الترغيب والترهيب - المنذري - ت عمارة (عبد العظيم المنذري)القسم: كتب السنةالكتاب: الترغيب والترهيب من الحديث الشريفالمؤلف: عبد العظيم بن عبد القوي بن عبد الله، أبو محمد، زكي الدين المنذري (ت ٦٥٦ هـ)ضبط أحاديثه وعلق عليه: مصطفى محمد عمارةالناشر: مكتبة مصطفى البابي الحلبي - مصر(تصوير/ دار إحياء التراث العربي - بيروت)الطبعة: الثالثة، ١٣٨٨ هـ - ١٩٦٨ معدد الأجزاء: ٤[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]تاريخ النشر في Ramisher: ١ يوليو ٢٠٢٦.
الترغيب والترهيب - المنذري - ت عمارة - جـ ١الترغيب والترهيب من الحديث الشريف تأليفالإمام الحافظ أبي محمد زكي الدين عبد العظيم بن عبد القوي المنذريالمتوفى سنة ٦٥٦ هـ، رحمه الله تعالى آمين ضبط أحاديثه وعلق عليهمصطفى محمد عمارةخريج دار العلوم ومن كبار مدرسي وزارة المعارف المصرية [الجزء الأول]
مقدمة الطبعة الأولىبسم الله الرحمن الرحيمالحمد لله الذي له ما في السموات وما في الأرض وله الحمد في الآخرة وهو الحكيم الخبير، يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو الرحيم الغفور، وأشهد أن لا إله إلا الله بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة، وأشهد أن سيدنا محمدا رسول الله ناداه مولاه فزاده إجلالا وإكراما (ياأيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا، وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا، ولا تطع الكافرين والمنافقين ودع أذاهم وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا) فأدّى صلى الله عليه وسلم الأمانة، وبلغ الرسالة، وجاهد في الله حق جهاده، ونطق بالحكمة وفصل الخطاب، اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه والعاملين بسنته الأبرار الصالحين المتقين.أما بعد: فيقول الله تعالى (والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون) ٧٨ من سورة النحل.ياابن آدم خلقك الله جاهلا لاتعرف شيئا من الحياة، وهيأ لك ثلاثة أمور للفهم والإدراك لعلك تصغى إلى ما ينفعك، وترى ما يقدِّمك، فتحمد الله تعالى على ما وهب لك من كمال العقل.قال البيضاوي: جهالا مستصحبين جهل الجمادية، سبحانه جعل أداة تتعلمون بها فتحسون بمشاعركم جزيئات الأشياء فتدركونها، ثم تنتبهون بقلوبكم لمشاركاتها ومباينات بينها بتكرّر الإِحساس حتى تتحصل لكم العلوم البديهية، وتتمكنوا من تحصيل المعالم الكسبية بالنظر فيها (لعلكم تشكرون) كي تعرفوا ما أنعم عليكم طورا بعد طور فتشكروه أهـ.ذكرت هذه الآية استدلالا على أن الإنسان في حاجة إلى البحث وكثرة الاطلاع ليغذي نفسه بلبان العلوم والمعارف ويذكرها بالموعظة الحسنة، ولن أجد نبراسا مضيئا، وسراجا وهاجا ومصباحا منيرا ادعي إلى الهداية والإرشاد، مثل كتاب الله جلّ وعلا، وأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم يهديان الناس إلى المحجة الواضحة، ويبصرانهم مواطن الحجة الناصعة، وجماع الخير كله (الترغيب والترهيب) عكفت على قراءته من سنة ١٣٤٩ من هجرة سيدنا رسول الله
صلى الله عليه وسلم وأخرجت مختارات تزيد عن ألفين ولما تطبع. ثم راجعت الكتاب كله وضبطت ألفاظ أحاديثه ضبطا وافيا وأسماء الرواة رضي الله عنهم، ثم عقبت كل باب من أبوابه بذكر طائفة من الآيات القرآنية التي تناسب أن يذكره الواعظ المرشد، والناصح الأمين، والمهدى المخلص، والشارح الوافى كما ذيلتها بشرح (فتح جديد) كما ألهم الله سبحانه وتعالى يفسر غريب ألفاظها، ويحلّ مستغلق كلماتها، وأوردت كل ما تمس إليه الحاجة في فهمها، والاستدلال بعرضها، فجاء والحمد لله كتابا جميلا حوى آيات بينات، وحكما خالدات، وقرآنا عربيا مبينا، شنف آذان المسلمين بآيه الناطقة، وأثلج صدورهم بحكمه البالغة، وأفاض على القلوب من عظاته المؤثرة، فكان مصدر خير، ومبعث نور، وشمس هداية أضاءت للعالم سبل المصالح، وهدتهم خطط العمل الناجح.ثم حوى جملة من كلام خير البشر عليه الصلاة والسلام الذي أرسله الله على حين فترة من الرسل، وحاجة من البشر، فأهاب بالعقول من سباتها، وأخذ بالنفوس عن غيها، وعرض على الأنظار خيالة تمثلت فيها آى الكون الصامتة صلى الله عليه وسلم، أدّبه ربه فوصفه سبحانه بقوله (وإنك لعلى خلق عظيم) فكان تكوينه خير تكوين وتثقيفه أوّل تثقيف صلى الله عليه وسلم، بلغ الرسالة وأدى الأمانة، وإنها لأحاديث منتقاه متخيرة آية في الإبداع والإرشاد، تفصل شؤون الحياة، وتوضح مجمل المحامد، وتجلب كل المحاسن، وتضرب في صميم المنكرات والقبائح، فتزيل كل معوجّ، وتجارى العصر الحاضر ونهضته المباركة في الاستقامة والكدّ والجدّ والاشتغال بالأعمال الصالحة، وشرحتها بعبارة سهلة يلمحها الأديب فيروقه وصفها، ويقرؤها المربي فيسايره نهجها، وينظرها القارئ الساذج فيسهل عليه فهمها، وتروى منا نفسه. تراه يا أخى لكل واعظ غنية، ولكل تقّى بغية، ولكل راغب في الدين منية، ولكل خلق ثمرة غضة (وجنى الجنتين دان) مالئا نفس الراغب، سادّا جوعه الناهم، وأعدّ هذا إلهاما، راجيا من العليم سبحانه أن يهب لى توفيقا، ويرزقني الهداية والصحة والعافية، ويمدّني بروح منه، ويظلني في ظلال السعادة، ويمدني بعنايته لأبعد من الزلل، فهو الهادى المستعان (يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا وما يذكر إلا أولوا الألباب).وحسبك قول الحافظ المنذري في فائدة هذا الكتاب المستطاب سألني بعض الطلبة الحذاق أولو الهمم العالية ممن اتصف بالزهد في الدنيا على الله عز وجل بالعلم والعمل، زاده الله قربا منه وعزوفا عن دار الغرور، أن أملى كتابا جامعا في الترغيب والترهيب مجردا عن التطويل بذكر إسناد أو كثرة تعليل؛ فاستخرت الله وأسعفته بطلبته؛ لما وقر عندي من صدق
نيته؛ وإخلاص طويته، وأمليت عليه هذا الكتاب صغير الحجم، غزير العلم؛ حاويا لما تفرّق في غيره من الكتب) أهـ.أعجبني هذا القول العذب فأكثرت الإمعان فيه، والنظر إلى مراميه، وعقلت معانيه، وأشعر بانشراح صدر، والحمد لله لجنى ثماره، وقطف أزهاره، ونحن الآن في حاجة إليه لأنا في زمن كثر الانصراف فيه عن الدين، وحبب إلى الناس الدنيا وزخارفها، وغرّتهم المدنية الحديثة بسرابها الخادع وبعدوا من السنة وآدابها، ولنا رجاء في المولى جلّ وعلا أن يشمل المسلمين برحمته فيعملوا بالكتاب والسنة ليسعدوا، ولعل هذا السفر ينال حظا وإقبالا على قراءته وينظر إليه المؤمنون، فينقع غلة الصادى، ويشفى علة المرتاب.وإني أمدّ أكف الضراعة إلى من يجيب دعوة المضطرّين أن ينفع به كأصله ويرزقنى فيه الإخلاص، ليكون لى كفيلا في الآخرة بالخلاص، وإني أشكر لله مدده ورعايته إذ أشرقت شموس الوعظ والإرشاد في ربوع العالم وتصدّى للعلم وتعليمه العلماء الأكفاء، والسادة الفضلاء، وقاموا بقسط وافر، وعمل زاخر، جزاهم الله خيرا. والفأل الحسن اليوم ٢٧/ ٥/ ١٣٧٣ هـ إقبال قادة المسلمين على الاطلاع عليه والاستضاءة بأنوار أحاديث صلى الله عليه وسلم.وإن أشكر لرجال دار الكتب الملكية عنايتهم المضاعفة، وهمتهم العالية، فقد يسروا لنا الطرق المعبدة في البحث والتنقيب والمراجعة والتصحيح على عدة نسخ مخطوطة من كتاب (الترغيب والترهيب) وقد اعتمدت على كتاب محضر من جامع شيخون في ٥ يونيه نمرة ١٢٠ حديث، وقفه المرحوم محمد صالح أفندى شرمى زادة لطلبة العلم سنة ١٢٦٢ هـ، وفي آخر هذه العبارة (ووافق الفراغ من كتابه نهار الثلاثاء تاسع عشر المحرّم سنة ٨٢٥ هـ بصالحية دمشق المحروسة على يد المرحوم على بن يوسف البانياسى الشافعي غفر الله له).ثم راجعت على نسخة ثانية في آخرها هذه العبارة (كتبها الشيخ محمد ابن الشيخ محمد ابن أحمد زهران الأجهورى في عشرة من صفر سنة ١٢٠٢ هـ).ثم قام حضرة أخى العزيز المحترم الفاضل (مصطفى أفندى محمدعبد القادر) المدرس بالمدارس الأميرية بالمراجعة وضبط ألفاظ الأحاديث على النسخ المخطوطة بدار الكتب.وقد ساعدنى حضرة الأستاذ المحدث التقى الشيخ أحمد بن الصديق المغربى نزيل مصر الآن على شراء نسخة مخطوطة من سنة ٨٤٩ هـ.أراجع عليها الآن مرة ثانية في أثناء الطبع انظر (ص ٣٧٦ جـ أول من الترغيب).
نبذة في مصطلح الحديث وفن أصولهبسم الله الرحمن الرحيمالحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.أقسام الحديثالنوع الأوّل: الصحيح: ما اتصل سنده بالعدول الضابطين من غير شذوذ ولا علة: أي لا أنه غير مقطوع به؛ ومعنى غير الصحيح لم يصح إسناده، وقيل المختار أنه لايجزم في إسناد أنه أصح الأسانيد مطلقا، وقيل أصحها الزهرى عن سالم عن أبيه، وقيل عن ابن سيرين عن عبيدة عن علىّ، وقيل الأعمش عن ابراهيم عن علقمة عن ابن مسعود، وقيل الزهرى عن عليّ عن الحسن عن أبيه عن على، وقيل مالك عن نافع عن ابن عمر، فعلى هذا قيل الشافعي عن مالك عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهم.الكتب الصحيحةأوّل مصنف في الصحيح المجرد صحيح البخاري. ثم مسلم، وهما أصح الكتب بعد القرآن الكريم، والبخاري أصحهما وأكثرهما فوائد، واختص مسلم بجمع طرق الحديث في مكان. وسنن أبى داود والترمذي والنسائي، تلك أصول خمسة لم يفتها إلا اليسير، وجملة ما في البخاري ٧٢٧٥ حديثا بالمكرر، وبحذف المكرر (٤٠٠٠). ومسلم بإسقاط المكرّر نحو (٤٠٠٠).ثم إن الزيادة في الصحيح تعرف من السنن المعتمدة كسنن أبى داود والترمذي والنسائي وابن خزيمة والدراقطنى والحاكم والبيهقى وغيرهما منصوصا على صحته.والكتب المخرّجة على الصحيحين لم يلتزم فيها موافقتهما في الألفاظ فحصل فيها تفاوت في اللفظ والمعنى وكذا ما رواه البيهقى والبغوى وشبههما قائلين: رواه البخاري ومسلم وقع في بعضه تفاوت في المعنى.أقسام الصحيح. أعلاه ما اتفق عليه البخاري ومسلم، ثم ما انفرد به البخاري، ثم مسلم اثم ما على شرطهما، ثم ما على شرط البخاري، ثم مسلم، ثم صحيح عند غيرهما، وإذا قالوا صحيح متفق عليه أو على صحته فمرادهم اتفاق الشيخين.
النوع الثاني: قال الخطابي رحمه الله: هو ما عرف مخرّجه واشتهر رجاله، وعليه مدار أكثر الحديث ويقبله أكثر العلماء، ويستعمله عامة الفقهاء، وإذا قيل حسن صحيح: أي روى بإسنادين: أحدهما يقتضى الصحة، والآخر الحسن.النوع الثالث: الضعيف: وهو ما لم يجمع صفة الصحيح أو الحسن، وربما لقب بالموضوع أو الشاذ.النوع الرابع: المسند: قال الخطيب البغدادي: هو عند أهل الحديث ما اتصل سنده إلى منتهاه، وأكثر ما يستعمل فيما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم دون غيره.النوع الخامس: المتصل: ويسمى الموصول: وهو ما اتصل إسناده مرفوعا كان أو موقوفا على من كان.النوع السادس: المرفوع: وهو ما أضيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم خاصة لا يقع مطلقه على غيره متصلا كان أو منقطعا.النوع السابع: الموقوف: وهو المروى عن الصحابة قولا لهم أو فعلا أو نحوه متصلا كان أو منقطعا، ويستعمل في غيرهم مقيدا فيقال وقفه فلان.النوع الثامن: المقطوع: وهو الموقوف على التابعى قولا له أو فعلا واستعمله الشافعي، ثم الطبراني في المنقطع.النوع التاسع: المرسل: ما رواه التابعى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قولا أو فعلا.ثم المرسل حديث ضعيف عند جماهير المحدّثين والشافعي وكثير من الفقهاء وأصحاب الأصول، وقال مالك وأبو حنيفة في طائفة صحيح، وقيل مرسل الصحابي محكوم بصحته.النوع العاشر: المنقطع: هو الذي لم يتصل إسناده على أىّ وجه كان انقطاعه، وأكثر ما يستعمل في رواية من دون التابعى عن الصحابى كمالك عن ابن عمر.وقيل هو الذي اختلّ فيه رجل قيل التابعى محذوفاً كان أو مبهما.النوع الحادى عشر: المعضل: ما سقط من إِسناده اثنان فأكثر، ويسمى منقطعا، ويسمى مرسلا عند الفقهاء، وقيل ما قال فيه الراوى: بلغنى، كقول مالك عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (للمملوك طعامه وكسوته) يقال أعضل فهو معضل.الإِسناد المعنعن: هو فلان عن فلان، قيل إِنه مرسل، وقيل متصل بشرط أن لا يكون المعنعن مدلسا، وبشرط إمكان لقاء بعضهم بعضا.وفي اشتراط ثبوت اللقاء وطول الصحبة ومعرفته بالرواية عنه خلاف: منهم من لم يشترط شيئا من ذلك وهو مذهب مسلم بن الحجاج ادعى الاجماع فيه، ومنهم من شرط اللقاء وحده
وهو قول البخاري وابن المدينى والمحققين، ومنهم من شرط طول الصحبة، ومنهم من شرط معرفته بالرواية عنه.النوع الثاني عشر: التدليس(١) تدليس الإسناد: بأن يروى عمن عاصرهم مالم يسمعه منه موهما سماعه قائلا: قال فلان أو عن فلان، وربما لم يسقط شيخه وأسقط غيره ضعيفا أو صغيرا تحسينا للحديث.(٢) تدليس الشيوخ: بأن يسمى شيخه أو يكنه أو ينسبه أو يصفه بما لم يعرف. أما الأول فمكروه جدّا. قال عنه العلماء: من عرف به صار مجروحا مردود الرواية، وأما الثاني فكراهته أخف، وسببها توعير طريق معرفته.النوع الثالث عشر الشاذ: ما روى الثقة مخالفا رواية الناس، لا أن يروى ما لا يروى غيره، هذا عند الشافعي وجماعة من علماء الحجاز.قال الخليلى: والذى عليه حفاظ الحديث أن الشاذ ما ليس له إسناد واحد يشذ به ثقة أو غيره، فما كان عن غير ثقة فمتروك، وما كان عن ثقة توقف فيه ولا يحتج به.النوع الرابع عشر: معرفة المنكر، قال الحافظ البرديجى: هو الفرد الذى لا يعرف متنه عن غير رواية (برديج) بلد بأذربيجان.النوع الخامس عشر: معرفة الاعتبار والمتابعات والشواهد، فالاعتبار أن يروى حماد مثلا حديثا لا يتابع عليه عن أيوب عن ابن سيرين عن ابى هريرة عن النبى صلى الله عليه وسلم. والمتابعة أن يرويه عن أيوب غير حماد وهى المتابعة التامة، أو عن ابن سيرين غير أيوب، أو عن أبي هريرة غير ابن سيرين، أو عن النبى صلى الله عليه وسلم صحابيّ آخر: والشاهد أن يروى حديثا آخر بمعناه.النوع السادس عشر: معرفة زيادات الثقات وحكمها: مذهب الجمهور قبولها مطلقا. وقيل تقبل إن زادها من رواه ناقصا، ولا تقبل ممن رواه مرة ناقصا.النوع السابع عشر: معرفة الأفراد (١) فرد عن جميع الرواة (٢) بالنسبة إلى جهة كقولهم: تفرّد به أهل مكة أو فلان.النوع الثامن عشر: المعلل: أي وجود سبب غامض قادح فيه مع أن الظاهر السلامة منه يفهمه أهل الحفظ والخبرة والفهم السابق.النوع التاسع عشر: المضطرب هو الذي يروى على أوجه مختلفة منفردا به، والحكم للراجح.النوع العشرون: المدرج (١) ما يذكر الراوى عقيب كلامه صلى الله عليه وسلم كلاما لنفسه أو لغيره فيرويه من بعده متصلا فيتوهم أنه من الحديث (٢) أن يكون عنده متنان
بإسنادين فيرويه بأحدهما. (٣) أن يسمع حديثا من جماعة مختلفين في إسناده أو متنه فيرويه عنهم باتفاق، وكله حرام.النوح الحادى والعشرون: الموضوع هو المختلَق المصنوع، وشرّه الضعيف، ويحرم روايته مع العلم به في أي معنى إلا مبينا، ويعرف الوضع بإقرار واضعه، أو معنى إقراره، أوركاكة في لفظه ومعناه.النوع الثاني والعشرون: المقلوب هو نحو حديث مشهور عن سالم جعل عن نافع ليرغب فيه.النوع الثالث والعشرون: صفة من تقبل روايته أن يكون عدلا ضابطا مسلما بالغا عاقلا سليما من أسباب الفسق وخوارم المروءة، متيقظا حافظا إن حدّث من حفظه، ضابطا لكتابه إن حدّث منه، عالما بما يحيل المعنى إن روى به.من كفر ببدعته لم يحتج به، ومن أخذ على التحديث أجراً إلا تقبل روايته عند أحمد وإسحق وأبي حاتم، ولا تقبل رواية من عرف بالتساهل في سماعه أو إسماعه. وألفاظ التعديل: ثقة أو متقن، أو ثبت، أو حجة، أو عدل حافظ، أو ضابط، أو صدوق، أو محله الصدق.النوع الرابع والعشرون: كيفية سماع الحديث وتحمله وصفة ضبطه: بيان أقسام طرق تحمل الحديث ومجامعها(أ) الإجازة: أن يجيز معينا لمعين كأجزتك البخاري، أو مااشتملت عليه فهرستي.(ب) أن يجيز معينا غيره كأجزتك مسموعاتى، جوّز الجمهور الرواية وأوجبوا العمل بها.(جـ) يجيز غير معين بوصف العموم كأجزت المسلمين، أو كل أحد، أو أهل زماني.(د) إجازة مجهول أوّله كأجزتك كتاب السنن، وهو يروى كتبا في السنن.المناولة (١) مقرونة بالإجازة، هي أن يدفع الشيخ إلى الطالب أصل سماعه ويقول هذا سماعي أو روايتى عن فلان فاروه، أو أجزت لك روايته عنى ثم يبقيه معه تمليكا، أو لينسخه أو نحوه، أو يعرض سماع ليرويه عنه. (٢) المجرّدة أن يناوله مقتصرا على (هذا سماعى) فلا تجوز الرواية بها.المكاتبة: هي أن يكتب مسموعه لغائب أو حاضر بخطه أو بأمره، وهي ضربان: مجردة عن الإجازة، ومقرونة بأجرتك ما كتبت لك، وهي في الصحة والقوة كالمناولة المقرونة.إعلام الشيخ الطالب أن هذا الحديث أو الكتاب سماعه مقتصرا عليه، جوّز أهل الحديث الراوية به.
الوصية: أن يوصى عند موته أو سفره بكتاب يرويه الصواب لا يجوز للموصى له روايته عنه.الوجادة: أن يقف على أحاديث بخط راويها لا يرويها الواجد فله أن يقول وجدت أو قرأت بخط فلان أو في كتابه بخط حدثنا فلان ويسوق الإسناد والمتن.النوع الخامس والعشرون: كتابة الحديث وضبطه.النوع السادس والعشرون: صفة رواية الحديث.النوع السابع والعشرون: معرفة آداب المحدث: علم الحديث شريف يناسب مكارم الأخلاق ومحاسن الشيم، وهو من علوم الآخرة، ومن حرمه حرم خيرا عظيما، ومن رزقه نال فضلا جزيلا، فعلى صاحبه تصحيح النية وتطهير قلبه من أغراض الدنيا. واختلف في السن الذي يتصدى فيه لإسماعه، والصحيح أنه متى احتيج إلى ما عنده جلس له في أيّ سن كان. وينبغى أن يمسك عن التحديث إذا خشى التخليط بهرم أو خرف أو عمى، ويختلف ذلك باختلاف الناس.(فصل) الأولى أن لا يحدّث بحضرة من هو أولى منه لسنه أو علمه أو غيره، وقيل يكره أن يحدّث في بلد فيه أولى منه. وينبغى له إذا طلب منه مايعلمه عند أرجح منه ان يرشد إليه فالدين النصيحة، ولا يمتنع من تحديث أحد لكونه غير صحيح النية فإنه يرجى صحتها، وليحرص على نشره مبتغيا جزيل أجره.(فصل) ويستحب له إذا أراد حضور مجلس التحديث أن يتطهر ويتطيب، ويسرح لحيته ويجلس متمكنا بوقار، فان رفع أحد صوته زبره، ويقبل على الحاضرين كلهم، ويفتتح مجلسه ويختتمه بتحميد الله تعالى، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، ودعاء يليق بالحال بعد قراءة قارئ حسن الصوت شيئا من القرآن العظيم، ولا يسرد الحديث سردا يمنع فهم بعضه، والله أعلم.ويستحب للمحدِّث العارف عقد مجلس لإملاء الحديث، ويستملى مرتفعا، ويتخذ متيقظا يبلغ عنه إذا كثر الجمع، ويستنصت المستملى الناس بعد قراءة قارئ حسن الصوت شيئا من القرآن، ثم يبسمل ويحمد الله تعالى ويصلى على رسوله صلى الله عليه وسلم ويتحرّى الأبلغ فيه، وإذا ذكر صاحبيا قال: رضي الله عنه، أو ابنه قال: رضي الله عنهما، ويثني على شيخه حال الرواية بما هو أهله كما فعله جماعات من السلف.النوع الثامن والعشرون: معرفة آداب طالب الحديث: تصحيح النية والإخلاص لله تعالى في طلبه والحذر من التوصل به إلى أغراض الدنيا، ويسأل الله تعالى التوفيق والتسديد والتيسير، وليستعمل الأخلاق الجميلة والآداب. ثم ليفرغ جهده في تحصيله بالسماع من أرجح شيوخ بلده إسنادا وعلما وشهرة ودينا وغيره، فإذا فرغ من مهماتهم فليرحل على عادة الحافظ المبرزين، ويستعمل ما يسمعه من أحاديث العبادات والآداب، فذلك زكاة الحديث وسبب حفظه والله أعلم.
وينبغى أن يعظم شيخه ومن يسمع منه، فذلك إجلال العلم وسبب الانتفاع به، ويتحرى رضاه ولا يضجره، وليستشره في أموره وما يشتغل فيه، وإذا ظفر بسماع أن يرشد إليه غيره فان كتمانه لؤم يقع فيه جهلة الطلبة، فإن من بركة الحديث إفادته، وبنشره ينمى، ولا يمنعه الحياء والكبر من السعي التام في التحصيل وأخذ العلم ممن دونه في نسب أو سن أو غيره، وليصبر على جفاء شيخه، وليعتنِ بالمهمّ، ولا يضيع وقته في الاستكثار من الشيوخ لمجرّد اسم الكثرة.وليتعرف صحة ما يفهم وضعفه وفقهه ومعانيه ولغته وإعرابه وأسماء رجاله محققا كل ذلك معتنيا بإتقان مشكلها حفظا وكتابة، مقدما الكتب الصحيحة.النوع التاسع والعشرون: معرفة الإسناد العالي والنازل:(١) أجلها القرب من رسول الله صلى الله عليه وسلم باسناد صحيح نظيف.(٢) القرب من إمام من أئمة الحديث وإن كثر بعد العدد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.(٣) العلوّ بالنسبة إلى رواية أحد الكتب الخمسة أو غيرها من الكتب المعتمدة.النوع الثلاثون: المشهور من الحديث، وهو ما نقله من يحصل العلم بصدقهم ضرورة عن مثلهم، وهو قسمان: صحيح، وغيره، ومشهور بين أهل الحديث خاصة وبين غيرهم، ومنه المتواتر المعروف في الفقه وأصوله، ولا يذكره المحدِّثون.النوع الحادي والثلاثون: الغريب والعزيز: فالغريب ما انفردوا بروايته، أو بزيادة في متنه إو إسناده وانفرد عن الزهرى وشبهه ممن يجمع حديثه رجل، فإن انفرد اثنان أو ثلاثة سمى عزيزا، فان رواه الجماعة سمى مشهورا، وغريب الحديث ما وقع في متن الحديث من لفظة غامضة بعيدة من الفهم لقلة استعمالها.النوع الثاني والثلاثون: المسلسل. وهو ما تتابع رجال إسناده على صفة أو حالة، للرواة تارة وللراوية تارة، وصفات الرواة أقوال وأفعال وأنواع كثيرة غيرها كمسلسل التشبيك باليد والعدّ فيها، وكاتفاق أسماء الرواة أو صفاتهم أو نسبتهم كأحاديث رويناها كل رجالها دمشقيون وكمسلسل الفقهاء، وصفا كالمسلسل بسمعت أو بأخبرنا.النوع الثالث والثلاثون: ناسخ الحديث ومنسوخه، النسخ رفع الشارع حكما منه متقدما بحكم منه متأخر، فمنه ما عرف بتصريح رسول الله صلى الله عليه وسلم بـ (كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها) ومنه ما عرف بقول الصاحبي كـ (كان آخر الأمرين من سول الله صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مست النار). ومنه ما عرف بالتاريخ، ومنه ما عرف بدلالة الإجماع كحديث قتل شارب الخمر في الرابعة، والإِجماع لا ينسخ ولا ينسخ، لكن يدل على ناسخ، والله أعلم.
النوع الرابع والثلاثون: معرفة مختلف الحديث وحكمه. وهو أن يأتي حديثان متضادان في المعنى ظاهرا فيوفق بينهما أو يرجح أحدهما، وإنما يكمل له الأئمة الجامعون بين الحديث والفقه والأصوليون الغوّاصون على المعانى.النوع الخامس والثلاثون: معرفة الصحابة رضي الله عنهم. قيل هو كل مسلم رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقيل عن أصحاب الأصول: من طالت مجالسته عن طريق التبع، وكلهم عدول رضي الله عنهم. قال أبو زرعة الرازى: قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مائة ألف وأربعة عشر ألفا من الصحابة ممن روى عنه وسمع منه. وأفضلهم سيدنا أبو بكر، ثم عمر وعثمان وعلىّ، ثم تمام العشرة، ثم أهل بدر، ثم أحد، ثم بيعة الرضوان، وممن لهم مزية أهل العقبتين من الأنصار، والسابقون الأولون.النوع السادس والثلاثون: معرفة التابعين رضي الله عنهم. هو من صحب الصحابىّ. وقيل من لقيه، ويليهم الذين ولدوا في حياة النبى صلى الله عليه وسلم من أولاد الصحابة، ومن التابعين المخضرمون الذين أدركوا الجاهلية وأسلموا في زمن النبى صلى الله عليه وسلم. ومن أكاببر التابعين الفقهاء السبعة: ابن المسيب، والقاسم بن محمد، وعروة، وخارجة بن زيد، وأبو سلمة ابن عبد الرحمن، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وسليمان بن يسار. وعن أحمد بن حنبل قال: أفضل التابعين ابن المسيب، قيل فعلقمة والأسود. وقال ابن أبى داود: وسيدتا التابعيات حفصة بنت سيرين، وعمرة بنت عبد الرحمن، وتليهما أم الدرداء. وقال أبو عبد الله بن الخفيف: أهل المدينة يقولون أفضل التابعين ابن المسيب. وأهل الكوفة أو يس، والبصرة الحسن. وقال أحمد بن حنبل: أفضل التابعين قيس وأبو عثمان وعلقمة.النوع السابع والثلاثون: التاريخ والوفايات. الصحيح في سن سيدنا سيد البشر رسول الله صلى الله عليه وصاحبيه أبي بكر وعمر رضي الله عنهما أنه ثلاث وستون، وقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحى الاثنين ١٢ ربيع الأول سنة ١١ هـ، وأبو بكر في جمادى الأولى سنة ١٣ هـ. وعمر في ذى الحجة سنة ٢٣ هـ. وعثمان سنة ٣٥ هـ. وهو ابن اثنتين وثمانين سنة وقيل ابن تسعين. وعلىّ في رمضان سنة ٤٠ هـ. وهو ابن ثلاث وستين، وقيل أربع، وقيل خمس، وطلحة والزبير في جمادى الأولى سنة ٣٦ هـ. قال الحاكم: كانا ابنى ٦٤، وسعد بن ابى وقاص سنة ٥٥ ابن ثلاث وسبعين، وأبو عبيدة سنة ١٨ ابن ثمان وخمسين، وصحابيان عاشا ستين سنة في الجاهلية وستين في الإسلام وماتا بالمدينة سنة ٥٤: حكيم بن حزام، وحسان بن ثابت ابن المنذر بن حرام رضي الله عنه تعالى عنهم أجمعين، وسيدنا سفيان الثورى سنة ١٦٠ ومولده ٩٧
وهو صاحب مذهب مشهور متبوع غير الأربعة أهـ بعبارة مختصر من التقريب للنووى رحمه الله. وبمناسبة تعرضى في شرحى للأحكام الفقهية، وذكر صاحب الترغيب الأئمة ورواة الحديث أتفضل بذكر كلمة تعريفا لحقهم، وقياما ببعض واجبهم، تكون نبراسا للقارئين، وذكرى حسنة للعاملين. الإمام أبو حنيفة النعمان رضي الله تعالى عنه(٨٠ - ١٥٠ هـ)مولده ونشأته: هو الإمام الأعظم أبو حنيفة النعمان بن ثابت بن زوطا بن ماه، فقيه العراق وقدوة أهل الرأى، وصاحب المذهب المقضىّ به الآن في أكثر الممالك الإسلامية، وأول من فتق الفقه وفصل فصوله وأقسامه وميز مسائله ورتب قياسه. والأشهر أن أصل جده زوطا من فرس كابل، ولد سنة ٨٠ ونشأ بالكوفة، وعاصر بعض الصحابة، واشتغل بالفقة وأخذ كل علمه عمن شافه من الصحابة ونقل عنهم، وقد كان كثير من الزنادقة في عصره يضعون الأحاديث ويقبلها منهم أهل الغفلة، فحمل أبا حنيفة شدة تورعه واحتياطه على ألا يأخذ في دينه وفقهه إلا بما لا شك عنده في صحته وتصعب في ذلك فلم يصح عنده إلا أحاديث قلائل عمل بها.مذهبه: استنبط فقهه من القرآن واستعمال القياس والرأى، وتابعه في ذلك أكثر أئمة العراق لقلة رواة الحديث بينهم وكثرتهم في الحجاز، ولذلك امتاز فقهاء الحجاز بمتابعة السنة في أكثر فقههم وأنكروا الرأى على أهل العراق، ولكل حجة كما ترى.زهده وورعه: وكان من أعبد الناس وأكثرهم تهجدا وقراءة للقرآن وأكثرهم ورعا وتقية وتوخيا للكسب من وجه حلّ، رغب عن وظائف الملوك والخلفاء، ورضى أن يعيش تاجر خز، وعرض عليه القضاء من قِبَل أمراء بنى أمية ثم المنصور، فأبى حتى سجنه المنصور على ذلك وآذاه، فكان يعتذر بأنه لا يأمن نفسه. قيل إن المنصور حلف ليلينّ له عملا فكفّر عن يمينه بأن ولاه تعداد الآجر في بناء مدينة السلام، وكان الناس قبله يعدون بالآحاد فعده بالقصب المكعب بعد رصفه.وقرأ عليه الفقه علماء الكوفة وبغداد، وتخرج عليه منهما الأئمة من أصحابه كمحمد بن الحسن وأبي يوسف وزفر وربيعة الرأى ووكيع بن الجراح وغيرهم.وفاته: مات أبو حنيفة رحمه الله ببغداد سنة ١٥٠ هـ.مؤلفاته: وله من الكتب التى رواها عند أصحابه وتابعو أصحابه كتاب الفقه الأكبر، وكتاب العالم والمتعلم، وكتاب الرد على القدرية.
الإمام مالك رضي الله عنه(٩٥ - ١٧٩ هـ)مولده ونشأته: هو سيدنا أبو عبد الله مالك بن أنس بن مالك الأصبحى. ولد بالمدينة سنة ٩٥ هـ ونشأ بها وتفقه وتعلم عن ربيعة الرأى سنة ١٣٦ هـ وتعمق في علوم الدين حتى صار حجة في الحديث وإماما في الفقه، نوّر الله قلبه وفتح عليه فتحا مبينا ورقاه وملأ قلبه إيمانا وورعا وتقوى وإخلاصا، وأدّبه فأحسن تأديبه، وقال الحق، وخشى ربه، وحارب البدع، ونازع الملحد وحاربه.فتاويه وتأليفه: قيل إنه أفتى بخلع المنصور ومبايعة محمد بن عبد الله من آل على. فأحفظ ذلك جعفر بن سليمان عم الخليفة وأمير المدينة فجرّده وضربه سبعين سوطا، فما ازداد إلا علاء وشرفا، ولما علم المنصور بذلك اعتذر إليه وترضاه، وقال له: لم يبق في الناس أفقه منى ومنك، وقد شغلتنى الخلافة، فضع للناس كتابا ينتفعون به. وتجنب رخص ابن عباس، وشدائد ابن عمر، وشواذّ ابن مسعود، ووطئه للناس توطئة. فصنف (الموطأ) وسمعه عليه المهدى. ثم الرشيد سنة ١٧٤، وتظهر عليه حلل النعمة وثياب العزة وأبهة العلم ووقاره، وبقى مشرقا لنور العلم، وقبلة لرواة الحديث، وعمدة للفتوى حتى أتاه اليقين بالمدينة سنة ١٧٩ هـ.أخى: تأمل في حادثة الإمام مالك مع أبى جعفر المنصور يحكم بعزله، ولكن يقدمه عنه التبريز في التأليف وبلوغ قمة المجد والشرف والعز، ويصبح الإمام مالك صاحب مذهب ومجتهدا علامة يعمل بآرائه ملايين المسلمين من لدن ظهوره إلى الآن، بل ما دامت الدنيا لن يفنى العاملون بمذهبه، ولن يضل متبعوه، ولن يذل أو يضل المهتدون بهديه.علمه وفضله: كان مالك من حجج الله على خلقه، لا يحدث إلا عن صحة، ولا يروى إلا عن ثقة؛ قد توفر حظه من السنة، فبنى مذهبه عليها، وانفسح ذرعه في الفقه، فانتهت إليه الفتوى وهو القائل عن نفسه (قلّ رجل كنت أتعلم منه ما مات حتى يجيئنى ويستفتينى) وله كتاب الموطأ في الحديث وهو أساس المذهب.ولما جاء ولى عهد المنصور (المهدى) حاجا سمعه منه، وأمر له بخمسة آلاف دينار وبألف لتلاميذه. ثم رحل إليه الرشيد وأولاده ليسمع موطأه فسمعه وأغدق عليه.صفته وأخلاقه: كان مالك أشقر شديد البياض، أصلع، كبير الرأس، حسن البزة، وقورا مهيبا عفيفا سخيا كريما، يشرك أهل العلم في ماله، متصفا بالنبل والتواضع والحب لرسول الله
صلى الله عليه وسلم، لا يحدّث إلا عن وضوء، ولا يركب دابة في دار الهجرة إجلالا لأرض ضمت جسد رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أنه ضعيف، وكان أمينا على العلم، فلا يترفع أن يقول في الشئ (لا أدرى). اتفق أن امرأة توفيت بالمدينة، فغسلتها غاسلة فلصقت يدها على فرجها فاحتاروا في أمرها هل يقطعون يدها؟ أو يقطعون جزءا من لحمها؟ فاستفتوا الإمام مالكا رضى الله عنه، فقال: أرى عليها حداً فجلدوها وأقاموا عليها حدّ القذف والسبّ، وبعد ذلك خلصت يد الغاسلة، فهذا سبب قولهم: لايفتى ومالك بالمدينة.ومن كلامه رضي الله عنه.إذا رفع الزمان مكان شخص … وكنت أحق منه ولو تصاعدأنله حق رتبته تجده … ينيلك إن دنوت وإن تباعدولا تقل الذي تدريه فيه … تكن رجلا عن الحسنى تقاعدفكم في العرس أبهى من عروس … ولكن للعروس الدهر ساعدولما قدم الرشيد المدينة استقبله الناس إلا مالكا، فأرسل له يعتب عليه؛ فأرسل إليه: إنى شيخ كبير، ولى عذر من الأعذار لا يذكر.فأرسل إليه يا أبا عبد الله نريد أن تأتينا لتحدّثنا بكتابك، فأرسل إليه، إن هذا العلم عنكم أُخذ، وأنتم أولى بصيانته، العلم يؤتى له ولا يأتي، فقال صدقت ثم ركب الرشيد إلى مالك فحبسه ببابه، فقال يا أبا عبد الله لم تأتنا وإذا أتيناك حسبتنا بالباب؟ فقال: علمت أن أمير المؤمنين قصدنى إلى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأردت أن أتأهب لذلك، فطلب أن يقرأ عليه في مجلس خاصّ به، فقال الإمام: اعلم أن الخاصّ لا ينتفع به فنصب له كرسى فقعد عليه فقال الإمام: حدثنا فلان عن فلان عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من تواضع لله رفعه ومن تكبر وضعه الله) فنزل الرشيد عن كرسيه وقعد على الأرض بين الناس.انتهى من كتاب حاشية الشيخ يوسف الصفتى المالكى رحمه الله تعالى ص ١٢.فانظر رعاك فقهه وورعه، أرشده الله إلى الحق وألهمه الرشد. اللهم وفقنا أن ننهج منهجه، ونسير على ضوئه.ونسأل الله جلّ وعلا أن يزيدنا إيمانا به وفقها في دينه إنه الرب العليم الحكيم، وصلى الله على سيدنا محمد النبى الأمى وعلى آله وصحبه وسلم.