التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة - ت الصادق (القرطبي) القسم: الرقائق والآداب والأذكار الكتاب: التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة المؤلف: أبو عبد الله، محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري الخزرجي الأندلسي ثم القرطبي (ت ٦٧١ هـ)تحقيق ودراسة: د. الصادق بن محمد بن إبراهيمأصل التحقيق: أطروحة دكتوراة من الجامعة الاسلامية، ١٤٢٣ هـ الناشر: مكتبة دار المنهاج للنشر والتوزيع، الرياض - السعودية الطبعة: الأولى، ١٤٢٥ هـعدد الأجزاء: ٣ (متسلسلة الترقيم)[تنبيه]: هذه النسخة (الإلكترونية) أُدخِلَتْ إدخالًا جديدًا عن تحقيق الصادق إبراهيم؛ خلافًا لكثيرٍ من النُسَخ الشائعة التي أعادتْ تقسيم (نص طبعة أخرى) بما يوافق هذه الطبعة[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]تاريخ النشر في راميشر: ١ يوليو ٢٠٢٦.
بسم الله الرحمن الرحيم المقدمةإن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: ١٠٢] {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)} [النساء: ١] {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)} [الأحزاب: ٧٠ - ٧١].أما بعد:فإن الإيمان باليوم الآخر من أجلِّ مباحث الإيمان؛ لتعلقه بما يعتقده العباد في معادهم وما يصيرون إليه من نعيم مقيم، أو عذاب أليم.ولأهمية الإيمان باليوم الآخر نجده مرتبطًا في القرآن الكريم بالإيمان بالله جلّ وعلا في عدد من المواضع منها: قوله تعالى: {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} [البقرة: ١٧٧].وقوله تعالى: {وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا (٣٩)} [النساء: ٣٩].كما نجد ذلك الارتباط أيضًا في السنة النبوية، منه قوله صلى الله عليه وسلم: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذي جاره. ." الحديث(١)، وقوله صلى الله عليه وسلم: "من كان(١) أخرجه البخاري في صحيحه ٥/ ١٩٨٧، ح ٤٨٩٠.
يؤمن بالله واليوم الآخر فإذا شهد أمرًا فليتكلم بخير أو ليسكت. ." الحديث(١).فإذا أيقن العبد بالحياة الآخرة التي يكون فيها الحساب على الكبيرة والصغيرة حتى الذرة: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)} [الزلزلة: ٧ - ٨]، أثمر له ذلك اليقين تقوى الله تعالى، ومراقبته، وخشيتَه في السرِّ والعلن.فلما كان الإيمان باليوم الآخر بهذه الأهمية، والمنزلة العالية الرفيعة؛ آثرت أن يكون موضوعُ أُطرُوحَتي في هذه المرحلة: تحقيقَ كتاب من كتب أهل العلم يخدم ذلك الموضوع، فكان اختياري لكتاب التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة للعلامة أبي عبد الله محمد بن أحمد القرطبي، صاحب التفسير المشهور؛ وذلك للأسباب الآتية:- لأن موضوع الكتاب يتعلق بركن من أركان الإيمان، وهو الإيمان باليوم الآخر.- لأنه أجمع كتاب في الموضوع حسب علمي، فجلُّ من كتب بعده عالة عليه.- اهتمام أهل العلم بكتاب التذكرة، وذلك بكثرة النقول عنه(٢).- انتشار الكتاب الواسع بين العامة والخاصة، فلا تكاد تخلو منه مكتبة.- حاجة الكتاب لبيان ما اشتمل عليه من أحاديث واهية وبعض الحكايات الوعظية التي من اعتقد ما فيها حدث عنده انحراف في عقيدته وإيمانه باليوم الآخر.- حاجة الكتاب لبيان ما اشتمل عليه من تأويلات لآيات وأحاديث الصفات، مما قد يجعل المتأثر بالكتاب في مباحث الإيمان باليوم الآخر، والموت، وعذاب القبر، يتأثر بمنهج التأويل ذلك، فوجب التنبيه على(١) أخرجه مسلم في صحيحه ٢/ ١٠٩١، ح ١٤٦٨.(٢) انظر: ص (٦٧ - ٦٨).
تلك الواهيات وهذه التأويلات؛ صيانة للمعتقد الصحيح.هذا وقد قسمت العمل في خدمة الكتاب إلى قسمين:القسم الأول: في دراسة المُؤلِّفِ والكتاب.القسم الثاني: في تحقيق الكتاب.القسم الأول وفيه ثلاثة فصول:الفصل الأول: في التعريف بعصر المُؤلِّفِ:وفيه أربعة مباحث:المبحث الأول: الحالة السياسية في عصر المؤلف وأثرها عليه.المبحث الثاني: الحالة الدينية في عصر المؤلف وأثرها عليه.المبحث الثالث: الحالة العلمية في عصر المؤلف وأثرها عليه.المبحث الرابع: الحالة الاجتماعية في عصر المؤلف وأثرها عليه.الفصل الثاني: في ترجمة المؤلف:وفيه ثلاثة مباحث:المبحث الأول: حياة المؤلف الشخصية وفيه: اسمه ونسبه وكنيته،ومولده ونشأته، وبعض صفاته، وهجرته إلى مصر ووفاته فيها.المبحث الثاني: حياة المؤلف العلمية، وفيه ثلاثة مطالب:المطلب الأول: مكانة المؤلف العلمية وثناء العلماء عليه.المطلب الثاني: شيوخ المؤلف.المطلب الثالث: مصنفات المؤلف.المبحث الثالث: مذهب المؤلف العقدي والفقهي.الفصل الثالث: في التعريف بالكتاب، ووصف مخطوطات التحقيق، ومنهج التحقيق:وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: في التعريف بالكتاب ويشتمل على اسم الكتاب وتوثيق نسبته إلى المؤلف، وعرض مجمل لموضوع الكتاب، وسبب تأليفه، ومنهج المؤلف في التأليف، وروايات المؤلف التي أسندها في هذا الكتاب، وموارده فيه، مع التنويه بأهم موارد المؤلف المتخصصة في موضوع كتابه، ذكر كتاب التذكرة ضمن موارد الكتب الأخرى، مختصراته، مزايا الكتاب، ونقده والمآخذ عليه، ثم ملحوظات إجمالية على طبعات الكتاب الحالية.المبحث الثاني: في وصف مخطوطات التحقيق، وفيه بيان الاسم المثبت عليها، وناسخها، وتاريخ نسخها، وعدد الأوراق، والأسطر، ونوع الخط، مع وصف لمناهج النساخ في النسخ، ثم تصوير نماذج منها.المبحث الثالث: منهجي في التحقيق.وفيه ذكرت منهجي في ضبط النص وتقويمه، وتخريج النصوص والتعليق عليها(١).القسم الثاني: تحقيق الكتاب.(١) انظر: ص (٩٣).
شكر وتقديرالحمدُ للهِ على نعمة الإسلام، والحمدُ لله على نعمةِ طلب العلم في بلدِ نبِيه صلى الله عليه وسلم، والحمدُ للهِ الذي بنعمتِهِ تتمُ الصالحات فله الحمدُ ربُّنا على إعانتِهِ وتوفيقِهِ لي بخدمةِ هذا الكتابِ خدمةً لدين الإسلام، فالحمدُ لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدان الله، اللهم إني لا أحصي ثناء عليك كما أثنيت أنت به على نفسك.ثم الشكرُ لهذه الدولةِ الكريمةِ: خادمةِ الإسلام والمسلمين، وخادمةِ العلمِ وأهلِه: المملكةِ العربيةِ السعوديةِ على أياديها البيضاءِ، وإحسانِها لشعوبِ وأبناءِ العالمِ الإسلامي بإنشاءِ هذه المنارةِ الإسلاميةِ المباركةِ: الجامعةِ الإسلاميةِ بالمدينةِ النبويةِ التي هي من أكبرِ الحسناتِ وأعظمِ القربات، فالله أسألُ أن يكتبَ الأجرَ والثوابَ الجزيلَ لمن كان سببًا في إنشائِها واستمرارها. ثم الشكرُ موصولٌ لجميعِ المشايخِ والقائمينَ على أمرِ هذه الجامعةِ لما يبذلونه من جهدٍ مقدرٍ لتحقيقِ رسالتها.وأخصُ بالشكرِ الجزيلِ شيخي الجليلَ فضيلةَ الدكتور محمدَ باكريم باعبد الله، المشرفَ على هذه الرسالةِ التي أولاها عنايتَه الفائقةَ منذُ الوهلةِ الأولى بالبحثِ معي في فهارس المكتباتِ عن أفضلِ النُسَخِ الخطيةِ، فكانت له بتوفيقٍ من اللهِ تعالى اليدُ الطُولَى في مساعدتي في خدمةِ هذا الكتاب بما تعلمتُه من فضيلتِهِ من خلقِ الصبرِ والمصابرةِ، ورحابةِ الصدرِ، وحسنِ الأدبِ، فقد فتح لي حفظه الله قلبَه وبابَه في جميعِ الأوقاتِ حتى في أوقاتِ راحتِهِ، ومنحني الكثيرَ من وقته الثمينِ دونَ كللٍ أو مللٍ.وقد نفعني الله تعالى بملحوظاتِهِ الدقيقة، وآرائِهِ السديدة، فقد كان بحقٍّ مشرفًا ومربيًا، فلا أحسبُ أنه ادّخرَ جهدًا في النُصْحِ والنصيحةِ، ولا أحسبُ
أني أستطيع له مكافأةً غير أن أدعو له الكريمَ الوهابَ أن يباركَ في عُمُرِه وعلمِه وعقبِه، وأن يجعلَ ما قدّمه للعلمِ وطلابِهِ في ميزانِ حسناتِهِ إنه قريبٌ مجيبٌ.وأخصُ بالشكرِ الجزيلِ أيضًا الشيخين الكريمين فضيلة الدكتور عبدَ العزيز بنَ إبراهيمَ الشهوان عضوَ هيئةِ التدريسِ بكليةِ أصولِ الدينِ بجامعة الإمامِ محمدٍ بن سعودٍ الإسلاميةِ بالرياض، وفضيلةَ الأستاذ الدكتور عبد الرزاقَ بنَ عبد المحسن البدر على مشاركتي خدمةَ هذا الكتابِ بتصويبه وتقويمِ اعوجاجه، فجزاهما الله عني وعن المسلمين خير الجزاء.هذا فما أصبتُ فيه فهو من محض توفيق الله تعالى وإعانته، وإن كانت الأخرى فراجع إلى ضعف البشر وقصورهم عن بلوغ الكمال.
الفصل الأول في التعريف بعصر المُؤلِّفِوفيه أربعة مباحث:المبحث الأول: الحالة السياسية في عصر المؤلف وأثرها عليه.المبحث الثاني: الحالة الدينية في عصر المؤلف وأثرها عليه.المبحث الثالث: الحالة العلمية في عصر المؤلف وأثرها عليه.المبحث الرابع: الحالة الاجتماعية في عصر المؤلف وأثرها عليه.
المبحث الأول الحالة السياسية في عصر المؤلف وأثرها عليهوُلِدَ المؤلفُ رحمه الله تعالى وعاش بداية حياته في مدينة قُرْطُبة(١) في عصر دولة الموحدين: التي كانت تحكم بلاد المغرب والأندلس في المُدةِ ما بين سنة خمس عشرة وخمسمائة إلى سنة ثمان وستين وستمائة (٥١٥ هـ إلى ٦٦٨ هـ)، والتي أسسها: محمد بن عبد الله بن تومرت المغربي(٢)، وكانت(١) قُرْطُبة بضم الأول وسكون الثاني وضم الطاء المهملة ثم الباء الموحدة، كلمة فيما يبدو أعجمية، ففي نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب لأحمد المقري ١/ ٤٥٨: إن قرطبة بالظاء المعجمة، ومعناه: أجر ساكنها، ثم عُرِّبت بالطاء. ا. هـ، ولكلمة قرطبة حظٌ في العربية من المعاني، فالقُرْطُبي: السيف، وقَرْطَبَهُ: صرعه على قفاه وطعنه، والقَرْطَبة: العَدْو الشديد، انظر: لسان العرب لابن منظور ١/ ٥٥٩.فقرطبة: مدينة عظيمة بالأندلس، تتوسط بلادها، وكانت سريرًا لملكها، وبها كانت ملوك بني أمية ومعدن الفضلاء، وتقع المدينة على سفح جبل يسمى جبل العروس من جبال "سيرامورنيا" أو الجبال السوداء، كما تحتل سهلًا فسيحًا بين هذه الجبال والوادي الكبير، وتمتد عمارتها على الضفة اليمنى للوادي. وطول قرطبة ثلاثة أميال في عرض ميل. انظر: معجم البلدان لياقوت الحموي ٤/ ٣٢٤؛ ونفح الطيب ١/ ١٥٤، ٤٤٥، ٤٥٨؛ وتاريخ المسلمين وآثارهم في الأندلس ص (٢٩٢) للدكتور السيد عبد العزيز سالم.(٢) قال ابن كثير: "كان ابتداء أمر هذا الرجل أنه قدم في حداثة سنه من بلاد المغرب، فسكن النظامية ببغداد، واشتغل بالعلم، فحصَّل منه جانبًا جيدًا: من الفروع والأصول على الغزالي وغيره، وكان يُظْهر التعبدَ، والزهدَ والورعَ، وربما كان ينكر على الغزالي حُسْنَ ملابسه، ولا سيما لما لبس خُلَعَ التدريس بالنظامية أظهر الإنكار عليه جدًّا وكذلك على غيره، ثم إنه حج وعاد إلى بلاده، وكان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويقرئ الناس القرآن ويشغلهم في الفقه، فطار ذكره في الناس، وارتفع أمره وقويت شوكته، وتَسَمّى بالمهدي، وكوّن جيشًا سماه جيش الموحدين، وألف كتابًا =
تحيط ببلاد الأندلس في حكم الموحدين أربع ممالك هي: قشتالة، وليون، وأراجون، ونافارا، وهذه الممالك تمثل في مجموعها ممالك الإسْبان النصرانية، التي دخلت فيما بعد في صراعٍ مريرٍ مع دولة الموحدين صاحبة السيادة على الأندلس المسلمة(١).بدأت دولة الموحدين قوية بقوة دعاتها وحكامها الأوائل، ولكن لأسباب كثيرة ضعفت قوتها، ومن أهم أسباب هذا الضعف: الفتن والانقسامات والثورات الداخلية.وقد نقل صاحب نفح الطيب قول أحد المؤرخين في وصف حال بلاد الأندلس بعد تفككها: "ولم تزل هذه الجزيرة منتظمة لمالكها في سلك الانقياد والوفاق إلى أن طما(٢) بمترفيها سيل العناد والنفاق، فامتاز كل رئيس منهم بصُقْع(٣) كان مسقط رأسه، وجعله مَعْقِلًا(٤) يعتصم فيه من من المخاوف بأَفْرَاسِهِ(٥)، فصار كل منهم يشن الغارة على جاره، ويحاربه في عُقْرِ دارِهِ(٦)،= في التوحيد، وعقيدةً تسمى المرشدة" البداية والنهاية ١٢/ ١٨٦؛ وقال عبد الواحد المراكشي: "وكان جل ما يدعو إليه: علم الاعتقاد على طريق الأشعرية، وكان أهل المغرب ينافرون هذه العلوم ويعادون من ظهرت عليه شديدًا. وجعلَ يذكرُ المهديَّ وشوَّق إليه، وجمع الأحاديث التي جاءت فيه من المصنفات، فلما قرر في نفوسهم فضيلة المهدي ونسبه ونعته، ادّعى ذلك لنفسه، وقال: أنا محمد بن عبد الله، ورفع نسبه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وصرح بدعوى العصمة لنفسه، وأنه المهدي المعصوم، وروى في ذلك أحاديث كثيرة حتى استقر عندهم أنه المهدي، وبسط يده فبايعوه على ذلك. توفي ابن تومرت المذكور في شهور سنة ٥٢٤ هـ، بعد أن أسس الأمور وأحكم التدبير ورسم لهم ما هم فاعلوه"، انظر: المعجب في تلخيص أخبار المغرب ص (١٨٤، ١٨٧، ١٩٤).(١) انظر: دولة الإسلام في الأندلس القسم الثاني: عصر الموحدين وانهيار الأندلس الكبرى لمحمد عنان ص (٥٨٣).(٢) من طما الماء إذا ارتفع، الصحاح للجوهري ٦/ ٢٤١٥.(٣) الصُقْعُ بالضم: الناحية، الصحاح ٣/ ١٢٤٣.(٤) المَعْقِل: الملجأ، الصحاح ٥/ ١٧٦٩.(٥) أَفْرَاس جمع فَرَس، الصحاح ٣/ ٩٥٧. ولعل المراد الفرسان الذين يحمونه.(٦) عُقْرُ الدار بضم العين وفتحها: أصلها، وهو مَحَلّة القوم، الصحاح ٢/ ٧٥٥.
إلى أن ضعفوا عن لقاء عدوٍّ في الدين يعادي، ويُرَاوِحُ(١) مَعَاقِلَهُ بالعَيْثِ(٢) ويُغادي(٣)، حتى لم يبق في أيديهم منها إلا ما هو في ضمانِ هُدْنَةٍ مُقدَّرةٍ وإِتَاوَةٍ(٤) في كل عام على الكبير والصغير مقررة"، قال صاحب نفح الطيب(٥): هذا قاله قبل أن يستولي العدو على جميعها.وفي المقابل استغل النصارى الإسبان هذا التفكك والضعف، فوحدوا كلمة الممالك الإسبانية النصرانية السابقة بقيادة ملك قشتالة، وبرعايةٍ قويةٍ من البابوية؛ للقضاء على الوجود الإسلامي في بلاد الأندلس، حيث كان البابا يتولى بنفسه التقارب بين ممالك الإسبان النصرانية، وتوحيد كلمتها ضد المسلمين(٦)، فبدأ النصارى الإسْبان يشنون الغارة تلو الغارة على بلاد الأندلس، وكان من بين تلك الغارات غارة شنها النصارى الإسبان على قرطبة سنة سبع وعشرين وستمائة (٦٢٧ هـ)، وكان من نتائجها قَتْلُ والد القرطبي المؤلف رحمهما الله تعالى، حيث يخبرنا القرطبي عن تلك الغارة ضمن مسألة أوردها في تفسيره(٧) عند تفسير قوله تعالى: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩)} [آل عمران: ١٦٩] قال: "العدو إذا صبح قومًا في منزلهم ولم يعلموا به، فقتل منهم، فهل يكون حكمه حكم قتيل المعترك، أو حكم سائر الموتى؟ وهذه المسألة نزلت عندنا بقرطبة أعادها الله، أغار العدو قصمه الله صبيحة الثالث من رمضان المعظم سنة سبع وعشرين وستمائة والناس في أجْرَانِهم(٨) على غفلة فقتلَ وأسرَ، وكان مِن جملة مَن قتل(١) الرَّوَاحُ: نقيض الصباح، وهو اسم للوقت من زوال الشمس إلى الليل، الصحاح ١/ ٣٦٨.(٢) العَيْثُ: الإفساد، الصحاح ١/ ٢٨٧.(٣) الغُدُوُّ: نقيض الرواح، وهو الوقت ما بين صلاة الفجر إلى طلوع الشمس، الصحاح ٦/ ٢٤٤٤.(٤) الإتَاوَةُ: الخراج، الصحاح ٦/ ٢٢٦٢.(٥) ٤/ ٤٤٦.(٦) انظر: دولة الإسلام في بلاد الأندلس القسم الثاني ص (٥٩٠).(٧) الجامع لأحكام القرآن ٤/ ١٧٤ فقرة رقم ٢٧٢.(٨) في لسان العرب لابن منظور ١٣/ ٨٧: جَرَن جُرُونًا أي تعود أمرًا. فلعل مراد المؤلف أن الناس كانوا فيما اعتادوا عليه من أعمالهم، والله أعلم.
والدي رحمه الله، فسألت شيخنا المقرئ الأستاذ أبا جعفر أحمد المعروف بأبي حُجة(١) فقال: غسله وصلِّ عليه فإن أباك لم يقتل في المعترك بين الصفين، ثم سألت شيخنا ربيع بن عبد الرحمن بن أحمد بن ربيع بن أبي(٢) فقال: إن حكمه حكم القتلى في المعترك، ثم سألت قاضي الجماعة أبا الحسن علي بن قطرال(٣) وحوله جماعة من الفقهاء فقالوا: غسله وكفنه وصلِّ عليه ففعلت، ثم بعد ذلك وقفت على المسألة في التبصرة لأبي الحسن اللخمي(٤) وغيرها، لو كان ذلك قبل ذلك ما غسلته، وكنت دفنته بدمه في ثيابه".ثم توالت هجمات النصارى على قرطبة حتى سقطت في أيديهم سنة ثلاث وثلاثين وستمائة (٦٣٣ هـ) بعد حصار يقرب من أربعة أشهر، وما كاد النصارى يدخلون قرطبة حتى رفعوا الصليب على مسجدها الجامع إيذانًا بتحويله إلى كنيسة، ورفعوا علم مملكة قشتالة الإسبانية على القصر الخلافي، وبدخول النصارى إلى قرطبة هجرها العدد العظيم من أهلها مرغمين(٥).ولا تزال قرطبة وبلاد الأندلس عامة في أيدي النصارى الإسبان إلى يومنا هذا. وكان ممن هاجر من قرطبة أبو عبد الله القرطبي المؤلف رحمه الله، حيث رحل إلى المشرق قاصدًا مصر.(١) انظر: ترجمته ص (٣٥).(٢) هكذا ورد الاسم في تفسير المؤلف، ولم تتجاوز مصادر الترجمة اسم (ربيع)، ومن المحتمل إذا ضُبط الاسم أن يكون: أُبَي، مثل: أُبَي بن كعب، والله أعلم، وانظر: ترجمته ص (٣٥).(٣) علي بن عبد الله بن محمد الأنصاري، يعرف بابن قطرال، ويكنى أبا الحسن، القاضي، من أهل قرطبة، كان مشاركًا في العديد من الفنون مع تميزه بالبلاغة، توفي سنة ٦٥١ هـ، انظر: التكملة لكتاب الصلة لابن الأبار ٣/ ٢٤١ رقم الترجمة ٦٠٤.(٤) علي بن محمد الربعي، أبو الحسن، المعروف باللخمي، كان فقيهًا فاضلًا، له تعليق كبير على المدونة سماه "التبصرة" مفيدٌ حسنٌ، لكنه ربما اختار فيه وخرّج، فخرجت اختياراته عن المذهب، توفي سنة ٤٩٨ هـ، انظر: الديباج المذهب في معرفة أعيان علماء المذهب لابن فرحون المالكي ١/ ٢٠٣.(٥) انظر: قرطبة حاضرة الخلافة في الأندلس ١/ ١٥٣ - ١٥٤ للدكتور السيد عبد العزيز سالم.
وفي المشرق لم تكن الأوضاع الأمنية وحال الخلافة بأحسن من بلاد الأندلس، ففي سنة ست وخمسين وستمائة (٦٥٦ هـ) - وهو الوقت الذي كان فيه القرطبي في مصر كما سيأتي(١) - كانت الخلافة الإسلامية مهددة بخطر التتار، حيث وصل منهم في هذه السنة مائتا ألف جندي يتقدمهم هولاكو، فهزموا جيش الخليفة، ودخلوا بغداد فقتلوا أكثر من ألف ألف نسمة، وجمًّا غفيرًا من العلماء والفقهاء والأمراء، ولم يسلم إلا من اختفى في بئر أو قناة، وقتلوا الخليفة رَفْسًا بالأَرْجُلِ.ثم دخلت سنة سبع وخمسين وستمائة (٦٥٧ هـ) والأمة الإسلامية بلا خليفة، وكان صاحب مصر إذ ذاك: المنصور علي بن المعز، وأتابكه(٢) الأمير: سيف الدين قُطز المعزي مملوكًا لأبيه، فجمع الأمير قطز الأمراء والأعيان فكان ممن حضر الشيخ عز الدين بن عبد السلام(٣) الذي أوجب على المسلمين مقاتلة العدو والنفرة لتجهيز الجيش.وفي شعبان من سنة ثمانٍ وخمسين وستمائة (٦٥٨ هـ) خرج المسلمون متوجهين إلى الشام لقتال التتار، فالتقوهم في موقعة عين جالوت الشهيرة التي انتصر فيها المسلمون، وانهزم فيها التتار شر هزيمة، وأقيمت الخلافة في مصر سنة (٦٥٩ هـ) للمستنصر بالله أحمد بن الظاهر بأمر الله، الذي قُتِلَ بعد ذلك بقليل، فبويع بعده في سنة ستين وستمائة (٦٦٠ هـ) للحاكم بأمر الله أحمد بن الأمير علي القُبي الذي في عهده توفي القرطبي المؤلف سنة إحدى وسبعين وستمائة (٦٧١ هـ)(٤).(١) انظر: ص (٣١).(٢) لعل المراد بهذا اللقب: أمير الجيوش، كما جاء لقبه بذلك في البداية والنهاية لابن كثير ١٢/ ١٧٣.(٣) عز الدين بن عبد السلام بن القاسم، أبو محمد الدمشقي الشافعي، صاحب التصانيف منها: القواعد الكبرى والصغرى، وكتاب الصلاة والفتاوى الموصلية، توفي سنة ٦٦٠ هـ، انظر: البداية والنهاية ١٣/ ٢٣٥.(٤) انظر: تاريخ الخلفاء للسيوطي ص (٤٧١ - ٤٨٤).
أثر الحالة السياسية على المؤلف رحمه الله -:كان للحالة السياسية في عصر المؤلف أثرٌ واضحٌ عليه، فكان لاستيلاء العدو على بلده قرطبة، وإرغام أهلها على الهجرة منها، وقَتْل والده على أيديهم الأثر الكبير في عدم استقراره، وأدّى ذلك إلى قطعه لطلب العلم في قرطبة حيث خرج منها شابًا(١).وفي المشرق كان خطر التتار وعدم الاستقرار يلاحقانه رحمه الله، مما أدى إلى تنقله في عدد من مدن مصر، واستقراره أخيرًا في صعيدها في الجنوب(٢)، حيث قضى بقية أيام عمره فيه، فأضعف عدم استقرار المشرق تلقي المؤلف للمزيد من العلوم من علمائه، فلم تذكر مصادر الترجمة ذهابه إلى بغداد عاصمة الخلافة الإسلامية وملتقى العلماء مع قربها من مصر.كما أثر عدم استقراره على جهوده في التعليم والتدريس، فلا يكاد يُذكر للمصنف تلاميذ تلقوا عنه فنًا معينًا مع تمكنه من فنون عدة.* * * * *(١) انظر: ص (٢٧).(٢) انظر: ص (٣١ - ٣٢).
المبحث الثاني الحالة الدينية في عصر المؤلف وأثرها عليهكان الخلفاء والولاة في عصر دولة الموحدين في الأندلس يعملون على تطبيق الشريعة الإسلامية بين الرعية، وفي إداراتهم، وكان لعلماء الدين الإسلامي مكانتهم الخاصة في الدولة، وفي المجتمع الأندلسي عمومًا: فمنهم الذين استعانت بهم الدولة في القضاء، والخطابة، والإفتاء، وغير ذلك من المهام العظيمة، وقد استمد هؤلاء العلماء تلك المكانة من كونهم حملة الشريعة، وحماة الدين.هذا بالإضافة إلى الإقبال الكبير من الناس في هذا العصر على تعلم الفقه، خاصة الفقه المالكي، الذي كان سائدًا في مدن الأندلس عمومًا بما فيها قرطبة مدينة المؤلف.أما المعتقد الذي كان سائدًا في ذلك العصر في باب الصفات خاصة: فهو معتقد الأشاعرة الذي تبناه مؤسس دولة الموحدين ابن تومرت(١).كما كان للفلسفة وجود كبير في ذلك العصر في الأندلس خاصة على يد أبي الوليد محمد بن أبي القاسم بن رشد، الحفيد، القرطبي المتوفى سنة خمس وتسعين وخمسمائة، والذي كانت وفاته قبل مولد القرطبي المؤلف بقليل، فابن رشد يعتبر مؤسسًا لدعائم الفلسفة في ذلك العصر بخدمته لكتب الأوائل ونشرها(١) انظر: التاريخ الإسلامي من الفتح الإسلامي حتى سقوط غرناطة سنة ٨٩٧ هـ للدكتور عبد الرحمن الحجي ص (٤٩٩)؛ ودولة الأندلس في نهاية المرابطين ومستهل الموحدين، عصر الطوائف الثاني ص (٢٧٢) للدكتورة عصمت دندش؛ ودولة الإسلام في الأندلس ٢/ ٥٥١، (الملاحق)، وانظر: ص (١٣).