روضة المحبين ونزهة المشتاقين - ط عطاءات العلم (ابن القيم) القسم: الرقائق والآداب والأذكار الكتاب: روضة المحبين ونزهة المشتاقين[آثار الإمام ابن قيم الجوزية وما لحقها من أعمال (٢٣)]المؤلف: أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب ابن قيم الجوزية (٦٩١ - ٧٥١)حققه: محمد عزير شمسراجعه: سليمان بن عبد الله العمير- محمد أجمل الإصلاحي الناشر: دار عطاءات العلم (الرياض) - دار ابن حزم (بيروت) الطبعة: الرابعة، ١٤٤٠ هـ - ٢٠١٩ م (الأولى لدار ابن حزم)عدد الصفحات: ٦٤٩قدمه للشاملة: مؤسسة «عطاءات العلم»، جزاهم الله خيرا[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]تاريخ النشر في راميشر: ١ يوليو ٢٠٢٦.
بسم الله الرحمن الرحيمربِّ يسِّر يا كريم الحمدُ لله الذي جعلَ المحبَّةَ إلى الظفرِ بالمحبوبِ سبيلًا، ونصبَ طاعتَه والخضوعَ له على صدق المحبَّة دليلًا، وحرَّك بها النفوسَ إلى أنواع الكمالات إيثارًا لطلبها وتحصيلًا، وأودَعها العالم العُلْوِيَّ والسُّفليَّ لإخراج كمالِه من القوة إلى الفعل إيجادًا(١) وإمدادًا وقبولًا، وأثارَ بها الهِمَمَ الساميةَ والعَزَماتِ العاليةَ إلى أشرفِ غاياتِها تخصيصًا لها وتأهيلًا. فسبحانَ من صَرَّفَ عليها القلوبَ كما يشاء ولما يشاء بقدرته، واستخرجَ بها ما خلقَ له كلَّ حيٍّ بحكمته، وصَرَّفَها أنواعًا وأقسامًا بين بَرِيَّتِه، وفصَّلها تفصيلًا(٢)، فجعل كلَّ محبوبٍ لمُحِبِّه نصيبًا، مُخطِئًا كان في محبَّته أو مُصِيبًا، وجَعله بحبِّه منعَّمًا أو قتيلًا. فقَسَّمَها بين محبِّ الرحمن، ومحبِّ الأوثان، ومحبِّ النيران، ومحبِّ الصُّلبان، ومحبِّ الأوطان، ومحبِّ الإخوان، ومحبِّ النِّسوان، ومحبِّ الصبيان، ومحبِّ الأثمان، ومحبِّ الإيمان، ومحبِّ الألحان(٣)، ومحبِّ القرآن. وفَضَّلَ أهلَ محبتِه ومحبةِ كتابِه ورسولِه على سائر المحبين تفضيلًا، فبالمحبة(١) ش: «ايجدادا»، ويمكن أن تقرأ «إعدادًا».(٢) ش: «وفضلها تفضيلا».(٣) في ش: «محب الاحان ومحب الإيمان».
وللمحبة وُجِدَتِ الأرضُ والسموات، وعليها فُطِرَتِ المخلوقاتُ، ولها تحرَّكت الأفلاكُ الدائرات، وبها وَصَلتِ الحركاتُ إلى غاياتِها، واتَّصلتْ بداياتُها بنهاياتِها، وبها ظَفِرتِ النفوسُ بمطالبها، وحَصَلتْ على نَيْلِ مَآرِبها، و تَخَلَّصَتْ من مَعَاطِبها، واتخذت إلى ربها سبيلًا، وكان لها دونَ غيرِه مأمولًا وَسُولًا، وبها نالتِ الحياةَ الطيبةَ، وذاقتْ طعم الإيمان لمَّا رَضِيَتْ بالله ربًّا وبالإسلام دينًا وبمحمد رسولًا(١).وأشهدُ أنْ لا إله إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له شهادَةَ مُقرٍّ بربوبيتِه، شاهدٍ بوحدانيتِه، مُنقادٍ إليه بمحبَّته(٢)، مُذْعِنٍ له بطاعتِهِ، معترفٍ بنعمتِه(٣)، فارٍّ إليه من ذنبه وخطيئته، مُؤَمِّلٍ لعفوِه ورحمتِه، طامعٍ [٢ أ] في مغفرته، بريءٍ إليه من حَوْلِه وقوَّتِه، لا يَبْغِيْ(٤) سِواه ربًّا، ولا يتخذ من دونه وليًّا ولا وكيلًا، عائذٍ به، مُلْتَجٍ إليه، لا يرومُ عن عبوديتِه انتقالًا ولا تحويلًا. وأشهدُ أنَّ محمَّدًا عبدُه ورسولُه، وخِيَرَتُه من خَلْقِه، وأمينُه على وَحْيِه، وسَفِيرُه بينه وبينَ عبادِه، أقربُ الخَلْقِ إليه وسيلةً، وأعظمُهم عنده جاهًا، وأَوْسَعُهُم(٥) لديه شفاعةً، وأحبُّهم إليه، وأكرمُهم عليه.(١) نظر المؤلف إلى حديث العباس بن عبد المطلب الذي أخرجه مسلم (٣٤).(٢) ش: «لمحبته».(٣) ش: «بنعمه».(٤) ش: «يبتغي».(٥) ش: «وأسعهم».
أرسله للإيمان مناديًا، وإلى الجنة داعيًا، وإلى صراطه المستقيم هاديًا، وفي مَرْضَاتِه ومَحَابِّه ساعيًا، وبكل معروفٍ آمرًا، وعن كل منكرٍ ناهيًا.رفعَ له ذكرَه، وشرَح له صدرَه، ووضعَ عنه وزْرَه(١)، وجعلَ الذِّلَّةَ والصَّغار عَلَى من خالفَ أمره(٢)، وأقسمَ بحياته في كتابه المبين(٣)، وقرنَ اسمَه باسمِه، فإذا ذُكِر اللهُ ذُكِر معه، كما في الخُطَب والتَّشَهُّدِ والتأذين، فلا يصح لأحدٍ خطبةٌ ولا تشهدٌ ولا أذان حتى يشهدَ أنه عبده ورسوله شهادة اليقين.أغرُّ عليه للنبوة خَاتمٌ … من اللهِ مَيْمُونٌ يلوحُ ويشْهَدُوضَمَّ الإلهُ اسْمَ النبيِّ إلى اسمِه … إِذا قالَ في الخَمْسِ المُؤَذِّنُ أشهدُوشَقَّ له مِن اسمِه لِيُجِلَّه … فذو العَرْشِ محمُودٌ وهَذا مُحَمَّدُ(٤)أرسله على حين فترةٍ من الرسل، فهدى به إلى أقوم الطرق وأوضح السُّبل، وافترضَ على العباد محبَّته، وطاعتَه، وتوقيرَهُ، والقيامَ بحقوقه،(١) كما في سورة الانشراح.(٢) يشير إلى الحديث الذي أخرجه أحمد في مسنده (٢/ ٥٠، ٩٢) عن ابن عمر.(٣) في قوله تعالى: {لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ} [الحجر/٧٢].(٤) الأبيات لحسان بن ثابت في «خزانة الأدب» (١/ ١٠٩) نقلًا عن «المواهب اللدنية» (٣/ ١٥٥). ويوجد البيت الثالث منها ضمن مقطوعة في «ديوانه» (ص ٣٣٨) برواية السكّري.
وسَدَّ إلى الجنة جميعَ الطرق، فلم يَفتَحْ لأحدٍ إلا من طريقه. فلا مَطمَعَ في الفوز بجزيل الثواب، والنجاةِ من وَبيل العقاب إلا لمن كان خلفه من السالكين، ولا يُؤمِنُ عبدٌ حتى يكونَ أحبَّ إليه من نفسه وولدِه ووالدِه والناسِ أجمعين(١).فصلَّى الله وملائكتُه وأنبياؤُه ورسلُه وجميعُ عباده المؤمنين عليه، كما وحَّد الله، وعرَّف أمتَه به، [٢ ب] ودعا إليه، صلاةً لا تَرُومُ عنه انتقالًا ولا تحويلًا، وعَلَى آلِه الطيبين، وصحبه(٢) الطاهرين، وسلّم تسليمًا كثيرًا.أما بعدُ، فإن الله ــ جلَّ ثناؤُه، وتقدَّستْ أسماؤُه ــ جعل هذه القلوبَ أوعيةً، فخيرُها أوعاها للخير والرشاد، وشرُّها أوعاها للغَيِّ والفساد، وسلَّط عليها الهوى، وامتحنها بمخالفته لتنالَ بمخالفته جنَّةَ المأوى، ويستحقَّ من لا يَصْلُحُ للجنة بمتابعته نارًا تلظَّى، وجعله مَرْكَبَ النفسِ الأمارة بالسوء وقُوتَهَا وغذاءها، وداءَ النفس المطمئنة ومخالفتَه دَواءَها، ثم أوجب سبحانه على العبد في هذه المدة القصيرة ــ التي هي بالإضافة إلى الآخرة كساعةٍ من نهار، أو كبَلَلٍ ينالُ الإصبعَ حين يُدخِلها في بحرٍ من البحار(٣) ـ عصيانَ النفس الأمارة، ومجانبةَ هواها، ورَدَعَها عن(٤)(١) يشير إلى الحديث الذي أخرجه البخاري (١٥) ومسلم (٤٤) عن أنس بن مالك.(٢) «وصحبه» ساقطة من ت.(٣) كما في الحديث الذي أخرجه مسلم (٢٨٥٨) عن المستورد بن شداد.(٤) ش: «من».
شهواتها التي في نيلها رَدَاها، ومَنَعَها من الركون إلى لذاتها، ومطالبةِ ما استدعتْه العيونُ الطامحةُ بلحظاتها؛ لتنالَ نصيبَها من كرامتِه وثوابِه موفَّرًا كاملًا، وتلتذَّ آجلًا بأضعاف ما تَركَتْه لله عاجلًا، وأمرَها بالصيام عن محارمه؛ ليكون فطرُها عنده يومَ لقائِه، وأخبرها أنَّ معظمَ نهار الصيام قد ذهب، وأنَّ عيدَ اللقاءِ قد اقترب، فلا يَطولُ عليها الأمدُ باستبطائه.فمَا هي إلا سَاعةٌ ثمَّ تَنْقَضِي … ويَذهبُ هَذا كُلُّه ويَزُولُ(١)هيَّأها لأمرٍ عظيم، وأعدَّها لخَطْبٍ جَسيم، وذَخَرَ لها ما لا عينٌ رأتْ، ولا أذنٌ سمعتْ، ولا خَطَرَ على قلبِ بشرٍ من النعيم المقيم(٢). واقتضَتْ حكمتُه البالغةُ أنَّها لا تَصِلُ إليه إلا من طريق المَكاره والنَّصَب، ولا تَعبُرُ إليه إلا عَلَى جِسْرِ المشقَّةِ والتَّعب، فحَجَبه بالمكروهات صِيانةً له عن الأنفس الدنيّات، المُؤْثِرة للرذائل والسُّفليَّات، وشمَّرت إليه النفوسُ العُلْويَّات، والهممُ العليّات، فامتطَتْ في السير إليه ظهورَ [٣ أ] العَزَمات(٣)، فسارت في ظهورها إلى أشرف الغايات:(١) ذكره المؤلف في «بدائع الفوائد» (٢/ ٦٧٢) بلا نسبة. وللبهاء زهير بيت يشبهه في ديوانه (ص ٢١٠).(٢) كما في الحديث الذي أخرجه البخاري (٣٢٤٤) ومسلم (٢٨٢٤) عن أبي هريرة.(٣) «والهمم .. العزمات» ساقطة من ش.
وركبٍ سَرَوْا والليلُ(١) مُرْخٍ رِوَاقَه … عَلَى كُلِّ مُغْبَرِّ المَوارِدِ قاتمحَدَوْا عَزَماتٍ ضاعتِ الأرضُ بينَها … فصَارَ سُراهم في ظُهورِ العَزائمأَرتْهم نجومُ اللَّيل ما يطلبُونَه … على عَاتِق الشِّعرى وهَامِ النَّعائمفأَمُّوا حِمًى لا يَنْبغي لِسوَاهُمُ … ومَا أَخَذَتْهُم فيه لَوْمَةُ لائِمِ(٢)أجابوا مُناديَ الحبيب لمَّا أذَّن بهم حيّ على الفلاح، وبذلوا نفوسَهم في مرضاتِه بذلَ المُحِبِّ بالرضا والسَّماح، وواصلوا السيرَ إليه بالغدوِّ والرَّواح، فحمِدوا عند الوصول مَسْرَاهم، وإنما «يَحْمَدُ القومُ السُّرى عند الصَّباحِ»(٣). تعبوا قليلًا، فاستراحُوا طويلًا، وتركوا حقيرًا، واعتاضوا عظيمًا.وضعوا اللذةَ العاجلةَ والعاقبةَ الحميدةَ في ميزان العقل، فظهرَ لهم التفاوت، فرأوا من أعظم السَّفه بيعَ الحياة الطيبة الدائمة في النعيم(١) ش: «والركب» تحريف.(٢) الأبيات للشريف الرضي في «ديوانه» (٢/ ٣٨٢) باختلافٍ في الرواية.(٣) في المثل: «عند الصباح يحمد القوم السرى» كما في «جمهرة الأمثال» (٢/ ٤٢)، و «مجمع الأمثال» (٢/ ٣)، و «المستقصى» (٢/ ١٦٨) وغيرها. يُضرَب للرجل يحتمل المشقة رجاء الراحة.
المقيم بلذةِ ساعةٍ تذهبُ شهوتُها، وتبقى شقوتُها.هذا وإنّ من أيام اللذات لو صَفَتْ للعبد من أوَّل عمره إلى آخره لكانت كسحابةِ صَيفٍ تتقشَّعُ عن قليلٍ(١)، وخيال طَيفٍ ما استتمَّ الزيارةَ حتى آذنَ بالرحيل.قال الله تعالى: {أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (٢٠٥) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (٢٠٦) مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ} [الشعراء/٢٠٥ ــ ٢٠٧]، ومَنْ ظَفِرَ بمأموله من ثواب الله، فكأنَّه لم يُوْتَرْ(٢) مِن دهره ما كان يُحاذره ويخشاه، وكان عمرُ بن الخطاب رضي الله عنه يتمثل بهذا البيت:كأنَّكَ لم تُوتَرْ(٣) مِن الدَّهرِ مرةً … إذا أنتَ أدركتَ الذي أنتَ طالبُهفصلوهذا ثمرةُ العقل الذي به عُرِفَ اللهُ سبحانه وتعالى، وأسماؤُهُ، وصفاتُ كماله، ونعوتُ جلاله، وبه آمن المُؤْمِنُون بكتبِه ورُسلِه ولقائِه(١) إشارة إلى شطر بيت: سحابة صيفٍ عن قليل تَقشَّعُوهو لابن شبرمة في «البيان والتبيين» (٣/ ١٤٦)، و «عيون الأخبار» (١/ ٥٦)، و «أدب الدنيا والدين» (ص ٤٠). وتمثَّلَ به خالد بن صفوان كما في «العقد الفريد» (٤/ ٣٦)، و «مجمع الأمثال» (١/ ٣٤٤).(٢) ش: «لم يوثره» تحريف.(٣) ش: «توثر».
وملائكته، وبه عُرِفَتْ [٣ ب] آياتُ ربوبيته، وأدلةُ وحدانيته، ومعجزاتُ رسله، وبه امْتُثِلَتْ أوامرُه، واجْتُنِبَتْ نواهيه. وهو الذي يَلْمَحُ العواقبَ فرَاقبَها، وعَمِلَ بمقتضى مصالحها، وقاوم الهوى، فردَّ جيشَه مفلولًا، وساعدَ الصبرَ حتى ظَفِرَ به بعد أن كانَ بسهامه مقتولًا، وحثَّ عَلَى الفضائل، ونهى عن الرذائل، وَفَتقَ المعاني، وأدركَ الغوامضَ، وشَدَّ أزْرَ العزم، فاستوى على سُوقه، وقَوَّى أزْرَ الحزم حتى حَظِي من الله بتوفيقه، فاستجلبَ ما يَزينُ، ونفى ما يَشينُ، فإذا تُرِكَ وسلطانه أسرَ جنودَ الهوى، فحصرَها في حبس «مَنْ تركَ لله شيئًا عوَّضه الله خيرًا منه»(١)، ونهضَ بصاحبه إلى منازل الملوك، إذا صيَّر الهوى المَلِكَ بمنزلة العبد المملوك، فهو(٢) شجرةٌ عُروقُها(٣) الفكر في العواقب، وساقُها الصبر، وأغصانُهَا العِلْم، وورقها حسن الخُلُقِ، وثمرها الحكمة، ومادَّتها توفيق مَنْ أزِمَّة الأمور بيديْه، وابتداؤُها منه وانتهاؤُها إليه.وإذا كان هذا وصفه، فقبيحٌ أن يُدال عليه عدوُّه، فيعزِلَه عن مملكته، ويَحُطَّه عن رتبته(٤)، وَيَسْتَنْزِلَه عن درجته، فيُصبحَ أسيرًا بعد أنْ كان(١) أخرجه أحمد في «مسنده» (٥/ ٣٦٣) عن رجل من الصحابة مرفوعًا بلفظ: «إنك لن تدع شيئًا لله إلاّ بدَّلك الله به ما هو خير لك منه» وإسناده صحيح.(٢) ش: «فهي».(٣) ش: «عرقها».(٤) «ويحطه عن رتبته» ساقطة من ش.
أميرًا، ومحكومًا عليه(١) بعد أن كان حاكمًا، وتابعًا بعد أن كان متبوعًا، ومَنْ صبرَ على حكمه أرتَعَه في رياض الأماني والمُنَى، ومن خرجَ عن حكمه أوردَه حِياضَ الهلاك والرَّدَى.قال علي بن أبي طالب(٢) رضي الله عنه: لقد سبقَ إلى جنات عدنٍ أقوامٌ ما كانوا بأكثر الناس صلاةً، ولا صيامًا، ولا حجًّا، ولا اعتمارًا، ولكنهم عقلوا عن الله مواعظَه، فوجِلَتْ منه قلوبُهم، واطمأنتْ إليه نفوسُهم، وَخَشَعَتْ له جوارحُهم، ففاقوا الناسَ بطيب المنزلة، وعلوِّ الدرجة عند الناس في الدنيا، وعند الله في الآخرة.وقال عمر بن الخطاب(٣) رضي الله عنه: ليس العاقلُ الذي يعرفُ الخيرَ من الشر، ولكنه الذي يعرف خيرَ الشرَّينِ [٤ أ].وقالت عائشة(٤) رضي الله عنها: قد أفلحَ من جعلَ اللهُ له عقلًا.وقال ابن عباس(٥) رضي الله عنهما: وُلد لكسرى مولودٌ، فأحضَرَ(١) «عليه» ساقطة من ش.(٢) أخرجه ابن الجوزي في «ذم الهوى» (ص ٧).(٣) كما في «العقد الفريد» (٢/ ٢٤٦)، و «ذم الهوى» (ص ٧). ورُوِي نحوه عن عمرو بن العاص في «عيون الأخبار» (١/ ٢٨٠)، و «بهجة المجالس» (١/ ٥٣٥). وأخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب «العقل» (ص ٢٧ - ٢٨)، وأبو نعيم في «الحلية» (٨/ ٣٣٩) عن سفيان بن عيينة.(٤) «ذم الهوى» (ص ٨).(٥) الخبر عن ابن عائشة في «ذم الهوى» (ص ٨)، ونحوه في «أدب الدنيا والدين» (ص ٣١).
بعض المؤدِّبينَ، ووَضَعَ الصَّبيَّ بين يديه، وقال: ما خيرُ ما أُوتي هذا المولود؟ قال: عقلٌ يُولد معه. قال: فإن لم يكن؟ قال: فأدبٌ حسنٌ يعيشُ به في الناس. قال: فإن لم يكنْ؟ قال: فصاعقةٌ تُحرِقُه.وقال بعضُ أهل العلم(١): لما أهبطَ الله تبارك وتعالى آدمَ إلى الأرض أتاه جبريلُ عليه السلام بثلاثة أشياء: الدين، والخُلُق، والعقل، فقال: إن الله يُخيِّركَ بين هذه الثلاثة، فقال: يا جبريلُ! ما رأيتُ أحسنَ من هؤُلاءِ إلا في الجنة، ومدَّ يدَه إلى العقل فضمَّه إلى نفسه، فقال للآخرَيْن: اصْعَدَا. فقالا: إنَّا أُمِرْنَا أن نكونَ مع العقل حيثُ كان. فصارت الثلاثة إلى آدمَ عليه السلام. وهذه الثلاثة أعظمُ كرامةٍ أكرمَ الله بها عبدَه، وأجلُّ عطيَّةٍ أعطاه إيَّاها. وجعل لها ثلاثة أعداء: الهوى، والشيطان، والنفس الأمّارة. والحرب بينهما(٢) دُوَلٌ وسِجال؛ {وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} [آل عمران/١٢٦].وقال وهبُ بن منبِّه: قرأْتُ في بعض ما أنزل الله تعالى: إنَّ الشيطانَ لم يُكَابِدْ شيئًا أشدَّ عليه من مُؤْمنٍ عاقل، وإنه ليسوقُ مئةَ جاهلٍ، فيستجِرُّهم(١) أخرج نحوه ابن أبي الدنيا في كتاب «العقل» (ص ٢٠) عن حماد رجل من أهل مكة. وأخرجه ابن حبان في «روضة العقلاء» (ص ٢٠) عن علي. وانظر: «العقد الفريد» (٢/ ٢٤٥)، و «بهجة المجالس» (١/ ٥٤٣، ٥٤٤)، و «ذم الهوى» (ص ٩).(٢) ت: «بينها».
حتى يَركبَ رِقابَهم، فينقادون له حيث شاء، ويُكابِد المؤْمنَ العاقلَ، فيَصْعُب عليه حتى ينالَ منه شيئًا من حاجته، قال: وإزالة الجبل صخرةً صخرةً أهونُ(١) على الشيطان من مكابدة المؤمن العاقل، فإذا لم يَقدِرْ عليه تحوَّلَ إلى الجاهل فيستأْسره، ويتمكن من قِيادِه حتى يُسْلِمه إلى الفضائح التي يتعجَّلُ بها في الدنيا: الجَلْد، والرجم، والقطع، والصلب، والفضيحة، وفي الآخرة: العار، والنَّار، والشَّنَار. وإنَّ الرجلين ليستويانِ في البِرِّ، ويكون بينهما في الفضل كما بينَ المشرق والمغرب بالعقل، وما عُبِدَ الله بشيءٍ أفضلَ من [٤ ب] العقلِ(٢).وقال معاذ بن جبل(٣) رضي الله عنه: لو أنَّ العاقل أصبحَ وأمسىَ وله ذنوبٌ بعدد الرمل كان وشيكًا بالنَّجاة والتخلُّصِ منها، ولو أنَّ الجاهلَ أصبحَ وأمسى وله من الحسنات وأعمال البرّ عددُ الرمْلِ لكان وشيكًا أن لا يَسْلمَ له منها مثقالُ ذرَّةٍ. قيل: وكيف ذلك؟ قال: لأنَّ(٤) العاقل إذا زلَّ تداركَ ذلك بالتوبة والعقل الذي رُزِقَه، والجاهل بمنزِلة الذي يَبني ويَهدِم، فيأتيه من جهلِه ما يُفسِد صالحَ عمله.(١) ش: «أشد».(٢) الجزء الأخير من هذا الأثر أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب «العقل» (ص ١٨) عن وهب. وهو بتمامه في «ذم الهوى» (ص ٩).(٣) انظر «ذم الهوى» (ص ٩).(٤) ش: «إن».
وقال الحسن(١): لا يَتِمُّ دينُ الرجل حتى يَتمَّ عقلُه، وما أودع الله امرأً عقلًا إلا استنقذه به يومًا.وقال بعضُ الحكماء(٢): من لم يكن عقلُه أغلبَ الأشياء عليه كان حتفُه وهلاكُه في أحبِّ الأشياء إليه.وقال يوسف بن أسباط(٣): العقل سراجُ ما بطنَ، وزينةُ ما ظهرَ، وسائسُ الجسد، ومِلَاك أمرِ العبد، ولا تَصلُحُ الحياة إلا به، ولا تدورُ الأمورُ إلا عليه.وقيل لعبد الله بن المبارك(٤): ما أفضلُ ما أُعطِيَ الرجلُ بعد الإسلام؟ قال: غريزةُ عقل. قيل: فإن لم يكن؟ قال: أدبٌ حسن. قيل: فإن لم يكن؟ قال: أخٌ صالحٌ يستشيرهُ. قيل: فإن لم يكن؟ قال: صمتٌ(١) «ذم الهوى» (ص ٩). وأخرج الجزء الأول عنه ابن أبي الدنيا في كتاب «العقل» (ص ١٧)، وابن حبان في «روضة العقلاء» (ص ١٩)، وانظر: «بهجة المجالس» (١/ ٥٤٣). وأخرج الجزء الثاني عن حاتم بن إسماعيل في «روضة العقلاء» (ص ١٨). وهو عن الحسن في «العقد الفريد» (٢/ ٢٤٧).(٢) هو أردشير كما في «الكامل» للمبرد (١/ ١٠٤)، و «التذكرة الحمدونية» (٣/ ٢٣٣). وانظر: «روضة العقلاء» (ص ٢٢)، و «ربيع الأبرار» (٣/ ١٤١)، و «المستطرف» (١/ ٥٤).(٣) «ذم الهوى» (ص ١٠). وأخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب «العقل» (ص ٣٠) عن عبد الله بن خبيق الأنطاكي.(٤) أخرجه عنه ابن حبان في «روضة العقلاء» (ص ١٧). وانظر «ذم الهوى» (ص ١٠).
طويل. قيل: فإن لم يكنْ؟ قال: موتٌ عاجل. وفي ذلك قيل(١):ما وهبَ الله لامرئٍ هِبَةً … أحسنَ مِن عَقْلهِ ومِن أَدَبِهْهما جمالُ الفتى فإنْ فُقِدا … فَفَقْدُه للحَياةِ أجملُ بِهْفصلوإذا كانت الدولة للعقل سالَمَهُ الهوى، وكان من خَدَمهِ وأتباعهِ، كما أنَّ الدولةَ إذا كانت للهوى صارَ العقلُ أسيرًا في يديْه، محكومًا عليه. ولمَّا كان العبدُ لا ينفكُّ عن الهوى ما دامَ حيًّا ــ فإنَّ هواه لازمٌ له ــ كان الأمرُ بخروجه عن الهوى بالكليَّة كالممتنع. ولكنَّ المقدور له والمأمور به أن يَصرِفَ هواه عن مَراتعِ الهلَكَةِ [٥ أ] إلى مواطن الأمن والسَّلامة.مثاله: أنَّ الله سبحانه وتعالى لم يأْمرْه بصرف قلبه عن هوى النساء جملةً، بل أمره بصرف ذلك الهوى إلى نكاح ما طابَ له منهنَّ من واحدةٍ إلى أربع، ومن الإماء ما شاء، فانصرف مجرى الهوى من محلٍّ إلى محل، وكانت الريحُ دَبورًا، فاستحالت صَبًا. وكذلك هوى الظفر والغلبة والقهر، لم يأْمر(٢) بالخروج عنه، بل أمرَ بصرفه إلى الظفر(١) البيتان بلا نسبة في «العقد الفريد» (٢/ ٤٢٣)، و «معجم الأدباء» (١/ ١٩) و «عين الأدب والسياسة» (ص ١٢٦)، و «غرر الخصائص الواضحة» (ص ٨٣).(٢) ت: «لم يؤمر».
والقهر والغلبة للباطل وحزبه، وشرعَ له من أنواع المغالبات بالسِّباق وغيره مما يُمرِّنه ويُعِدُّه للظَّفر. وكذلك هوى الكِبْر والفخر والخُيَلاء مأْذونٌ فيه بل مستحبٌّ في محاربة أعداء الله.وقد رأى النبيُّ صلى الله عليه وسلم أبا دُجانةَ سِمَاكَ بن خَرَشَة الأنصاريَّ يتبخترُ بين الصفين، فقال: «إنها لَمِشْيَةٌ يُبغِضُها الله إلا في مثل هذا الموطن»(١). وقال: «إنَّ من الخُيَلاء ما يُحِبُّها الله، ومنها ما يُبغِض الله، فالتي يُحِبُّها اختيالُ الرجل في الحرب، وعند الصَّدقة» وذكر الحديث(٢).فما حَرَّم الله على عباده شيئًا إلا عوَّضهم خيرًا منه، كما حَرَّم عليهم الاستقسامَ بالأزلام، وعوَّضهم منه دعاءَ الاستخارة، وحرَّم عليهم الرِّبا، وعوَّضهم منه التجارةَ الرابحة، وحرَّم عليهم القِمار، وأعاضَهم(٣) منه أكلَ المال بالمسابقة النافعة في الدِّين، بالخيل والإبل والسِّهام، وحرَّم عليهم(١) أخرجه الطبراني في «المعجم الكبير» (٦٥٠٨) من حديث أبي دجانة، قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٦/ ١٠٩): فيه من لم أعرفهم. وأخرجه البيهقي في «دلائل النبوة» (٣/ ٢٣٣) من طريق معاوية بن معبد بن كعب بن مالك مرسلًا. ومعاوية مجهول. وأخرجه ابن إسحاق في «السيرة» (ص ٣٠٥)، وابن هشام في «السيرة» (٢/ ٦٧) عن رجل من الأنصار من بني سلمة مرسلًا. وإسناده ضعيف.(٢) أخرجه أحمد (٥/ ٤٤٥، ٤٤٦)، وأبو داود (٢٦٥٩)، والنسائي (٥/ ٧٨) عن ابن جابر بن عتيك عن أبيه. وابن جابر إن كان عبد الرحمن فهو مجهول كما قال ابن القطان. انظر: «تهذيب التهذيب» (٦/ ١٥٤).(٣) ت: «وعوَّضهم».