فتح الباري بشرح البخاري - ط السلفية (ابن حجر العسقلاني) القسم: شروح الحديث الكتاب: فتح الباري بشرح البخاري المؤلف: أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (٧٧٣ - ٨٥٢ هـ)رقم كتبه وأبوابه وأحاديثه: محمد فؤاد عبد الباقي [ت ١٣٨٨ هـ]قام بإخراجه وتصحيح تجاربه: محب الدين الخطيب [ت ١٣٨٩ هـ]الناشر: المكتبة السلفية - مصر الطبعة: «السلفية الأولى»، ١٣٨٠ - ١٣٩٠ هـثم صورتها: عدة دور مثل دار المعرفة، وغيرهاعدد الأجزاء: ١٣ (بالإضافة للمقدمة هدي الساري في جزء منفصل يكمّل ١٤)[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]تاريخ النشر في راميشر: ١ يوليو ٢٠٢٦.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول اللهأما بعد فإنه لما قلت النسخ المطبوعة من فتح الباري في المكاتب التجارية وعز على القارئ تحصيله، رغب إليَّ جم غفير من القراء أن أتوسط في طبعه مرة أخرى على نفقة الراغبين في طبعه ليسهل تناوله، ويعم النفع به.وذلك لما لهذا الكتاب الجليل من المنزلة الرفيعة بين أهل العلم، لما اشتمل عليه من إيضاح ما أشكل في الجامع الصحيح، وتخريج ما فيه من الأحاديث والآثار المعلقة، وبيان كثير من مسائل الإجماع والخلاف المتعلقة بأحاديث الكتاب، والتنبيه على كثير من أوهام بعض شراح الجامع الصحيح وغيرهم، وغير ذلك من الفوائد الكثيرة، والفرائد النادرة التي اشتمل عليه هذا الشرح العظيم. فبادرت إلى تحقيق هذه الرغبة والمساهمة في إبراز هذا الكتاب العظيم الشأن إلى متناول أيدي القراء، وأعلنت ذلك في بعض الصحف المحلية وساهم في ذلك جم غفير من العلماء والقراء وغيرهم. ولما كانت الطبعات السابقة غير خالية من الأخطاء، رأيت من المصلحة العامة أن أجتهد في المقابلة والتصحيح لهذا الكتاب على ما أمكن من النسخ المعتمدة، وأن أعلق على بعض المواضع التي تمس الحاجة إلى التعليق عليها، حتى تكون إن شاء الله هذه الطبعة أكثر إتقانا وأكمل فائدة من الطبعات السابقة. وأخبرت فضيلة الشيخ أخينا محب الدين الخطيب بهذا العزم وطلبت منه أن يكون طبع هذا الكتاب في مطبعته المطبعة السلفية، فحبذ الفكرة ولبى الطلب ووعد بالاجتهاد في إبراز هذا الكتاب بالمظهر اللائق به، وشجع على مقابلته وتصحيحه قبل الطبع، فقبلت مشورته، واجتهدت في التماس نسخة خطية للمقابلة وتصحيح عليه مع الطبعة الأميرة المطبوعة ببولاق سنة ١٣٠٠ هـ لكونها أصح الطبعات السابقة.وبعد السؤال والتنقيب عن نسخ خطية أخبرني الشيخ عبد الرحمن بن محمد آل الشيخ بأن في مكتبة أبيه شيخنا الشيخ محمد بن الشيخ عبد اللطيف ابن الشيخ عبد الرحمن بن حسن ابن الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمهم الله قطعة كبيرة خطية من فتح الباري، فاستعرتها من فضيلته، فتفضل بذلك ضاعف الله ولأبيه المثوبة، فألفيت القطعة المذكورة في مجلدين ضخمين: أحدهما يبتدئ من أول الكتاب وينتهي إلى كتاب الزكاة، والثاني يبتدئ من الأضاحي وينتهي إلى أثناء شرح باب الصراط جسر جهنم وليس في المجلدين المذكورين تاريخ واضح لوقت كتابتهما ولكن ذُكر في المجلد الأول ما نصه: بلغ مقابلة على حسب الطاقة في يوم الجمعة في شهر ذي الحجة سنة ١٢٣٤ هـ كتبه عبد الله بن أحمد. وذُكر في أول المجلد المذكور ما نصه: وقف الإمام فيصل بن تركي. والناظر عليه الشيخ عبد الرحمن بن حسن، بشهادة الشيخين علي بن حسين ومحمد بن مقرن، وكتبه عبد الله بن جبر سنة ١٢٥٠ هـ انتهى
وقد بذلتُ كثيرا من الوسع في مقابلة المجلد الأول من الفتح على طبعة الأميرية، وبعد المقابلة على النسختين المذكورتين اتضح أن الطبعة الأميرية قليلة الأخطاء وأما النسخة الخطية فغير سليمة من الأخطاء ولكننا انتفعنا بها كثيرا في تصحيح الأخطاء الواقعة في الكتاب ولما كان أمر التصحيح عظيما ويحتاج إلى مجهود كبير استعنا في ذلك بنخبة طيبة متبرعة من طلبة العلم في المقابلة والتصحيح ومراجعة المراجع من كتب الحديث والرجال واللغة وغيرها عند الحاجة إليها، وبذلت الوسع في ذلك حرصا على تمام الفائدة للقراء، وإبراز هذا الكتاب على خير ما يرام. وحيث اتفقت النسختان الخطية والأميرية اعتمدنا ما فيهما، ما لم يتضح من المراجع المعتمدة أن الذي في النسخ خلاف الصواب، فإن اتضح ذلك اعتمدنا ما ظهر أنه الصواب، وذلك قليل جدا. ومتى اختلفت النسختان اعتمدنا ما دلت المراجع المعتمدة على أنه الصواب، وحيث اشتبه الصواب في ذلك أوضحنا ما في النسخة الخطية في الهامش وأشرنا إليها بحرفين «ن. خ». ومتى اشتبه شيء مما اتفقت عليه النسخ ولم يكن في المراجع المعتمدة مما يدل عليها أبقيناه بحاله وكتبنا في الحاشية ما نرجو أنه الصواب بلفظ كذا في النسخ ولعله كذا. وقد وجدنا للشارح رحمه الله أخطاء لا يحسن السكوت عليها، فكتبنا عليها تعليقا يتضمن تنبيه القارئ على الصواب وتحذير من الخطأوبعد الفراغ من مقابلة الجزء الأول وتصحيحه والتعليق عليه يسر الله نسخة خطية كاملة في بعض مكاتب جيزان، وإلى حين التاريخ لم تصل وسنقابل عليها مع النسختين المذكورتين بقية الكتاب إن شاء الله تعالى. وإذا يسر الله أصولا خطية أخرى فيما بعد فسنستفيد منها إن شاء الله في إخراج هذه الطبعة كما يليق بهذا الكتاب النفيس والله سبحانه المسؤول أن يجعل عملنا هذا موافقا للصواب، وأن يضاعف لنا ولمن ساعدنا عليه جزيل الثواب، وأن يعين على إتمامه على خير ما يرام إنه جواد كريم. وهو أكرم مسؤول وصلى الله على عبده ورسوله محمد، وعلى آله وصحبه وسلم حرر في ٢١ من شعبان سنة ١٣٧٩ هـعبد العزيز بن عبد الله بن باز
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي شرح صدور أهل الإسلام بالهدى، ونكت في قلوب أهل الطغيان فلا تعي الحكمة أبداً.وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إلهاً أحداً، فرداً صمداً.وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ما أكرمه عبداً وسيداً، وأعظمه أصلاً ومحتداً، وأطهره مضجعاً ومولداً، وأبهره صدراً ومورداً.صلى الله عليه وعلى آله وصحبه غيوث الندى، وليوث العدا، صلاة وسلاماً دائمين من اليوم إلى أن يبعث الناس غدا.أما بعد فقد آن الشروع فيما قصدت له من شرح الجامع الصحيح، على ما وعدت به في أول المقدمة(١)، وكنت عزمت على أن أسوق حديث الباب بلفظه قبل شرحه، ثم رأيت ذلك مما يطول به الكتاب جداً(٢) فسلكت الآن فيه طريقاً وسطى أرجوا نفعها، كافلة بما اطلعت عليه من ذلك، إذ لا يكلف الله نفساً إلا وسعها.وربما أعدت شيئاً مما تقدم في المقدمة(١) لمعنى يقتضيه، إما لبعد العهد به أو لغير ذلك، ولكن اعتمادي غالباً على الحوالة عليها، وسميته:فتح الباري، بشرح البخاري وقد رأيت أن أبدأ الشرح بأسانيدي إلى الأصل بالسماع أو بالإجازة، وأن أسوقها على نمط مخترع، فإني سمعت بعض الفضلاء يقول: الأسانيد أنساب الكتب، فأحببت أن أسوق هذه الأسانيد مساق الأنساب فأقول وبالله التوفيق:اتصلت لنا رواية البخاري عنه من طريق أبي عبد الله محمد بن يوسف بن مطر بن صالح بن بشر الفربري، وكانت وفاته في سنة عشرين وثلثمائة، وكان سماعه للصحيح مرتين: مرة بفربر سنة ثمان وأربعين، ومرة ببخارى سنة اثنتين وخمسين ومائتين.ومن طريق إبراهيم بن معقل بن الحجاج النسفي، وكان من الحفاظ وله تصانيف، وكانت وفاته سنة أربع وتسعين ومائتين، وكان فاته من الجامع أوراق رواها بالإجازة عن البخاري، نبه على ذلك أبو علي الجياني في تقييد المهمل.ومن طريق حماد بن شاكر النسوي، وأظنه مات في حدود التسعين، وله فيه فوت أيضاً.ومن رواية أبي طلحة منصور بن محمد بن علي قرينة بقاف ونون بوزن يسيرة البزدوي بفتح الموحدة وسكون الزاي، وكانت وفاته سنة تسع وعشرين وثلثمائة، وهو آخر من حدث عن البخاري بصحيحه، كما جزم به ابن ماكولا وغيره.وقد عاش بعده ممن سمع من البخاري القاضي الحسين بن إسماعيل المحاملي ببغداد، ولكن لم يكن عنده الجامع الصحيح، وإنما سمع منه مجالس أملاها ببغداد في آخر قدمة قدمها البخاري، وقد غلط من روى الصحيح من طريق المحاملي المذكور غلطاً فاحشاً.فصل: فأما رواية الفربري، فاتصلت إلينا عنه من طريق الحافظ أبي علي سعيد بن عثمان بن سعيد بن السكن، و الحافظ أبي إسحاق إبراهيم بن أحمد المستملي، و أبي نصر أحمد بن محمد الأخسيكتي، والفقيه أبي زيد محمد بن أحمد المروزي، و أبي علي محمد بن عمر بن شبويه، و أبي أحمد بن محمد الجرجاني، و أبي محمد عبد الله بن أحمد السرخسي، و أبي الهيثم محمد بن مكي الكشميهني، و أبي علي إسماعيل بن محمد بن أحمد بن حاجب الكشاني، وهو آخر من حدث(١) يعني كتابه (هدي الساري، بفتح الباري)(٢) ونحن قد حققنا ذلك في هذه الطبعة، فسقنا حديث الباب بلفظه قبل شرحه ليكون ذلك أعون على فهم الشرح والإلمام بمراميه، وأشرنا بالأرقام إلى أطراف كل حديث، وهي أجزاؤه المتفرقة في مواضع أخرى من صحيح البخاري
بالصحيح عن الفربري.فأما رواية ابن السكن، فرواها عنه عبد الله بن محمد بن أسد الجهني.وأما رواية المستملي، فرواها: الحافظ أبو ذر عبد الله بن أحمد الهروي و عبد الرحمن بن عبد الله الهمداني.وأما رواية الأخسيكتي، فرواها عنه: إسماعيل بن إسحاق بن إسماعيل الصفار الزاهد.وأما رواية أبي زيد، فرواها عنه: الحافظ أبو نعيم الأصبهاني، و الحافظ أبو محمد عبد الله بن إبراهيم الأصيلي، والإمام أبو الحسن علي بن محمد القابسي.وأما رواية أبي علي الشبوي، فرواها عنه: سعيد بن أحمد بن محمد الصيرفي العيار، و عبد الرحمن بن عبد الله الهمداني أيضاً.وأما رواية أبي أحمد الجرجاني، فرواها عنه: أبو نعيم و القابسي أيضاً.وأما رواية السرخسي: فرواها عنه: أبو ذر أيضاً، و ابو الحسن عبد الرحمن بن محمد بن المظفر الداودي.وأما رواية الكشميهني، فرواها عنه: أبو ذر أيضاً، و أبو سهل محمد بن أحمد الحفصي، و كريمة بنت أحمد المروزية.وأما راوية الكشاني، فرواها عنه: ابو العباس جعفر بن محمد المستغفري. فصلفأما رواية الجهني، عن ابن السكن، فأخبرنا بها أبو علي محمد بن أحمد بن علي بن عبد العزيز مشافهة، عن يحيى بن محمد بن سعد وآخرين، عن جعفر بن علي الهمداني، عن عبد الله بن عبد الرحمن الديباجي، عن عبد الله بن محمد بن محمد بن علي الباهلي قال: حدثنا الحافظ أبو علي الحسين بن محمد الجياني في كتاب تقييد المهمل له قال: أخبرني ب صحيح البخاري القاضي أبو عمر أحمد بن محمد بن يحيى بن الحذاء بقراءتي عليه وأبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر الحافظ إجازة قالا: حدثنا أبو محمد الجهني وكان ثقة ضابطاً بسنده.وأما رواية أبي ذر، عن شيوخه الثلاثة، فقرئ على ابي محمد عبد الله بن محمد، بن محمد بن سليمان المكي بها وأنا أسمع وأجاز لي ما فاتني منه قال: أنبأنا إمام المقام، أبو أحمد إبراهيم بن محمد بن أبي بكر الطبري، أنبأنا أبو القاسم عبد الرحمن بن أبي حرمي المكي سماعاً عليه بجميعه سوى من قوله: باب {وإلى مدين أخاهم شعيبا} إلى قوله: باب مبعث النبي صلى الله عليه وسلم فإجازة، أنبأنا أبو الحسن علي بن حميد بن عمار الطرابلسي أبنأنا أبو مكتوم عيسى بن الحافظ أبي ذر عبد الله بن أحمد الهروي، أنبأنا أبي.وأما رواية عبد الرحمن الهمداني، عن شيخه، فأخبرنا بها أبو حيان محمد بن جيان ابن العلامة أبي حيان إذناً مشافهة عن جده أبي حيان، عن أبي علي بن أبي الأحوص، عن أبي القاسم بن بقي(١)، عن شريح بن علي(٢) بن أحمد بن سعيد عن عبد الرحمن.وأما رواية إسماعيل، فبهذا السند إلى أبي حيان، أنبأنا أبو جعفر أحمد بن يوسف الطحالي، و يوسف بن إبراهيم بن أبي ريحانة المالقي إجازة منهما كلاهما، عن القاضي أبي عبد الله محمد بن أحمد بن محمد الأنصاري بن الهيثم(٣)، أنبأنا القاضي أبو سليمان داود بن الحسن(٤) الخالدي عنه، وأما رواية أبي نعيم، عن شيخه فأخبرنا بها علي بن محمد بن محمد الدمشقي مشافهة عن سلمان(٥) بن حمزة بن أبي عمر عن محمد بن عبد الهادي المقدسي، عن الحافظ أبي موسى محمد بن أبي بكر الدملي(٦)، أخبرنا أبو علي الحسن بن أحمد بن الحسن الحداد أنبأنا أبو نعيم.وأما رواية الأصيلي و القابسي، فبالإسناد الماضي إلى أبي علي الجياني، أنبأنا أبو شاكر عبد الواحد بن محمد بن وهب(٧) وغيره، عن الأصيلي و حاتم بن محمد الطرابلسي، عن القابسي.وبالإسناد الماضي إلى جعفر بن علي كتب إلى الحافظ أبي القاسم خلف بن بشكوال، أنبأنا عبد الرحمن بن محمد بن غياث، عن حاتم.وأما رواية سعيد العيار، فأخبرنا بها محمد بن علي بن محمد الدمشقي مشافهة، عن محمد بن يوسف بن الهتان(٨)، عن العلامة تقي الدين عثمان بن عبد الرحمن الشهرزوري، أنبأنا منصور بن عبد المنعم بن عبد الله بن محمد بن الفضل الرازي، أنبأنا محمد بن إسماعيل الفارسي سماعاً، وجد أبي محمد بن الفضل مشافهة، أنبأنا سعيد.وأما رواية الداودي، فهي أعلى الروايات لنا من حيث العدد، أخبرنا بها المشايخ: أبو محمد عبد الرحيم بن عبد الكريم بن عبد الوهاب الحموي، و أبو علي محمد بن محمد بن علي الجيزي، و أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد بن علي بن عبد الوهاب بن عبد المؤمن التعلي(٩)، و أبو الحسن علي بن(١) ن. خ: ابن تقي(٢) ن. خ: شريح بن محمد بن علي الخ(٣) ن. خ: بن اليتيم(٤) ن. خ: داود بن محمد بن الحسن الخ(٥) ن. خ: سليمان(٦) ن. خ: المدني(٧) ن. خ: بن موهب(٨) ن. خ: بن المهتار(٩) ن. خ: البعلي
محمد بن محمد الجوزي، قال الأولان: أخبرنا أبو العباس أحمد بن أبي طالب، بن أبي النعم نعمة بن الحسن بن علي، بن بيان الصالحي، وست الوزراء، وزيرة بنت محمد بن عمر بن أسعد بن المنجا التنوخية.وقال أبو إسحاق: أنبأنا أحمد بن أبي طالب بن نعمة، وقال علي: قرئ على ست الوزراء وأنا أسمع، وكتب إلي سليمان بن حمزة بن أبي عمر وعيسى بن عبد الرحمن بن معالي، وأبو بكر بن أحمد بن عبد الدائم، قال الخمسة: أنبأنا أبو عبد الله الحسين بن المبارك بن محمد بن يحيى الزبيدي سماعاً، وقالوا: سوى المرأة كتب إلينا أبو الحسن محمد بن أحمد بن عمر القطيعي، و أبو الحسن علي بن أبي بكر روزبه القلانسي، زاد سليمان ومحمد بن زهير شعرانة(١) وثابت بن محمد الخجندني، ومحمد بن عبد الواحد المديني، قالوا: أنبأنا ابو الوقت عبد الأول بن عيسى بن شعيب الهروي عنه.وأما رواية الحفصي، فبالإسناد الماضي إلى منصور، انبأنا أبو بكر وجيه بن طاهر، وعبد الوهاب بن شاه الشاذياخي، سماعاً وجد أبي محمد بن الفضل الصاعدي إجازة، قالوا: أنبأنا الحفصي.وأما رواية كريمة، فأخبرنا بها: الحافظ أبو الفضل عبد الرحيم بن الحسين العراقي، سماعاً عليه لبعضه، وإجازة لسائره، أنبأنا أبو علي عبد الرحيم بن عبد الله الأنصاري، أنبأنا المعين بن علي بن يوسف الدمشقي، وإسماعيل بن عبد القوي بن عزون وعثمان بن عبد الرحمن بن رشيق سماعاً، سوى من باب المسافر إذا وجد به السير في أواخر كتاب الحج، إلى آخر كتاب الحج ومن باب ما يجوز من الشروط في المكاتب، إلى باب الشروط في الكتابة، ومن باب غزو المرأة في البحر، من كتاب الجهاد، إلى باب دعاء النبي صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام منه، فإجازة منهم ومن الحافظ رشيد الدين أبي الحسين يحيى بن علي العطار لجميعه قالوا: أخبرنا ابو القاسم هبة الله بن علي بن مسعود البوصيري، أنبأنا أبو عبد الله محمد بن بركات النحوي السعدي عنها.وأما رواية المستغفري، فبالإسناد الماضي إلى أبي الحسن بن أحمد عنه. فصلوأما رواية إبراهيم بن معقل فبالإسناد إلى أبي علي الجياني، أنبأنا الحكم بن محمد: أنبأنا ابو الفضل عيسى بن أبي عمران الهروي سماعاً لبعضه، وإجازة لباقيه، أنبأنا أبو صالح خلف بن محمد بن إسماعيل البخاري عنه.وأما رواية حماد بن شاكر، فأخبرنا بها أحمد بن أبي بكر بن عبد الحميد في كتابه، عن أبي الربيع بن أبي طاهر بن قدامة، عن الحسن ابن السيد العلوي، عن أبي الفضل بن ناصر الحافظ، عن أبي بكر أحمد بن علي بن خلف، عن الحاكم أبي عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ، عن أحمد بن محمد بن رميح النسوي عنه.وأما رواية أبي طلحة البزدوي، فبالسند إلى المستغفري أنبأنا أحمد بن عبد العزيز عنه.وقد انتهى الغرض الذي أردته، من التوصل الذي أوردته، فليقع الشروع في الشرح والإقتصار على أتقن الروايات عندنا، وهي: رواية أبي ذر عن مشايخه الثلاثة، لضبطه لها وتمييزه لاختلاف سياقها، مع التنبيه إلى ما يحتاج إليه مما يخالفها، وبالله تعالى التوفيق، وهو المسوؤل أن يعينني على السير في أقوم طريق.(١) ن. خ: شعوانة
بسم الله الرحمن الرحيم ١ - كِتَاب بدْءِ الْوحْيِقَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْحَافِظُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمُغِيرَةِ الْبُخَارِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى آمِينَ. ١ - باب كَيْفَ كَانَ بَدْءُ الْوَحْيِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَقَوْلُ اللَّهِ جَلَّ ذِكْرُهُ {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ}قَالَ الْبُخَارِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَرَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -:(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، كَيْفَ كَانَ بَدْءُ الْوَحْيِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم) هَكَذَا فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ، وَالْأَصِيلِيِّ بِغَيْرِ بَابٍ وَثَبَتَ فِي رِوَايَةِ غَيْرِهِمَا، فَحَكَى عِيَاضٌ وَمَنْ تَبِعَهُ فِيهِ التَّنْوِينَ وَتَرْكَهُ، وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: يَجُوزُ فِيهِ الْإِسْكَانُ عَلَى سَبِيلِ التَّعْدَادِ لِلْأَبْوَابِ، فَلَا يَكُونُ لَهُ إِعْرَابٌ. وَقَدِ اعْتُرِضَ عَلَى الْمُصَنِّفِ لِكَوْنِهِ لَمْ يَفْتَتِحِ الْكِتَابَ بِخُطْبَةٍ تُنْبِئُ عَنْ مَقْصُودِهِ مُفْتَتَحَةٍ بِالْحَمْدِ وَالشَّهَادَةِ امْتِثَالًا لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِحَمْدِ اللَّهِ فَهُوَ أَقْطَعُ وَقَوْلِهِ كُلُّ خُطْبَةٍ لَيْسَ فِيهَا شَهَادَةٌ فَهِيَ كَالْيَدِ الْجَذْمَاءِ أَخْرَجَهُمَا أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ.وَالْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ أَنَّ الْخُطْبَةَ لَا يَتَحَتَّمُ فِيهَا سِيَاقٌ وَاحِدٌ يَمْتَنِعُ الْعُدُولُ عَنْهُ، بَلِ الْغَرَضُ مِنْهَا الِافْتِتَاحُ بِمَا يَدُلُّ عَلَى الْمَقْصُودِ، وَقَدْ صَدَّرَ الْكِتَابَ بِتَرْجَمَةِ بَدْءِ الْوَحْيِ وَبِالْحَدِيثِ الدَّالِّ عَلَى مَقْصُودِهِ الْمُشْتَمِلِ عَلَى أَنَّ الْعَمَلَ دَائِرٌ مَعَ النِّيَّةِ فَكَأَنَّهُ يَقُولُ: قَصَدْتُ جَمْعَ وَحْيِ السُّنَّةِ الْمُتَلَقَّى عَنْ خَيْرِ الْبَرِيَّةِ عَلَى وَجْهٍ سَيَظْهَرُ حُسْنُ عَمَلِي فِيهِ مِنْ قَصْدِي، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَاكْتَفَى بِالتَّلْوِيحِ عَنِ التَّصْرِيحِ. وَقَدْ سَلَكَ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ فِي مُعْظَمِ تَرَاجِمِ هَذَا الْكِتَابِ عَلَى مَا سَيَظْهَرُ بِالِاسْتِقْرَاءِ.وَالْجَوَابُ عَنِ الثَّانِي أَنَّ الْحَدِيثَيْنِ لَيْسَا عَلَى شَرْطِهِ، بَلْ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا مَقَالٌ. سَلَّمْنَا صَلَاحِيَّتَهُمَا لِلْحُجَّةِ لَكِنْ لَيْسَ فِيهِمَا أَنَّ ذَلِكَ يَتَعَيَّنُ بِالنُّطْقِ وَالْكِتَابَةِ مَعًا، فَلَعَلَّهُ حَمِدَ وَتَشَهَّدَ نُطْقًا عِنْدَ وَضْعِ الْكِتَابِ وَلَمْ يَكْتُبْ ذَلِكَ اقْتِصَارًا عَلَى الْبَسْمَلَةِ لِأَنَّ الْقَدْرَ الَّذِي يَجْمَعُ الْأُمُورَ الثَّلَاثَةَ ذِكْرُ اللَّهِ وَقَدْ حَصَلَ بِهَا، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ أَوَّلَ شَيْءٍ نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} فَطَرِيقُ التَّأَسِّي بِهِ الِافْتِتَاحُ بِالْبَسْمَلَةِ وَالِاقْتِصَارُ عَلَيْهَا، لَا سِيَّمَا وَحِكَايَةُ ذَلِكَ مِنْ جُمْلَةِ مَا تَضَمَّنَهُ هَذَا الْبَابُ الْأَوَّلُ، بَلْ هُوَ الْمَقْصُودُ بِالذَّاتِ مِنْ أَحَادِيثِهِ. وَيُؤَيِّدُهُ أَيْضًا وُقُوعُ كُتُبِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى الْمُلُوكِ وَكُتُبِهِ فِي الْقَضَايَا مُفْتَتَحَةً بِالتَّسْمِيَةِ دُونَ حَمْدَلَةٍ وَغَيْرِهَا كَمَا سَيَأْتِي فِي حَدِيثِ أَبِي سُفْيَانَ فِي قِصَّةِ هِرَقْلَ فِي هَذَا الْبَابِ، وَكَمَا سَيَأْتِي فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ فِي قِصَّةِ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو فِي صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَحَادِيثِ. وَهَذَا يُشْعِرُ بِأَنَّ لَفْظَ الْحَمْدِ وَالشَّهَادَةِ إِنَّمَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي الْخُطَبِ دُونَ الرَّسَائِلِ وَالْوَثَائِقِ، فَكَأَنَّ الْمُصَنِّفَ لَمَّا لَمْ يَفْتَتِحْ كِتَابَهُ بِخُطْبَةٍ أَجْرَاهُ مَجْرَى الرَّسَائِلِ إِلَى أَهْلِ الْعِلْمِ لِيَنْتَفِعُوا بِمَا فِيهِ تَعَلُّمًا وَتَعْلِيمًا.وَقَدْ أَجَابَ مَنْ شَرَحَ هَذَا الْكِتَابَ بِأَجْوِبَةٍ أُخَرَ فِيهَا نَظَرٌ، مِنْهَا أَنَّهُ تَعَارَضَ عِنْدَهُ الِابْتِدَاءُ بِالتَّسْمِيَةِ وَالْحَمْدَلَةِ، فَلَوِ ابْتَدَأَ بِالْحَمْدَلَةِ لَخَالَفَ الْعَادَةَ، أَوْ بِالتَّسْمِيَةِ لَمْ يُعَدَّ مُبْتَدِئًا بِالْحَمْدَلَةِ فَاكْتَفَى بِالتَّسْمِيَةِ. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَوْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا لَكَانَ مُبْتَدِئًا بِالْحَمْدَلَةِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا بَعْدَ التَّسْمِيَةِ، وَهَذِهِ هِيَ النُّكْتَةُ فِي حَذْفِ الْعَاطِفِ فَيَكُونُ أَوْلَى لِمُوَافَقَتِهِ الْكِتَابَ الْعَزِيزَ، فَإِنَّ الصَّحَابَةَ افْتَتَحُوا كِتَابَةَ الْإِمَامِ الْكَبِيرِ بِالتَّسْمِيَةِ وَالْحَمْدِ وَتَلَوْهَا، وَتَبِعَهُمْ جَمِيعُ مَنْ كَتَبَ الْمُصْحَفَ بَعْدَهُمْ فِي جَمِيعِ الْأَمْصَارِ، مَنْ يَقُولُ بِأَنَّ الْبَسْمَلَةَ آيَةٌ مِنْ أَوَّلِ الْفَاتِحَةِ، وَمَنْ لَا يَقُولُ ذَلِكَ، وَمِنْهَا أَنَّهُ رَاعَى قَوْلَهُ تَعَالَى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} فَلَمْ يُقَدِّمْ عَلَى كَلَامِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ شَيْئًا وَاكْتَفَى بِهَا عَنْ كَلَامِ نَفْسِهِ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ كَانَ يُمْكِنُهُ أَنْ يَأْتِيَ بِلَفْظِ الْحَمْدِ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى، وَأَيْضًا فَقَدْ قَدَّمَ التَّرْجَمَةَ وَهِيَ مِنْ كَلَامِهِ عَلَى الْآيَةِ، وَكَذَا سَاقَ السَّنَدَ قَبْلَ لَفْظِ الْحَدِيثِ، وَالْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ التَّرْجَمَةَ وَالسَّنَدَ وَإِنْ كَانَا مُتَقَدِّمَيْنِ لَفْظًا لَكِنَّهُمَا مُتَأَخِّرَانِ تَقْدِيرًا فِيهِ نَظَرٌ.
وَأَبْعَدُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ قَوْلُ مَنِ ادَّعَى أَنَّهُ ابْتَدَأَ بِخُطْبَةٍ فِيهَا حَمْدٌ وَشَهَادَةٌ، فَحَذَفَهَا بَعْضُ مَنْ حَمَلَ عَنْهُ الْكِتَابَ.وَكَأَنَّ قَائِلَ هَذَا مَا رَأَى تَصَانِيفَ الْأَئِمَّةِ مِنْ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ وَشُيُوخِ شُيُوخِهِ وَأَهْلِ عَصْرِهِ كَمَالِكٍ فِي الْمُوَطَّأِ، وَعَبْدِ الرَّزَّاقِ فِي الْمُصَنَّفِ، وَأَحْمَدَ فِي الْمُسْنَدِ، وَأَبِي دَاوُدَ فِي السُّنَنِ إِلَى مَا لَا يُحْصَى مِمَّنْ لَمْ يُقَدِّمْ فِي ابْتِدَاءِ تَصْنِيفِهِ خُطْبَةً، وَلَمْ يَزِدْ عَلَى التَّسْمِيَةِ، وَهُمُ الْأَكْثَرُ، وَالْقَلِيلُ مِنْهُمْ مَنِ افْتَتَحَ كِتَابَهُ بِخُطْبَةٍ، أَفَيُقَالُ فِي كُلٍّ مِنْ هَؤُلَاءِ إِنَّ الرُّوَاةَ عَنْهُ حَذَفُوا ذَلِكَ؟ كَلَّا، بَلْ يُحْمَلُ ذَلِكَ مِنْ صَنِيعِهِمْ عَلَى أَنَّهُمْ حَمِدُوا لَفْظًا. وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَاهُ الْخَطِيبُ فِي الْجَامِعِ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ كَانَ يَتَلَفَّظُ بِالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إِذَا كَتَبَ الْحَدِيثَ وَلَا يَكْتُبُهَا، وَالْحَامِلُ لَهُ عَلَى ذَلِكَ إِسْرَاعٌ أَوْ غَيْرُهُ، أَوْ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُمْ رَأَوْا ذَلِكَ مُخْتَصًّا بِالْخُطَبِ دُونَ الْكُتُبِ كَمَا تَقَدَّمَ ; وَلِهَذَا مَنِ افْتَتَحَ كِتَابَهُ مِنْهُمْ بِخُطْبَةٍ حَمِدَ وَتَشَهَّدَ كَمَا صَنَعَ مُسْلِمٌ، وَاللَّهُ سبحانه وتعالى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. وَقَدِ اسْتَقَرَّ عَمَلُ الْأَئِمَّةِ الْمُصَنِّفِينَ عَلَى افْتِتَاحِ كُتُبِ الْعِلْمِ بِالْبَسْمَلَةِ وَكَذَا مُعْظَمُ كُتُبِ الرَّسَائِلِ، وَاخْتَلَفَ الْقُدَمَاءُ فِيمَا إِذَا كَانَ الْكِتَابُ كُلُّهُ شِعْرًا فَجَاءَ عَنِ الشَّعْبِيِّ مَنْعُ ذَلِكَ، وَعَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: مَضَتِ السُّنَّةُ أَنْ لَا يُكْتَبَ فِي الشِّعْرِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ جَوَازُ ذَلِكَ وَتَابَعَهُ عَلَى ذَلِكَ الْجُمْهُورُ، وَقَالَ الْخَطِيبُ: هُوَ الْمُخْتَارُ.قَوْلُهُ: (بَدْءُ الْوَحْيِ) قَالَ عِيَاضٌ: رُوِيَ بِالْهَمْزِ مَعَ سُكُونِ الدَّالِ مِنَ الِابْتِدَاءِ، وَبِغَيْرِ هَمْزٍ مَعَ ضَمِّ الدَّالِ وَتَشْدِيدِ الْوَاوِ مِنَ الظُّهُورِ. قُلْتُ: وَلَمْ أَرَهُ مَضْبُوطًا فِي شَيْءٍ مِنَ الرِّوَايَاتِ الَّتِي اتَّصَلَتْ لَنَا، إِلَّا أَنَّهُ وَقَعَ فِي بَعْضِهَا كَيْفَ كَانَ ابْتِدَاءُ الْوَحْيِ، فَهَذَا يُرَجِّحُ الْأَوَّلَ، وَهُوَ الَّذِي سَمِعْنَاهُ مِنْ أَفْوَاهِ الْمَشَايِخِ. وَقَدِ اسْتَعْمَلَ الْمُصَنِّفُ هَذِهِ الْعِبَارَةَ كَثِيرًا، كَبَدْءِ الْحَيْضِ وَبَدْءِ الْأَذَانِ وَبَدْءِ الْخَلْقِ.وَالْوَحْيُ لُغَةً: الْإِعْلَامُ فِي خَفَاءٍ، وَالْوَحْيُ أَيْضًا: الْكِتَابَةُ وَالْمَكْتُوبُ وَالْبَعْثُ وَالْإِلْهَامُ وَالْأَمْرُ وَالْإِيمَاءُ وَالْإِشَارَةُ وَالتَّصْوِيتُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ. وَقِيلَ: أَصْلُهُ التَّفْهِيمُ، وَكُلُّ مَا دَلَّلْتَ بِهِ مِنْ كَلَامٍ أَوْ كِتَابَةٍ أَوْ رِسَالَةٍ أَوْ إِشَارَةٍ فَهُوَ وَحْيٌ. وَشَرْعًا: الْإِعْلَامُ بِالشَّرْعِ. وَقَدْ يُطْلَقُ الْوَحْيُ وَيُرَادُ بِهِ اسْمُ الْمَفْعُولِ مِنْهُ، أَيِ الْمُوحَى، وَهُوَ كَلَامُ اللَّهِ الْمُنَزَّلُ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَقَدِ اعْتَرَضَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ التَّيْمِيُّ عَلَى هَذِهِ التَّرْجَمَةِ فَقَالَ: لَوْ قَالَ: كَيْفَ كَانَ الْوَحْيُ، لَكَانَ أَحْسَنَ ; لِأَنَّهُ تَعَرَّضَ فِيهِ لِبَيَانِ كَيْفِيَّةِ الْوَحْيِ، لَا لِبَيَانِ كَيْفِيَّةِ بَدْءِ الْوَحْيِ فَقَطْ. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ بَدْءِ الْوَحْيِ حَالُهُ مَعَ كُلِّ مَا يَتَعَلَّقُ بِشَأْنِهِ أَيَّ تَعَلُّقٍ كَانَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.قَوْلُهُ: (وَقَوْلُ اللَّهِ) هُوَ بِالرَّفْعِ عَلَى حَذْفِ الْبَابِ عَطْفًا عَلَى الْجُمْلَةِ لِأَنَّهَا فِي مَحَلِّ رَفْعٍ، وَكَذَا عَلَى تَنْوِينِ بَابٍ. وَبِالْجَرِّ عَطْفًا عَلَى كَيْفَ وَإِثْبَاتِ بَابٍ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ، وَالتَّقْدِيرُ: بَابُ مَعْنَى قَوْلِ اللَّهِ كَذَا، أَوْ الِاحْتِجَاجِ بِقَوْلِ اللَّهِ كَذَا، وَلَا يَصِحُّ تَقْدِيرُ كَيْفِيَّةِ قَوْلِ اللَّهِ، لِأَنَّ كَلَامَ اللَّهِ لَا يُكَيَّفُ، قَالَهُ عِيَاضٌ، وَيَجُوزُ رَفْعُ وَقَوْلُ اللَّهِ عَلَى الْقَطْعِ وَغَيْرِهِ.قَوْلُهُ: {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ} الْآيَةَ) قِيلَ قَدَّمَ ذِكْرَ نُوحٍ فِيهَا لِأَنَّهُ أَوَّلُ نَبِيٍّ أُرْسِلَ، أَوْ أَوَّلُ نَبِيٍّ عُوقِبَ قَوْمُهُ، فَلَا يَرِدُ كَوْنُ آدَمَ أَوَّلَ الْأَنْبِيَاءِ مُطْلَقًا، كَمَا سَيَأْتِي بَسْطُ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ. وَمُنَاسَبَةُ الْآيَةِ لِلتَّرْجَمَةِ وَاضِحٌ مِنْ جِهَةِ أَنَّ صِفَةَ الْوَحْيِ إِلَى نَبِيِّنَا صلى الله عليه وسلم تُوَافِقُ صِفَةَ الْوَحْيِ إِلَى مَنْ تَقَدَّمَهُ مِنَ النَّبِيِّينَ، وَمِنْ جِهَةِ أَنَّ أَوَّلَ أَحْوَالِ النَّبِيِّينَ فِي الْوَحْيِ بِالرُّؤْيَا، كَمَا رَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الدَّلَائِلِ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ قَيْسٍ صَاحِبِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: إِنَّ أَوَّلَ مَا يُؤْتَى بِهِ الْأَنْبِيَاءُ فِي الْمَنَامِ حَتَّى تَهْدَأَ قُلُوبُهُمْ، ثُمَّ يَنْزِلُ الْوَحْيُ بَعْدُ فِي الْيَقَظَةِ.١ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ قَالَ أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيُّ أَنَّهُ سَمِعَ عَلْقَمَةَ بْنَ وَقَّاصٍ اللَّيْثِيَّ يَقُولُ سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رضي الله عنه عَلَى الْمِنْبَرِ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ[الحديث ١ - أطرافه في: ٥٤، ٢٥٢٩، ٣٨٩٨، ٥٠٧٠، ٦٦٨٩، ٦٩٥٣]
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ) هُوَ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ بْنِ عِيسَى، مَنْسُوبٌ إِلَى حُمَيْدِ بْنِ أُسَامَةَ بَطْنٍ مِنْ بَنِي أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قُصَيٍّ رَهْطِ خَدِيجَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، يَجْتَمِعُ مَعَهَا فِي أَسَدٍ وَيَجْتَمِعُ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي قُصَيٍّ. وَهُوَ إِمَامٌ كَبِيرٌ مُصَنِّفٌ، رَافَقَ الشَّافِعِيَّ فِي الطَّلَبِ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ وَطَبَقَتِهِ وَأَخَذَ عَنْهُ الْفِقْهَ وَرَحَلَ مَعَهُ إِلَى مِصْرَ، وَرَجَعَ بَعْدَ وَفَاتِهِ إِلَى مَكَّةَ إِلَى أَنْ مَاتَ بِهَا سَنَةَ تِسْعَ عَشْرَةَ وَمِائَتَيْنِ. فَكَأَنَّ الْبُخَارِيَّ امْتَثَلَ قَوْلَهُ صلى الله عليه وسلم قَدِّمُوا قُرَيْشًا فَافْتَتَحَ كِتَابَهُ بِالرِّوَايَةِ عَنِ الْحُمَيْدِيِّ لِكَوْنِهِ أَفْقَهَ قُرَشِيٍّ أَخَذَ عَنْهُ. وَلَهُ مُنَاسَبَةٌ أُخْرَى لِأَنَّهُ مَكِّيٌّ كَشَيْخِهِ فَنَاسَبَ أَنْ يُذْكَرَ فِي أَوَّلِ تَرْجَمَةِ بَدْءِ الْوَحْيِ لِأَنَّ ابْتِدَاءَهُ كَانَ بِمَكَّةَ، وَمِنْ ثَمَّ ثَنَّى بِالرِّوَايَةِ عَنْ مَالِكٍ لِأَنَّهُ شَيْخُ أَهْلِ الْمَدِينَةَ وَهِيَ تَالِيَةٌ لِمَكَّةَ فِي نُزُولِ الْوَحْيِ وَفِي جَمِيعِ الْفَضْلِ، وَمَالِكٌ، وَابْنُ عُيَيْنَةَ قَرِينَانِ، قَالَ الشَّافِعِيُّ: لَوْلَاهُمَا لَذَهَبَ الْعِلْمُ مِنَ الْحِجَازِ.قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ بْنِ أَبِي عِمْرَانَ الْهِلَالِيُّ أَبُو مُحَمَّدٍ الْمَكِّيُّ، أَصْلُهُ وَمَوْلِدُهُ الْكُوفَةُ، وَقَدْ شَارَكَ مَالِكًا فِي كَثِيرٍ مِنْ شُيُوخِهِ وَعَاشَ بَعْدَهُ عِشْرِينَ سَنَةً، وَكَانَ يَذْكُرُ أَنَّهُ سَمِعَ مِنْ سَبْعِينَ مِنَ التَّابِعِينَ.قَوْلُهُ: (عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) فِي رِوَايَةِ غَيْرِ أَبِي ذَرٍّ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ. اسْمُ جَدِّهِ قَيْسُ بْنُ عَمْرٍو وَهُوَ صَحَابِيٌّ، وَيَحْيَى مِنْ صِغَارِ التَّابِعِينَ، وَشَيْخُهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ خَالِدٍ التَّيْمِيُّ مِنْ أَوْسَاطِ التَّابِعِينَ، وَشَيْخُ مُحَمَّدٍ، عَلْقَمَةُ بْنُ وَقَّاصٍ اللَّيْثِيُّ مِنْ كِبَارِهِمْ، فَفِي الْإِسْنَادِ ثَلَاثَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ فِي نَسَقٍ. وَفِي الْمَعْرِفَةِ لِابْنِ مَنْدَهْ مَا ظَاهِرُهُ أَنَّ عَلْقَمَةَ صَحَابِيٌّ، فَلَوْ ثَبَتَ لَكَانَ فِيهِ تَابِعِيَّانِ وَصَحَابِيَّانِ، وَعَلَى رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ يَكُونُ قَدِ اجْتَمَعَ فِي هَذَا الْإِسْنَادِ أَكْثَرُ الصِّيَغِ الَّتِي يَسْتَعْمِلُهَا الْمُحَدِّثُونَ، وَهِيَ التَّحْدِيثُ وَالْإِخْبَارُ وَالسَّمَاعُ وَالْعَنْعَنَةُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.وَقَدِ اعْتُرِضَ عَلَى الْمُصَنِّفِ فِي إِدْخَالِهِ حَدِيثَ الْأَعْمَالِ هَذَا فِي تَرْجَمَةِ بَدْءِ الْوَحْيِ وَأَنَّهُ لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِهِ أَصْلًا، بِحَيْثُ إِنَّ الْخَطَّابِيَّ فِي شَرْحِهِ وَالْإِسْمَاعِيلِيَّ فِي مُسْتَخْرَجِهِ أَخْرَجَاهُ قَبْلَ التَّرْجَمَةِ لِاعْتِقَادِهِمَا أَنَّهُ إِنَّمَا أَوْرَدَهُ لِلتَّبَرُّكِ بِهِ فَقَطْ، وَاسْتَصْوَبَ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ مَنْدَهْ صَنِيعَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ فِي ذَلِكَ، وَقَالَ ابْنُ رَشِيدٍ: لَمْ يَقْصِدِ الْبُخَارِيُّ بِإِيرَادِهِ سِوَى بَيَانِ حُسْنِ نِيَّتِهِ فِيهِ فِي هَذَا التَّأْلِيفِ، وَقَدْ تُكُلِّفَتْ مُنَاسَبَتُهُ لِلتَّرْجَمَةِ، فَقَالَ: كُلٌّ بِحَسَبِ مَا ظَهَرَ لَهُ. انْتَهَى. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُ أَرَادَ أَنْ يُقِيمَهُ مَقَامَ الْخُطْبَةِ لِلْكِتَابِ ; لِأَنَّ فِي سِيَاقِهِ أَنَّ عُمَرَ قَالَهُ عَلَى الْمِنْبَرِ بِمَحْضَرِ الصَّحَابَةِ، فَإِذَا صَلَحَ أَنْ يَكُونَ فِي خُطْبَةِ الْمِنْبَرِ صَلَحَ أَنْ يَكُونَ فِي خُطْبَةِ الْكُتُبِ. وَحَكَى الْمُهَلَّبُ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم خَطَبَ بِهِ حِينَ قَدِمَ الْمَدِينَةَ مُهَاجِرًا، فَنَاسَبَ إِيرَادَهُ فِي بَدْءِ الْوَحْيِ ; لِأَنَّ الْأَحْوَالَ الَّتِي كَانَتْ قَبْلَ الْهِجْرَةِ كَانَتْ كَالْمُقَدِّمَةِ لَهَا لِأَنَّ بِالْهِجْرَةِ افْتُتِحَ الْإِذْنُ فِي قِتَالِ الْمُشْرِكِينَ، وَيَعْقُبُهُ النَّصْرُ وَالظَّفَرُ وَالْفَتْحُ انْتَهَى.وَهَذَا وَجْهٌ حَسَنٌ، إِلَّا أَنَّنِي لَمْ أَرَ مَا ذَكَرَهُ - مِنْ كَوْنِهِ صلى الله عليه وسلم خَطَبَ بِهِ أَوَّلَ مَا هَاجَرَ - مَنْقُولًا. وَقَدْ وَقَعَ فِي بَابِ تَرْكِ الْحِيَلِ بِلَفْظِ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ الْحَدِيثَ، فَفِي هَذَا إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّهُ كَانَ فِي حَالِ الْخُطْبَةِ، أَمَّا كَوْنُهُ كَانَ فِي ابْتِدَاءِ قُدُومِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلَمْ أَرَ مَا يَد لُّ عَلَيْهِ، وَلَعَلَّ قَائِلَهُ اسْتَنَدَ إِلَى مَا رُوِيَ فِي قِصَّةِ مُهَاجِرِ أُمِّ قَيْسٍ، قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: نَقَلُوا أَنَّ رَجُلًا هَاجَرَ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ لَا يُرِيدُ بِذَلِكَ فَضِيلَةَ الْهِجْرَةِ وَإِنَّمَا هَاجَرَ لِيَتَزَوَّجَ امْرَأَةً تُسَمَّى أُمَّ قَيْسٍ، فَلِهَذَا خُصَّ فِي الْحَدِيثِ ذِكْرُ الْمَرْأَةِ دُونَ سَائِرِ مَا يُنْوَى بِهِ، انْتَهَى. وَهَذَا لَوْ صَحَّ لَمْ يَسْتَلْزِمِ الْبَدَاءَةَ بِذِكْرِهِ أَوَّلَ الْهِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ.وَقِصَّةُ مُهَاجِرِ أُمِّ قَيْسٍ رَوَاهَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ - هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ - قَالَ: مَنْ هَاجَرَ يَبْتَغِي شَيْئًا فَإِنَّمَا لَهُ ذَلِكَ، هَاجَرَ رَجُلٌ لِيَتَزَوَّجَ امْرَأَةً يُقَالُ لَهَا أُمُّ قَيْسٍ فَكَانَ يُقَالُ لَهُ مُهَاجِرُ أُمِّ قَيْسٍ وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنِ الْأَعْمَشِ بِلَفْظِ: كَانَ فِينَا رَجُلٌ خَطَبَ امْرَأَةً يُقَالُ لَهَا أُمُّ قَيْسٍ فَأَبَتْ أَنْ تَتَزَوَّجَهُ حَتَّى يُهَاجِرَ فَهَاجَرَ فَتَزَوَّجَهَا، فَكُنَّا نُسَمِّيهِ مُهَاجِرَ أُمِّ قَيْسٍ. وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، لَكِنْ لَيْسَ فِيهِ أَنَّ حَدِيثَ الْأَعْمَالِ سِيقَ بِسَبَبِ ذَلِكَ، وَلَمْ أَرَ فِي شَيْءٍ مِنَ الطُّرُقِ مَا يَقْتَضِي التَّصْرِيحَ بِذَلِكَ. وَأَيْضًا فَلَوْ أَرَادَ الْبُخَارِيُّ إِقَامَتَهُ مَقَامَ الْخُطْبَةِ فَقَطْ أَوْ الِابْتِدَاءَ بِهِ تَيَمُّنًا وَتَرْغِيبًا فِي الْإِخْلَاصِ لَكَانَ سَاقَهُ قَبْلَ التَّرْجَمَةِ كَمَا قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ وَغَيْرُهُ. وَنَقَلَ ابْنُ بَطَّالٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ النَّجَّارِ قَالَ: التَّبْوِيبُ يَتَعَلَّقُ بِالْآيَةِ وَالْحَدِيثِ مَعًا ; لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْحَى إِلَى الْأَنْبِيَاءِ ثُمَّ إِلَى مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم أَنَّ الْأَعْمَالَ بِالنِّيَّاتِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ}
وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا} قَالَ: وَصَّاهُمْ بِالْإِخْلَاصِ فِي عِبَادَتِهِ. وَعَنْ أَبِي عَبْدِ الْمَلِكِ الْبَوْنِيِّ قَالَ: مُنَاسَبَةُ الْحَدِيثِ لِلتَّرْجَمَةِ أَنَّ بَدْءَ الْوَحْيِ كَانَ بِالنِّيَّةِ ; لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَطَرَ مُحَمَّدًا عَلَى التَّوْحِيدِ وَبَغَّضَ إِلَيْهِ الْأَوْثَانَ وَوَهَبَ لَهُ أَوَّلَ أَسْبَابِ النُّبُوَّةِ وَهِيَ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ أَخْلَصَ إِلَى اللَّهِ فِي ذَلِكَ فَكَانَ يَتَعَبَّدُ بِغَارِ حِرَاءَ فَقَبِلَ اللَّهُ عَمَلَهُ وَأَتَمَّ لَهُ النِّعْمَةَ. وَقَالَ الْمُهَلَّبُ مَا مُحَصِّلُهُ: قَصَدَ الْبُخَارِيُّ الْإِخْبَارَ عَنْ حَالِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي حَالِ مَنْشَئِهِ وَأَنَّ اللَّهَ بَغَّضَ إِلَيْهِ الْأَوْثَانَ وَحَبَّبَ إِلَيْهِ خِلَالَ الْخَيْرِ وَلُزُومَ الْوِحْدَةِ فِرَارًا مِنْ قُرَنَاءِ السُّوءِ، فَلَمَّا لَزِمَ ذَلِكَ أَعْطَاهُ اللَّهُ عَلَى قَدْرِ نِيَّتِهِ وَوَهَبَ لَهُ النُّبُوَّةَ كَمَا يُقَالُ: الْفَوَاتِحُ عُنْوَانُ الْخَوَاتِمِ. وَلَخَّصَهُ بِنَحْوٍ مِنْ هَذَا الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ.وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ فِي أَوَّلِ التَّرَاجِمِ: كَانَ مُقَدِّمَةُ النُّبُوَّةِ فِي حَقِّ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم الْهِجْرَةَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى بِالْخَلْوَةِ فِي غَارِ حِرَاءَ فَنَاسَبَ الِافْتِتَاحَ بِحَدِيثِ الْهِجْرَةِ. وَمِنَ الْمُنَاسَبَاتِ الْبَدِيعَةِ الْوَجِيزَةِ مَا تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ أَنَّ الْكِتَابَ لَمَّا كَانَ مَوْضُوعًا لِجَمْعِ وَحْيِ السُّنَّةِ صَدَّرَهُ بِبَدْءِ الْوَحْيِ، وَلَمَّا كَانَ الْوَحْيُ لِبَيَانِ الْأَعْمَالِ الشَّرْعِيَّةِ صَدَّرَهُ بِحَدِيثِ الْأَعْمَالِ، وَمَعَ هَذِهِ الْمُنَاسَبَاتِ لَا يَلِيقُ الْجَزْمُ بِأَنَّهُ لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِالتَّرْجَمَةِ أَصْلًا. وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ. وَقَدْ تَوَاتَرَ النَّقْلُ عَنِ الْأَئِمَّةِ فِي تَعْظِيمِ قَدْرِ هَذَا الْحَدِيثِ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: لَيْسَ فِي أَخْبَارِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم شَيْءٌ أَجْمَعَ وَأَغْنَى وَأَكْثَرَ فَائِدَةً مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ. وَاتَّفَقَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، وَالشَّافِعِيُّ فِيمَا نَقَلَهُ الْبُوَيْطِيُّ عَنْهُ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَعَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ، وَحَمْزَةُ الْكِنَانِيُّ عَلَى أَنَّهُ ثُلُثُ الْإِسْلَامِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ رُبُعُهُ، وَاخْتَلَفُوا فِي تَعْيِينِ الْبَاقِي. وَقَالَ ابْنُ مَهْدِيٍّ أَيْضًا: يَدْخُلُ فِي ثَلَاثِينَ بَابًا مِنَ الْعِلْمِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَدْخُلُ فِي سَبْعِينَ بَابًا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهَذَا الْعَدَدِ الْمُبَالَغَةَ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ أَيْضًا: يَنْبَغِي أَنْ يُجْعَلَ هَذَا الْحَدِيثُ رَأْسَ كُلِّ بَابٍ.وَوَجَّهَ الْبَيْهَقِيُّ كَوْنَهُ ثُلُثَ الْعِلْمِ بِأَنَّ كَسْبَ الْعَبْدِ يَقَعُ بِقَلْبِهِ وَلِسَانِهِ وَجَوَارِحِهِ، فَالنِّيَّةُ أَحَدُ أَقْسَامِهَا الثَّلَاثَةِ وَأَرْجَحُهَا ; لِأَنَّهَا قَدْ تَكُونُ عِبَادَةً مُسْتَقِلَّةً وَغَيْرُهَا يَحْتَاجُ إِلَيْهَا، وَمِنْ ثَمَّ وَرَدَ: نِيَّةُ الْمُؤْمِنِ خَيْرٌ مِنْ عَمَلِهِ، فَإِذَا نَظَرْتَ إِلَيْهَا كَانَتْ خَيْرَ الْأَمْرَيْنِ. وَكَلَامُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ بِكَوْنِهِ ثُلُثَ الْعِلْمِ أَنَّهُ أَرَادَ أَحَدَ الْقَوَاعِدِ الثَّلَاثَةِ الَّتِي تُرَدُّ إِلَيْهَا جَمِيعُ الْأَحْكَامِ عِنْدَهُ، وَهِيَ هَذَا وَمَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ وَالْحَلَالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ الْحَدِيثَ. ثُمَّ إِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ أَخْرَجَهُ الْأَئِمَّةُ الْمَشْهُورُونَ إِلَّا الْمُوَطَّأَ، وَوَهِمَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ فِي الْمُوَطَّأِ مُغْتَرًّا بِتَخْرِيجِ الشَّيْخَيْنِ لَهُ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ، وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ: قَدْ يَكُونُ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى طَرِيقَةِ بَعْضِ النَّاسِ مَرْدُودًا لِكَوْنِهِ فَرْدًا ; لِأَنَّهُ لَا يُرْوَى عَنْ عُمَرَ إِلَّا مِنْ رِوَايَةِ عَلْقَمَةَ، وَلَا عَنْ عَلْقَمَةَ إِلَّا مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ وَلَا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، وَهُوَ كَمَا قَالَ، فَإِنَّهُ إِنَّمَا اشْتُهِرَ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ وَتَفَرَّدَ بِهِ مَنْ فَوْقَهُ وَبِذَلِكَ جَزَمَ التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالْبَزَّارُ، وَابْنُ السَّكَنِ، وَحَمْزَةُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْكِنَانِيُّ، وَأَطْلَقَ الْخَطَّابِيُّ نَفْيَ الْخِلَافِ بَيْنَ أَهْلِ الْحَدِيثِ فِي أَنَّهُ لَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَهُوَ كَمَا قَالَ لَكِنْ بِقَيْدَيْنِ:أَحَدُهُمَا: الصِّحَّةُ لِأَنَّهُ وَرَدَ مِنْ طُرُقٍ مَعْلُولَةٍ ذَكَرَهَا الدَّارَقُطْنِيُّ، وَأَبُو الْقَاسِمِ بْنُ مَنْدَهْ وَغَيْرُهُمَا.ثَانِيهُمَا: السِّيَاقُ لِأَنَّهُ وَرَدَ فِي مَعْنَاهُ عِدَّةُ أَحَادِيثَ صَحَّتْ فِي مُطْلَقِ النِّيَّةِ كَحَدِيثِ عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ يُبْعَثُونَ عَلَى نِيَّاتِهِمْ، وَحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ، وَحَدِيثِ أَبِي مُوسَى مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا، وَحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ رُبَّ قَتِيلٍ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِنِيَّتِهِ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَحَدِيثِ عُبَادَةَ مَنْ غَزَا وَهُوَ لَا يَنْوِي إِلَّا عِقَالًا فَلَهُ مَا نَوَى أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَتَعَسَّرُ حَصْرُهُ، وَعُرِفَ بِهَذَا التَّقْرِيرِ غَلَطُ مَنْ زَعَمَ أَنَّ حَدِيثَ عُمَرَ مُتَوَاتِرٌ، إِلَّا إِنْ حُمِلَ عَلَى التَّوَاتُرِ الْمَعْنَوِيِّ فَيُحْتَمَلُ. نَعَمْ قَدْ تَوَاتَرَ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ: فَحَكَى مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ سَعِيدٍ النَّقَّاشُ الْحَافِظُ أَنَّهُ رَوَاهُ عَنْ يَحْيَى مِائَتَانِ وَخَمْسُونَ نَفْسًا، وَسَرَدَ أَسْمَاءَهُمْ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ مَنْدَهْ فَجَاوَزَ الثَّلَاثَمِائَةِ، وَرَوَى أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيُّ عَنْ بَعْضِ مَشَايِخِهِ مُذَاكَرَةً عَنِ الْحَافِظِ أَبِي إِسْمَاعِيلَ الْأَنْصَارِيِّ الْهَرَوِيِّ قَالَ: كَتَبْتُهُ مِنْ حَدِيثِ سَبْعِمِائَةٍ مِنْ أَصْحَابِ يَحْيَى.قُلْتُ: وَأَنَا أَسْتَبْعِدُ صِحَّةَ هَذَا، فَقَدْ تَتَبَّعْتُ طُرُقَهُ مِنَ الرِّوَايَاتِ الْمَشْهُورَةِ وَالْأَجْزَاءِ الْمَنْثُورَةِ مُنْذُ طَلَبْتُ الْحَدِيثَ إِلَى وَقْتِي هَذَا فَمَا قَدَرْتُ عَلَى تَكْمِيلِ الْمِائَةِ، وَقَدْ
تَتَبَّعْتُ طُرُقَ غَيْرِهِ فَزَادَتْ عَلَى مَا نُقِلَ عَمَّنْ تَقَدَّمَ، كَمَا سَيَأْتِي مِثَالٌ لِذَلِكَ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فِي غُسْلِ الْجُمُعَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.قَوْلُهُ: (عَلَى الْمِنْبَرِ) بِكَسْرِ الْمِيمِ، وَاللَّامُ لِلْعَهْدِ، أَيْ مِنْبَرِ الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ يَحْيَى فِي تَرْكِ الْحِيَلِ: سَمِعْتُ عُمَرَ يَخْطُبُ.قَوْلُهُ: (إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ) كَذَا أُورِدَ هُنَا، وَهُوَ مِنْ مُقَابَلَةِ الْجَمْعِ بِالْجَمْعِ، أَيْ كُلُّ عَمَلٍ بِنِيَّتِهِ. وَقَالَ الخويي(١) كَأَنَّهُ أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى أَنَّ النِّيَّةَ تَتَنَوَّعُ كَمَا تَتَنَوَّعُ الْأَعْمَالُ كَمَنْ قَصَدَ بِعَمَلِهِ وَجْهَ اللَّهِ أَوْ تَحْصِيلَ مَوْعُودِهِ أَوْ الِاتِّقَاءَ لِوَعِيدِهِ. وَوَقَعَ فِي مُعْظَمِ الرِّوَايَاتِ بِإِفْرَادِ النِّيَّةِ، وَوَجْهُهُ أَنَّ مَحَلَّ النِّيَّةِ الْقَلْبُ وَهُوَ مُتَّحِدٌ فَنَاسَبَ إِفْرَادَهَا. بِخِلَافِ الْأَعْمَالِ فَإِنَّهَا مُتَعَلِّقَةٌ بِالظَّوَاهِرِ وَهِيَ مُتَعَدِّدَةٌ فَنَاسَبَ جَمْعَهَا ; وَلِأَنَّ النِّيَّةَ تَرْجِعُ إِلَى الْإِخْلَاصِ وَهُوَ وَاحِدٌ لِلْوَاحِدِ الَّذِي لَا شَرِيكَ لَهُ. وَوَقَعَتْ فِي صَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ بِلَفْظِ الْأَعْمَالِ بِالنِّيَّاتِ بِحَذْفِ إِنَّمَا وَجَمْعِ الْأَعْمَالِ وَالنِّيَّاتِ، وَهِيَ مَا وَقَعَ فِي كِتَابِ الشِّهَابِ لِلْقُضَاعِيِّ(٢) ووصله فِي مُسْنَدِهِ كَذَلِكَ، وَأَنْكَرَهُ أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيُّ كَمَا نَقَلَهُ النَّوَوِيُّ وَأَقَرَّهُ، وَهُوَ مُتَعَقَّبٌ بِرِوَايَةِ ابْنِ حِبَّانَ، بَلْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ، عَنْ يَحْيَى عِنْدَ الْبُخَارِيِّ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ بِلَفْظِ الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ، وَكَذَا فِي الْعِتْقِ مِنْ رِوَايَةِ الثَّوْرِيِّ، وَفِي الْهِجْرَةِ مِنْ رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، وَوَقَعَ عِنْدَهُ فِي النِّكَاحِ بِلَفْظِ الْعَمَلُ بِالنِّيَّةِ بِإِفْرَادِ كُلٍّ مِنْهُمَا.وَالنِّيَّةُ بِكَسْرِ النُّونِ وَتَشْدِيدِ التَّحْتَانِيَّةِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَفِي بَعْضِ اللُّغَاتِ بِتَخْفِيفِهَا. قَالَ الْكِرْمَانِيُّ قَوْلُهُ إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ هَذَا التَّرْكِيبُ يُفِيدُ الْحَصْرَ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ، وَاخْتُلِفَ فِي وَجْهِ إِفَادَتِهِ فَقِيلَ لِأَنَّ الْأَعْمَالَ جَمْعٌ مُحَلًّى بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ مُفِيدٌ لِلِاسْتِغْرَاقِ، وَهُوَ مُسْتَلْزِمٌ لِلْقَصْرِ لِأَنَّ مَعْنَاهُ كُلُّ عَمَلٍ بِنِيَّةٍ فَلَا عَمَلَ إِلَّا بِنِيَّةٍ، وَقِيلَ لِأَنَّ إِنَّمَا لِلْحَصْرِ، وَهَلْ إِفَادَتُهَا لَهُ بِالْمَنْطُوقِ أَوْ بِالْمَفْهُومِ، أَوْ تُفِيدُ الْحَصْرَ بِالْوَضْعِ أَوِ الْعُرْفِ، أَوْ تُفِيدُهُ بِالْحَقِيقَةِ أَوْ بِالْمَجَازِ؟وَمُقْتَضَى كَلَامِ الْإِمَامِ وَأَتْبَاعِهِ أَنَّهَا تُفِيدُهُ بِالْمَنْطُوقِ وَضْعًا حَقِيقِيًّا، بَلْ نَقَلَهُ شَيْخُنَا شَيْخُ الْإِسْلَامِ عَنْ جَمِيعِ أَهْلِ الْأُصُولِ مِنَ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ إِلَّا الْيَسِيرَ كَالْآمِدِيِّ، وَعَلَى الْعَكْسِ مِنْ ذَلِكَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ، وَاحْتَجَّ بَعْضُهُمْ بِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ لِلْحَصْرِ لَمَا حَسُنَ إِنَّمَا قَامَ زَيْدٌ فِي جَوَابِ هَلْ قَامَ عَمْرٌو، أُجِيبَ بِأَنَّهُ يَصِحُّ أَنَّهُ يَقَعُ فِي مِثْلِ هَذَا الْجَوَابِ مَا قَامَ إِلَّا زَيْدٌ وَهِيَ لِلْحَصْرِ اتِّفَاقًا، وَقِيلَ: لَوْ كَانَتْ لِلْحَصْرِ لَاسْتَوَى إِنَّمَا قَامَ زَيْدٌ مَعَ مَا قَامَ إِلَّا زَيْدٌ، وَلَا تَرَدُّدَ فِي أَنَّ الثَّانِيَ أَقْوَى مِنَ الْأَوَّلِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ هَذِهِ الْقُوَّةِ نَفْيُ الْحَصْرِ فَقَدْ يَكُونُ أَحَدُ اللَّفْظَيْنِ أَقْوَى مِنَ الْآخَرِ مَعَ اشْتِرَاكِهِمَا فِي أَصْلِ الْوَضْعِ كَسَوْفَ وَالسِّينِ، وَقَدْ وَقَعَ اسْتِعْمَالُ إِنَّمَا مَوْضِعَ اسْتِعْمَالِ النَّفْيِ وَالِاسْتِثْنَاءِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى {إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} وَكَقَوْلِهِ: {وَمَا تُجْزَوْنَ إِلا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} وَقَوْلِهِ: {أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ} وَقَوْلِهِ: {مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلا الْبَلاغُ} وَمِنْ شَوَاهِدِهِ قَوْلُ الْأَعْشَى:وَلَسْتُ بِالْأَكْثَرِ مِنْهُمْ حَصًى … وَإِنَّمَا الْعِزَّةُ لِلْكَاثِرِيَعْنِي مَا ثَبُتَتِ الْعِزَّةُ إِلَّا لِمَنْ كَانَ أَكْثَرَ حَصًى. وَاخْتَلَفُوا: هَلْ هِيَ بَسِيطَةٌ أَوْ مُرَكَّبَةٌ، فَرَجَّحُوا الْأَوَّلَ، وَقَدْ يُرَجَّحُ الثَّانِي، وَيُجَابُ عَمَّا أُورِدَ عَلَيْهِ مِنْ قَوْلِهِمْ إِنَّ إِنَّ لِلْإِثْبَاتِ وَمَا لِلنَّفْيِ فَيَسْتَلْزِمُ اجْتِمَاعَ الْمُتَضَادَّيْنِ عَلَى صَدَدٍ وَاحِدٍ بِأَنْ يُقَالَ مَثَلًا: أَصْلُهُمَا كَانَ لِلْإِثْبَاتِ وَالنَّفْيِ، لَكِنَّهُمَا بَعْدَ التَّرْكِيبِ لَمْ يَبْقَيَا عَلَى أَصْلِهِمَا بَلْ أَفَادَا شَيْئًا آخَرَ، أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ الْكِرْمَانِيُّ قَالَ: وَأَمَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ إِفَادَةُ هَذَا السِّيَاقِ لِلْحَصْرِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ فِيهِ تَأْكِيدًا بَعْدَ تَأْكِيدٍ وَهُوَ الْمُسْتَفَادُ مِنْ إِنَّمَا وَمِنَ الْجَمْعِ، فمتعقب بِأَنَّهُ مِنْ بَابِ إِيهَامِ الْعَكْسِ ; لِأَنَّ قَائِلَهُ لَمَّا رَأَى أَنَّ الْحَصْرَ فِيهِ تَأْكِيدٌ عَلَى تَأْكِيدٍ ظَنَّ أَنَّ كُلَّ مَا وَقَعَ كَذَلِكَ يُفِيدُ الْحَصْرَ. وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: اسْتُدِلَّ عَلَى إِفَادَةِ إِنَّمَا لِلْحَصْرِ بِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ اسْتَدَلَّ عَلَى أَنَّ الرِّبَا لَا يَكُونُ إِلَّا فِي النَّسِيئَةِ بِحَدِيثِ إِنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ، وَعَارَضَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ فِي الْحُكْمِ وَلَمْ يُخَالِفُوهُ فِي فَهْمِهِ فَكَانَ كَالِاتِّفَاقِ مِنْهُمْ عَلَى أَنَّهَا تُفِيدُ الْحَصْرَ. وَتُعُقِّبَ بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونُوا تَرَكُوا الْمُعَارَضَةَ بِذَلِكَ تَنَزُّلًا. وَأَمَّا مَنْ قَالَ:(١) لعله: الحربي(٢) هو القاضي أبو عبد الله محمد بن سلامة بن جعفر بن علي بن حكمون المتوفى سنة ٤٥٤
يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ اعْتِمَادُهُمْ عَلَى قَوْلِهِ لَا رِبَا إِلَّا فِي النَّسِيئَةِ لِوُرُودِ ذَلِكَ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ، فَلَا يُفِيدُ ذَلِكَ فِي رَدِّ إِفَادَةِ الْحَصْرِ، بَلْ يُقَوِّيهِ وَيُشْعِرُ بِأَنَّ مُفَادَ الصِّيغَتَيْنِ عِنْدَهُمْ وَاحِدٌ، وَإِلَّا لَمَا اسْتَعْمَلُوا هَذِهِ مَوْضِعَ هَذِهِ.وَأَوْضَحُ مِنْ هَذَا حَدِيثُ إِنَّمَا الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ فَإِنَّ الصَّحَابَةَ الَّذِينَ ذَهَبُوا إِلَيْهِ لَمْ يُعَارِضُهُمُ الْجُمْهُورُ فِي فَهْمِ الْحَصْرِ مِنْهُ، وَإِنَّمَا عَارَضَهُمْ فِي الْحُكْمِ مِنْ أَدِلَّةٍ أُخْرَى كَحَدِيثِ إِذَا الْتَقَى الْخِتَانَانِ.وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إِنَّمَا لَفْظُ لَا يُفَارِقُهُ الْمُبَالَغَةُ وَالتَّأْكِيدُ حَيْثُ وَقَعَ، وَيَصْلُحُ مَعَ ذَلِكَ لِلْحَصْرِ إِنْ دَخَلَ فِي قِصَّةٍ سَاعَدَتْ عَلَيْهِ، فَجُعِلَ وُرُودُهُ لِلْحَصْرِ مَجَازًا يَحْتَاجُ إِلَى قَرِينَةٍ، وَكَلَامُ غَيْرِهِ عَلَى الْعَكْسِ مِنْ ذَلِكَ وَأَنَّ أَصْلَ وُرُودِهَا لِلْحَصْرِ، لَكِنْ قَدْ يَكُونُ فِي شَيْءٍ مَخْصُوصٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى {إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ} فَإِنَّهُ سِيقَ بِاعْتِبَارِ مُنْكِرِي الْوَحْدَانِيَّةِ، وَإِلَّا فَلِلَّهِ سُبْحَانَهُ صِفَاتٌ أُخْرَى كَالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ، وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى {إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ} فَإِنَّهُ سِيقَ بِاعْتِبَارِ مُنْكِرِي الرِّسَالَةِ، وَإِلَّا فَلَهُ صلى الله عليه وسلم صِفَاتٌ أُخْرَى كَالْبِشَارَةِ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَمْثِلَةِ. وَهِيَ - فِيمَا يُقَالُ - السَّبَبُ فِي قَوْلِ مَنْ مَنَعَ إِفَادَتَهَا لِلْحَصْرِ مُطْلَقًا.(تَكْمِيلٌ): الْأَعْمَالُ تَقْتَضِي عَامِلَيْنِ، وَالتَّقْدِيرُ: الْأَعْمَالُ الصَّادِرَةُ مِنَ الْمُكَلَّفِينَ، وَعَلَى هَذَا هَلْ تَخْرُجُ أَعْمَالُ الْكُفَّارِ؟ الظَّاهِرُ الْإِخْرَاجُ ; لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَعْمَالِ أَعْمَالُ الْعِبَادَةِ وَهِيَ لَا تَصِحُّ مِنَ الْكَافِرِ وَإِنْ كَانَ مُخَاطَبًا بِهَا مُعَاقَبًا عَلَى تَرْكِهَا وَلَا يَرِدُ الْعِتْقُ وَالصَّدَقَةُ لِأَنَّهُمَا بِدَلِيلٍ آخَرَ.قَوْلُهُ: (بِالنِّيَّاتِ) الْبَاءُ لِلْمُصَاحَبَةِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ لِلسَّبَبِيَّةِ بِمَعْنَى أَنَّهَا مُقَوِّمَةٌ لِلْعَمَلِ فَكَأَنَّهَا سَبَبٌ فِي إِيجَادِهِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ فَهِيَ مِنْ نَفْسِ الْعَمَلِ فَيُشْتَرَطُ أَنْ لَا تَتَخَلَّفَ عَنْ أَوَّلِهِ. قَالَ النَّوَوِيُّ: النِّيَّةُ الْقَصْدُ، وَهِيَ عَزِيمَةُ الْقَلْبِ. وَتَعَقَّبَهُ الْكِرْمَانِيُّ بِأَنَّ عَزِيمَةَ الْقَلْبِ قَدْرٌ زَائِدٌ عَلَى أَصْلِ الْقَصْدِ. وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ هَلْ هِيَ رُكْنٌ أَوْ شَرْطٌ؟ وَالْمُرَجَّحُ أَنَّ إِيجَادَهَا ذِكْرًا فِي أَوَّلِ الْعَمَلِ رُكْنٌ، وَاسْتِصْحَابَهَا حُكْمًا بِمَعْنَى أَنْ لَا يَأْتِيَ بِمُنَافٍ شَرْعًا شَرْطٌ. وَلَا بُدَّ مِنْ مَحْذُوفٍ يَتَعَلَّقُ بِهِ الْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ، فَقِيلَ: تُعْتَبَرُ وَقِيلَ: تُكَمَّلُ وَقِيلَ: تَصِحُّ وَقِيلَ: تَحْصُلُ وَقِيلَ: تَسْتَقِرُّ. قَالَ الطِّيبِيُّ: كَلَامُ الشَّارِعِ مَحْمُولٌ عَلَى بَيَانِ الشَّرْعِ ; لِأَنَّ الْمُخَاطَبِينَ بِذَلِكَ هُمْ أَهْلُ اللِّسَانِ، فَكَأَنَّهُمْ خُوطِبُوا بِمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ إِلَّا مِنْ قِبَلِ الشَّارِعِ، فَيَتَعَيَّنُ الْحَمْلُ عَلَى مَا يُفِيدُ الْحُكْمَ الشَّرْعِيَّ. وَقَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: النِّيَّةُ عِبَارَةٌ عَنِ انْبِعَاثِ الْقَلْبِ نَحْوَ مَا يَرَاهُ مُوَافِقًا لِغَرَضٍ مِنْ جَلْبِ نَفْعٍ أَوْ دَفْعِ ضُرٍّ حَالًا أَوْ مَآلًا، وَالشَّرْعُ خَصَّصَهُ بِالْإِرَادَةِ الْمُتَوَجِّهَةِ نَحْوَ الْفِعْلِ لِابْتِغَاءِ رِضَاءِ اللَّهِ وَامْتِثَالِ حُكْمِهِ.وَالنِّيَّةُ فِي ال حَدِيثِ مَحْمُولَةٌ عَلَى الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ لِيَحْسُنَ تَطْبِيقُهُ عَلَى مَا بَعْدَهُ وَتَقْسِيمُهُ أَحْوَالَ الْمُهَاجِرِ، فَإِنَّهُ تَفْصِيلٌ لِمَا أُجْمِلَ، وَالْحَدِيثُ مَتْرُوكُ الظَّاهِرِ لِأَنَّ الذَّوَاتَ غَيْرُ مُنْتَفِيَةٍ، إِذِ التَّقْدِيرُ: لَا عَمَلَ إِلَّا بِالنِّيَّةِ، فَلَيْسَ الْمُرَادُ نَفْيَ ذَاتِ الْعَمَلِ لِأَنَّهُ قَدْ يُوجَدُ بِغَيْرِ نِيَّةٍ، بَلِ الْمُرَادُ نَفْيُ أَحْكَامِهَا كَالصِّحَّةِ وَالْكَمَالِ، لَكِنَّ الْحَمْلَ عَلَى نَفْيِ الصِّحَّةِ أَوْلَى لِأَنَّهُ أَشْبَهَ بِنَفْيِ الشَّيْءِ نَفْسِهِ ; وَلِأَنَّ اللَّفْظَ دَلَّ عَلَى نَفْيِ الذَّاتِ بِالتَّصْرِيحِ وَعَلَى نَفْيِ الصِّفَاتِ بِالتَّبَعِ، فَلَمَّا مَنَعَ الدَّلِيلُ نَفْيَ الذَّاتِ بَقِيَتْ دَلَالَتُهُ عَلَى نَفْيِ الصِّفَاتِ مُسْتَمِرَّةً. وَقَالَ شَيْخُنَا شَيْخُ الْإِسْلَامِ: الْأَحْسَنُ تَقْدِيرُ مَا يَقْتَضِي أَنَّ الْأَعْمَالَ تَتْبَعُ النِّيَّةَ، لِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى آخِرِهِ. وَعَلَى هَذَا يُقَدَّرُ الْمَحْذُوفُ كَوْنًا مُطْلَقًا مِنِ اسْمِ فَاعِلٍ أَوْ فِعْلٍ. ثُمَّ لَفْظُ الْعَمَلِ يَتَنَاوَلُ فِعْلَ الْجَوَارِحِ حَتَّى اللِّسَانِ فَتَدْخُلُ الْأَقْوَالُ. قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: وَأَخْرَجَ بَعْضُهُمُ الْأَقْوَالَ وَهُوَ بَعِيدٌ، وَلَا تَرَدُّدَ عِنْدِي فِي أَنَّ الْحَدِيثَ يَتَنَاوَلُهَا. وَأَمَّا التُّرُوكُ فَهِيَ وَإِنْ كَانَتْ فِعْلَ كَفٍّ لَكِنْ لَا يُطْلَقُ عَلَيْهَا لَفْظُ الْعَمَلِ. وَقَدْ تُعُقِّبَ عَلَى مَنْ يُسَمِّي الْقَوْلَ عَمَلًا لِكَوْنِهِ عَمَلَ اللِّسَانِ، بِأَنَّ مَنْ حَلَفَ لَا يَعْمَلُ عَمَلًا فَقَالَ قَوْلًا لَا يَحْنَثَ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ مَرْجِعَ الْيَمِينِ إِلَى الْعُرْفِ، وَالْقَوْلُ لَا يُسَمَّى عَمَلًا فِي الْعُرْفِ وَلِهَذَا يُعْطَفُ عَلَيْهِ.وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الْقَوْلَ لَا يَدْخُلُ فِي الْعَمَلِ حَقِيقَةً وَيَدْخُلُ مَجَازًا، وَكَذَا الْفِعْلُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ} بَعْدَ قَوْلِهِ: {زُخْرُفَ الْقَوْلِ} وَأَمَّا عَمَلُ الْقَلْبِ كَالنِّيَّةِ فَلَا يَتَنَاوَلُهَا الْحَدِيثُ لِئَلَّا يَلْزَمَ التَّسَلْسُلَ، وَالْمَعْرِفَةَ، وَفِي تَنَاوُلِهَا نَظَرٌ، قَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ مُحَالٌ لِأَنَّ النِّيَّةَ قَصْدُ الْمَنَوِيِّ، وَإِنَّمَا يَقْصِدُ الْمَرْءُ مَا يَعْرِفُ فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ عَارِفًا قَبْلَ الْمَعْرِفَةِ. وَتَعَقَّبَهُ شَيْخُنَا شَيْخُ الْإِسْلَامِ سِرَاجُ الدِّينِ الْبُلْقِينِيُّ بِمَا حَاصِلُهُ: إِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِالْمَعْرِفَةِ مُطْلَقَ الشُّعُورِ فَمُسَلَّمٌ، وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ النَّظَرَ فِي الدَّلِيلِ فَلَا ; لِأَنَّ كُلَّ ذِي عَقْلٍ يَشْعُرُ مَثَلًا بِأَنَّ لَهُ مَنْ يُدَبِّرُهُ، فَإِذَا أَخَذَ فِي النَّظَرِ فِي الدَّلِيلِ عَلَيْهِ لِيَتَحَقَّقَهُ لَمْ
تَكُنِ النِّيَّةُ حِينَئِذٍ مُحَالًا. وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: الَّذِينَ اشْتَرَطُوا النِّيَّةَ قَدَّرُوا صِحَّةَ الْأَعْمَالِ، وَالَّذِينَ لَمْ يَشْتَرِطُوهَا قَدَّرُوا كَمَالَ الْأَعْمَالِ، وَرُجِّحَ الْأَوَّلُ بِأَنَّ الصِّحَّةَ أَكْثَرُ لُزُومًا لِلْحَقِيقَةِ مِنَ الْكَمَالِ فَالْحَمْلُ عَلَيْهَا أَوْلَى. وَفِي هَذَا الْكَلَامِ إِيهَامٌ أَنَّ بَعْضَ الْعُلَمَاءِ لَا يَرَى بِاشْتِرَاطِ النِّيَّةِ، وَلَيْسَ الْخِلَافُ بَيْنَهُمْ فِي ذَلِكَ إِلَّا فِي الْوَسَائِلِ، وَأَمَّا الْمَقَاصِدُ فَلَا اخْتِلَافَ بَيْنَهُمْ فِي اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ لَهَا، وَمِنْ ثَمَّ خَالَفَ الْحَنَفِيَّةُ فِي اشْتِرَاطِهَا لِلْوُضُوءِ، وَخَالَفَ الْأَوْزَاعِيُّ فِي اشْتِرَاطِهَا فِي التَّيَمُّمِ أَيْضًا. نَعَمْ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ اخْتِلَافٌ فِي اقْتِرَانِ النِّيَّةِ بِأَوَّلِ الْعَمَلِ كَمَا هُوَ مَعْرُوفٌ فِي مَبْسُوطَاتِ الْفِقْهِ.(تَكْمِيلٌ): الظَّاهِرُ أَنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ فِي النِّيَّاتِ مُعَاقِبَةٌ لِلضَّمِيرِ، وَالتَّقْدِيرُ: الْأَعْمَالُ بِنِيَّاتِهَا، وَعَلَى هَذَا فَيَدُلُّ عَلَى اعْتِبَارِ نِيَّةِ الْعَمَلِ مِنْ كَوْنِهِ مَثَلًا صَلَاةً أَوْ غَيْرَهَا، وَمِنْ كَوْنِهَا فَرْضًا أَوْ نَفْلًا، ظُهْرًا مَثَلًا أَوْ عَصْرًا، مَقْصُورَةً أَوْ غَيْرَ مَقْصُورَةٍ وَهَلْ يُحْتَاجُ فِي مِثْلِ هَذَا إِلَى تَعْيِينِ الْعَدَدِ؟ فِيهِ بَحْثٌ. وَالرَّاجِحُ الِاكْتِفَاءُ بِتَعْيِينِ الْعِبَادَةِ الَّتِي لَا تَنْفَكُّ عَنِ الْعَدَدِ الْمُعَيَّنِ، كَالْمُسَافِرِ مَثَلًا لَيْسَ لَهُ أَنْ يَقْصُرَ إِلَّا بِنِيَّةِ الْقَصْرِ، لَكِنْ لَا يَحْتَاجُ إِلَى نِيَّةِ رَكْعَتَيْنِ لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ مُقْتَضَى الْقَصْرِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.قَوْلُهُ: (وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى) قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: فِيهِ تَحْقِيقٌ لِاشْتِرَاطِ النِّيَّةِ وَالْإِخْلَاصِ فِي الْأَعْمَالِ، فَجَنَحَ إِلَى أَنَّهَا مُؤَكَّدَةٌ، وَقَالَ غَيْرُهُ: بَلْ تُفِيدُ غَيْرَ مَا أَفَادَتْهُ الْأُولَى ; لِأَنَّ الْأُولَى نَبَّهَتْ عَلَى أَنَّ الْعَمَلَ يَتْبَعُ النِّيَّةَ وَيُصَاحِبُهَا، فَيَتَرَتَّبُ الْحُكْمُ عَلَى ذَلِكَ، وَالثَّانِيَةُ أَفَادَتْ أَنَّ الْعَامِلَ لَا يَحْصُلُ لَهُ إِلَّا مَا نَوَاهُ وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: الْجُمْلَةُ الثَّانِيَةُ تَقْتَضِي أَنَّ مَنْ نَوَى شَيْئًا يَحْصُلُ لَهُ - يَعْنِي إِذَا عَمِلَهُ بِشَرَائِطِهِ - أَوْ حَالَ دُونَ عَمَلِهِ لَهُ مَا يُعْذَرُ شَرْعًا بِعَدَمِ عَمَلِهِ وَكُلُّ مَا لَمْ يَنْوِهِ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ. وَمُرَادُهُ بِقَوْلِهِ مَا لَمْ يَنْوِهِ أَيْ لَا خُصُوصًا وَلَا عُمُومًا، أَمَّا إِذَا لَمْ يَنْوِ شَيْئًا مَخْصُوصًا لَكِنْ كَانَتْ هُنَاكَ نِيَّةٌ عَامَّةٌ تَشْمَلُهُ فَهَذَا مِمَّا اخْتَلَفَتْ فِيهِ أَنْظَارُ الْعُلَمَاءِ. وَيَتَخَرَّجُ عَلَيْهِ مِنَ الْمَسَائِلِ مَا لَا يُحْصَى. وَقَدْ يَحْصُلُ غَيْرُ الْمَنْوِيِّ لِمُدْرَكٍ آخَرَ كَمَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَصَلَّى الْفَرْضَ أَوِ الرَّاتِبَةَ قَبْلَ أَنْ يَقْعُدَ فَإِنَّهُ يَحْصُلُ لَهُ تَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ نَوَاهَا أَوْ لَمْ يَنْوِهَا ; لِأَنَّ الْقَصْدَ بِالتَّحِيَّةِ شَغْلُ الْبُقْعَةِ وَقَدْ حَصَلَ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ عَنِ الْجَنَابَةِ فَإِنَّهُ لَا يَحْصُلُ لَهُ غُسْلُ الْجُمُعَةِ عَلَى الرَّاجِحِ ; لِأَنَّ غُسْلَ الْجُمُعَةِ يُنْظَرُ فِيهِ إِلَى التَّعَبُّدِ لَا إِلَى مَحْضِ التَّنْظِيفِ فَلَا بُدَّ فِيهِ مِنَ الْقَصْدِ إِلَيْهِ، بِخِلَافِ تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.وَقَالَ النَّوَوِيُّ: أَفَادَتِ الْجُمْلَةُ الثَّانِيَةُ اشْتِرَاطَ تَعْيِينِ الْمَنْوِيِّ كَمَنْ عَلَيْهِ صَلَاةٌ فَائِتَةٌ لَا يَكْفِيهِ أَنْ يَنْوِيَ الْفَائِتَةَ فَقَطْ حَتَّى يُعَيِّنَهَا ظُهْرًا مَثَلًا أَوْ عَصْرًا، وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَحَلَّهُ مَا إِذَا لَمْ تَنْحَصِرِ الْفَائِتَةُ. وَقَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ فِي أَمَالِيهِ: أَفَادَتْ أَنَّ الْأَعْمَالَ الْخَارِجَةَ عَنِ الْعِبَادَةِ لَا تُفِيدُ الثَّوَابَ إِلَّا إِذَا نَوَى بِهَا فَاعِلُهَا الْقُرْبَةَ، كَالْأَكْلِ إِذَا نَوَى بِهِ الْقُوَّةَ عَلَى الطَّاعَةِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: أَفَادَتْ أَنَّ النِّيَابَةَ لَا تَدْخُلُ فِي النِّيَّةِ، فَإِنَّ ذَلِكَ هُوَ الْأَصْلُ، فَلَا يَرِدُ مِثْلُ نِيَّةِ الْوَلِيِّ عَنِ الصَّبِيِّ وَنَظَائِرِهِ فَإِنَّهَا عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: الْجُمْلَةُ الْأُولَى لِبَيَانِ مَا يُعْتَبَرُ مِنَ الْأَعْمَالِ، وَالثَّانِيَةُ لِبَيَانِ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا. وَأَفَادَ أَنَّ النِّيَّةَ إِنَّمَا تُشْتَرَطُ فِي الْعِبَادَةِ الَّتِي لَا تَتَمَيَّزُ بِنَفْسِهَا، وَأَمَّا مَا يَتَمَيَّزُ بِنَفْسِهِ فَإِنَّهُ يَنْصَرِفُ بِصُورَتِهِ إِلَى مَا وُضِعَ لَهُ كَالْأَذْكَارِ وَالْأَدْعِيَةِ وَالتِّلَاوَةِ لِأَنَّهَا لَا تَتَرَدَّدُ بَيْنَ الْعِبَادَةِ وَالْعَادَةِ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ بِالنَّظَرِ إِلَى أَصْلِ الْوَضْعِ، أَمَّا مَا حَدَثَ فِيهِ عُرْفٌ كَالتَّسْبِيحِ لِلتَّعَجُّبِ فَلَا، وَمَعَ ذَلِكَ فَلَوْ قُصِدَ بِالذِّكْرِ الْقُرْبَةُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى لَكَانَ أَكْثَرَ ثَوَابًا، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الْغَزَّالِيُّ: حَرَكَةُ اللِّسَانِ بِالذِّكْرِ مَعَ الْغَفْلَةِ عَنْهُ تُحَصِّلُ الثَّوَابَ ; لِأَنَّهُ خَيْرٌ مِنْ حَرَكَةِ اللِّسَانِ بِالْغِيبَةِ، بَلْ هُوَ خَيْرٌ مِنَ السُّكُوتِ مُطْلَقًا، أَيِ الْمُجَرَّدِ عَنِ التَّفَكُّرِ. قَالَ: وَإِنَّمَا هُوَ نَاقِصٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى عَمَلِ الْقَلْبِ، انْتَهَى.وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم فِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ ثُمَّ قَالَ فِي الْجَوَابِ عَنْ قَوْلِهِمْ أَيَأْتِي أَحَدُنَا شَهْوَتَهُ وَيُؤْجَرُ؟: أَرَأَيْتَ لَوْ وَضَعَهَا فِي حَرَامٍ.وَأَوْرَدَ عَلَى إِطْلَاقِ الْغَزَّالِيِّ أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ أَنَّ الْمَرْءَ يُثَابُ عَلَى فِعْلٍ مُبَاحٍ لِأَنَّهُ خَيْرٌ مِنْ فِعْلِ الْحَرَامِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مُرَادَهُ. وَخُصَّ مِنْ عُمُومِ الْحَدِيثِ مَا يُقْصَدُ حُصُولُهُ فِي الْجُمْلَةِ فَإِنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إِلَى نِيَّةٍ تَخُصُّهُ كَتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَكَمَنْ مَاتَ زَوْجُهَا فَلَمْ يَبْلُغْهَا الْخَبَرُ إِلَّا بَعْدَ مُدَّةِ الْعِدَّةِ فَإِنَّ عِدَّتَهَا تَنْقَضِي ; لِأَنَّ الْمَقْصُودَ حُصُولُ بَرَاءَةِ الرَّحِمِ وَقَدْ وُجِدَتْ، وَمِنْ ثَمَّ لَمْ يَحْتَجِ الْمَتْرُوكُ إِلَى نِيَّةٍ. وَنَازَعَ الْكِرْمَانِيُّ فِي إِطْلَاقِ الشَّيْخِ مُحْيِي الدِّينِ كَوْنَ الْمَتْرُوكِ لَا يَحْتَاجُ إِلَى نِيَّةٍ بِأَنَّ التَّرْكَ فِعْلٌ وَهُوَ كَفُّ النَّفْسِ، وَبِأَنَّ الْتُّرُوكَ إِذَا أُرِيدَ بِهَا تَحْصِيلُ الثَّوَابِ بِامْتِثَالِ أَمْرِ الشَّارِعِ فَلَا بُدَّ فِيهَا مِنْ
قَصْدِ التَّرْكِ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ قَوْلَهُ التَّرْكُ فِعْلٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، وَمِنْ حَقِّ الْمُسْتَدِلِّ عَلَى الْمَانِعِ أَنْ يَأْتِيَ بِأَمْرٍ مُتَّفَقٍ عَلَيْهِ. وَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُ الثَّانِي فَلَا يُطَابِقُ الْمَوْرِدَ ; لِأَنَّ الْمَبْحُوثَ فِيهِ هَلْ تَلْزَمُ النِّيَّةُ فِي التُّرُوكِ بِحَيْثُ يَقَعُ الْعِقَابُ بِتَرْكِهَا؟ وَالَّذِي أَوْرَدَهُ هَلْ يَحْصُلُ الثَّوَابُ بِدُونِهَا؟ وَالتَّفَاوُتُ بَيْنَ الْمَقَامَيْنِ ظَاهِرٌ.وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ التَّرْكَ الْمُجَرَّدَ لَا ثَوَابَ فِيهِ، وَإِنَّمَا يَحْصُلُ الثَّوَابُ بِالْكَفِّ الَّذِي هُوَ فِعْلُ النَّفْسِ، فَمَنْ لَمْ تَخْطُرِ الْمَعْصِيَةُ بِبَالِهِ أَصْلًا لَيْسَ كَمَنْ خَطَرَتْ فَكَفَّ نَفْسَهُ عَنْهَا خَوْفًا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، فَرَجَعَ الْحَالُ إِلَى أَنَّ الَّذِي يَحْتَاجُ إِلَى النِّيَّةِ هُوَ الْعَمَلُ بِجَمِيعِ وُجُوهِهِ، لَا التَّرْكُ الْمُجَرَّدُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.(تَنْبِيهٌ): قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: إِذَا قُلْنَا إِنَّ تَقْدِيمَ الْخَبَرِ عَلَى الْمُبْتَدَأِ يُفِيدُ الْقَصْرَ فَفِي قَوْلِهِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى نَوْعَانِ مِنَ الْحَصْرِ: قَصْرُ الْمُسْنَدِ عَلَى الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ إِذِ الْمُرَادُ: إِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَاهُ، وَالتَّقْدِيمُ الْمَذْكُورُ.قَوْلُهُ: (فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا) كَذَا وَقَعَ فِي جَمِيعِ الْأُصُولِ الَّتِي اتَّصَلَتْ لَنَا عَنِ الْبُخَارِيِّ بِحَذْفِ أَحَدِ وَجْهَيِ التَّقْسِيمِ وَهُوَ قَوْلُهُ فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَخْ قَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَقَعَ هَذَا الْحَدِيثُ فِي رِوَايَتِنَا وَجَمِيعِ نُسَخِ أَصْحَابِنَا مَخْرُومًا قَدْ ذَهَبَ شَطْرُهُ، وَلَسْتُ أَدْرِي كَيْفَ وَقَعَ هَذَا الْإِغْفَالُ، وَمِنْ جِهَةِ مَنْ عَرَضَ مِنْ رُوَاتِهِ؟ فَقَدْ ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ غَيْرِ طَرِيقِ الْحُمَيْدِيِّ مُسْتَوْفًى، وَقَدْ رَوَاهُ لَنَا الْأَثْبَاتُ مِنْ طَرِيقِ الْحُمَيْدِيِّ تَامًّا، وَنَقَلَ ابْنُ التِّينِ كَلَامَ الْخَطَّابِيِّ مُخْتَصَرًا وَفُهِمَ مِنْ قَوْلِهِ مَخْرُومًا أَنَّهُ قَدْ يُرِيدُ أَنَّ فِي السَّنَدِ انْقِطَاعًا فَقَالَ مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ لِأَنَّ الْبُخَارِيَّ لَمْ يَلْقَ الْحُمَيْدِيَّ، وَهُوَ مِمَّا يُتَعَجَّبُ مِنْ إِطْلَاقِهِ مَعَ قَوْلِ الْبُخَارِيِّ حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ وَتَكْرَارُ ذَلِكَ مِنْهُ فِي هَذَا الْكِتَابِ، وَجَزَمَ كُلُّ مَنْ تَرْجَمَهُ بِأَنَّ الْحُمَيْدِيَّ مِنْ شُيُوخِهِ فِي الْفِقْهِ وَالْحَدِيثِ، وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي مَشْيَخَتِهِ: لَا عُذْرَ لِلْبُخَارِيِّ فِي إِسْقَاطِهِ لِأَنَّ الْحُمَيْدِيَّ شَيْخُهُ فِيهِ قَدْ رَوَاهُ فِي مُسْنَدِهِ عَلَى التَّمَامِ. قَالَ: وَذَكَرَ قَوْمٌ أَنَّهُ لَعَلَّهُ اسْتَمْلَاهُ مِنْ حِفْظِ الْحُمَيْدِيِّ فَحَدَّثَهُ هَكَذَا فَحَدَّثَ عَنْهُ كَمَا سَمِعَ أَوْ حَدَّثَهُ بِهِ تَامًّا فَسَقَطَ مِنْ حِفْظِ الْبُخَارِيِّ. قَالَ: وَهُوَ أَمْرٌ مُسْتَبْعَدٌ جِدًّا عِنْدَ مَنِ اطَّلَعَ عَلَى أَحْوَالِ الْقَوْمِ. وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ الشَّارِحُ: الْإِسْقَاطُ فِيهِ مِنَ الْبُخَارِيِّ فَوُجُودُهُ فِي رِوَايَةِ شَيْخِهِ وَشَيْخِ شَيْخِهِ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، انْتَهَى.وَقَدْ رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ بِشْرِ بْنِ مُوسَى، وَأَبِي إِسْمَاعِيلَ التِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِ وَاحِدٍ عَنِ الْحُمَيْدِيِّ تَامًّا، وَهُوَ فِي مُصَنَّفِ قَاسِمِ بْنِ أَصْبَغَ وَمُسْتَخْرَجَيْ أَبِي نُعَيْمٍ(١) وَصَحِيحِ أَبِي عَوَانَةَ مِنْ طَرِيقِ الْحُمَيْدِيِّ، فَإِنْ كَانَ الْإِسْقَاطُ مِنْ غَيْرِ الْبُخَارِيِّ فَقَدْ يُقَالُ: لِمَ اخْتَارَ الِابْتِدَاءَ بِهَذَا السِّيَاقِ النَّاقِصِ؟ وَالْجَوَابُ قَدْ تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ، وَأَنَّهُ اخْتَارَ الْحُمَيْدِيَّ لِكَوْنِهِ أَجَلَّ مَشَايِخِهِ الْمَكِّيِّينَ إِلَى آخِرِ مَا تَقَدَّمَ فِي ذَلِكَ مِنَ الْمُنَاسَبَةِ، وَإِنْ كَانَ الْإِسْقَاطُ مِنْهُ فَالْجَوَابُ مَا قَالَهُ أَبُو مُحَمَّدٍ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ سَعِيدٍ الْحَافِظُ فِي أَجْوِبَةٍ لَهُ عَلَى الْبُخَارِيِّ: إِنَّ أَحْسَنَ مَا يُجَابُ بِهِ هُنَا أَنْ يُقَالَ: لَعَلَّ الْبُخَارِيَّ قَصَدَ أَنْ يَجْعَلَ لِكِتَابِهِ صَدْرًا يَسْتَفْتِحُ بِهِ عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ مِنِ اسْتِفْتَاحِ كُتُبِهِمْ بِالْخُطَبِ الْمُتَضَمِّنَةِ لِمَعَانِي مَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ مِنَ التَّأْلِيفِ، فَكَأَنَّهُ ابْتَدَأَ كِتَابَهُ بِنِيَّةٍ رَدَّ عِلْمَهَا إِلَى اللَّهِ، فَإِنْ عَلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ أَرَادَ الدُّنْيَا أَوْ عَرَضَ إِلَى شَيْءٍ مِنْ مَعَانِيهَا فَسَيَجْزِيهِ بِنِيَّتِهِ. وَنَكَبَ عَنْ أَحَدِ وَجْهَيِ التَّقْسِيمِ مُجَانَبَةً لِلتَّزْكِيَةِ الَّتِي لَا يُنَاسِبُ ذِكْرُهَا فِي ذَلِكَ الْمَقَامِ. انْتَهَى مُلَخَّصًا.وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْجُمْلَةَ الْمَحْذُوفَةَ تُشْعِرُ بِالْقُرْبَةِ الْمَحْضَةِ، وَالْجُمْلَةَ الْمُبْقَاةَ تَحْتَمِلُ التَّرَدُّدَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مَا قَصَدَهُ يُحَصِّلُ الْقُرْبَةَ أَوْ لَا، فَلَمَّا كَانَ الْمُصَنِّفُ كَالْمُخْبِرِ عَنْ حَالِ نَفْسِهِ فِي تَصْنِيفِهِ هَذَا بِعِبَارَةِ هَذَا الْحَدِيثِ حَذَفَ الْجُمْلَةَ الْمُشْعِرَةَ بِالْقُرْبَةِ الْمَحْضَةِ فِرَارًا مِنَ التَّزْكِيَةِ، وَبَقِيتِ الْجُمْلَةُ الْمُتَرَدِّدَةُ الْمُحْتَمِلَةُ تَفْوِيضًا لِلْأَمْرِ إِلَى رَبِّهِ الْمُطَّلِعِ عَلَى سَرِيرَتِهِ الْمُجَازِي لَهُ بِمُقْتَضَى نِيَّتِهِ. وَلَمَّا كَانَتْ عَادَةُ الْمُصَنِّفِينَ أَنْ يُضَمِّنُوا الْخُطَبَ اصْطِلَاحَهُمْ فِي مَذَاهِبِهِمْ وَاخْتِيَارَاتِهِمْ، وَكَانَ مِنْ رَأْيِ الْمُصَنِّفِ جَوَازُ اخْتِصَارِ الْحَدِيثِ وَالرِّوَايَةِ بِالْمَعْنَى وَالتَّدْقِيقُ فِي الِاسْتِنْبَاطِ وَإِيثَارُ الْأَغْمَضِ عَلَى الْأَجْلَى وَتَرْجِيحُ الْإِسْنَادِ الْوَارِدِ بِالصِّيَغِ الْمُصَرِّحَةِ بِالسَّمَاعِ عَلَى غَيْرِهِ، اسْتَعْمَلَ جَمِيعَ ذَلِكَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ بِعِبَارَةِ هَذَا الْحَدِيثِ مَتْنًا وَإِسْنَادًا. وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ فِي بَابِ الْهِجْرَةِ تَأَخُّرُ قَوْلِهِ فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ عَنْ قَوْلِهِ فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا، فَيُحْتَمَلُ أَنْ(١) على الصحيحين
تَكُونَ رِوَايَةُ الْحُمَيْدِيِّ وَقَعَتْ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ كَذَلِكَ فَتَكُونُ الْجُمْلَةُ الْمَحْذُوفَةُ هِيَ الْأَخِيرَةَ كَمَا جَرَتْ بِهِ عَادَةُ مَنْ يَقْتَصِرُ عَلَى بَعْضِ الْحَدِيثِ. وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ لَا يَكُونَ ذَلِكَ فَهُوَ مُصَيَّرٌ مِنَ الْبُخَارِيِّ إِلَى جَوَازِ الِاخْتِصَارِ فِي الْحَدِيثِ وَلَوْ مِنْ أَثْنَائِهِ. وَهَذَا هُوَ الرَّاجِحُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ: إِنْ كَانَ الْحَدِيثُ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ تَامًّا لِمَ خَرَمَهُ فِي صَدْرِ الْكِتَابِ، مَعَ أَنَّ الْخَرْمَ مُخْتَلَفٌ فِي جَوَازِهِ؟ قُلْتُ: لَا جَزْمَ بِالْخَرْمِ ; لِأَنَّ الْمَقَامَاتِ مُخْتَلِفَةٌ، فَلَعَلَّهُ - فِي مَقَامِ بَيَانِ أَنَّ الْإِيمَانَ بِالنِّيَّةِ وَاعْتِقَادِ الْقَلْبِ - سَمِعَ الْحَدِيثَ تَامًّا، وَفِي مَقَامِ أَنَّ الشُّرُوعَ فِي الْأَعْمَالِ إِنَّمَا يَصِحُّ بِالنِّيَّةِ سَمِعَ ذَلِكَ الْقَدْرَ الَّذِي رُوِيَ. ثُمَّ الْخَرْمُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ بَعْضِ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ لَا مِنْهُ، ثُمَّ إِنْ كَانَ مِنْهُ فَخَرْمُهُ ثَمَّ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ يَتِمُّ بِذَلِكَ الْمِقْدَارِ. فَإِنْ قُلْتَ: فَكَانَ الْمُنَاسِبَ أَنْ يَذْكُرَ عِنْدِ الْخَرْمِ الشِّقَّ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِمَقْصُودِهِ، وَهُوَ أَنَّ النِّيَّةَ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ. قُلْتُ: لَعَلَّهُ نَظَرَ إِلَى مَا هُوَ الْغَالِبُ الْكَثِيرُ بَيْنَ النَّاسِ، انْتَهَى. وَهُوَ كَلَامُ مَنْ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى شَيْءٍ مِنْ أَقْوَالِ مَنْ قَدَّمْتُ ذِكْرَهُ مِنَ الْأَئِمَّةِ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ، وَلَا سِيَّمَا كَلَامَ ابْنِ الْعَرَبِيِّ. وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: إِنَّ إِيرَادَ الْحَدِيثِ تَامًّا تَارَةً وَغَيْرَ تَامٍّ تَارَةً إِنَّمَا هُوَ اخْتِلَافُ الرُّوَاةِ، فَكُلٌّ مِنْهُمْ قَدْ رَوَى مَا سَمِعَهُ فَلَا خَرْمَ مِنْ أَحَدٍ، وَلَكِنَّ الْبُخَارِيَّ يَذْكُرُهَا فِي الْمَوَاضِعِ الَّتِي يُنَاسِبُ كُلًّا مِنْهَا بِحَسَبِ الْبَابِ الَّذِي يَضَعُهُ تَرْجَمَةً لَهُ، انْتَهَى.وَكَأَنَّهُ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى حَدِيثٍ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ بِسَنَدٍ وَاحِدٍ مِنِ ابْتِدَائِهِ إِلَى انْتِهَائِهِ فَسَاقَهُ فِي مَوْضِعٍ تَامًّا وَفِي مَوْضِعٍ مُقْتَصِرًا عَلَى بَعْضِهِ، وَهُوَ كَثِيرٌ جِدًّا فِي الْجَامِعِ الصَّحِيحِ، فَلَا يَرْتَابُ مَنْ يَكُونُ الْحَدِيثُ صِنَاعَتَهُ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ تَصَرُّفِهِ ; لِأَنَّهُ عُرِفَ بِالِاسْتِقْرَاءِ مِنْ صَنِيعِهِ أَنَّهُ لَا يَذْكُرُ الْحَدِيثَ الْوَاحِدَ فِي موضوعين عَلَى وَجْهَيْنِ، بَلْ إِنْ كَانَ لَهُ أَكْثَرَ مِنْ سَنَدٍ عَلَى شَرْطِهِ ذَكَرَهُ فِي الْمَوْضِعِ الثَّانِي بِالسَّنَدِ الثَّانِي وَهَكَذَا مَا بَعْدَهُ، وَمَا لَمْ يَكُنْ عَلَى شَرْطِهِ يُعَلِّقُهُ فِي الْمَوْضِعِ الْآخَرِ تَارَةً بِالْجَزْمِ إِنْ كَانَ صَحِيحًا وَتَارَةً بِغَيْرِهِ إِنْ كَانَ فِيهِ شَيْءٌ، وَمَا لَيْسَ لَهُ إِلَّا سَنَدٌ وَاحِدٌ يَتَصَرَّفُ فِي مَتْنِهِ بِالِاقْتِصَارِ عَلَى بَعْضِهِ بِحَسَبِ مَا يَتَّفِقُ، وَلَا يُوجَدُ فِيهِ حَدِيثٌ وَاحِدٌ مَذْكُورٌ بِتَمَامِهِ سَنَدًا وَمَتْنًا فِي مَوْضِعَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ إِلَّا نَادِرًا، فَقَدْ عَنِيَ بَعْضُ مَنْ لَقِيتُهُ بِتَتَبُّعِ ذَلِكَ فَحَصَّلَ مِنْهُ نَحْوَ عِشْرِينَ مَوْضِعًا.قَوْلُهُ: (هِجْرَتُهُ) الْهِجْرَةُ: التَّرْكُ، وَالْهِجْرَةُ إِلَى الشَّيْءِ: الِانْتِقَالُ إِلَيْهِ عَنْ غَيْرِهِ. وَفِي الشَّرْعِ: تَرْكُ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ. وَقَدْ وَقَعَتْ فِي الْإِسْلَامِ عَلَى وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ الِانْتِقَالُ مِنْ دَارِ الْخَوْفِ إِلَى دَارِ الْأَمْنِ كَمَا فِي هِجْرَتَيِ الْحَبَشَةِ وَابْتِدَاءِ الْهِجْرَةِ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ، الثَّانِي الْهِجْرَةُ مِنْ دَارِ الْكُفْرِ إِلَى دَارِ الْإِيمَانِ وَذَلِكَ بَعْدَ أَنِ اسْتَقَرَّ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِالْمَدِينَةِ وَهَاجَرَ إِلَيْهِ مَنْ أَمْكَنَهُ ذَلِكَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ. وَكَانَتِ الْهِجْرَةُ إِذْ ذَاكَ تَخْتَصُّ بِالِانْتِقَالِ إِلَى الْمَدِينَةِ، إِلَى أَنْ فُتِحَتْ مَكَّةُ فَانْقَطَعَ الِاخْتِصَاص، وَبَقِيَ عُمُومُ الِانْتِقَالِ مِنْ دَارِ الْكُفْرِ لِمَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ بَاقِيًا.فَإِنْ قِيلَ: الْأَصْلُ تَغَايُرُ بشرط وَالْجَزَاءِ فَلَا يُقَالُ مَثَلًا: مَنْ أَطَاعَ أَطَاعَ وَإِنَّمَا يُقَالُ مَثَلًا: مَنْ أَطَاعَ نَجَا، وَقَدْ وَقَعَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ مُتَّحِدَيْنِ، فَالْجَوَابُ أَنَّ التَّغَايُرَ يَقَعُ تَارَةً بِاللَّفْظِ وَهُوَ الْأَكْثَرُ، وَتَارَةً بِالْمَعْنَى وَيُفْهَمُ ذَلِكَ مِنَ السِّيَاقِ، وَمِنْ أَمْثِلَتِهِ قَوْلُهُ تَعَالَى {وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا} وَهُوَ مُؤَوَّلٌ عَلَى إِرَادَةِ الْمَعْهُودِ الْمُسْتَقِرِّ فِي النَّفْسِ، كَقَوْلِهِمْ: أَنْتَ أنت. أَيِ: الصَّدِيقُ الْخَالِصُ، وَقَوْلُهُمْ: هُمْ هُمْ. أَيِ: الَّذِينَ لَا يُقَدَّرُ قَدْرُهُمْ، وَقَوْلُ الشَّاعِرِ:أَنَا أَبُو النَّجْمِ وَشِعْرِي شِعْرِيأَوْ هُوَ مُؤَوَّلٌ عَلَى إِقَامَةِ السَّبَبِ مَقَامَ الْمُسَبَّبِ لِاشْتِهَارِ السَّبَبِ. وَقَالَ ابْنُ مَالِكٍ: قَدْ يُقْصَدُ بِالْخَبَرِ الْفَرْدِ بَيَانُ الشُّهْرَةِ وَعَدَمِ التَّغَيُّرِ فَيَتَّحِدُ بِالْمُبْتَدَأِ لَفْظًا كَقَوْلِ الشَّاعِرِ:خَلِيلِي خَلِيلِي دُونَ رَيْبٍ وَرُبَّمَا … أَلَانَ امْرُؤٌ قَوْلًا فَظُنَّ خَلِيلًاوَقَدْ يُفْعَلُ مِثْلُ هَذَا بِجَوَابِ الشَّرْطِ كَقَوْلِكَ: مَنْ قَصَدَنِي فَقَدْ قَصَدَنِي. أَيْ: فَقَدْ قَصَدَ مَنْ عُرِفَ بِإِنْجَاحِ قَاصِدِهِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: إِذَا اتَّحَدَ لَفْظُ الْمُبْتَدَأِ وَالْخَبَرِ وَالشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ عُلِمَ مِنْهُمَا الْمُبَالَغَةُ إِمَّا فِي التَّعْظِيمِ وَإِمَّا فِي التَّحْقِيرِ.قَوْلُهُ: (إِلَى دُنْيَا) بِضَمِّ الدَّالِ، وَحَكَى ابْنُ قُتَيْبَةَ كَسْرَهَا، وَهِيَ فُعْلَى مِنَ الدُّنُوِّ أَيِ: الْقُرْبِ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِسَبْقِهَا لِلْأُخْرَى. وَقِيلَ: سُمِّيَتْ دُنْيَا لِدُنُوِّهَا إِلَى الزَّوَالِ. وَاخْتُلِفَ فِي حَقِيقَتِهَا فَقِيلَ: مَا عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْهَوَاءِ وَالْجَوِّ، وَقِيلَ: كُلُّ الْمَخْلُوقَاتِ مِنَ الْجَوَاهِرِ وَالْأَعْرَاضِ، وَالْأُولَى أَوْلَى. لَكِنْ يُزَادُ فِيهِ مِمَّا قَبْلَ قِيَامِ السَّاعَةِ، وَيُطْلَقُ عَلَى كُلِّ جُزْءٍ مِنْهَا مَجَازًا. ثُمَّ إِنَّ لَفْظَهَا