شرح الزرقاني على الموطأ (الزرقاني، محمد بن عبد الباقي) القسم: شروح الحديث الكتاب: شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك المؤلف: محمد بن عبد الباقي بن يوسف الزرقاني المصري الأزهريتحقيق: طه عبد الرءوف سعد الناشر: مكتبة الثقافة الدينية - القاهرة الطبعة: الأولى، ١٤٢٤هـ - ٢٠٠٣معدد الأجزاء: ٤[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]تاريخ النشر في راميشر: ١ يوليو ٢٠٢٦.
[كِتَابُ الْقُرْآنِ] [بَاب الْأَمْرِ بِالْوُضُوءِ لِمَنْ مَسَّ الْقُرْآنَ]بَاب الْأَمْرِ بِالْوُضُوءِ لِمَنْ مَسَّ الْقُرْآنَحَدَّثَنِي يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ «أَنَّ فِي الْكِتَابِ الَّذِي كَتَبَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ أَنْ لَا يَمَسَّ الْقُرْآنَ إِلَّا طَاهِرٌ» قَالَ مَالِكٌ وَلَا يَحْمِلُ أَحَدٌ الْمُصْحَفَ بِعِلَاقَتِهِ وَلَا عَلَى وِسَادَةٍ إِلَّا وَهُوَ طَاهِرٌ وَلَوْ جَازَ ذَلِكَ لَحُمِلَ فِي خَبِيئَتِهِ وَلَمْ يُكْرَهْ ذَلِكَ لِأَنْ يَكُونَ فِي يَدَيْ الَّذِي يَحْمِلُهُ شَيْءٌ يُدَنِّسُ بِهِ الْمُصْحَفَ وَلَكِنْ إِنَّمَا كُرِهَ ذَلِكَ لِمَنْ يَحْمِلُهُ وَهُوَ غَيْرُ طَاهِرٍ إِكْرَامًا لِلْقُرْآنِ وَتَعْظِيمًا لَهُ قَالَ مَالِكٌ أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ {لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ} [الواقعة: ٧٩] إِنَّمَا هِيَ بِمَنْزِلَةِ هَذِهِ الْآيَةِ الَّتِي فِي عَبَسَ وَتَوَلَّى قَوْلُ اللَّهِ تبارك وتعالى {كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ بِأَيْدِي سَفَرَةٍ كِرَامٍ بَرَرَةٍ} [عبس: ١١]ـــــــــــــــــــــــــــــ بسم الله الرحمن الرحيم١٥ - كِتَابُ الْقُرْآنِ١ - بَابُ الْأَمْرِ بِالْوُضُوءِ لِمَنْ مَسَّ الْقُرْآنَ٤٦٨ - ٤٧٠ - (مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ) بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو (بْنِ حَزْمٍ: أَنَّ فِي الْكِتَابِ الَّذِي كَتَبَهُ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ) بْنِ زَيْدِ بْنِ لَوْذَانَ الْأَنْصَارِيِّ، شَهِدَ الْخَنْدَقَ فَمَا بَعْدَهَا وَكَانَ عَامِلَ النَّبِيِّ، صلى الله عليه وسلم، عَلَى نَجْرَانَ، مَاتَ بَعْدَ الْخَمْسِينَ، وَقِيلَ: فِي خِلَافَةِ عُمَرَ وَهُوَ وَهْمٌ: (أَنْ لَا يَمَسَّ الْقُرْآنَ إِلَّا طَاهِرٌ) أَيْ مُتَوَضِّئٌ، قَالَ الْبَاجِيُّ: هَذَا أَصْلٌ فِي كِتَابَةِ الْعِلْمِ وَتَحْصِينِهِ فِي الْكُتُبِ، وَصِحَّةِ الرِّوَايَةِ عَلَى وَجْهِ الْمُنَاوَلَةِ ; لِأَنَّهُ، صلى الله عليه وسلم، دَفَعَهُ إِلَيْهِ وَأَمَرَهُ بِالْعَمَلِ بِمَا فِيهِوَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَا خِلَافَ عَنْ مَالِكٍ فِي إِرْسَالِ هَذَا الْحَدِيثِ، وَقَدْ رُوِيَ مُسْنَدًا مِنْ وَجْهٍ صَالِحٍ، وَهُوَ كِتَابٌ مَشْهُورٌ، عِنْدَ أَهْلِ السِّيَرِ، مَعْرُوفٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ مَعْرِفَةً يُسْتَغْنَى بِهَا فِي شُهْرَتِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ ; لِأَنَّهُ أَشْبَهَ الْمُتَوَاتِرَ فِي مَجِيئِهِ لِتَلَقِّي النَّاسِ لَهُ بِالْقَبُولِ، وَلَا يَصِحُّ عَلَيْهِمْ تَلَقِّي مَا لَا يَصِحُّ، انْتَهَى.وَتَابَعَ مَالِكًا عَلَى إِرْسَالِهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ، وَهُوَ حَدِيثٌ طَوِيلٌ فِيهِ أَحْكَامٌ، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَرَوَاهُ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، مَوْصُولًا بِزِيَادَاتٍ كَثِيرَةٍ فِي الزَّكَاةِ وَالدِّيَاتِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَنَقَصَ عَمَّا ذَكَرْنَا(قَالَ مَالِكٌ: وَلَا يَحْمِلُ أَحَدٌ الْمُصْحَفَ بِعِلَاقَتِهِ) بِكَسْرِ الْعَيْنِ: حَمَالَتِهِ الَّتِي يُحْمَلُ بِهَا، (وَلَا عَلَى وِسَادَةٍ إِلَّا وَهُوَ طَاهِرٌ) ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ
(وَلَوْ جَازَ ذَلِكَ لَحُمِلَ فِي خَبِيئَتِهِ) جِلْدِهِ الَّذِي يُخَبَّأُ فِيهِ مَعَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ، فَقِيَاسُهُ مَنْعُهُ بِالْعِلَاقَةِ وَالْوِسَادَةِ إِذْ لَا فَارِقَ (وَلَمْ يُكْرَهْ ذَلِكَ لَأَنْ) أَيْ لَيْسَتْ عِلَّةُ الْكَرَاهَةِ بِمَعْنَى التَّحْرِيمِ لِأَجْلِ أَنْ (يَكُونَ فِي يَدَيِ الَّذِي يَحْمِلُهُ شَيْءٌ يُدَنِّسُ بِهِ الْمُصْحَفَ) ; إِذْ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَجَازَ إِذَا كَانَتَا نَظِيفَتَيْنِ لِانْتِفَاءِ الْمَعْلُولِ بِانْتِفَاءِ عِلَّتِهِ، (وَلَكِنْ إِنَّمَا كُرِهَ ذَلِكَ) كَرَاهَةَ تَحْرِيمٍ (لِمَنْ يَحْمِلُهُ وَهُوَ غَيْرُ طَاهِرٍ، إِكْرَامًا لِلْقُرْآنِ وَتَعْظِيمًا لَهُ) ، فَيَسْتَوِي فِي ذَلِكَ مَنْ فِي يَدَيْهِ دَنَسٌ وَمَنْ لَا، (قَالَ مَالِكٌ: أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ) الَّتِي هِيَ {لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ} [الواقعة: ٧٩] ، إِنَّمَا هِيَ بِمَنْزِلَةِ هَذِهِ الْآيَةِ الَّتِي فِي عَبَسَ) : تَطْلُبُ وَجْهَهُ، (وَتَوَلَّى) : أَعْرَضَ، وَهِيَ (قَوْلُ اللَّهِ تبارك وتعالى: (كَلَّا) : لَا تَفْعَلُ مِثْلَ ذَلِكَ (إِنَّهَا) : أَيِ السُّورَةَ أَوِ الْآيَاتِ (تَذْكِرَةٌ) : عِظَةٌ لِلْخَلْقِ {فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ} [عبس: ١٢] : حَفِظَ ذَلِكَ فَاتَّعَظَ بِهِ {فِي صُحُفٍ} [عبس: ١٣] : خَبَرٌ ثَانٍ ; لِأَنَّهَا وَمَا قَبْلَهُ اعْتِرَاضٌ (مُكَرَّمَةٍ) : عِنْدَ اللَّهِ (مَرْفُوعَةٍ) : فِي السَّمَاءِ (مُطَهَّرَةٍ) : مُنَزَّهَةٍ عَنْ مَسِّ الشَّيَاطِينِ (بِأَيْدِي سَفَرَةٍ) : كَتَبَةٍ يَنْسَخُونَهَا مِنَ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ {كِرَامٍ بَرَرَةٍ} [عبس: ١٦] : مُطِيعِينَ لِلَّهِ تَعَالَى وَهُمُ الْمَلَائِكَةُقَالَ الْبَاجِيُّ: ذَهَبَ مَالِكٌ فِي تَأْوِيلِ آيَةِ {لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ} [الواقعة: ٧٩] (سُورَةُ الْوَاقِعَةِ: الْآيَةُ: ٧٩) إِلَى أَنَّهُ خَبَرٌ عَنِ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ، وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْمَصَاحِفُ الَّتِي بِأَيْدِي النَّاسِ، وَأَنَّهُ خَبَرٌ بِمَعْنَى النَّهْيِ ; لِأَنَّ خَبَرَ اللَّهِ تَعَالَى لَا يَكُونُ خِلَافَهُ، وَقَدْ وُجِدَ مَنْ يَمَسُّهُ غَيْرَ طَاهِرٍ، فَثَبَتَ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ النَّهْيُ، قَالَ: وَأَدْخَلَ مَالِكٌ تَفْسِيرَ هَذِهِ الْآيَةِ فِي هَذَا الْبَابِ وَلَيْسَ يَقْتَضِي تَأْوِيلَهُ لَهَا بِالْأَمْرِ بِالْوُضُوءِ لِأَحَدِ مَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ أَدْخَلَ أَوَّلَ الْبَابِ مَا يَدُلُّ عَلَى مَذْهَبِهِ فِي الْأَمْرِ بِالْوُضُوءِ لِمَسِّ الْقُرْآنِ، وَأَدْخَلَ فِي آخِرِهِ مَا يَحْتَجُّ بِهِ مُخَالِفُهُ، فَأَتَى بِهِ وَبَيَّنَ وَجْهَ ضَعْفِهِ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ تَأَوَّلَهُ عَلَى مَعْنَى الِاحْتِجَاجِ لِمَذْهَبِهِ ; لِأَنَّ اللَّهَ وَصَفَ الْقُرْآنَ بِأَنَّهُ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ، فَعَظَّمَهُ، وَالْقُرْآنُ الْمَكْنُونُ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ هُوَ الْمَكْتُوبُ فِي مَصَاحِفِنَا، فَوَجَبَ أَنْ يَمْتَثِلَ فِيهَا مَا وَصَفَ اللَّهُ الْقُرْآنَ بِهِ، انْتَهَى.
[بَاب الرُّخْصَةِ فِي قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ]حَدَّثَنِي يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ عَنْ أَيُّوبَ بْنِ أَبِي تَمِيمَةَ السَّخْتِيَانِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ فِي قَوْمٍ وَهُمْ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ فَذَهَبَ لِحَاجَتِهِ ثُمَّ رَجَعَ وَهُوَ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَتَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَلَسْتَ عَلَى وُضُوءٍ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ مَنْ أَفْتَاكَ بِهَذَا أَمُسَيْلِمَةُـــــــــــــــــــــــــــــ٢ - بَابُ الرُّخْصَةِ فِي قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ٤٦٩ - ٤٧١ - (مَالِكٌ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ أَبِي تَمِيمَةَ) بِفَتْحِ الْفَوْقِيَّةِ وَكَسْرِ الْمِيمِ، كَيْسَانَ (السَّخْتِيَانِيِّ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ ثُمَّ فَوْقِيَّةٍ فَتَحْتَانِيَّةٍ فَأَلِفٍ فَنُونٍ، أَبِي بَكْرٍ الْبَصْرِيِّ، ثِقَةٍ، ثَبْتٍ، حُجَّةٍ مِنْ كِبَارِ الْفُقَهَاءِ الْعُبَّادِ، مَاتَ سَنَةَ إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ وَلَهُ خَمْسٌ وَسِتُّونَ (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ) الْأَنْصَارِيِّ الْبَصْرِيِّ، ثِقَةٍ، ثَبْتٍ، عَابِدٍ، كَبِيرِ الْقَدْرِ، لَا يَرَى الرِّوَايَةَ بِالْمَعْنَى، مَاتَ سَنَةَ عَشْرٍ وَمِائَةٍ (أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ فِي قَوْمٍ وَهُمْ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ) فَذَهَبَ عُمَرُ لِحَاجَتِهِ ثُمَّ رَجَعَ وَهُوَ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، (فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ) مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ كَانَ آمَنَ بِمُسَيْلِمَةَ ثُمَّ تَابَ وَأَسْلَمَ، وَيُقَالُ: إِنَّهُ الَّذِي قَتَلَ زَيْدَ بْنَ الْخَطَّابِ، وَلِذَا كَانَ عُمَرُ يَسْتَثْقِلُهُ، وَقِيلَ: إِنَّهُ أَبُو مَرْيَمَ الْحَنَفِيُّ، وَأَبَى ذَلِكَ آخَرُونَ ; لِأَنَّ عُمَرَ وَلَّى أَبَا مَرْيَمَ بَعْضَ وِلَايَتِهِ، قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ (يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَتَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَلَسْتَ عَلَى وُضُوءٍ؟ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: مَنْ أَفْتَاكَ بِهَذَا أَمُسَيْلِمَةُ؟ !) بِكَسْرِ اللَّامِ، الْكَذَّابُ الَّذِي ادَّعَى النُّبُوَّةَ فِي الْعَهْدِ النَّبَوِيِّ وَحَارَبَ فِي زَمَنِ الصِّدِّيقِ فَقُتِلَ، وَأَصْلُ الْحُجَّةِ فِي الْجَوَازِ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ: فَاسْتَيْقَظَ، صلى الله عليه وسلم، وَمَسَحَ النُّوَّمَ عَنْ وَجْهِهِ، ثُمَّ قَرَأَ الْعَشْرَ الْآيَاتِ مِنْ آخِرِ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ، ثُمَّ قَامَ إِلَى شَنٍّ فَتَوَضَّأَ. وَقَالَ عَلِيٌّ: كَانَ، صلى الله عليه وسلم، لَا يَحْجُبُهُ عَنْ تِلَاوَةِ الْقُرْآنِ شَيْءٌ إِلَّا الْجَنَابَةُ. وَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ إِلَّا مَنْ شَذَّ مِنْهُمْ مِمَّنْ هُوَ مَحْجُوجٌ بِهِمْ
عِكْرِمَةَ، وَرُمِيَ بِرَأْيِ الْخَوَارِجِ، وَرَوَى لَهُ الْجَمِيعُ، مَاتَ سَنَةَ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ(عَنِ الْأَعْرَجِ) عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدٍ) بِلَا إِضَافَةِ اسْمِ أَبِيهِ (الْقَارِيِّ) بِشَدِّ الْيَاءِ نِسْبَةً إِلَى الْقَارَةِ، بَطْنٍ مِنْ خُزَيْمَةَ بْنِ مَدْرَكَةَ، يُقَالُ لَهُ: رُؤْيَةُ، وَذَكَرَهُ الْعِجْلِيُّ فِي ثِقَاتِ التَّابِعِينَ، وَاخْتَلَفَ قَوْلُ الْوَاقِدِيِّ فِيهِ: فَقَالَ تَارَةً لَهُ صُحْبَةٌ وَتَارَةً تَابِعِيٌّ، مَاتَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَثَمَانِينَ. (أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ: مَنْ فَاتَهُ حِزْبُهُ مِنَ اللَّيْلِ) بِنَحْوِ نَوْمٍ، وَالْحِزْبُ: الْوِرْدُ يَعْتَادُهُ الشَّخْصُ مِنْ قِرَاءَةٍ أَوْ صَلَاةٍ أَوْ غَيْرِهِمَا، (فَقَرَأَهُ حِينَ تَزُولُ الشَّمْسُ إِلَى صَلَاةِ الظُّهْرِ فَإِنَّهُ لَمْ يَفُتْهُ) (أَوْ) قَالَ: (كَأَنَّهُ أَدْرَكَهُ) بِالشَّكِّ مِنَ الرَّاوِي، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: هَذَا وَهْمٌ مِنْ دَاوُدَ ; لِأَنَّ الْمَحْفُوظَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ، وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدٍ الْقَارِيِّ، عَنْ عُمَرَ: " مَنْ نَامَ عَنْ حِزْبِهِ فَقَرَأَهُ مَا بَيْنَ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَصَلَاةِ الظُّهْرِ كُتِبَ لَهُ كَأَنَّمَا قَرَأَهُ مِنَ اللَّيْلِ ". وَمِنْ أَصْحَابِ ابْنِ شِهَابٍ مَنْ رَفَعَهُ عَنْهُ بِسَنَدِهِ عَنْ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ، صلى الله عليه وسلم، وَهَذَا عِنْدَ الْعُلَمَاءِ أَوْلَى بِالصَّوَابِ مِنْ رِوَايَةِ دَاوُدَ حِينَ جَعَلَهُ مِنْ زَوَالِ الشَّمْسِ إِلَى صَلَاةِ الظُّهْرِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ وَقْتٌ ضَيِّقٌ قَدْ لَا يَسَعُ الْحِزْبَ، وَرُبَّ رَجُلٍ حِزْبُهُ نِصْفُ الْقُرْآنِ أَوْ ثُلُثُهُ أَوْ رُبُعُهُ وَنَحْوُهُ، وَلِأَنَّ ابْنَ شِهَابٍ أَتْقَنُ حِفْظًا وَأَثْبَتُ نَقْلًا، انْتَهَى.وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ مِنْ طَرِيقِ يُونُسَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ بِسَنَدِهِ عَنْ عُمَرَ مَرْفُوعًا.
عَبْدِ الْبَرِّ: كَذَا رَوَاهُ يَحْيَى، وَأَظُنُّهُ وَهْمًا، وَرَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ وَابْنُ بُكَيْرٍ وَابْنُ الْقَاسِمِ: " لَأَنْ أَقْرَأَهُ فِي عِشْرِينَ أَوْ نِصْفِ شَهْرٍ أَحَبُّ إِلَيَّ ". وَكَذَا رَوَاهُ شُعْبَةُ (وَسَلْنِي لَمْ ذَاكَ؟ قَالَ: فَإِنِّي أَسْأَلُكَ، قَالَ زَيْدٌ: لِكَيْ أَتَدَبَّرَهُ وَأَقِفَ عَلَيْهِ) وَيُعَضِّدُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ} [ص: ٢٩] (سُورَةُ ص: الْآيَةُ ٢٩) ، وَقَالَ تَعَالَى: {وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا} [المزمل: ٤] (سُورَةُ الْمُزَّمِّلِ: الْآيَةُ ٤) ، وَقَالَ تَعَالَى: {لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ} [الإسراء: ١٠٦] (سُورَةُ الْإِسْرَاءِ: الْآيَةُ ١٠٦) ، وَقَالَ صلى الله عليه وسلم " «مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ لَمْ يَفْقَهْهُ» ". وَقَالَ: " «لَا يُخْتَمُ الْقُرْآنُ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ» ". وَقَالَ حَمْزَةُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: إِنِّي سَرِيعُ الْقِرَاءَةِ إِنِّي أَقْرَأُ الْقُرْآنَ فِي ثَلَاثٍ، قَالَ: " لَأَنْ أَقْرَأَ سُورَةَ الْبَقَرَةِ فِي لَيْلَةٍ أَتَدَبَّرُهَا وَأُرَتِّلُهَا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَقْرَأَ الْقُرْآنَ كُلَّهُ حَدْرًا كَمَا تَقُولُ، وَإِنْ كُنْتَ لَا بُدَّ فَاعِلًا فَاقْرَأْ مَا تَسْمَعُهُ أُذُنُكَ وَيَفْهَمُهُ قَلْبُكَ ".وَسُئِلَ مُجَاهِدٌ عَنْ رَجُلَيْنِ قَرَأَ أَحَدُهُمَا الْبَقَرَةَ وَقَرَأَ الْآخَرُ الْبَقَرَةَ وَآلَ عِمْرَانَ، فَكَانَ رُكُوعُهُمَا وَسُجُودُهُمَا وَجُلُوسُهُمَا سَوَاءً، أَيُّهُمَا أَفْضَلُ؟ قَالَ: الَّذِي قَرَأَ الْبَقَرَةَ، ثُمَّ قَرَأَ: {وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ} [الإسراء: ١٠٦] (سُورَةُ الْإِسْرَاءِ: الْآيَةُ ١٠٦) قَالَ الْبَاجِيُّ: ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى تَفْضِيلِ التَّرْتِيلِ، وَكَانَتْ قِرَاءَةُ النَّبِيِّ، صلى الله عليه وسلم، مَوْصُوفَةً بِذَلِكَ.قَالَتْ عَائِشَةُ: " كَانَ يَقْرَأُ السُّورَةَ فَيُرَتِّلُهَا حَتَّى تَكُونَ أَطْوَلَ مِنْ أَطْوَلَ مِنْهَا "، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ أَكْثَرِ الصَّحَابَةِ، وَقَوْلُ مَالِكٍ: مِنَ النَّاسِ مَنْ إِذَا حَدَرَ كَانَ أَخَفَّ عَلَيْهِ، وَإِذَا رَتَّلَ أَخْطَأَ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُحْسِنُ الْحَدْرَ، وَالنَّاسُ فِي ذَلِكَ عَلَى مَا يَخِفُّ عَلَيْهِمْ، وَذَلِكَ وَاسِعٌ، مَعْنَاهُ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِكُلِّ إِنْسَانٍ مُلَازَمَةُ مَا يُوَافِقُ طَبْعَهُ وَيَخِفُّ عَلَيْهِ، فَرُبَّمَا تَكَلَّفَ مَا يَشُقُّ عَلَيْهِ فَيَقْطَعُهُ عَنِ الْقِرَاءَةِ أَوِ الْإِكْثَارِ مِنْهَا فَلَا يُخَالِفُ أَنَّ الْأَفْضَلَ التَّرْتِيلُ لِمَنْ تَسَاوَى فِي حَالِهِ الْأَمْرَانِ.
يَقُولُ: سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ) بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَزَايٍ، ابْنِ خُوَيْلِدِ بْنِ أَسَدٍ الْأَسَدِيِّ، صَحَابِيٌّ ابْنُ صَحَابِيٍّ، وَمَاتَ قَبْلَ أَبِيهِ، وَوَهِمَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ اسْتُشْهِدَ بَأَجْنَادِينَ (يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ) وَغَلِطَ مَنْ قَالَ سُورَةَ الْأَحْزَابِ (عَلَى غَيْرِ مَا أَقْرَؤُهَا، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَقْرَأَنِيهَا) وَفِي رِوَايَةِ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ: " «فَإِذَا هُوَ يَقْرَؤُهَا عَلَى حُرُوفٍ كَثِيرَةٍ لَمْ يُقْرِئْنِيهَا رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم» "، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: فَفِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ بَيَانُ أَنَّ اخْتِلَافَهُمَا كَانَ فِي حُرُوفٍ مِنَ السُّورَةِ لَا فِي السُّورَةِ كُلِّهَا وَهِيَ تَفْسِيرٌ لِرِوَايَةِ مَالِكٍ ; لِأَنَّ سُورَةً وَاحِدَةً لَا تُقْرَأُ حُرُوفُهَا كُلُّهَا عَلَى سَبْعَةِ أَوْجُهٍ، بَلْ لَا يُوجَدُ فِي الْقُرْآنِ كَلِمَةٌ تُقْرَأُ عَلَى سَبْعَةِ أَوْجُهٍ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْ كَثِيرٍ مِثْلَ: {رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا} [سبأ: ١٩] (سُورَةُ سَبَأٍ: الْآيَةُ ١٩) وَ {وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ} [المائدة: ٦٠] (سُورَةُ الْمَائِدَةِ: الْآيَةُ ٦٠) وَ {إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا} [البقرة: ٧٠] (سُورَةُ الْبَقَرَةِ: الْآيَةُ ٧٠) وَ {بِعَذَابٍ بَئِيسٍ} [الأعراف: ١٦٥] (سُورَةُ الْأَعْرَافِ: الْآيَةُ ١٦٥) وَنَحْوُهُ، (فَكِدْتُ أَنْ أَعْجَلَ عَلَيْهِ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْعَيْنِ وَفَتْحِ الْجِيمِ، وَفِي رِوَايَةِ " أُعَجِّلُ " بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَفَتْحِ الْعَيْنِ وَكَسْرِ الْجِيمِ مُشَدَّدَةٍ أَيْ أُخَاصِمُهُ وَأُظْهِرُ بَوَادِرَ غَضَبِي عَلَيْهِ، (ثُمَّ أَمْهَلْتُهُ حَتَّى انْصَرَفَ) مِنَ الصَّلَاةِ فَفِي رِوَايَةِ عُقَيْلٍ: فَكِدْتُ أُسَاوِرُهُ فِي الصَّلَاةِ فَتَصَبَّرْتُ حَتَّى سَلَّمَ. وَأُسَاوِرُهُ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ آخُذُ بِرَأْسِهِ أَوْ أُوَاثِبُهُ، فَلَيْسَ الْمُرَادُ انْصَرِفُ مِنَ الْقِرَاءَةِ كَمَا زَعَمَ الْكَرْمَانِيُّ، (ثُمَّ لَبَّبْتُهُ) بِمُوَحَّدَتَيْنِ أُولَاهُمَا مُشَدَّدَةٌ، وَقَالَ عِيَاضٌ: التَّخْفِيفُ أَعْرَفُ (بِرِدَائِهِ) : أَيْ أَخَذْتُ بِمَجَامِعِهِ وَجَعَلْتُهُ فِي عُنُقِهِ وَجَرَرْتُهُ بِهِ لِئَلَّا يَنْفَلِتَ، مَأْخُوذٌ مِنَ اللَّبَةِ بِفَتْحِ اللَّامِ ; لِأَنَّهُ يَقْبِضُ عَلَيْهَا، وَإِنَّمَا فَعَلَ عُمَرُ ذَلِكَ اعْتِنَاءً بِالْقُرْآنِ وَذَبًّا عَنْهُ وَمُحَافَظَةً عَلَى لَفْظِهِ كَمَا سَمِعَهُ مِنْ غَيْرِ عُدُولٍ إِلَى مَا تَجَوَّزَهُ الْعَرَبُ مَعَ مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الشِّدَّةِ فِي الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ.زَادَ فِي رِوَايَةِ عُقَيْلٍ: " فَقُلْتُ مَنْ أَقْرَأَكَ هَذِهِ السُّورَةَ الَّتِي سَمِعْتُكَ تَقْرَأُ؟ قَالَ: أَقْرَأَنِيهَا رَسُولُ اللَّهِ، فَقُلْتُ: كَذَبْتَ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ أَقْرَأَنِيهَا عَلَى غَيْرِ مَا قَرَأْتَ ". وَفِيهِ إِطْلَاقُ الْكَذِبِ عَلَى غَلَبَةِ الظَّنِّ، فَإِنَّهُ إِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ اجْتِهَادًا مِنْهُ لِظَنِّهِ أَنَّ هِشَامًا خَالَفَ الصَّوَابَ، وَسَاغَ لَهُ ذَلِكَ لِرُسُوخِ قَدَمِهِ فِي الْإِسْلَامِ وَسَابِقَتِهِ، بِخِلَافِ هِشَامٍ فَإِنَّهُ مِنْ مُسْلَمَةِ الْفَتْحِ فَخَشِيَ أَنْ لَا يَكُونَ أَتْقَنَ الْقِرَاءَةَ، وَلَعَلَّ عُمَرَ لَمْ يَكُنْ سَمِعَ حَدِيثَ أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ قَبْلَ ذَلِكَ (فَجِئْتُ بِهِ رَسُولَ اللَّهِ) وَفِي رِوَايَةِ عُقَيْلٍ: " «فَانْطَلَقْتُ بِهِ أَقُودُهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم " (فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي سَمِعْتُ هَذَا يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ عَلَى غَيْرِ مَا أَقْرَأْتَنِيهَا) » ، وَفِي رِوَايَةِ عُقَيْلٍ: " عَلَى حُرُوفٍ لَمْ تُقْرِئْنِيهَا ". (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، أَرْسِلْهُ)
بِهَمْزَةِ قَطْعٍ أَيْ أَطْلِقْهُ ; لِأَنَّهُ كَانَ مَمْسُوكًا مَعَهُ (ثُمَّ قَالَ اقْرَأْ) يَا هِشَامُ، (فَقَرَأَ الْقِرَاءَةَ الَّتِي سَمِعْتُهُ يَقْرَأُ) بِهَا (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، هَكَذَا أُنْزِلَتْ، ثُمَّ قَالَ لِي: اقْرَأْ) يَا عُمَرُ (فَقَرَأْتُهَا) ، وَفِي رِوَايَةِ عُقَيْلٍ: " فَقَرَأْتُ الْقِرَاءَةَ الَّتِي أَقْرَأَنِي " (فَقَالَ هَكَذَا أُنْزِلَتْ) ثُمَّ قَالَ، صلى الله عليه وسلم، تَطْيِيبًا لِقَلْبِ عُمَرَ لِئَلَّا يُنْكِرَ تَصْوِيبَ الْأَمْرَيْنِ الْمُخْتَلِفَيْنِ: (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ) جَمْعُ حَرْفٍ مِثْلُ فَلْسٍ وَأَفْلُسٍ (فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ) أَيِ الْمُنَزَّلِ بِالسَّبْعَةِ، فَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ حِكْمَةَ التَّعَدُّدِ لِلتَّيْسِيرِ عَلَى الْقَارِئِ، وَلَمْ يَقَعْ فِي شَيْءٍ مِنَ الطُّرُقِ تَفْسِيرُ الْأَحْرُفِ الَّتِي اخْتَلَفَ فِيهَا عُمَرُ وَهِشَامٌ مِنْ سُورَةِ الْفُرْقَانِ، نَعَمِ اخْتَلَفَ الصَّحَابَةُ فَمَنْ دُونَهُمْ فِي أَحْرُفٍ كَثِيرَةٍ مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ كَمَا بَيَّنَهُ فِي التَّمْهِيدِ بِمَا يَطُولُ، وَوَقَعَ لِجَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ نَظِيرُ مَا وَقَعَ لِعُمَرَ مَعَ هِشَامٍ، كَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ مَعَ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي سُورَةِ النَّحْلِ، وَعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ مَعَ رَجُلٍ فِي آيَةٍ مِنَ الْفُرْقَانِ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَابْنِ مَسْعُودٍ مَعَ رَجُلٍ فِي سُورَةٍ مِنْ آل حم، رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ، وَأَمَّا حَدِيثُ سَمُرَةَ رَفَعَهُ " «أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَحْرُفٍ» " رَوَاهُ الْحَاكِمُ قَائِلًا: تَوَاتَرَتِ الْأَخْبَارُ بِالسَّبْعَةِ إِلَّا فِي هَذَا الْحَدِيثِ، فَقَالَ أَبُو شَامَةَ: يُحْتَمَلُ أَنَّ بَعْضَهُ أُنْزِلَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَحْرُفٍ كَجَذْوَةٍ وَالرَّهْبِ، أَوْ أَرَادَ أُنْزِلَ ابْتِدَاءً عَلَى ثَلَاثَةِ أَحْرُفٍ ثُمَّ زِيدَ إِلَى سَبْعَةٍ تَوْسِعَةً عَلَى الْعِبَادِ، وَالْأَكْثَرُ أَنَّهَا مَحْصُورَةٌ فِي السَّبْعَةِ، وَقِيلَ: لَيْسَ الْمُرَادُ حَقِيقَةَ الْعَدَدِ بَلِ التَّسْهِيلَ وَالتَّيْسِيرَ وَالشَّرَفَ وَالرَّحْمَةَ وَخُصُوصِيَّةَ الْفَضْلِ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ، فَإِنَّ لَفْظَ سَبْعَةٍ يُطْلَقُ عَلَى إِرَادَةِ الْكَثْرَةِ فِي الْآحَادِ كَمَا يُطْلَقُ السَّبْعُونَ فِي الْعَشَرَاتِ وَالسَّبْعُمِائَةِ فِي الْمِئِينَ وَلَا يُرَادُ الْعَدَدُ الْمُعَيَّنُ، وَإِلَى هَذَا جَنَحَ عِيَاضٌ وَمَنْ تَبِعَهُ، وَرُدَّ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ " «أَقْرَأَنِي جِبْرِيلُ عَلَى حَرْفٍ فَرَاجَعْتُهُ فَلَمْ أَزَلْ أَسْتَزِيدُهُ وَيَزِيدُنِي حَتَّى انْتَهَى إِلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ» ". وَفِي حَدِيثِ أُبَيٍّ عِنْدَ مُسْلِمٍ: " «إِنَّ رَبِّي أَرْسَلَ إِلَيَّ أَنْ أَقْرَأَ الْقُرْآنَ عَلَى حَرْفٍ فَرَدَدْتُ عَلَيْهِ أَنْ هَوِّنْ عَلَى أُمَّتِي فَأَرْسَلَ إِلَيَّ أَنْ أَقْرَأَهُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ» ". وَلِلنَّسَائِيِّ: " «إِنَّ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ أَتَيَانِي فَقَعَدَ جِبْرِيلُ عَلَى يَمِينِي وَمِيكَائِيلُ عَلَى يَسَارِي، فَقَالَ جِبْرِيلُ: اقْرَأِ الْقُرْآنَ عَلَى حَرْفٍ، فَقَالَ مِيكَائِيلُ: اسْتَزِدْهُ حَتَّى بَلَغَ سَبْعَةَ أَحْرُفٍ» ". وَفِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ: " «فَنَظَرْتُ إِلَى مِيكَائِيلَ فَسَكَتَ فَعَلِمْتُ أَنَّهُ قَدِ انْتَهَتِ الْعِدَّةُ» ". فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى إِرَادَةِ حَقِيقَةِ الْعَدَدِ وَانْحِصَارِهِ، وَاخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ عَلَى نَحْوِ أَرْبَعِينَ قَوْلًا أَكْثَرُهَا غَيْرُ مُخْتَارٍ، قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: لَمْ يَأْتِ فِي ذَلِكَ نَصٌّ وَلَا أَثَرٌ. وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدَانَ النَّحْوِيُّ: هَذَا مِنَ الْمُشْكِلِ الَّذِي لَا يُدْرَى مَعْنَاهُ ; لِأَنَّ الْحَرْفَ يَأْتِي لِمَعَانٍ لِلْهِجَاءِ وَلِلْكَلِمَةِ وَلِلْمَعْنَى وَالْجِهَةِ، انْتَهَى.وَأَقْرَبُهَا قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمُرَادَ سَبْعُ لُغَاتٍ، وَعَلَيْهِ أَبُو عُبَيْدَةَ وَثَعْلَبُ وَالزُّهْرِيُّ وَآخَرُونَ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ وَالْبَيْهَقِيُّ
وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ لُغَاتِ الْعَرَبِ أَكْثَرُ مِنْ سَبْعَةٍ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ أَفْصَحُهَاوَالثَّانِي: أَنَّ الْمُرَادَ سَبْعَةُ أَوْجَهٍ مِنَ الْمَعَانِي الْمُتَّفِقَةِ بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ نَحْوَ أَقْبِلْ وَتَعَالَ وَهَلُمَّ وَعَجِّلْ وَأَسْرِعْ، وَعَلَيْهِ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ وَابْنُ وَهْبٍ وَخَلَائِقُ، وَنَسَبَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ لِأَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، لَكِنَّ الْإِبَاحَةَ الْمَذْكُورَةَ لَمْ تَقَعْ بِالتَّشَهِّي، وَهُوَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يُغَيِّرُ الْكَلِمَةَ بِمُرَادِفِهَا مِنْ لُغَتِهِ، بَلْ ذَلِكَ مَقْصُورٌ عَلَى السَّمَاعِ مِنْهُ، صلى الله عليه وسلم، كَمَا يُشِيرُ إِلَيْهِ قَوْلُ كُلٍّ مِنْ عُمَرَ وَهِشَامٍ: أَقْرَأَنِي النَّبِيُّ، صلى الله عليه وسلم، وَلَئِنْ سَلِمَ إِطْلَاقُ الْإِبَاحَةِ بِقِرَاءَةِ الْمُرَادِفِ وَلَوْ لَمْ يُسْمَعْ، لَكِنَّ إِجْمَاعَ الصَّحَابَةِ زَمَنَ عُثْمَانَ الْمُوَافِقَ لِلْعُرْضَةِ الْأَخِيرَةِ يَمْنَعُ ذَلِكَ، وَاخْتُلِفَ هَلِ السَّبْعَةُ بَاقِيَةٌ إِلَى الْآنِ يُقْرَأُ بِهَا أَمْ كَانَ ذَلِكَ، ثُمَّ اسْتَقَرَّ عَلَى الْأَمْرِ بَعْضُهَا؟ ذَهَبَ الْأَكْثَرُ إِلَى الثَّانِي كَابْنِ عُيَيْنَةَ وَابْنِ وَهْبٍ وَالطَّبَرِيِّ وَالطَّحَاوِيِّ، وَهَلِ اسْتَقَرَّ ذَلِكَ فِي الزَّمَنِ النَّبَوِيِّ أَمْ بَعْدَهُ؟ الْأَكْثَرُ عَلَى الْأَوَّلِ وَاخْتَارَهُ الْبَاقِلَّانِيُّ وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَابْنُ الْعَرَبِيِّ وَغَيْرُهُمْ ; لِأَنَّ ضَرُورَةَ اخْتِلَافِ اللُّغَاتِ وَمَشَقَّةَ نُطْقِهِمْ بِغَيْرِ لُغَتِهِمُ اقْتَضَتِ التَّوْسِعَةَ عَلَيْهِمْ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ، فَأُذِنَ لِكُلٍّ أَنْ يَقْرَأَ عَلَى حَرْفِهِ أَيْ عَلَى طَرِيقَتِهِ فِي اللُّغَةِ حَتَّى انْضَبَطَ الْأَمْرُ وَتَدَرَّبَتِ الْأَلْسُنُ وَتَمَكَّنَ النَّاسُ مِنْ الِاقْتِصَارِ عَلَى لُغَةٍ وَاحِدَةٍ فَعَارَضَ جِبْرِيلُ النَّبِيَّ، صلى الله عليه وسلم، الْقُرْآنَ مَرَّتَيْنِ فِي السَّنَةِ الْأَخِيرَةِ وَاسْتَقَرَّ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ الْآنَ فَنَسَخَ اللَّهُ تِلْكَ الْقِرَاءَةَ الْمَأْذُونَ فِيهَا بِمَا أَوْجَبَهُ مِنْ الِاقْتِصَارِ عَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَةِ الَّتِي تَلَقَّاهَا النَّاسُ.قَالَ أَبُو شَامَةَ: ظَنَّ قَوْمٌ أَنَّ الْمُرَادَ الْقِرَاءَاتُ السَّبْعُ الْمَوْجُودَةُ الْآنَ وَهُوَ خِلَافُ إِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ، وَإِنَّمَا يَظُنُّ ذَلِكَ بَعْضُ أَهْلِ الْجَهْلِوَقَالَ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: مَنْ ظَنَّ أَنَّ قِرَاءَةَ هَؤُلَاءِ كَعَاصِمٍ وَنَافِعٍ هِيَ الْأَحْرُفُ السَّبْعَةُ الَّتِي فِي الْحَدِيثِ فَقَدْ غَلِطَ غَلَطًا عَظِيمًا، وَيَلْزَمُ مِنْهُ أَنَّ مَا خَرَجَ مِنْ قِرَاءَتِهِمْ مِمَّا ثَبَتَ عَنِ الْأَئِمَّةِ وَغَيْرِهِمْ وَوَافَقَ خَطَّ الْمُصْحَفِ أَنْ لَا يَكُونُ قُرْآنًا، وَهَذَا غَلَطٌ عَظِيمٌ، وَقَدْ بَيَّنَ الطَّبَرِيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّ اخْتِلَافَ الْقُرَّاءِ إِنَّمَا هُوَ حَرْفٌ وَاحِدٌ مِنَ السَّبْعَةِ، وَهَذَا الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ وَمُسْلِمٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ بِهِ
عَلَيْهَا أَمْسَكَهَا) أَيِ اسْتَمَرَّ إِمْسَاكُهُ لَهَا (وَإِنْ أَطْلَقَهَا) مِنْ عَقْلِهَا (ذَهَبَتْ) أَيِ انْفَلَتَتْ، وَالْحُصْرُ فِي " إِنَّمَا " حَصْرٌ مَخْصُوصٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى النِّسْيَانِ وَالْحِفْظِ بِالتِّلَاوَةِ وَالتَّرْكِ شَبَّهَ دَرْسَ الْقُرْآنِ وَاسْتِمْرَارَ تِلَاوَتِهِ بِرَبْطِ الْبَعِيرِ الَّذِي يُخْشَى مِنْهُ أَنْ يَشْرُدَ، فَمَا دَامَ التَّعَاهُدُ مَوْجُودًا فَالْحِفْظُ مَوْجُودٌ، كَمَا أَنَّ الْبَعِيرَ مَا دَامَ مَشْدُودًا بِالْعِقَالِ فَهُوَ مَحْفُوظٌ، وَخَصَّ الْإِبِلَ بِالذِّكْرِ ; لِأَنَّهَا أَشَدُّ الْحَيَوَانَاتِ الْإِنْسِيَّةِ نِفَارًا، وَفِيهِ حَضٌّ عَلَى دَرْسِ الْقُرْآنِ وَتَعَاهُدِهِ، وَفِي الصَّحِيحِ مَرْفُوعًا: " «تَعَاهَدُوا الْقُرْآنَ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَهُوَ أَشَدُّ تَفَصِّيًا مِنَ الْإِبِلِ فِي عُقُلِهَا» ". وَقَالَ، صلى الله عليه وسلم: " «مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ ثُمَّ نَسِيَهُ لَقِيَ اللَّهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَجْوَمَ» ". أَيْ مُنْقَطِعَ الْحُجَّةِ. وَقَالَ. " «عُرِضَتْ عَلَيَّ أُجُورُ أُمَّتِي حَتَّى الْقَذَاةُ يُخْرِجُهَا الرَّجُلُ مِنَ الْمَسْجِدِ، وَعُرِضَتْ عَلَيَّ ذُنُوبُ أُمَّتِي فَلَمْ أَرَ ذَنْبًا أَعْظَمَ مِنْ سُورَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ أَوْ آيَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ أُوتِيهَا رَجُلٌ ثُمَّ نَسِيَهَا» ". وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا: " «بِئْسَ مَا لِأَحَدِكُمْ أَنْ يَقُولَ نَسِيتُ آيَةَ كَيْتَ وَكَيْتَ، بَلْ هُوَ نُسِّيَ فَإِنَّهُ أَشَدُّ تَفَصِّيًا مِنْ صُدُورِ الرِّجَالِ مِنَ النَّعَمِ» ". قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: فَكَرِهَ أَنْ يَقُولَ نَسِيتُ وَأَبَاحَ أَنْ يَقُولَ أُنْسِيتُ قَالَ تَعَالَى: {وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ} [الكهف: ٦٣] (سُورَةُ الْكَهْفِ: الْآيَةُ ٦٣) وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: النِّسْيَانُ الْمَذْمُومُ هُوَ تَرْكُ الْعَمَلِ بِهِ وَلَيْسَ مَنِ انْتَهَى حِفْظُهُ وَتَفَلَّتَ مِنْهُ بِنَاسٍ لَهُ إِذَا عَمِلَ بِهِ، وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ مَا نَسِيَ، صلى الله عليه وسلم، شَيْئًا مِنْهُ، قَالَ تَعَالَى: {سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى - إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ} [الأعلى: ٦ - ٧] (سُورَةُ الْأَعْلَى: الْآيَةُ ٦، ٧) وَقَالَ، صلى الله عليه وسلم،: " «ذَكَّرَنِي هَذَا آيَةً أُنْسِيتُهَا» ". قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَهَذَا مَعْرُوفٌ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ، قَالَ تَعَالَى: {نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ} [التوبة: ٦٧] (سُورَةُ التَّوْبَةِ: الْآيَةُ ٦٧) أَيْ تَرَكُوا طَاعَتَهُ فَتَرَكَ رَحْمَتَهُمْ، وَقَالَ تَعَالَى: {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ} [الأنعام: ٤٤] (سُورَةُ الْأَنْعَامِ: الْآيَةُ ٤٤) أَيْ تَرَكُوا، وَالْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ وَمُسْلِمٌ عَنْ يَحْيَى كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ بِهِ.
مِنْ مُرْسَلِ الصَّحَابَةِ، وَهُوَ مَحْكُومٌ بِوَصْلِهِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَيُؤَيِّدُ الثَّانِي مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبَغَوِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنْ طَرِيقِ عَامِرِ بْنِ صَالِحٍ الزُّبَيْرِيِّ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ قَالَ: سَأَلْتُ. وَعَامِرٌ فِيهِ ضَعْفٌ لَكِنْ لَهُ مُتَابِعٌ عِنْدَ ابْنِ مَنْدَهْ وَالْمَشْهُورُ الْأَوَّلُ(كَيْفَ يَأْتِيكَ الْوَحْيُ؟) أَيْ صِفَةُ الْوَحْيِ نَفْسِهِ أَوْ صِفَةُ حَامِلِهِ أَوْ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ، وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَإِسْنَادُ الْإِتْيَانِ إِلَى الْوَحْيِ مَجَازٌ عَقْلِيٌّ ; لِأَنَّ الْإِتْيَانَ حَقِيقَةٌ مِنْ وَصْفِ حَامِلِهِ، وَيُسَمَّى مَجَازًا فِي الْإِسْنَادِ لِلْمُلَابَسَةِ الَّتِي بَيْنَ الْحَامِلِ وَالْمَحْمُولِ، أَوْ هُوَ اسْتِعَارَةٌ بِالْكِنَايَةِ ; شُبِّهَ الْوَحْيُ بِرَجُلٍ وَأُضِيفُ إِلَى الْمُشَبَّهِ الْإِتْيَانُ الَّذِي هُوَ مِنْ خَوَاصِّ الْمُشَبَّهِ بِهِ، وَفِيهِ أَنَّ السُّؤَالَ عَنِ الْكَيْفِيَّةِ لِطَلَبِ الطُّمَأْنِينَةِ لَا يَقْدَحُ فِي الْيَقِينِ، وَجَوَازُ السُّؤَالِ عَنْ أَحْوَالِ الْأَنْبِيَاءِ مِنَ الْوَحْيِ وَغَيْرِهِ.(فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: أَحْيَانًا) جَمْعُ حِينٍ يُطْلَقُ عَلَى كَثِيرِ الْوَقْتِ وَقَلِيلِهِ، وَالْمُرَادُ هُنَا مُجَرَّدُ الْوَقْتِ فَكَأَنَّهُ قَالَ: " أَوْقَاتًا "، وَنَصَبَ ظَرْفًا عَامُلُهُ (يَأْتِينِي) مُؤَخَّرٌ عَنْهُ، وَفِيهِ أَنَّ الْمَسْئُولَ عَنْهُ إِذَا كَانَ ذَا أَقْسَامٍ يَذْكُرُ الْمُجِيبُ فِي أَوَّلِ جَوَابِهِ مَا يَقْتَضِي التَّفْصِيلَ، (فِي مِثْلِ صَلْصَلَةِ) بِمُهْمَلَتَيْنِ مَفْتُوحَتَيْنِ بَيْنَهُمَا لَامٌ سَاكِنَةٌ، أَصْلُهُ صَوْتُ وُقُوعِ الْحَدِيدِ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ، ثُمَّ أُطْلِقَ عَلَى صَوْتٍ لَهُ طَنِينٌ، وَقِيلَ صَوْتٌ مُتَدَارَكٌ لَا يُدْرَكُ فِي أَوَّلِ وَهْلَةٍ. (الْجَرَسِ) بِجِيمٍ وَمُهْمَلَةٍ الْجُلْجُلُ الَّذِي يُعَلَّقُ فِي رُءُوسِ الدَّوَابِّ، وَاشْتِقَاقُهُ مِنَ الْجَرْسِ بِإِسْكَانِ الرَّاءِ وَهُوَ الْحِسُّ، قِيلَ: الصَّلْصَلَةُ صَوْتُ الْمَلَكِ بِالْوَحْيِقَالَ الْخَطَّابِيُّ: يُرِيدُ أَنَّهُ صَوْتٌ مُتَدَارَكٌ يَسْمَعُهُ وَلَا يُثْبِتُهُ أَوَّلَ مَا يَسْمَعُهُ حَتَّى يَفْهَمَهُ بَعْدُ، وَلَمَّا كَانَ الْجَرَسُ لَا تَحْصُلُ صَلْصَلَتُهُ إِلَّا مُتَدَارَكَةً وَقَعَ التَّشْبِيهُ بِهِ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ آلَاتٍ، وَقِيلَ: صَوْتُ حَفِيفِ أَجْنِحَةِ الْمَلَكِ، وَالْحِكْمَةُ فِي تَقَدُّمِهِ أَنْ يَقْرَعَ سَمْعَهُ الْوَحْيُ فَلَا يَبْقَى فِيهِ مَكَانٌ لِغَيْرِهِ. (وَهُوَ أَشَدُّهُ عَلَيَّ) ; لِأَنَّ الْفَهْمَ مِنْ كَلَامٍ مِثْلِ الصَّلْصَلَةِ أَشَدُّ مِنَ الْفَهْمِ مِنْ كَلَامِ الرَّجُلِ بِالتَّخَاطُبِ الْمَعْهُودِ، وَفَائِدَةُ هَذِهِ الشِّدَّةِ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى الْمَشَقَّةِ مِنْ زِيَادَةِ الزُّلْفَى وَالدَّرَجَاتِ، وَأَفْهَمُ أَنَّ الْوَحْيَ كُلَّهُ شَدِيدٌ وَهَذَا أَشَدُّهُ ; لِأَنَّ الْعَادَةَ جَرَتْ بِالْمُنَاسَبَةِ بَيْنَ الْقَائِلِ وَالسَّامِعِ، وَهِيَ هُنَا إِمَّا بِاتِّصَافِ السَّامِعِ بِوَصْفِ الْقَائِلِ فَغَلَبَتِ الرُّوحَانِيَّةُ، وَهُوَ النَّوْعُ الْأَوَّلُ وَإِمَّا بِاتِّصَافِ الْقَائِلِ بِوَصْفِ السَّامِعِ، وَهُوَ الْبَشَرِيَّةُ وَهُوَ النَّوْعُ الثَّانِي، وَالْأَوَّلُ أَشَدُّ بِلَا شَكٍّ، وَقَالَ السَّرَّاجُ الْبَلْقِينِيُّ: سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ الْكَلَامَ الْعَظِيمَ لَهُ مُقَدَّمَاتٌ تُؤْذِنُ بِتَعْظِيمِهِ لِلِاهْتِمَامِ بِهِ كَمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: وَكَانَ يُعَالِجُ مِنَ التَّنْزِيلِ شِدَّةً.وَقِيلَ: كَانَ يَنْزِلُ هَكَذَا إِذَا نَزَلَتْ آيَةُ وَعِيدٍ، قَالَ الْحَافِظُ: وَفِيهِ نَظَرٌ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَخْتَصُّ بِالْقُرْآنِ كَمَا فِي حَدِيثِ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ فِي قِصَّةِ لَابِسِ الْجُبَّةِ الْمُتَضَمِّخِ بِالطِّيبِ فِي الْحَجِّ، فَفِيهِ أَنَّهُ رَآهُ، صلى الله عليه وسلم، حَالَةَ نُزُولِ الْوَحْيِ وَأَنَّهُ لِيَغُطُّ.(فَيَفْصِمُ) بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ وَسُكُونِ الْفَاءِ وَكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ، أَيْ يُقْطَعُ (عَنِّي) وَيَتَجَلَّى مَا يَغْشَانِي، وَيُرْوَى بِضَمِّ أَوَّلِهِ مِنَ الرُّبَاعِيِّ، وَفِي رِوَايَةٍ
بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَفَتْحِ الصَّادَ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ، وَأَصْلُ الْفَصْمِ الْقَطْعُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {لَا انْفِصَامَ لَهَا} [البقرة: ٢٥٦] (سُورَةُ الْبَقَرَةِ: الْآيَةُ ٢٥٦) ، وَقِيلَ: الْفَصْمُ بِالْفَاءِ الْقَطْعُ بِلَا إِبَانَةٍ، وَبِالْقَافِ الْقَطْعُ بِإِبَانَةٍ، فَذِكْرُهُ يَفْصِمُ بِالْفَاءِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْمَلَكَ فَارَقَهُ لِيَعُودَ، وَالْجَامِعُ بَيْنَهُمَا بَقَاءُ الْعَلَقَةِ.(وَقَدْ وَعَيْتُ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ حَفَظْتُ (مَا قَالَ) أَيِ الْقَوْلَ الَّذِي جَاءَ بِهِ، وَفِيهِ إِسْنَادُ الْوَحْيِ إِلَى قَوْلِ الْمَلَكِ، وَلَا مُعَارَضَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْلِهِ تَعَالَى حِكَايَةً عَنِ الْكُفَّارِ: {إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ} [المدثر: ٢٥] (سُورَةُ الْمُدَّثِّرِ: الْآيَةُ ٢٥) ; لِأَنَّهُمْ كَانُوا يُنْكِرُونَ الْوَحْيَ وَيُنْكِرُونَ مَجِيءَ الْمَلَكِ بِهِ، فَإِنْ قِيلَ: الْمَحْمُودُ لَا يُشَبَّهُ بِالْمَذْمُومِ إِذْ حَقِيقَةُ التَّشْبِيهِ إِلْحَاقُ نَاقِصٍ بِكَامِلٍ، وَالْمُشَبَّهُ: الْوَحْيُ، وَالْمُشَبَّهُ بِهِ: صَوْتُ الْجَرَسِ، وَهُوَ مَذْمُومٌ لِصِحَّةِ النَّهْيِ عَنْهُ، وَالتَّنْفِيرِ مِنْ مُرَافَقَةِ مَا هُوَ مُعَلَّقٌ فِيهِ، وَالْإِعْلَامِ بِأَنَّهُمْ لَا تَصْحَبُهُمُ الْمَلَائِكَةُ كَمَا فِي مُسْلِمٍ وَأَبِي دَاوُدَ وَغَيْرِهِمَا، فَكَيْفَ شَبَّهَ فِعْلَ الْمَلَكِ بِأَمْرٍ تَنْفِرُ مِنْهُ الْمَلَائِكَةُ؟ أُجِيبَ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ فِي التَّشْبِيهِ تُسَاوِي الْمُشَبَّهِ بِالْمُشَبَّهِ بِهِ فِي الصِّفَاتِ كُلِّهَا، بَلْ وَلَا فِي أَخَصِّ وَصْفِ لَهُ، بَلْ يَكْفِي اشْتِرَاكُهُمَا فِي صِفَةٍ مَا، فَالْقَصْدُ هُنَا بَيَانُ الْحِسِّ، فَذَكَرَ مَا أَلِفَ السَّامِعُونَ سَمَاعَهُ تَقْرِيبًا لِأَفْهَامِهِمْ.وَالْحَاصِلُ أَنَّ الصَّوْتَ لَهُ جِهَتَانِ: جِهَةُ قُوَّةٍ وَبِهَا وَقَعَ التَّشْبِيهُ، وَجِهَةُ طَنِينٍ وَبِهَا وَقَعَ النَّفِيرُ عَنْهُ، وَعُلِّلَ بِكَوْنِهِ مِزْمَارَ الشَّيْطَانِ، وَاحْتِمَالُ أَنَّ النَّهْيَ عَنْهُ وَقَعَ بَعْدَ السُّؤَالِ الْمَذْكُورِ فِيهِ نَظَرٌ، وَهَذَا النَّوْعُ شَبِيهٌ بِمَا يُوحَى إِلَى الْمَلَائِكَةِ، كَمَا فِي الصَّحِيحِ مَرْفُوعًا: " «إِذَا قَضَى اللَّهُ فِي السَّمَاءِ أَمْرًا ضَرَبَتِ الْمَلَائِكَةُ بِأَجْنِحَتِهَا خُضْعَانًا لِقَوْلِهِ، كَأَنَّهَا سِلْسِلَةٌ عَلَى صَفْوَانٍ، فَإِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا: مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ قَالُوا: الْحَقَّ، وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ» ". وَلِلطَّبَرَانِيِّ وَابْنِ أَبِي عَاصِمٍ مَرْفُوعًا: " «إِذَا تَكَلَّمَ اللَّهُ فِي السَّمَاءِ بِالْوَحْيِ أَخَذَتِ السَّمَاءَ رَجْفَةٌ أَوْ رِعْدَةٌ شَدِيدَةٌ مِنْ خَوْفِ اللَّهِ، فَإِذَا سَمِعَ أَهْلُ السَّمَاءِ صَعِقُوا وَخَرُّوا سُجَّدًا، فَيَكُونُ أَوَّلَهُمْ يَرْفَعُ رَأْسَهُ جِبْرِيلُ فَيُكَلِّمُهُ اللَّهُ مِنْ وَحْيِهِ بِمَا أَرَادَ فَيَنْتَهِي بِهِ إِلَى الْمَلَائِكَةِ كُلَّمَا مَرَّ بِسَمَاءٍ سَأَلَهُ أَهْلُهَا مَاذَا قَالَ رَبُّنَا؟ قَالَ: الْحَقَّ، فَيَنْتَهِي بِهِ حَيْثُ أَمَرَهُ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ» . وَلِابْنِ مَرْدَوَيْهِ مَرْفُوعًا: " «إِذَا تَكَلَّمَ اللَّهُ بِالْوَحْيِ يَسْمَعُ أَهْلُ السَّمَاءِ صَلْصَلَةً كَصَلْصَلَةِ السِّلْسِلَةِ عَلَى الصَّفْوَانِ فَيَفْزَعُونَ» ".(وَأَحْيَانًا يَتَمَثَّلُ) يَتَصَوَّرُ (لِيَ) أَيْ لِأَجْلِي، فَاللَّامُ تَعْلِيلِيَّةٌ (الْمَلَكُ) جِبْرِيلُ، كَمَا فِي رِوَايَةِ ابْنِ سَعْدٍ، فَأَلْ عَهْدِيَّةٌ (رَجُلًا) نُصِبَ عَلَى الْمَصْدَرِيَّةِ، أَيْ مِثْلَ رَجُلٍ أَوْ بِهَيْئَةِ رَجُلٍ، فَهُوَ حَالٌ، وَإِنْ لَمْ تُئَوَّلْ بِمُشْتَقٍّ لِدَلَالَةِ رَجُلٍ عَلَى الْهَيْئَةِ بِلَا تَأْوِيلٍ أَوْ عَلَى تَمْيِيزِ النِّسْبَةِ لَا تَمْيِيزِ الْفَرْدِ ; لِأَنَّ الْمَلَكَ لَا إِبْهَامَ فِيهِ، وَكَوْنُ تَمْيِيزِ النِّسْبَةِ مُحَوَّلًا عَنِ الْفَاعِلِ كَتَصَبَّبَ زَيْدٌ عَرَقًا أَوِ الْمَفْعُولِ كَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا، أَمْرٌ غَالِبٌ لَا دَائِمٌ بِدَلِيلِ امْتَلَأَ الْإِنَاءُ مَاءً، أَوْ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ بِتَضْمِينِ " يَتَمَثَّلُ " مَعْنَى " يَتَّخِذُ " أَيِ الْمَلَكُ رَجُلًا مِثَالًا، وَاسْتُبْعِدَ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى لِاتِّحَادِ الْمُتَّخِذِ وَالْمُتَّخَذِ وَالْإِتْيَانِ بِمِثَالٍ بِلَا دَلِيلٍقَالَ الْمُتَكَلِّمُونَ: الْمَلَائِكَةُ أَجْسَامٌ عُلْوِيَّةٌ لَطِيفَةٌ تَتَشَكَّلُ أَيَّ شَكْلٍ أَرَادُوا. وَزَعَمَ بَعْضُ الْفَلَاسِفَةِ أَنَّهَا جَوَاهِرٌ
رُوحَانِيَّةٌ. قَالَ الْحَافِظُ: وَالْحَقُّ أَنَّ تَمَثُّلَ الْمَلَكِ رَجُلًا لَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّ ذَاتَهُ انْقَلَبَتْ رَجُلًا، بَلْ مَعْنَاهُ أَنَّهُ ظَهَرَ بِتِلْكَ الصُّورَةِ تَأْنِيسًا لِمَنْ يُخَاطِبُهُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْقَدْرَ الزَّائِدَ لَا يَزُولُ وَلَا يَفْنَى بَلْ يَخْفَى عَلَى الرَّائِي فَقَطْ، وَتَقَدَّمَ مَزِيدٌ لِذَلِكَ فِي أَوَّلِ حَدِيثٍ (فَيُكَلِّمُنِي) بِالْكَافِ، وَالْبَيْهَقِيُّ عَنِ الْقَعْنَبِيِّ: " فَيُعَلِّمُنِي " بِالْعَيْنِ، قَالَ الْحَافِظُ: وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ تَصْحِيفٌ فَإِنَّهُ فِي الْمُوَطَّأِ رِوَايَةُ الْقَعْنَبِيِّ بِالْكَافِ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ مِنْ طَرِيقِ الْقَعْنَبِيِّ وَغَيْرِهِ.(فَأَعِي مَا يَقُولُ) زَادَ أَبُو عَوَانَةَ: " «وَهُوَ أَهْوَنُهُ عَلَيَّ» "، وَعَبَّرَ هُنَا بِالِاسْتِقْبَالِ وَفِيمَا قَبْلَهُ بِالْمَاضِي ; لِأَنَّ الْوَحْيَ حَصَلَ فِي الْأَوَّلِ قَبْلَ الْفَصْمِ وَفِي الثَّانِي حَالَ الْمُكَالَمَةِ، أَوْ أَنَّهُ فِي الْأَوَّلِ تَلَبَّسَ بِصِفَاتِ الْمَلَكِيَّةِ، فَإِذَا عَادَ إِلَى جِبِلَّتِهِ كَانَ حَافِظًا لِمَا قِيلَ لَهُ فَعَبَّرَ بِالْمَاضِي، بِخِلَافِ الثَّانِي فَإِنَّهُ عَلَى حَالَتِهِ الْمَعْهُودَةِ.وَأَوْرَدَ عَلَى مُقْتَضَى هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ حَصْرِ الْوَحْيِ فِي الْحَالَتَيْنِ حَالَاتٍ أُخْرَى، أَمَّا مِنْ صِفَةِ الْوَحْيِ بِمَجِيئِهِ كَدَوِيِّ النَّحْلِ وَالنَّفْثِ فِي الرَّوْعِ وَالْإِلْهَامِ وَالرُّؤْيَا الصَّالِحَةِ وَالتَّكْلِيمِ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ بِلَا وَاسِطَةٍ، وَأَمَّا فِي صِفَةِ حَامِلِ الْوَحْيِ كَمَجِيئِهِ فِي صُورَتِهِ الَّتِي خُلِقَ عَلَيْهَا لَهُ سِتُّمِائَةِ جَنَاحٍ، وَرُؤْيَتِهِ عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَقَدْ سَدَّ الْأُفُقَ، وَالْجَوَابُ مَنْعُ الْحَصْرِ فِي الْحَالَيْنِ، وَحَمْلُهُمَا عَلَى الْغَالِبِ أَوْ حَمْلُ مَا يُغَايِرُهُمَا عَلَى أَنَّهُ وَقَعَ بَعْدَ السُّؤَالِ، أَوْ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِصِفَتَيْ الْمَلَكِ الْمَذْكُورَتَيْنِ لِنُدُورِهِمَا، فَقَدْ ثَبَتَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهُ لَمْ يَرَهُ كَذَلِكَ إِلَّا مَرَّتَيْنِ، أَوْ لَمْ يَأْتِهِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ بِوَحْيٍ، أَوْ أَتَاهُ بِهِ وَكَانَ عَلَى مِثْلِ صَلْصَلَةِ الْجَرَسِ، فَإِنَّهُ بَيَّنَ بِهَا صِفَةَ الْوَحْيِ لَا صِفَةَ حَامِلِهِوَأَمَّا فُنُونُ الْوَحْيِ فَدَوِيُّ النَّحْلِ لَا يُعَارِضُ صَلْصَلَةَ الْجَرَسِ ; لِأَنَّ سَمَاعَ الدَّوِيِّ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْحَاضِرِينَ كَمَا فِي حَدِيثِ عُمَرَ يُسْمَعُ عِنْدَهُ دَوِيٌّ كَدَوِيِّ النَّحْلِ، وَالصَّلْصَلَةِ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ، صلى الله عليه وسلم، فَشَبَّهَهُ عُمَرُ بَدَوِيِّ النَّحْلِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى السَّامِعِينَ، وَشَبَّهَهُ هُوَ، صلى الله عليه وسلم، بِصَلْصَلَةِ الْجَرَسِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَقَامِهِ.وَأَمَّا النَّفْثُ فِي الرَّوْعِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى إِحْدَى الْحَالَتَيْنِ، فَإِذَا أَتَاهُ فِي مِثْلِ الصَّلْصَلَةِ نَفَثَ حِينَئِذٍ فِي رَوْعِهِ، وَأَمَّا الْإِلْهَامُ فَلَمْ يَقَعِ السُّؤَالُ عَنْهُ ; لِأَنَّهُ وَقَعَ عَنْ صِفَةِ الْوَحْيِ الَّذِي يَأْتِي بِحَامِلٍ، وَكَذَا التَّكْلِيمُ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ.وَأَمَّا الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ فَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: لَا تَرِدُ لِأَنَّ السُّؤَالَ وَقَعَ عَمَّا يَنْفَرِدُ بِهِ عَنِ النَّاسِ وَالرُّؤْيَا قَدْ يُشَارِكُهُ فِيهَا غَيْرُهُ، انْتَهَى.وَالرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ وَإِنْ كَانَتْ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ فَهِيَ بِاعْتِبَارِ صِدْقِهَا، وَإِلَّا لَسَاغَ أَنْ يُسَمَّى صَاحِبُهَا نَبِيًّا وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَيُحْتَمَلَ أَنَّ السُّؤَالَ وَقَعَ عَمَّا فِي الْيَقَظَةِ، وَلِكَوْنِ حَالِ الْمَنَامِ لَا يَخْفَى عَلَى السَّائِلِ اقْتَصَرَ عَلَى مَا يَخْفَى عَلَيْهِ، أَوْ كَانَ ظُهُورُ ذَلِكَ لَهُ، صلى الله عليه وسلم، فِي الْمَنَامِ أَيْضًا عَلَى الْوَجْهَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ لَا غَيْرَ، قَالَهُ الْكَرْمَانِيُّ، وَفِيهِ نَظَرٌوَقَدْ ذَكَرَ الْحَلِيمِيُّ أَنَّ الْوَحْيَ كَانَ يَأْتِيهِ عَلَى سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ نَوْعًا فَذَكَرَهَا، وَغَالِبُهَا مِنْ صِفَاتِ الْوَحْيِ، وَمَجْمُوعُهَا يَدْخُلُ فِيمَا ذُكِرَ، انْتَهَى.(قَالَتْ عَائِشَةُ) بِالْإِسْنَادِ السَّابِقِ، وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ حَرْفِ عَطْفٍ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَتِيقِ بْنِ
يَعْقُوبَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْهَا، مَفْصُولًا عَنِ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ. وَكَذَا فَصَلَهُمَا مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ أَبِي أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، وَنُكْتَتُهُ هُنَا اخْتِلَافُ التَّحَمُّلِ ; لِأَنَّهَا فِي الْأَوَّلِ أَخْبَرَتْ عَنْ مَسْأَلَةِ الْحَارِثِ، وَفِي الثَّانِي أَخْبَرَتْ عَمَّا شَاهَدَتْهُ تَأْيِيدًا لِلْخَبَرِ الْأَوَّلِ(وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ) بِوَاوِ الْقَسَمِ وَاللَّامِ لِلتَّأْكِيدِ، أَيْ وَاللَّهِ لَقَدْ أَبْصَرْتُهُ (يَنْزِلُ) بِفَتْحِ أَوَّلِهُ وَكَسْرِ ثَالِثِهِ، وَفِي رِوَايَةٍ: بِضَمِّ أَوَّلِهُ وَفَتْحِ ثَالِثِهِ (عَلَيْهِ الْوَحْيُ فِي الْيَوْمِ الشَّدِيدِ الْبَرْدِ) الشَّدِيدِ صِفَةٌ جَرَتْ عَلَى غَيْرِ مَنْ هِيَ لَهُ ; لِأَنَّهُ صِفَةُ الْبَرْدِ لَا الْيَوْمِ (فَيَفْصِمُ) بِفَتْحِ الْيَاءِ وَكَسْرِ الصَّادِ أَوْ بِضَمِّهَا وَكَسْرِ الصَّادِ، مِنْ أَفْصَمَ، رُبَاعِيٌّ، وَهِيَ لُغَةٌ قَلِيلَةٌ، أَوْ مَبْنِيٌّ لِلْمَجْهُولِ، رِوَايَاتٌ كَمَا مَرَّ، أَيْ يَقْلَعُ (عَنْهُ وَإِنَّ جَبِينَهُ لِيَتَفَصَّدُ) بِالْيَاءِ ثُمَّ التَّاءِ وَفَاءٍ وَصَادٍ مُهْمَلَةٍ ثَقِيلَةٍ، مِنَ الْفَصْدِ، وَهُوَ قَطْعُ الْعِرْقِ لِإِسَالَةِ الدَّمِ، شُبِّهَ جَبِينُهُ بِالْعِرْقِ الْمَفْصُودِ مُبَالَغَةً فِي الْكَثْرَةِ، أَيْ لَيَسِيلُ (عَرَقًا) تَمْيِيزٌ، زَادَ ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ هِشَامٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ عِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ: " وَإِنْ كَانَ لَيُوحَى إِلَيْهِ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ فَتَضْرِبُ جِرَانَهَا مِنْ ثِقَلِ مَا يُوحَى إِلَيْهِ "، وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى كَثْرَةِ مُعَانَاةِ التَّعَبِ وَالْكَرْبِ ثُمَّ نُزُولِ الْوَحْيِ لِمُخَالَفَةِ الْعَادَةِ، وَهُوَ كَثْرَةُ الْعَرَقِ فِي شِدَّةِ الْبَرْدِ فَيَشْعُرُ بِأَمْرٍ طَارِئٍ زَائِدٍ عَلَى الطِّبَاعِ الْبَشَرِيَّةِ.وَحَكَى الْعَسْكَرِيُّ فِي كِتَابِ التَّصْحِيفِ عَنْ بَعْضِ شُيُوخِهِ بِالْقَافِ مِنَ التَّقْصِيدِ، قَالَ الْعَسْكَرِيُّ: فَإِنْ ثَبَتَ مِنْ قَوْلِهِمْ تَقَصَّدَ الشَّيْءُ إِذَا تَكَسَّرَ وَتَقَطَّعَ، وَلَا يَخْفَى بُعْدُهُ، انْتَهَى.وَقَدْ وَقَعَ فِي هَذَا التَّصْحِيفِ أَبُو الْفَضْلِ بْنُ طَاهِرٍ فَرَدَّهُ عَلَيْهِ الْمُؤْتَمِنُ السَّاجِيُّ بِالْفَاءِ، فَأَصَرَّ عَلَى الْقَافِوَذَكَرَ الذَّهَبِيُّ عَنِ ابْنِ نَاصِرٍ أَنَّهُ رَدَّ عَلَى ابْنِ طَاهِرٍ لَمَّا قَرَأَهَا بِالْقَافِ، قَالَ: فَكَابَرَنِي، قُلْتُ: وَلَعَلَّهُ وَجَّهَهُ بِمَا قَالَ الْعَسْكَرِيُّوَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ عَنْ مَالِكٍ بِهِ، وَتَابَعَهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ وَغَيْرُهُ عَنْ هِشَامٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ
بِمَكَّةَ، وَكَانَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ، قَدِمَ الْمَدِينَةَ قَبْلَ أَنْ يُهَاجِرَ النَّبِيُّ عَلَى الْأَصَحِّ، وَقِيلَ بَعْدَ وَقْعَةِ بَدْرٍ بِقَلِيلٍوَرَوَى جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالنَّسَبِ وَالسِّيَرِ أَنَّهُ، صلى الله عليه وسلم، اسْتَخْلَفَهُ ثَلَاثَ عَشْرَةَ مَرَّةً، وَلَهُ حَدِيثٌ فِي السُّنَنِ، وَخَرَجَ إِلَى الْقَادِسِيَّةِ فَشَهِدَ الْقِتَالَ فَاسْتُشْهِدَ، وَقِيلَ بَلْ شَهِدَهَا وَرَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ فَمَاتَ بِهَا، وَلَمْ يُسْمَعْ لَهُ ذِكْرٌ بَعْدَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَفِيهِ نَزَلَ: {غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ} [النساء: ٩٥] (سُورَةُ النِّسَاءِ: الْآيَةُ ٩٥) كَمَا فِي الْبُخَارِيِّ وَ {عَبَسَ وَتَوَلَّى} [عبس: ١] (سُورَةُ عَبَسَ.: الْآيَةُ ١) (جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم بِمَكَّةَ (فَجَعَلَ يَقُولُ: يَا مُحَمَّدُ) قَبْلَ النَّهْيِ عَنْ نِدَائِهِ بِاسْمِهِ ; لِأَنَّهُ نَزَلَ بِالْمَدِينَةِ (اسْتَدْنِينِي) بِيَاءٍ بَيْنَ النُّونَيْنِ، وَرَوَاهُ ابْنُ وَضَّاحٍ: " اسْتَدْنِنِي " بِحَذْفِهَا، أَيْ أَشِرْ لِي إِلَى مَوْضِعٍ قَرِيبٍ مِنْكَ أَجْلِسُ فِيهِ (وَعِنْدَ النَّبِيِّ، صلى الله عليه وسلم، رَجُلٌ مِنْ عُظَمَاءِ) جَمْعُ عَظِيمٍ (الْمُشْرِكِينَ) وَهُوَ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ، رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى عَنْ أَنَسٍ، وَلِابْنِ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ، صلى الله عليه وسلم، يُنَاجِي عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ وَأَبَا جَهِلَ وَالْعَبَّاسَوَلَهُ مِنْ مُرْسَلِ قَتَادَةَ: وَهُوَ يُنَاجِي أُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ، وَحَكَى ذَلِكَ كُلَّهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَالْبَاجِيُّ خِلَافًا فِي تَفْسِيرِ الْمُبْهَمِ، وَزَادَ قَوْلًا أَنَّهُ شَيْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ (فَجَعَلَ النَّبِيُّ، صلى الله عليه وسلم، يُعْرِضُ عَنْهُ) ثِقَةً بِمَا فِي قَلْبِهِ مِنَ الْإِسْلَامِ، لَا سِيَّمَا وَالَّذِي طَلَبَهُ مِنَ التَّفَقُّهِ فِي الدِّينِ لَا يَفُوتُ.فَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: فَقَالَ: " «عَلِّمْنِي مِمَّا عَلَّمَكَ اللَّهُ فَأَعْرَضَ عَنْهُ» " (وَيُقْبِلُ عَلَى الْآخَرِ) رَجَاءَ إِسْلَامِهِ ; لِأَنَّهُ كَانَ يُحِبُّ إِسْلَامَ الْخَلْقِ، إِذْ هُوَ مَأْمُورٌ بِالْإِنْذَارِ وَبِالدُّعَاءِ إِلَى سَبِيلِ رَبِّهِ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ (وَيَقُولُ: يَا أَبَا فُلَانٍ) خَاطَبَهُ بِالْكُنْيَةِ اسْتِئْلَافًا (هَلْ تَرَى بِمَا أَقُولُ بَأْسًا؟ فَيَقُولُ: لَا وَالدِّمَاءِ) بِالْمَدِّ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: رِوَايَةُ طَائِفَةٍ عَنْ مَالِكٍ بِضَمِّ الدَّالِّ أَيِ الْأَصْنَامِ الَّتِي كَانُوا يَعْبُدُونَ وَيُعَظِّمُونَ وَاحِدَتُهَا دُمْيَةٌ، وَطَائِفَةٍ بِكَسْرِ الدَّالِّ أَيْ دِمَاءُ الْهَدَايَا الَّتِي كَانُوا يَذْبَحُونَهَا بِمِنًى لِآلِهَتِهِمْ، قَالَ تَوْبَةُ بْنُ الْحَيْرِ:عَلَيَّ دِمَاءُ الْبُدْنِ إِنْ كَانَ بَعْلُهَا … يَرَى لِي ذَنَبًا غَيْرَ أَنِّي أَزُورُهَاوَقَالَ آخَرُ:أَمَا وَدِمَاءِ الْمُزْجِيَاتِ إِلَى مِنًى … لَقَدْ كَفَرَتْ أَسْمَاءُ غَيْرَ كَفُورِ(مَا أَرَى بِمَا تَقُولُ بَأْسًا) شِدَّةً بَلْ هُوَ رُوحُ الْأَرْوَاحِ (فَأُنْزِلَتْ عَبَسَ وَتَوَلَّى) أَعْرَضَ (أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى) زَادَ أَبُو يَعْلَى عَنْ أَنَسٍ: " «فَكَانَ النَّبِيُّ، صلى الله عليه وسلم، بَعْدَ ذَلِكَ يُكْرِمُهُ» "، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " «فَكَانَ إِذَا نَظَرَ إِلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ مُقْبِلًا بَسَطَ إِلَيْهِ رِدَاءَهُ حَتَّى يُجْلِسَهُ عَلَيْهِ، وَكَانَ إِذَا خَرَجَ