا النّبيّ صلى الله عليه وسلم فسألاه عن قول الله عز وجل وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تشركوا بالله شيئا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا النّفس الّتي حرّم الله إلّا بالحقّ، ولا تسرفوا، ولا تسحروا، ولا تمشوا ببريء إلى سلطان فيقتله، ولا تأكلوا الرّبا، ولا تقذفوا محصنة، ولا تفرّوا من الزّحف، شكّ شعبه: وعليكم يا معشر اليهود خاصّة لا تقلدوا في السّبت فقبّلا يديه ورجليه وقالا: نشهد أنّك نبيّ، قال: فما يمنعكما أن تسلما،؟ قالا: إنّ داود دعا الله، أن لا يزال في ذرّيّته نبيّ وإنّا نخاف إن أسلمنا أن تقتلنا اليهود. قال: هذا حديث حسن صحيح. /الترمذي (٥: ٣٠٦)[ (١٠) ] في (ص) حجة.[ (١١) ] في (ح) : ينتحل.
وأما (سائر الآيات) التي لم يحتج إليها مع السحرة فكانت دلالته على فرعون وقومه القائلين بالدّهر، فأظهر الله بها صحّة ما أخبرهم به موسى من أن له ولهم ربا وخالقا.وألان الله الحديد «لداود» [ (١٢) ] ، وسخّر له الجبال والطير، فكانت تسبّح معه [ (١٣) ] بالعشيّ والإشراق.وأقدر «عيسى بن مريم» على الكلام في المهد. فكان يتكلّم كلام الحكماء، وكان يحيى له الموتى، ويبرئ- بدعائه أو بيده إذا مسح- الأكمه والأبرص، وجعل له أن يجعل مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَيَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طائرا بإذن الله [ (١٤) ] .ثم إنه رفعه من بين اليهود لمّا أرادوا قتله وصلبه [ (١٥) ] ، فعصمه الله بذلك[ (١٢) ] في الآية الكريمة (١٠) من سورة سبأ: وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنَّا فَضْلًا يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ، وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ.[ (١٣) ] في (ح) : «له» ، وأثبتّ ما في الآية القرآنية الكريمة من (١٨) من سورة ص: إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ[ (١٤) ] وهو ما جاء في الذكر الحكيم في الآية الكريمة (١١٠) من سورة المائدة: إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى والِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ.[ (١٥) ] وجاء في «القرآن الكريم» في سورة النساء. الآيات من ١٥٧/ ١٥٩:وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ وَما قَتَلُوهُ يَقِيناً. بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً.
من أن يخلص ألم القتل والصّلب إلى بدنه، وكان الطبّ عامّا غالبا في زمانه، فأظهر الله تعالى بما أجراه على يده، وعجز الحذّاق من الأطبّاء عما هو أقلّ من ذلك بدرجات كثيرة- أنّ التعويل على الطبائع وإنكار ما خرج عنها باطل، وأنّ للعالم خالقا ومدبّرا، ودلّ بإظهاره ذلك له، وبدعائه على صدقه، وبالله التوفيق.فأمّا النبي المصطفى، والرسول المجتبى، المبعوث بالحقّ إلى كافة الخلق من الجنّ والإنس، أبو الْقَاسِمِ: مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ المطلب، خاتم النبيين، ورسول ربّ العالمين، صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَعَلَى آله الطيبين الطاهرين- فإنه أكثر الرسل آيات وبينات وذكر بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ أعلام نبوته تبلغ ألفا.فأما (العلم) الذي اقترن بدعوته ولم يزل يتزايد أَيَّامَ حَيَاتِهِ، وَدَامَ فِي أمته بعد وفاته- فهو «القرآن» العظيم، المعجز المبين، وحبل الله المتين، الذي هو كما وصفه به من أنزله فقال: وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ لَا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ، تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ [ (١٦) ] .وقال: إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ. تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ [ (١٧) ] .وقال: بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ [ (١٨) ] .وقال: إِنَّ هذا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ [ (١٩) ] .[ (١٦) ] سوره فصلت: (٤١، ٤٢) .[ (١٧) ] الآيات الكريمة (٧٧- ٨٠) من سورة الواقعة.[ (١٨) ] سورة البروج: (٢١، ٢٢) .[ (١٩) ] الآية الكريمة (٦٢) من سورة آل عمران.
وقال: وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [ (٢٠) ] .وقال: إِنَّها تَذْكِرَةٌ، فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ، فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ، مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ، بِأَيْدِي سَفَرَةٍ، كِرامٍ بَرَرَةٍ [ (٢١) ] .وقال: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً [ (٢٢) ] .فأبان جل جلاله أنه أنزله على وصف مباين لأوصاف كلام البشر، لأنه منظوم وليس بمنثور، ونظمه ليس نظم الرسائل، ولا نظم الخطب، ولا نظم الأشعار، ولا هو كأسجاع الكهّان.وأعلم أنّ أحدا لا يستطيع أن يأتي بمثله. ثم أمره أن يتحداهم على الإتيان به إن ادّعوا أنهم يقدرون عليه أو ظنوه. فقال: قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ [ (٢٣) ] ثم نقصهم تسعا فقال: فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ [ (٢٤) ] .فكان من الأمر ما يصفه. غير أن من قبل ذلك دلالة، وهي أَنَّ النَّبِيَّ، صلى الله عليه وسلم، كَانَ غَيْرَ مدفوع عند الموافق والمخالف عن الحصافة والمتانة وقوّة العقل والرأي.ومن كان بهذه المنزلة، وكان مع ذلك قد انتصب لدعوة الناس إلى دينه- لم يجز بوجه من الوجوه أن يقول للناس: ائتوا بسورة من مثل ما جئتكم به من القرآن ولن تستطيعوه، فطن أتيتم به فأنا كاذب وهو يعلم من نفسه أن القرآن منزل[ (٢٠) ] الآية الكريمة (١٥٥) من سورة الأنعام.[ (٢١) ] سورة عبس الآيات: (١١- ١٦) .[ (٢٢) ] الآية الكريمة (٨٨) من سورة الإسراء.[ (٢٣) ] الآية الكريمة (١٣) من سورة هود.[ (٢٤) ] الآية الكريمة (٢٣) من سورة البقرة.
عليه، ولا يأمن أن يكون في قومه من يعارضه، وأن ذلك- إن كان- يبطل [ (٢٥) ] دعوته.فهذا إلى أن يذكر ما بعده [ (٢٦) ]- دليل قاطع على أنه لم يقل للعرب ائتوا بمثله إن استطعتموه ولن تستطيعوه، إلا وهو واثق متحقّق أنهم لا يستطيعونه، ولا يجوز أن يكون هذا اليقين وقع له إلا من قبل ربّه الذي أوحى إليه به، فوثق بخبره. وبالله التوفيق.وأما ما بعد هذا فهو:أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قال لهم: ائتوني [ (٢٧) ] بسورة من مثله إن كنتم صادقين.فطالت المهلة والنّظرة لهم في ذلك، وتواترت الوقائع والحروب بينه وبينهم فقتلت صناديدهم، وسبيت ذراريهم ونساؤهم، وانتهبت أموالهم، ولم يتعرض أحد لمعارضته، فلو قدروا عليها لافتدوا بها أنفسهم وأولادهم وأهاليهم وأموالهم. ولكان الأمر في ذلك قريبا سهلا عليهم، إذ كانوا أهل لسان وفصاحة، وشعر وخطابة.فلما لم يأتوا بذلك ولا ادّعوه صحّ أنهم كانوا عاجزين عنه.وفي ظهور عجزهم بيان أنّه في العجز مثلهم، إذ كان بشرا مثلهم لسانه لسانهم، وعاداته عاداتهم، وطباعه طباعهم، وزمانه زمانهم، وإذا كان كذلك وقد جاء بالقرآن- وجب القطع بأنّه مِنْ عِنْدِ اللهِ، تَعَالَى جدّه، لا من عند غيره.وبالله التوفيق.قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: الحسين بن الحسن الحليمي [ (٢٨) ]رحمه الله: فإن[ (٢٥) ] في الأصل (ح) : «يطلب» .[ (٢٦) ] في الأصل (ح) : «إلى أن يذكر إلى ما بعده» .[ (٢٧) ] في (ص) : ائتوا.[ (٢٨) ] هو الْحُسَيْنُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ محمد بن حليم القاضي (٣٣٨- ٤٠٣) أصله من بخارى، ويعتبر أنبه المتكلمين في بلاد ما وراء النهر وأنظرهم، وآدبهم، وكان مقدما فاضلا كبيرا له مصنفات مفيدة
ذكروا «سجع مسيلمة» فكل ما جاء به مسيلمة لا يعدو أن يكون بعضه محاكاة [ (٢٩) ] وسرقة، وبعضه كأساجيع الكهان، وأراجيز العرب وقد كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ مَا هو أحسن لفظا، وأقوم معنى وأبين فائدة، ثم لم تقل له العرب:ما أنت! تتحدّانا على الإتيان بمثل القرآن وتزعم أنّ الإنس والجن لو اجتمعوا على أن يأتوا بمثله لم يقدروا عليه، ثم قد جئت بمثله مقرّا [ (٣٠) ]- إنه ليس من عند الله وذلك قوله:أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ … أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ [ (٣١) ][ () ] ينقل منها الحافظ أبو بكر البيهقي كثيرا، وقال ابن كثير في «البداية والنهاية» : «كان الحليمي رجلا عظيم القدر، لا يحيط بكنه علمه إلا غواص» .ومن تصانيفه «المنهاج في شعب الإيمان» كتاب جليل في نحو ثلاثة مجلدات يشتمل على مسائل فقهية تتعلق بأصول الإيمان، وأحوال القيامة، وفيه معان غريبة لا توجد في غيره» .ترجمته في: طبقات الشافعية للعبادي ص (١٠٥) ، طبقات الشافعية الكبرى للسبكي، وفيات الأعيان (١: ٤٠٣) ، البداية والنهاية (١١: ٣٤٩) ، المنتظم (٧: ٢٦٤) ، تذكرة الحفاظ (٣:١٠٣٠) ، شذرات الذهب (٣: ١٦٧) ، طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (١: ١٧٠) .[ (٢٩) ] في الأصل: «محالا» .[ (٣٠) ] في (ح) : مفترى، وأثبت في (ص) .[ (٣١) ] أخرجه البخاري في: ٥٦- كتاب الجهاد (٥٢) . باب: من قاد دابّة غيره في الحرب. فتح الباري (٦: ٦٩) ، كما أخرجه البخاري «أيضا» بعده في: (٦١) باب: بغلة النبي صلى الله عليه وسلم. فتح الباري (٦: ٧٥) ، وفي (٩٧) باب: من صفّ أصحابه عند الهزيمة، ونزل عن دابته فاستنصر.فتح الباري (٦: ١٠٥) .وأخرجه البخاري «أيضا» في: ٦٤- كتاب المغازي، (٥٤) باب: قول الله تعالى: وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ … فتح الباري (٨: ٢٧) .وأخرجه مسلم في: (٣٢) كتاب الجهاد والسير- (٢٨) باب: في غزوة حنين، حديث رقم (٧٨) ، (٨٠) .وأخرجه الترمذي في: كتاب الجهاد في باب: الثبات عند القتال (٤: ٢٠٠) .وأخرجه الإمام أحمد في مسنده (٤: ٢٨٠، ٢٨١، ٢٨٩، ٣٠٤) .
وقوله:تَالَلَّهِ لَوْلَا اللهُ مَا اهْتَدَيْنَا … وَلَا تَصَدَّقْنَا وَلَا صَلَّيْنَا [ (٣٢) ]فَأَنْزِلَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا … وَثَبِّتِ الْأَقْدَامَ إِنْ لَاقَيْنَاوقوله:اللهُمَّ إِنَّ الْعَيْشَ عَيْشُ الْآخِرَةْ … فَارْحَمِ الْأَنْصَارَ وَالْمُهَاجِرَةْ [ (٣٣) ][ (٣٢) ] أخرجه البخاري في (٥٦) كتاب الجهاد والسير (٣٤) باب: حفر الخندق. فتح الباري (٦: ٤٦) ، وفي: (٨٢) كتاب القدر ١٦- باب: وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله. فتح الباري. (١١:٥١٥، ٥١٦) .كما أخرجه البخاري أيضا في: كتاب التمني ٧- باب: قول الرجل: لولا الله ما اهتدينا- فتح الباري (١٣: ٢٢٢) ، وأخرجه مسلم «أيضا» في: ٣٢- كتاب الجهاد والسير (٤٣) باب: غزوة خيبر، حديث رقم (١٢٣) ، ونسب هذا الرجز لعامر بن الأكوع، وأخرجه مسلم في الحديث الذي يليه ونسبه لسلمه بن الأكوع، وأخرجه مسلم في ٤٤- باب: غزوة الأحزاب- حديث رقم (١٢٥) صفحه (١٤٣٠) من حديث البراء بن عازب، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قائله يوم الأحزاب وهو ينقل معهم التراب.وأخرجه الإمام أحمد في مسنده (٣: ٤٣١) (٤: ٤٧، ٤٨، ٥٢، ٢٨٢، ٢٨٥، ٢٩١، ٣٠٢) .وهو عند مسلم «أيضا» صفحه (١٤٤٠) وأن الذي كان يرتجز هو عامر.وهذا لا يمنع من أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد قاله وأن بعض الصحابة قد ارتجز به أيضا.[ (٣٣) ] أخرجه البخاري في أول كتاب الرقاق، فتح الباري (١١: ٢٢٩) ، كما أخرجه «أيضا» في ٥٦- كتاب الجهاد ٣٣- باب: الصبر عند القتال، وأن الصحابة قالوا له مجيبين:نحن الذين بايعوا محمدا … على الجهاد ما بقينا أبدافتح الباري: (٦: ٤٥- ٤٦) .وأخرجه البخاري «أيضا» في باب: البيعة في الحرب من كتاب الجهاد، فتح الباري (٦:١١٧) .وأخرجه مسلم في: ٣٢- كتاب الجهاد (٤٤) باب: غزوة الأحزاب، حديث رقم (١٢٦، ١٢٩) صفحه (١٤٣١- ١٤٣٢) .
وقوله: «تعس عبد الدينار والدرهم، وعبد الخميصة [ (٣٤) ] ، إن أعطى منها رضي وإن لم يعط سخط: تعس وانتكس [ (٣٥) ] ، وإن شيك [ (٣٦) ] فلا انتقش [ (٣٧) ] .فلم يدّع أحد من العرب أن شيئا من هذا يشبه [ (٣٨) ] القرآن وأن فيه كسرا [ (٣٩) ] لقوله.وحكى الأستاذ أَبُو مَنْصُورٍ: مُحَمَّدُ بْنُ الحسين بن أبي أيوب [ (٤٠) ] فيما كتب إليّ عن بعض أصحابنا أنه قال:يجوز أن يكون هذا النظم قد كان فيما بينهم فعجزوا عنه عند التحدي،[ () ] وأخرجه الترمذي في: كتاب المناقب باب: في مناقب أبي موسى الأشعري، حديث رقم (٣٨٥٦) ، ص (٥: ٦٩٣) .وأخرجه الإمام أحمد في مسنده (٢: ٣٨١) ، (٣: ١٧٢، ١٨٠، ٢١٦، ٢٧٦) ، (٥:٣٣٢) .[ (٣٤) ] (الخميصة) : كساء أسود مربع له علامان.[ (٣٥) ] (تعس وانتكس) : أي عاوده المرض وشقي.[ (٣٦) ] (إن شيك) : أي إذا أصابته شوكة لا قدر على إخراجها بالمنقاش.[ (٣٧) ] الحديث أخرجه البخاري في: ٥٦- كتاب الجهاد، ٧٠- باب الحراسة والغزو في سبيل الله.فتح الباري (٦: ٨١) ، كما أخرجه «أيضا» في الرقاق ١٠- باب: ما يتقى من فتنة المال. فتح الباري (١١: ٢٥٣) .وأخرجه ابن ماجة في: ٣٧- كتاب الزهد (٨) باب: في المكثرين، حديث رقم (٤١٣٦) ، ص (١٣٨٦) .[ (٣٨) ] في (ص) : «شبه» .[ (٣٩) ] في (ص) : كثيرا.[ (٤٠) ] بالأصل (ح) محمد بن الحسن، وهو خطأ من الناسخ، وصحته: محمد بن الحسين بن أبي أيوب، الأستاذ، حجة الدين، أبو منصور المتكلم، تلميذ ابن فورك، صاحب كتاب «تلخيص الدلائل» ، وفاته سنة (٤٢١) ، وله ترجمة في طبقات الشافعية للسبكي (٤: ١٤٧) ، والوافي بالوفيات (٣: ١٠) .