شرح صحيح البخاري - الأصبهاني (إسماعيل التيمي الأصبهاني) القسم: شروح الحديث الكتاب: شرح صحيح البخاري المؤلف: قِوَام السنة الأصبهاني، أبو القاسم إسماعيل بن محمد التيمي الشافعي (ت ٥٣٥ هـ)تحقيق: د عبد الرحيم بن محمد العزاوي(أستاذ السنة وعلوم الحديث بجامعة عبد الملك السعدي - تطوان - المغرب) الناشر: دار أسفار - الكويت الطبعة: الأولى، ١٤٤٢ هـ - ٢٠٢١ معدد الأجزاء: ٥[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]تاريخ النشر في راميشر: ١ يوليو ٢٠٢٦.
أَسْفَار لِنَشْرِ نَفِيسِ الكُتُبِ وَالرَّسَائِلُ العِلْمِيَّةِدَوْلَةُ الكُويَت شَرحُ صَحِيحِ البُخَارِيّ تَأْلِيفُقِوَامِ السُّنَّةِ الأَصْبَهَانِيّأبِي القَاسِم إِسْمَاعِيل بن مُحَمَّد التَّيْمِيّ الشَّافِعِيّ (ت ٥٣٥ هـ) تَحْقِيقُد. عَبْد الرَّحِيم بن مُحمَّد العَزّاويّأُسْتَاذُ السُّنَّةِ وَعُلُومِ الحَدِيث بِجَامِعَةِ عَبد المَلِكِ السَّعْدِيّ - تِطْوَان - المَغْرِبالجُزْءُ الأَوّلُالمُقَدِّمَة الدّرَاسِيَّة طبعَ بتَمِويلسَعْدِ مَنْصُور يُوسُفَ الخِلَيْفِيّغَفَر الله لَهُ ولوَالدَيْه
بسم الله الرحمن الرحيم يسرُّ "مشروع أسفار" أنْ يقدِّمَ للقارئ الكريم الإصدارَ الأربعين من إصدارات المشروع: (شَرح صَحِيحِ البُخاري)، لشيخِ الإسلام قِوام السنَّة إسماعيل التَّيميِّ الأصبهانيِّ (ت ٥٣٥).كتابُنا؛ من مَفَاخِرِ مؤلَّفاتِ المسلمين، ومَبَاهجِ السُّرورِ بسنَّةِ سيِّدِ المرسلين؛ شرحٌ لأحدِ الأصُول المتلقَّاةِ من الأمَّة بالقَبول: "الجامعِ الصَّحيحِ للإمامِ البخاريِّ". قد أثنى العلماءُ على مؤلِّفه بكلِّ جليلٍ: فهو (أحدُ أَئمةِ الشَّافعية) و (مجدِّد المئة الخامسة) الذي أحيا اللهُ به الدِّين، ولقِّب بـ (شيخ الحفَّاظ والإسلام) و (العارف بكلِّ فنٍّ، المتقن)، استجمعَ عِلميْ الرِّواية والدِّراية، وتفنَّنَ معرفيًّا فكان موسوعيًّا وجعل (علمَ الاعتقادِ) منها الأساس، حتى نُقِلَ عن الأئمة: "ما رحلَ إلى بغداد بعد الإمامِ أحمدَ بن حنبل أحفظُ وأفضلُ من الإمام إسماعيل". فقد أظهر السنَّة ونبذَ طرائق المتكلمين، ودعا للتمسُّك بالأمرِ الأوَّل واتباعِ منهاجِ النبوَّة، وأقامَ الحجَّة وأبانَ عن المحجَّة.وخَبَر تأليف الكتاب: أنَّ ابنَ قوامِ السنَّةِ أبا عبد الله محمدَ بنَ إسماعيلَ ابتدأ في شرحِ الصَّحيح ووضع مبادئه بشرح: (بدء الوحي والإيمان)، ورام فيه الإيجاز مع العناية بما لم يذكره الإمام الخطابي في (أعلام الحديث)، إلا أن المنية قد اخترمته قبل أن يتمَّه؛ فأكملَهُ أبوه الإمام قوامُ السنَّة ليتمَّ به الانتفاع، وكانت محبة الوالد لابنه الصالح سببًا في تصنيف هذا الشَّرح العظيم، فكان جلَّ الشرح من تصنيفه.فمن مميزاتِ هذا الشَّرح المبارك: العنايةُ بتفسير الحديث وغريبه وضبط ألفاظه، وبيانُ أوجهِ الفروق بين روايات الصَّحيح والتَّرجيح بينها، والإشارة إلى فقه الحديثِ باستنباطِ فوائدهِ وأحكامه، مع التزام الاختصار والاقتصار على المقصود بلا إطالة، وله أحيانًا تصرفاتٌ في ترتيب الأبواب تقديمًا وتأخيرًا، وزاد على المشروح فصولًا
يستطرد بفوائدها لتكميل مادته من غير إخلالٍ باتِّساق الكتاب، مع الاهتمام ببَيانِ المناسباتِ للتَّراجم ومطابقتها للأحاديث، وأيضًا إبرازُ عقيدة أهل السنَّة في مسائل الشَّرح؛ بالاعتصام بما عليه سَلَفُ الأمَّة، مع تعقُّب من جانبَ الصَّواب من شرَّاحِ الصَّحيح، كذلك تميَّز شرحهُ بالنَّقل عن المصادر المفقودة: كـ "المناسك الكبير" للإمام الشَّافعي، والقِسْم الضَّائع من "صحيح ابن خزيمة" وغيرها، وتميَّز بأنَّه من أوائل الشُّروح فاعتُبِرَ موردًا علميًّا لمن أتى بعدَهُ من شرَّاحِ البخاريِّ؛ مثل: الكرمانيِّ وابن حَجَر العسقلانيِّ والعينيِّ والقسطلانيِّ والسيوطيِّ في آخرين.وأصلُ تحقيق الكتاب: رسالة دكتوراه من كليَّة الشريعة بجامعة القرويين بفاس، حاصلة على "درجة مشرِّف جدًّا"، مع "التَّوصية بالطبع"، وقد بذلَ محقِّق الكتاب - جزاه الله الجنَّة - جهدًا كبيرًا مشكورًا في دراسة الكتاب وخدمته، والتَّعليق عليه والتَّقديم له، وتثبيت نسبتهِ لمؤلِّفه قِوام السنَّة بعد أنْ فُهرِسَ خطأً منسوبًا لتقيِّ الدِّين السُّبكي، وعُدَّ من المفقودات على المكتبة الإسلامية.وفي الختام: نشكر الشَّيخ: "حاتم بن محمَّد فتح الله" على إكرامنا بمصوَّرة ملوَّنة من (مخطوطة مكناس) كان قد صَرَف همَّته في تصويرها، فجزاه اللهُ عن العلم وأهله خيرًا كثيرًا، كما نتقدَّم بالشُّكر الجزيل للشَّيخ: "سامر بن أحمد شنار" على جهوده العلميَّة في المراجعة والتَّدقيق، فجزاه ربي جنَّات النَّعيم، ونسألُ الله لهذا المشروع المبارك (أسفار) مزيدًا من الفتح والتَّوفيق والبركات لخدمة العلم وأهله، وأنْ يكتب لمموِّل الكتاب "سعد منصور يوسف الخليفي" أعظمَ الأجر وأجزله وأوفاه، وصلى اللهُ على نبينا محمَّد وآله وصحبه أجمعين، والحمد لله ربِّ العالمين. أَسْفَارلِنَشْرِ نَفيسِ الكُتُبِ والرَّسَائلِ العِلْميَّةدَولَةُ الكُوَيْت
بسم الله الرحمن الرحيم مُقَدِّمَةالحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، إِلَهِ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ، خَالِقِ الخَلْقِ أَجْمَعِينَ، وَمُفَضِّلِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ فِي العَقْلِ وَالدِّينِ، أَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ عَلَى نِعَمِهِ الْمُتَوَالِيَةِ، وَآلَائِهِ الْمُتَكَاثِرَةِ، لَهُ الحَمْدُ عَلَى مَا أَوْلَى وَأَنْعَمَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صلى الله عليه وسلم، خَاتَمُ رُسُلِهِ وَأَنْبِيَائِهِ، وَمُبَلِّغُ أَحْكَامِهِ وَأَنْبَائِهِ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ النَّاقِلِينَ أَقْوَالَهُ وَأَفْعَالَهُ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.أَمَّا بَعْدُ:فَإِنَّ مِنْ أَكْبَرِ نِعَمِ اللهِ عَلَى عِبَادِهِ أَنْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَالحِكْمَةَ، فَكَانَتْ أَقْوَالُهُ وَأَفْعَالُهُ أَحْكَامًا مِنْ أَحْكَامِ الدِّينِ، مُبَيِّنَةً لِمَا أُنْزِلَ مِنْ كِتَابِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَتَكَفَّلَ اللهُ بِحِفْظِهَا، إِذْ حِفْظُهَا هُوَ حِفْظٌ لِلْقُرْآنِ الكَرِيمِ، قَالَ تَعَالَى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ}(١)، فَبَلَغَ صلى الله عليه وسلم كِتَابَ رَبِّهِ أَتمَّ البَلَاغِ، وَأَدَّى الأَمَانَةَ، وَنَصَحَ الأُمَّةَ، وَلَمْ يَلْحَقْ بِالرَّفِيقِ الأَعْلَى حَتَّى تَرَكَهُمْ عَلَى الْمَحَجَّةِ البَيْضَاءِ،(١) سورة النحل، الآية: (٤٤).
وَالطَّرِيقَةِ الغَرَّاءِ، لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا، لَا يَزِيغُ عَنْهَا إِلَّا هَالِكٌ، وَقَامَ صَحَابَتُهُ رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ مِنْ بَعْدِهِ بِتَبْلِيغِ سُنَّتِهِ وَأَحْوَالِهِ لِمَنْ بَعْدَهُمْ، رَاغِبِينَ فِي الأَجْرِ وَالثَّوَابِ، عَامِلِينَ بِمَا أُمِرُوا بِهِ مِنْ تَبْلِيغِ الدِّينِ وَبَيَانِ الكِتَابِ.ثُمَّ بَرَزَ فِي مَجَالِ حِفْظِ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ عُلَمَاءُ أَجِلَّاءُ، وَأَئِمَّةٌ أَعْلَامٌ، رَحَلُوا فِي طَلَبِ الحَدِيثِ إِلَى مُخْتَلَفِ الأَمْصَارِ، وَتَحَمَّلُوا فِي سَبِيلِ ذَلِكَ كُلَّ أَصْنَافِ المَشَقَّةِ، وَصَبَرُوا عَلَى ذَلِكَ رُغْمَ بُعْدِ الشُّقَّةِ، وَسَافَرُوا لِلظَّفَرِ بِعُلُوِّهِ، وَتَحْصِيلِ مَشْهُورِهِ وَغَرِيبِهِ، وَاجْتَهَدُوا فِي تَدْوِينِ أَخْبَارِ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ وَتَصْنِيفِ آثَارِهَا، وَعَايَنُوا رُوَاتَهَا وَحَمَلَتَهَا، فَتَتَبَّعُوا أَحْوَالَهُمْ وَسَأَلُوا عَنْهُمْ، فَاخْتَبَرُوا عَدَالَتَهُمْ وَامْتَحَنُوا حِفْظَهُمْ، فَلَمَّا اطْمَأَنُّوا إِلَيْهِمْ سَمِعُوا مِنْهُمْ، وَكَتَبُوا نُسَخَهُمْ بَعْدَ مُعَارَضَتِهَا بِالأُصُولِ المُتْقَنَةِ، وَمُقَابَلَتِهَا بِالنُّسَخِ العُتُقِ المُنَقَّحَةِ، وَبَالَغُوا فِي تَصْحِيحِهَا، إِيغَالًا مِنْهُمْ فِي التَّثَبُّتِ، وَإِمْعَانًا فِي التَّحَقُّقِ وَالتَّوَثُّقِ، ثُمَّ شَرَعُوا يُمَيِّزُونَ صَحِيحَهَا مِنْ سَقِيمِهَا، وَيُبْرِزُونَ غَثَّهَا مِنْ سَمِينهَا حِمَايَةً لَهَا مِنْ كُلِّ دَخِيلٍ، وَقَطْعًا لِلطَّرِيقِ عَلَى كُلِّ مُتَخَرِّصٍ قَاصِدٍ لِلطَّعْنِ فِيهَا بِالتَّحْرِيفِ وَالتَّبْدِيلِ، فَحَمَى اللهُ بِجُهُودِهِمْ حِيَاصَ الدَّينِ، وَصَانَهُ مِنْ ثَلْبِ القَادِحِينَ، وَتَحْرِيفِ الغَالِينَ، وَانْتِحَالِ المُبْطِلِينَ، وَتَأْوِيلِ الجَاهِلِينَ.وَمِنْ هَؤُلَاءِ الأَئِمَّةِ الأَفْذَاذِ، وَالجَهَابِذَةِ النُّقَادِ الَّذِينَ تَجَرَّدُوا لِلْحَدِيثِ، وَنَذَرُوا أَعْمَارَهُمْ لِحِفْظِهِ وَجَمْعِهِ، وَبَذَلُوا أَوْقَاتَهُمْ فِي سَبِيلِ صِيَانَتِهِ وَنَشْرِهِ: أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ فِي الحَدِيثِ، حُجَّةُ الأُمَّةِ وَإِمَامُ الأَئِمَّةِ، أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ المُغِيرَةِ الجُعْفِيُّ مَوْلَاهُمْ البُخَارِيُّ (ت: ٢٥٦ هـ)، فَأَلَّفَ فِي ذَلِكَ
كِتَابَهُ العَظِيمَ الْمَشْهُورَ بِصَحِيحِ البُخَارِيِّ، أَصَحِّ كِتَابٍ بَعْدَ القُرْآنِ الكَرِيمِ، مَكَثَ فِي تَهْذِيبِهِ وَتَنْقِيحِهِ زَمَنًا طَوْيلًا، فَصَارَ كِتَابُهُ أَحْسَنَ كُتُبِ الحَدِيثِ تَصْنِيفًا "وَأَجْوَدَهَا تَأْلِيفًا، وَأَكْثَرِهَا صَوَابًا، وَأَقَلَّهَا خَطَأً، وَأَعَمَّهَا نَفْعًا، وَأَعْوَدَهَا فَائِدَةً، وَأَعْظَمَهَا بَرَكَةً، وَأَيْسَرَهَا مَؤُونَةً، وَأَحْسَنَهَا قَبُولًا عِنْدَ الْمُوَافِقِ وَالْمُخَالِفِ، وَأَجَلَّهَا مَوْقِعًا عِنْدَ الخَاصَّةِ وَالعَامَّةِ"(١).وَقَدِ انْتَصَبَ رحمه الله لِتَدْرِيسِهِ وَبَثِّهِ، فَأَخَذَهُ عَنْهُ تَلَامِذَةٌ كَثِيرُونَ، ضَرَبُوا أَكْبَادَ الإِبِلِ لِسَمَاعِهِ عَنْهُ وَالاسْتِفَادَةِ مِنْهُ، فَانْتَشَرَ كِتَابُهُ فِي مُخْتَلَفِ الأَمْصَارِ، وَتَنَافَسَ النَّاسُ فِي تَسْمِيعِهِ وَنَقْلِهِ فِي سَائِرِ الأَقْطَارِ، وَعَوَّلَ عَلَيْهِ كَثِيرٌ مِنْ أَئِمَّةِ الحَدِيثِ الْمُصَنِّفِينَ فِي الجَوَامِعِ وَالسُّنَنِ وَالمَسَانِيدِ، فَرَوَوا الكَثِيرَ مِنَ المَرْوِيَّاتِ مِنْ طَرِيقِهِ، وَاسْتَفَادُوا فِي تَهْذِيبِ كُتُبِهِمْ وَانْتِقَاءِ رُوَاتِهَا مِنْ كِتَابِهِ، وَيُعَدُّ جَمْعُهُ هَذَا بِحَقٍّ أَوَّلَ خُطْوَةٍ فِي التَّأْلِيفِ فِي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ الْمُجَرَّدِ عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم.وَلَمَّا وَقَعَ كِتَابُهُ عِنْدَهُمْ بِهَذِهِ المَنْزِلَةِ العَلِيَّةِ، وَالمَرْتَبَةِ السَّنِيَّةِ؛ عَكَفَ عَلَيْهِ أَئِمَّةُ الهُدَى شَرْحًا لِأَحَادِيثِهِ وَتَفْسِيرًا لأَخْبَارِهِ، وَاسْتِنْبَاطًا لِفَرَائِدِهِ وَنُكَتِهِ، وَتَدْرِيسًا لِعُلُومِهِ، وَاسْتَخْرَجُوا مِنْهُ جَوَاهِرَ العِلْمِ وَدُرَرَهُ، فَصَنَّفُوا فِي ذَلِكَ مُصَنَّفَاتٍ عَدِيدَةً دَبَّجَهَا يَرَاعُ أَئِمَّةِ السَّلَفِ الْمَاضِينَ، وَاقْتَفَى أَثَرَهُمْ فِي ذَلِكَ مُتَّبِعُوهُمْ مِنَ الخَلَفِ الْمَرْضِيِّينَ، وَكَانَ لَهُمُ الشُّفُوفُ فِي مَنَاهِجِهِمْ وَأَوْضَاعِهِمْ، فَتَبَايَنَتْ فِي هَذِهِ الْمُصَنِّفَاتِ مَسَالِكُهُمْ، وَاخْتَلَفَتْ فِي بَيَانِ مَعَانِيهَا طَرَائِقُهُمْ، وَتَعَدَّدَتْ فِي ذَلِكَ مَشَارِبُهُمْ مَا بَيْنَ مُطَوِّلٍ وَمُخْتَصِرٍ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَصَدَ إِيضَاحَ الْأَحْكَامِ الفِقْهِيَّةِ،(١) تهذيب الكمال في أسماء الرجال للحافظ المزي (١/ ١٤٧).
وَالمَسَائِلِ الخِلَافِيَّةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ رَامَ بَيَانَ إِعْرَابِهِ وَتَوْضِيحَ مُشْكِلَاتِهِ، وَعَكَفَ آخَرُونَ عَلَى ضَبْطِ أَسْمَاءِ رُوَاتِهِ وَتَمْيِيزِ أَلْقَابِ رِجَالِهِ، وَانْبَرَتْ طَائِفَةٌ لِشَرْحِ مُعْضِلَاتِ تَرَاجِمِ أَبْوَابِهِ، وَاسْتِجْلَاءِ مَقَاصِدِهَا، وَبَيَانِ أَوْجُهِ مُنَاسَبَتِهَا لِمَا يُسَاقُ تَحْتَهَا مِنَ الأَحَادِيثِ، وَوَفَّقَ اللهُ بَعْضَهُمْ فَضَرَبَ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ بِسَهُمٍ وَافِرٍ، وَذَاكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَلَا يُعْرَفُ كِتَابٌ مِنَ الكُتُبِ الَّتِي أَلَّفَهَا العُلَمَاءُ اهْتَبَلَ بِهِ الدَّارِسُونَ، وَوَقَفُوا جُهُودَهُمْ عَلَيْهِ، وَنَهَضُوا بِهِ مِثْلَمَا فَعَلُوا بِالجَامِعِ الصَّحِيحِ لِلْإِمَامِ البُخَارِيِّ رحمه الله(١).وَلَئِنْ يَسَّرَ اللهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الأَزْمِنَةِ الْمُتَأَخِّرَةِ الوُقُوفَ عَلَى بَعْضٍ هَذِهِ الْمُصَنَّفَاتِ بَعْدَ الطَّفْرَةِ الَّتِي عَرَفَتْهَا وَسَائِلُ الطِّبَاعَةِ، وَتَعَدُّدِ دُورِ النَّشْرِ، وَعُكُوفِ كَثِيرٍ مِنَ الدَّارِسِينَ وَالمُهْتَمِّينَ بِالتُّرَاثِ الإِسْلَامِيِّ عَلَيْهَا تَحْقِيقًا وَتَعْرِيفًا وَإِحْيَاءً وَإِخْرَاجًا، فَلَا تَزَالُ كَثِيرٌ مِنْ هَذِهِ الكُتُبِ مَحْجُوبَةً عَنِ الْأَنْظَارِ، تَتَغَذَّى عَلَيْهَا الأَرَضَةُ وَتَتَآكَلُ مَعَ تَقَادُمِ الزَّمَانِ، وَهِيَ دَفِينَةٌ بَيْنَ الرُّفُوفِ فِي مُخْتَلَفِ خَزَائِنِ المَخْطُوطَاتِ فِي شَتَّى أَنْحَاءِ العَالَمِ، مِمَّا يَسْتَدْعِي ضَرُورَةُ الاهْتِمَامِ بِهَا، وَالتَّوَجُّهَ إِلَيْهَا وَالتَّنْقِيبَ عَنْهَا، وَالكَشْفَ عَنْ مَوَاطِنِ حِفْظِهَا وَجَمْعَ نُسَخِهَا، وَإِخْرَاجَ مَكْنُونَاتِهَا، ثُمَّ العَمَلَ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى تَحْقِيقِهَا تَحْقِيقًا عِلْمِيًّا يَتَنَاسَبُ مَعَ قِيمَتِهَا العِلْمِيَّةِ، وَهَذِهِ المُهِمَّةُ النَّبِيلَةُ يَنْبَغِي أَنْ تَضْطَلِعَ بِهَا المُؤَسَّسَاتُ الحُكُومِيَّةُ، وَالجَامِعَاتُ وَالمَعَاهِدُ وَالكُلِّيَّاتُ الدَّينِيَّةُ، وَتُولِيهِ مَزِيدَ عِنَايَةٍ، بَلْ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ "هَذَا الأَمْرُ ضَرِيبَةً عِلْمِيَّةً لَا بُدَّ مِنْ أَدَائِهَا"(٢).(١) لمعرفة جُهُود العُلمَاء عَلى الجَامِع الصَّحيح للإمَام البُخَاري يرجع إلى: "إتحافُ القَارِي بمعْرِفَة جُهُود وأَعْمَالَ العُلَمَاء عَلَى صَحِيح البُخَاري" لمحمد عصام عرار.(٢) تحقيقُ النُّصُوص ونشرُها للأُستاذ عبد السَّلام هارون: (ص: ٦)
وَكَانَ مِنْ هَذِهِ الشُّرُوحِ، شَرْحُ الإِمَامِ قِوَامِ السُّنَّةِ أَبِي القَاسِمِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الفَضْلِ التَّيْمِيِّ الأَصْبَهَانِيِّ (ت: ٥٣٥ هـ) رحمه الله، وَالَّذِي صَارَ أَحَدَ مَوَارِدِ العُلَمَاءِ البَارِزِينَ مِمَّنْ جَاؤُوا بَعْدَهُ كَالكِرْمَانِيِّ، وَابْنِ حَجَرٍ، وَالعَيْنِيِّ، وَغَيْرِهِمْ رحمهم الله.وَذَلِكَ إِقْرَارٌ مِنْهُمْ بِقِيمَةِ هَذَا الكِتَابِ العَظِيمِ، وَتَنْوِيهٌ بِمَنْهَجٍ مُؤَلِّفِهِ فِيهِ، وَالَّذِي سَارَ عَلَى طَرِيقَةِ المُحَقِّقِينَ مِنَ العُلَمَاءِ، الَّذِينَ لَا يَقْتَصِرُونَ عَلَى أَقْوَالِ مَذَاهِبِهِمْ فِي تَحْقِيقِ المَسَائِلِ، بَلْ تَوَسَّعَ رحمه الله فِي ذَلِكَ كَثِيرًا، حَتَّى شَمِل جُلَّ المَذَاهِبِ الفِقْهِيَّةِ ذِكْرًا، وَأَقْوَالَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ إِيرَادًا وَخُبْرًا، مَعَ بَيَانِ أَدِلَّةِ كُلٍّ، وَمُنَاقَشَتِهَا عَلَى طَرِيقِ أَهْلِ الصَّنْعَةِ وَالتَّحْقِيقِ، مُسْتَرْشِدًا بِقَوَاعِدِ أَهْلِ الأُصُولِ وَالتَّدْقِيقِ، فَرَدَّ المَسَائِلَ إِلَى أُصُولِهَا، وَأَلْحَقَ الأَشْبَاه بِنَظَائِرِهَا، حَتَّى لَكَأَنَّكَ أَمَامَ كِتَابِ فِقْهٍ مُقَارَنٍ.وَإِذَا انْتَقَلَ رحمه الله إِلَى شَرْحِ غَرِيبِ الحَدِيثِ، وَتَفْسِيرِ غَامِضِهِ وَمُعْضَلِهِ تَجِدُهُ يَسْتَطْرِدُ فِيهِ، وَيُنَكِّتُ عَلَيْهِ بِالنُّكَتِ اللُّغَوِيَّةِ، وَالَّتِي ضَرَبَ فِيهَا بِسَهُمٍ وَافِرٍ، وَأَخَذَ مِنْهَا بِحَظٍّ فَاخِرٍ، فَتَرَاهُ مُسْتَوْعِبًا كَلَامَ مُتَقَدِّمِيهِ مِنَ العُلَمَاءِ، ثُمَّ يُدْلِي بِدَلْوِهِ بِمَا يُوَافِقُ حِسَّ العَالِمِ الأَلْمَعِيِّ، وَالأَدِيبِ اللَّوْذَعِيِّ.وَلَا تَخْفَى مَكَانَةُ الإِمَامِ قِوَامِ السُّنَّةِ التَّيْمِيِّ رحمه الله فِي الحَدِيثِ وَعُلُومِهِ، فَهُوَ مَعْدُودٌ فِي طَبَقَةِ كِبَارِ المُحَدِّثِينَ، وَالنَّقَدَةِ الْمُتقِنِينَ، وَقَدْ ظَهَرَ ذَلِكَ فِي كِتَابِهِ هَذَا؛ فَضَمَّنَهُ كَثِيرًا مِنَ القَوَاعِدِ الحَدِيثِيَّةِ، وَاللَّطَائِفِ الإِسْنَادِيَّةِ بِمَا يَشْهَدُ لِعُلُوِّ كَعْبِهِ، وَرُسُوخِ قَدَمِهِ.وَهَكَذَا فَقَدْ جَاءَ شَرْحُهُ هَذَا غَنِيًّا وَمُتَنَوِّعًا فِي مَادَّتِهِ العِلْمِيَّةِ.
وَلَقَدْ أَكْرَمَنِي الْمَوْلَى عز وجل بِالوُقُوفِ عَلَى نُسْخَةٍ خَطِّيَّةٍ فَرِيدَةٍ لِهَذَا الشَّرْحِ العَظِيمِ، فَاسْتَخَرْتُ الله عز وجل فِي الاشْتِغَالِ عَلَيْهَا، وَإِخْرَاجِهَا إِخْرَاجًا عِلْمِيًّا كَمَا أَرَادَ مُصَنِّفُهَا رحمه الله، وَلَقَدْ كَانَ الفَضْلُ فِي إِرْشَادِي إِلَى هَذِهِ النُّسْخَةِ إِلَى الدُّكْتُورِ مُحَمَّدٍ السَّرَارِ حَفِظَهُ اللهُ، إِذْ دَلَّنِي عَلَى مَكَانِ وُجُودِهَا، وَأَخْبَرَنِي بِأَهَمَّيَتِهَا.بَيْدَ أَنَّهُ نَبَّهَنِي إِلَى صُعُوبَةِ تَحْقِيقِ نِسْبَةِ هَذَا المَخْطُوطِ لِمُؤلِّفِهِ، إِذِ المُثْبَتُ عَلَى لَوْحَةِ عُنْوَانِهِ أَنَّهُ لِتَقِيِّ الدَّينِ السُّبْكِيِّ رحمه الله.وَسُرْعَان مَا وَقَعَ تَوْجِيهُهُ هَذَا فِي قَلْبِي، فَقَرَّرْتُ أَنْ أَقُومَ بِهَذَا العَمَلِ لِنَيْلِ أُطْرُوحَةِ الدُّكْتُورَاه مِنْ كُلِّيَّةِ الشَّرِيعَةِ بِجَامِعَةِ القَرَوِيِّينَ بِفَاسِ حَرَسَهَا اللهُ، فَجَلَسْتُ قُرَابَةَ سَنَةٍ وَأَنَا أَبْحَثُ فِي صِحَّةِ نِسْبَةِ هَذَا الكِتَابِ لِلْإِمَامِ السُّبْكِيِّ رحمه الله، حَتَّى اهْتَدَيْتُ أَخِيرًا - وَللهِ الحَمْدُ وَالمِنَّةُ - إِلَى عَدَمِ صِحَّةِ هَذِهِ النِّسْبَةِ لَهُ، وَإِثْبَاتِهَا لِلْإِمَامِ أَبِي القَاسِمِ التَّيْمِيِّ رحمه الله لِأَسْبَابٍ وَأَدِلَّةٍ شَرَحْتُهَا بِتَفْصِيلٍ فِي قِسْمِ الدِّرَاسَةِ.وَقَدْ كَانَ لِتَشْجِيعِ أُسْتَاذِي الدُّكْتُورِ إِدْرِيسَ الخَرْشَافِي حَفِظَهُ المَوْلَى، أَثَرٌ كَبِيرٌ فِي إِقْدَامِي وَمُتَابَعَةِ سَيْرِي فِي هَذَا البَحْثِ، بِمَا قَدَّمَهُ لِي مِنْ مُسَاعَدَاتٍ وَمُلَاحَظَاتٍ عِلْمِيَّةٍ وَإِدَارِيَّةٍ، بِصَدْرٍ رَحْبٍ، وَوَجْهٍ طَلْقٍ، وَخُلُقٍ رَفِيعٍ، مِمَّا جَعَلَ كَثِيرًا مِنْ صُعُوبَاتِ هَذَا البَحْثِ تَتَذَلَّلُ، فَاللهَ أَسْأَلُ أَنْ يُبَارِكَ فِي عِلْمِهِ وَعَمَلِهِ وَمَالِهِ وَوَلَدِهِ.
أَسْبَابُ اخْتِيَارِ المَوْضُوعِ وَأَهَمِّيَتُهاخْتَرْتُ هَذَا المَوْضُوعَ لِأَسْبَابٍ كَثِيرَةٍ أُجْمِلُهَا فِيمَا يَلِي:* أَوَّلًا: الحُبُّ لِعِلْمِ الحَدِيثِ الشَّرِيفِ عُمُومًا، وَالرَّغْبَةُ فِي خِدْمَةِ كُلِّ مَا لَهُ عَلَاقَةٌ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم رَجَاءَ الإِنْدِرَاجِ فِي سِلْكِ أَهْلِهَا، وَالْعَادَةُ الْمُتَقَرِّرَةُ عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ أَنَّ شَرَفَ العُلُومِ بِشَرَفِ مَعْلُومِهَا، وَفَضْلَهَا بِتَفَاضُلٍ مُتَعَلَّقِهَا.* ثَانِيًا: أَهَمَّيَةُ الْمَوْضُوعِ بِلَا نِزَاعٍ، فَهَذَانِ عَلَمَانِ مُبَرِّزَانِ، وَفَارِسَانِ مِنْ فُرْسَانِ العِلْمِ:أَحَدُهُمَا: صَاحِبُ الأَصْلِ، أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينِ فِي الحَدِيثِ، أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ البُخَارِيُّ رحمه الله، وَكِتَابُهُ الجَامِعُ الصَّحِيحِ "أَجَلُّ الكُتُبِ الصَّحِيحَةِ نَقْلًا وَرِوَايَةً، وَفَهْمَا وَدِرَايَةً، وَأَكْثَرُهَا تَعْدِيلًا وَتَصْحِيحًا، وَضَبْطًا وَتَنْقِيحًا، وَاسْتِنْبَاطًا وَاحْتِيَاطًا، وَفِي الجُمْلَةِ هُوَ أَصَحُّ الكُتُبِ الْمُؤَلَّفَةِ فِيهِ عَلَى الإِطْلَاقِ، والْمُقْبَلُ عَلَيْهِ بِالقَبُولِ مِنْ أَئِمَّةِ الْآفَاقِ، وَقَدْ فَاقَ أَمْثَالَهُ فِي جَمِيعِ الفُنُونِ وَالْأَقْسَامِ، وَخُصَّ بِالْمَزَايَا مِنْ بَيْنِ دَوَاوِينِ الإِسْلَامِ، تَشْهَدُ لَهُ بِالْبَرَاعَةِ وَالتَّقَدُّمِ الصَّنَادِيدُ العِظَامُ، وَالأَفَاضِلُ الكِرَامُ"(١).وَثَانِيهِمَا: صَاحِبُ الشَّرْحِ شَيْخُ الإِسْلَامِ قِوَامُ السُّنَّةِ أَبُو القَاسِمِ إِسْمَاعِيلُ(١) مِنْ مُقَدِّمَة العَلَّامَةِ الكِرْمَانِي في الكَواكِب الدَّراري (١/ ٣).
التَّيْمِيُّ رحمه الله، وَهُمَا مِمَّنْ لَا يُنَازَعُ فِي إِمَامَتِهِمَا فِي العِلْمِ، وَعُلُوِّ كَعْبِهِمَا فِيهِ.وَغَيْرُ خَافٍ أَنَّ الحَدِيثَ عَنْ قِيمَةِ أَيِّ كِتَابٍ إِنَّمَا تَنْبُعُ مِنْ أَهَمَّيَتِهِ وَشَرَفِ مُتَعَلَّقِهِ وَمَوْضُوعِهِ؛ وَمَوْضُوعُ كِتَابِنَا فِقْهُ الحَدِيثِ وَالسُّنَّةِ، وَهِيَ المَصْدَرُ الثَّانِي لِلتَّشْرِيعِ الإِسْلَامِيِّ.* ثَالِثًا: قِيمَةُ هَذَا العِلْقِ النَّفِيسِ العِلْمِيَّةُ، إِذْ يَحْتَلُّ مَكَانَةً مَرْمُوقَةً بَيْنَ شُرُوحٍ الجَامِعِ الصَّحِيحِ لِلْبُخَارِيِّ، مِمَّا حَذَا بِالعَدِيدِ مِنَ الشُّرَّاح بَعْدَهُ إِلَى الإِفَادَةِ مِنْهُ: يَنْقُلُونَ عَنْهُ نُخَبَ فَوَائِدِهِ، وَيَقْتَبِسُونَ مِنْهُ نُكَتَ فَرَائِدِهِ، كَالْإِمَامِ الكِرْمَانِيِّ، وَالعَلَّامَةِ شَمْسِ الدِّينِ البِرْمَاوِيِّ الشَّافِعِيِّ، وَالحَافِظِ ابْنِ حَجَرٍ العَسْقَلَانِيِّ، وَالحَافِظِ بَدْرِ الدِّينِ العَيْنِيِّ، وَالحَافِظِ جَلَالِ الدِّينِ السُّيُوطِيَّ وَغَيْرِهِمْ رحمه الله، وَسَيَأْتِي مَزِيدُ بَيَانِ ذَلِكَ عِنْدَ الكَلَامِ عَنْ أَهَمَّيَةِ هَذَا الكِتَابِ.وَمِمَّا يَزِيدُهُ أَهَمِّيَّةً:١ - اشْتِمَالُهُ عَلَى عَدَدٍ مِنَ الرِّوَايَاتِ الَّتِي سَاقَهَا الْإِمَامُ التَّيْمِيُّ رحمه الله بِسَنَدِهِ عَنْ شُيُوخِهِ فِي العِلْمِ وَالرِّوَايَةِ.٢ - حِفْظُهُ لِنُصُوصِ بَعْضِ الكُتُبِ الَّتِي تُعَدُّ فِي حَيِّزِ المَفْقُودِ؛ مِنْهَا مُؤَلَّفَاتٌ في الحَدِيثِ مِثْلَ "كِتَابِ الجَنَائِزِ" لابْنِ أَبِي عَاصِمٍ، وَ"كِتَابِ الجِنَائِزِ" لِأَبِي الشَّيْخِ الأَصْبَهَانِيِّ، وَ"كِتَابِ الجَنَائِزِ" لِأَبِي مَسْعُودٍ الدِّمَشْقِيِّ، وَنَقَلَ رحمه الله عَنْ صَحِيح ابْنِ خُزَيْمَةَ فِي الجُزْءِ المَفْقُودِ مِنْهُ، وَاقْتَبَسَ مِنْ مُصَنَّفِهِ الَّذِي أَفْرَدَهُ فِي مَسْأَلَةِ الْمُزَارَعَةِ، وَنَقَلَ عَنْ مُصَنَّفَاتٍ أُخْرَى عُتُقٍ فِي الفِقْهِ كَكِتَابِ "الْمَنَاسِكِ الكَبِيرِ" لِلْإِمَامِ
الْمُطَّلِبِيِّ الشَّافِعِيِّ، وَكِتَابِ "الإِمْلَاءِ" لَهُ أَيْضًا رحمه الله، وَهَذِهِ مِيزَةٌ كَبِيرَةٌ تَفَرَّدَ بِهَا هَذَا السَّفْرُ الْمُبَارَكُ.٣ - نَقْلُهُ الكَثِيرَ مِنْ مَذَاهِبِ السَّلَفِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَالْأَئِمَّةِ المَتْبُوعِينَ، وَعَرْضُهُ آرَاءَهُمْ وَحُجَجَهُمْ بِعَدْلٍ وَإِنْصَافٍ، وَنَقْدُهَا بَعِيدًا عَنِ التَّعَصُّبِ وَالاعْتِسَافِ.* رَابِعًا ضَرُورَةُ تَحْقِيقِ هَذَا الكِتَابِ تَحْقِيقًا عِلْمِيًّا يَرْتَكِزُ عَلَى مُقَوِّمَاتِ التَّحْقِيقِ وَالتَّوْثِيقِ العِلْمِيِّ، لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَهَمِّيَّتِهِ وَمَكَانَةِ مُؤَلِّفِهِ رحمه الله، وَالتَّسْوِيفُ فِي إِخْرَاجِهِ، وَإِغْفَالُ تَحْقِيقِهِ مُؤْذِنٌ بِضَيَاعِهِ وَتَلَفِهِ، خُصُوصًا وَأَنَّ لِلْكِتَابِ نُسْخَةً وَحِيدَةً فِيمَا أَعْلَمُ.* خَامِسًا: أَهَمِّيَّةُ جَمْعِ آرَاءِ هَذَا الإِمَامِ العَلَمِ، وَالحَاجَةُ إِلَى إِظْهَارِ جُهُودِهِ فِي الحَدِيثِ وَعُلُومِهِ، وَإِخْرَاجِهَا إِلَى حَيِّزِ الوُجُودِ، وَفَاءً بِبَعْضِ الدَّيْنِ الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ عُلَمَاؤُنَا مِنَ السَّلَفِ الصَّالِحِينَ وَالأَئِمَّةِ المَاضِينَ، الَّذِينَ شَرَّفَهُمُ اللهُ بِخِدْمَةِ سُنَّةِ نَبِيِّهِ صلى الله عليه وسلم، ووَقَدْ شَاعَ بَيْنَ أَهْل العِلْمِ قَوْلُهُمْ: "مَنْ وَرَّخَ مُؤْمِنًا فَكَأَنَّمَا أَحْيَاهُ، وَمَنْ قَرَأَ تَارِيخَهُ فَكَأَنَّمَا زَارَهُ"(١)، لَاسِيَمَا وَأَنَّ قِوَامَ السُّنَّةِ التَّيْمِيَّ رحمه الله خَلَّفَ مَكْتَبَةً زَاخِرَةً فِي شَتَّى العُلُومِ وَمُخْتَلَفِ الفُنُونِ، وَلَمْ يُطْبَعْ مِنْهَا إِلَّا النَّزْرُ اليَسِيرُ.وَلَمْ يَتَعَرَّض أَحَدٌ فِيمَا عَلِمْتُ لإِبْرَازِ جُهُودِ هَذَا الإِمَامِ العِلْمِيَّةِ، وَغَالِبُ(١) الإعلانُ بالتَّوبيخِ لمنْ ذَمَّ أَهْل التَّوريخ للسخاوي (ص: ٥١)، وهذه هي التَّسميَةُ الصَّحِيحَة للكتاب كما في مقدمته (ص: ١٦)، وينظر ما كَتَبه العَلامة عبدُ الفَتَّاح أبو غُدَّةَ فِي "أَرْبع رَسَائِل في عُلُوم الحَدِيث" (ص: ١٤).
الْمُشْتَغِلِينَ بِالعِلْم يُرَكِّزُونَ عَلَى عَرْضِ جُهُودِهِ فِي خِدْمَةِ العَقِيدَةِ الَّتِي بَرَزَ فِيهَا نَجْمُهُ(١)، فَأَحْبَبْتُ أَنْ أُجَلِّيَ عَنْ بَعْضٍ جُهُودِهِ رحمه الله فِي مَجَالَاتٍ أُخْرَى فِي العِلْمِ كَالحَدِيثِ وَالتَّفْسِيرِ وَالفِقْهِ وَاللُّغَةِ وَنَحْوِهَا.لِهَذِهِ الأَسْبَابِ وَغَيْرِهَا تَقَدَّمْتُ إِلَى كُلِّيَّةِ الشَّرِيعَةِ بِفَاسٍ حَرَسَهَا اللهُ، بِمَوضُوعِ أُطْرُوحَتِي لِنَيْلِ دَرَجَةِ الدُّكْتُورَاهُ: شَرْحُ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، تَأْلِيفُ قِوَامٍ السُّنَّةِ أَبِي القَاسِمِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدٍ التَّيْمِيُّ (ت: ٥٣٥ هـ)، دِرَاسَةٌ وَتَحْقِيقٌ.(١) ومن ذلك رسالة قدَّمها الطالب: خالد بن محمد بن مُبارك الأحمدي بعنوان: "جُهُودُ الإمام الحَافظِ أبي القَاسم الأَصبهاني في تَقْرِير العَقِيدَة والرَّدِّ على المُخَالفين" لنيل الماجستير من كُلِّيَّة الدَّعْوَة وَأُصول الدِّين بجامِعة أُمِّ القُرى بمكَّة المكَّرمة، سنة: ١٤٢٧/ ١٤٢٦ هـ، بإشراف الدكتور: سعد بن علي الشَّهراني.
صُعُوبَاتُ البَحْثِوَاجَهَتْنِي أَثْنَاءَ كِتَابَةِ هَذَا المَوْضُوعِ صُعُوبَاتٌ كَثِيرَةٌ، أَذْكُر مِنْهَا:١ - عُسْرُ إِثْبَاتِ نِسْبَةِ الكِتَابِ إِلَى مُؤَلِّفِهِ، خُصُوصًا مَعَ تَوَارُدِ عَدَدٍ مِنْ جِلَّةِ المُحَقِّقِينَ الجَهَابِدَةِ كَالكَتَّانِيِّ رحمه الله عَلَى نِسْبَتِهِ إِلَى تَقِيِّ الدَّينِ السُّبْكِيِّ رحمه الله، وَقَدِ اسْتَنْزَفَتْ مِنِّي هَذِهِ القَضِيَّةُ مُدَّةً زَمَنِيَّةً لَيْسَتْ بِالقَصِيرَةِ، حَتَّى وَفَّقَنِي اللهُ وَلَهُ الحَمدُ وَالمِنَّةُ إِلَى صِحَّةِ إِثْبَاتِهِ إِلَى قِوَامِ السُّنَّةِ التَّيْمِي.٢ - الاعْتِمَادُ عَلَى نُسْخَةٍ فَرِيدَةٍ يَتِيمَةٍ فِي تَحْقِيقِ الكِتَابِ، وَغَيْرُ خَافٍ صُعُوبَةُ مِثْلِ هَذَا عَلَى المُشْتَغِلِينَ بِالتُّرَاتِ، خُصُوصًا وَأَنَّ بِهَا خُرُومًا بِسَبَبِ الأَرَضَةِ، وَقَدْ لَحِقَهَا كَثِيرٌ مِنَ التَّلَاشِي بِفِعْلِ عَوَامِلِ الزَّمَنِ، وَبِهَا بَيَاضَاتٌ فِي مَوَاضِعَ، مِمَّا يَسْتَدْعِي جُهْدًا مُضْنِيًا لإِخْرَاجِ النَّصِّ فِي صُورَةٍ أَقْرَبَ إِلَى مُرَادِ المُؤَلِّفِ رحمه الله.٣ - كَثْرَةُ النُّقولِ فِي الكِتَابِ، وَغَزَارَةُ الاقْتِبَاسِ فِيهِ، وَتَعْوِيلُ الْمُؤَلِّفِ عَلَى مَصَادِرَ عَتِيقَةٍ مَفْقُودَةٍ، مِمَّا يَسْتَدْعِي تَأَنِّيًا عِنْدَ التَّوْثِيقِ.وَوَافَقَ مُدَّةَ اشْتِغَالِي بِتَحْقِيقِ الكِتَابِ مُعَانَاتِي مِنْ مَرَضٍ عَلَى مُسْتَوى صَمَّامَاتِ القَلْبِ، وَمَا صَاحَبَ ذَلِكَ مِنْ آلَامٍ قَبْلَ إِجْرَاءِ عَمَلِيَّةِ القَلْبِ الْمَفْتُوحِ وَبَعْدَهَا - أَسْأَلُ الله تَعَالَى أَنْ يَكْتُبَ لِي أَجْرَهَا - الشَّيْءُ الَّذِي فَرَضَ عَلَيَّ الاشْتِغَالَ عَلَيْهِ فِي فَتَرَاتٍ مُتَقَطِّعَةٍ، وَبِجُهْدٍ مُتَفَاوِتٍ.