التبصرة لابن الجوزي (ابن الجوزي) القسم: الرقائق والآداب والأذكار الكتاب: التبصرة لابن الجوزي المؤلف: جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي (ت ٥٩٧هـ) الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان الطبعة: الأولى، ١٤٠٦ هـ - ١٩٨٦ معدد الأجزاء: ١[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]تاريخ النشر في راميشر: ١ يوليو ٢٠٢٦.
بسم الله الرحمن الرحيمالمجلس الأولفِي ذِكْرِ عَاشُورَاءَ وَالْمُحَرَّمِالْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي طهر بتأديبه من أَهْلِ تَقْرِيبِهِ نُفُوسًا، وَسَقَى أَرْبَابَ مُصَافَاتِهِ مِنْ شراب مناجاته كؤوساً، وَدَفَعَ كَيْدَ الشَّيْطَانِ عَنْ قُلُوبِ أَهْلِ الإِيمَانِ فَأَصْبَحَ عَنْهَا مَحْبُوسًا، وَصَرَفَ عَنْ أَهْلِ وِدَادِهِ بِلُطْفِهِ وَإِسْعَادِهِ أَذًى وَبُوسًا، وَأَذَلَّ بِقَهْرِهِ مَنْ شَاءَ مِنْ خَلْقِهِ أَعْنَاقًا وَرُءُوسًا، وَأَعَادَ ذِكْرَ الأَصْنَامِ بِعِزِّ التَّوْحِيدِ وَالإِسْلامِ مَطْمُوسًا، وَجَعَلَ عَدَدَ السِّنِينَ بِجَرَيَانِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ لِلْحَاسِبِينَ مَحْرُوسًا، وَكَرَّمَ عَشْرَ الْمُحَرَّمِ وَكَلَّمَ فِي عَاشُورَاءَ مِنْهُ نَبِيَّهُ مُوسَى.أَحْمَدُهُ عَلَى نِعَمٍ لا تُحْصَى عَدَدًا وَمَا أَقْضِي بِالْحَمْدِ حَقًّا، وَأَشْكُرُهُ وَلَمْ يَزَلْ لِلشُّكْرِ مُسْتَحِقًّا، وَأَشْهَدُ أَنَّهُ الْمَالِكُ لِلرِّقَابِ كُلِّهَا رِقًّا، كَوَّنَ الأَشْيَاءَ وَأَحْكَمَهَا خَلْقًا، وَفَتَقَ السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَكَانَتَا رَتْقًا، وَقَسَّمَ الْعِبَادَ فَأَسْعَدَ وَأَشْقَى {هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السماء رزقا} .وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ أَشْرَفُ الْخَلائِقِ خَلْقًا وَخُلُقًا، صلى الله عليه وسلم وَعَلَى صاحبه أبي بكر الصِّدِّيقِ الَّذِي حَازَ كُلَّ الْفَضَائِلِ سَبْقًا وَيَكْفِيهِ: {وسيجنبها الأتقى} وَعَلَى عُمَرَ الْعَادِلِ فَمَا يُحَابِي خَلْقًا، وَعَلَى عُثْمَانَ الَّذِي اسْتَسْلَمَ لِلشَّهَادَةِ
فَمَا يَتَوَقَّى، وَعَلَى عَلِيٍّ بَائِعِ مَا يَفْنَى وَمُشْتَرِي مَا يَبْقَى، وَعَلَى عَمِّهِ الْعَبَّاسِ صِنْوِ أَبِيهِ حَقًّا.اعْلَمُوا رَحِمَكُمُ اللَّهُ إِخْوَانِي أَنَّ شَهْرَ الْمُحَرَّمِ شَهْرٌ شَرِيفُ الْقَدْرِ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ الْمُحَرَّمَ لأَنَّ الْقِتَالَ كَانَ يَحْرُمُ فِيهِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ فِي قَوْلِهِ تعالى: {والفجر وليال عشر} أَنَّهَا الْعَشْرُ الأَوَائِلُ مِنَ الْمُحَرَّمِ وَقَالَ قَتَادَةُ: أراد بالفجر الفجر أَوَّلِ يَوْمٍ مِنَ الْمُحَرَّمِ.أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي الْبَزَّارُ، حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَوْهَرِيُّ، أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ كَيْسَانَ، أَنْبَأَنَا يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ الْقَاضِي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْتَشِرِ عن حميد ابن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِمْيَرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: " أَفْضَلُ الصَّوْمِ بَعْدَ رَمَضَانَ شَهْرُ اللَّهِ الَّذِي تَدْعُونَهُ الْمُحَرَّمَ ".أَخْبَرَنَا ابْنُ الْحُصَيْنِ، أَنْبَأَنَا ابْنُ الْمُذْهِبِ، أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا عبيد الله ابن أَحْمَدَ، حَدَّثَنِي خَيْثَمَةُ، حَدَّثَنِي أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا عبد الرحمن بن إسحاق، عن النعمان ابن سَعْدٍ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ أَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْبِرْنِي بِشَهْرٍ أَصُومُهُ بَعْدَ رَمَضَانَ فَقَالَ: " إِنْ كُنْتَ صَائِمًا شَهْرًا بَعْدَ رَمَضَانَ فَصُمِ الْمُحَرَّمَ فَإِنَّهُ شَهْرُ اللَّهِ، وَفِيهِ يَوْمٌ تَابَ فِيهِ عَلَى قَوْمٍ وَيُتَابُ فِيهِ عَلَى آخَرِينَ ".وَقَدْ رَوَى ابْنُ شَاهِينَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: " مَنْ صَامَ يَوْمًا مِنَ الْمُحَرَّمِ فَلَهُ ثَلاثُونَ يَوْمًا ".وَمِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: " مَنْ صَامَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ مِنْ شَهْرٍ حَرَامٍ الْخَمِيسَ وَالْجُمُعَةَ وَالسَّبْتَ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ عِبَادَةَ تِسْعِ مائة سنة ".
وَرُوِيَتْ أَحَادِيثُ مِنْ هَذَا الْجِنْسِ لا تَثْبُتُ فَلِهَذَا تَرَكْنَاهَا.وَيُسْتَحَبُّ صِيَامُ التَّاسِعِ وَالْعَاشِرِ، أَمَّا التَّاسِعُ فَمَذْهَبُ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ هُوَ عَاشُورَاءَ قَالَالأَزْهَرِيُّ: كَأَنَّهُ تَأَوَّلَ فِيهِ عِشْرَ الْوِرْدِ وَالْعَرَبُ تَقُولُ: وَرَدَتِ الإِبِلُ عَشْرًا إِذَا وَرَدَتْ يَوْمَ التَّاسِعِ.وَأَمَّا يَوْمُ عَاشُورَاءَ فَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَرَأَى الْيَهُودَ يَصُومُونَهُ وَيَقُولُونَ: هَذَا يَوْمٌ عَظِيمٌ أَنْجَى اللَّهُ فِيهِ مُوسَى وَقَوْمَهُ وَأَغْرَقَ فِرْعَوْنَ وَقَوْمَهُ، فَصَامَهُ مُوسَى شُكْرًا فَنَحْنُ نَصُومُهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " فَنَحْنُ أَحَقُّ وَأَوْلَى بِمُوسَى مِنْكُمْ " فَصَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ.وَفِيهِمَا مِنْ حَدِيثِ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَمَرَ رَجُلا مِنْ أَسْلَمَ أَنْ أَذَّنَ فِي النَّاسِ: مَنْ كَانَ أَكَلَ فَلْيَصُمْ: يَعْنِي بَقِيَّةَ يَوْمِهِ. وَمَنْ لَمْ يَكُنْ أَكَلَ فَلْيَصُمْ فَإِنَّ الْيَوْمَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ.أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي الْبَزَّارُ، أَنْبَأَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ أَنْبَأَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ علي بن محمد ابن كَيْسَانَ، أَنْبَأَنَا يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، حَدَّثَنَا عبيد الله ابن أَبِي يَزِيدَ، قَالَ سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ سُئِلَ عَنْ صِيَامِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ فَقَالَ: " مَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم صَامَ يَوْمًا يَتَحَرَّى فَضْلَهُ عَلَى الأَيَّامِ إِلا هَذَا الْيَوْمَ: يَعْنِي يَوْمَ عَاشُورَاءَ. وَهَذَا الشَّهْرَ، يَعْنِي شَهْرَ رَمَضَانَ ".قَالَ يُوسُفُ: وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ غِيَاثٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ غَيْلانَ بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْبَدٍ الزِّمَّانِيِّ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ الأَنْصَارِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: " صَوْمُ عَاشُورَاءَ يُكَفِّرُ الْعَامَ الَّذِي قَبْلَهُ ".انْفَرَدَ بِإِخْرَاجِهِ مُسْلِمٌ.وَقَدْ رُوِيَ فِي فَضَائِلِ عَاشُورَاءَ أَحَادِيثَ مَوْضُوعَةً فَلا فَائِدَةَ فِي ذِكْرِهَا، مثل: من اغتسل ومن اكتحل وَمَنْ صَافَحَ. وَكُلُّهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ.وَقَالَ مُعَاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ: صَامَ نُوحٌ وَمَنْ مَعَهُ فِي السَّفِينَةِ قَالَ ابْنُ شَاهِينَ: وَمِمَّنْ
بَلَغَنَا أَنَّهُ كَانَ يَصُومُ يَوْمَ عَاشُورَاءَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَأَبُو مُوسَى الأَشْعَرِيُّ وَعَلِيُّ بْنُ الْحُصَيْنِ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَطَاوُسٌ. وَفِي الْجُمْلَةِ هُوَ يَوْمٌ عَظِيمٌ فَيَنْبَغِي أَنْ يَفْعَلَ فِيهِ مَا يُمْكِنُ مِنَ الْخَيْرِ. [فَهُوَ وَأَمْثَالُهُ مَوَاسِمُ الْخَيْرَاتِ فَاغْتَنَمُوهَا وَاحْذَرُوا الْغَفَلاتِ] . الْكَلامُ عَلَى الْبَسْمَلَةِ(خُلِقْنَا لأَحْدَاثِ اللَّيَالِي فَرَائِسَا … تَزُفُّ إِلَى الأَجْدَاثِ مِنَّا عَرَائِسَا)(تُجَهِّزُ مِنَّا لِلْقُبُورِ عَسَاكِرًا … وَتُرْدِفُ أَعْوَادَ الْمَنَايَا فَوَارِسَا)(إِذَا أَمَلٌ أَرْخَى لَنَا مِنْ عِنَانِهِ … غَدًا أَجْلٌ عَمَّا نُحَاوِلُ حَابِسَا)(أَرَى الْغُصْنَ لَمَّا اجْتُثَّ وَهُوَ بِمَائِهِ … رطيباً وما أَصَبْحَ الْغُصْنُ يَابِسَا)(نَشِيدُ قُصُورًا لِلْخُلُودِ سَفَاهَةً … وَنَصْبِرُ مَا شِئْنَا فُتُورًا دَوَارِسَا)(وَقَدْ نَعَتِ الدُّنْيَا إِلَيْنَا نُفُوسَنَا … بِمَنْ مَاتَ مِنَّا لَوْ أَصَابَتْ أَكَايِسَا)(لَقَدْ ضَرَبَتْ كِسْرَى الْمُلُوكَ وَتُبَّعًا … وَقَيْصَرَ أَمْثَالا فَلَمْ نَرَ قَائِسَا)(نَرَى مَا نَرَى مِنْهَا جِهَارًا وَقَدْ غَدَا … هَوَاهَا عَلَى نُورِ الْبَصِيرَةِ طَامِسَا)(وَقَدْ فَضَحَ الدُّنْيَا لَنَا الْمَوْتُ وَاعِظًا … وَهَيْهَاتَ مَا نَزْدَادُ إِلا تَقَاعُسَا)غَيْرُهُ:(أَبَدًا تُفْهِمُنَا الْخُطُوبُ كُرُورَهَا … وَنَعُودُ فِي عَمَهٍ كَمَنْ لا يَفْهَمُ)(تَلْفَى مَسَامِعُنَا الْعِظَاتِ كَأَنَّمَا … فِي الظِّلِّ يَرْقُمُ وَعْظَهُ مَنْ يَرْقُمُ)(وَصَحَائِفُ الأَيَّامِ نَحْنُ سُطُورُهَا … يَقْرَا الأَخِيرُ وَيُدْرِجُ الْمُتَقَدِّمُ)(لَحْدٌ عَلَى لَحْدٍ يُهَالُ ضَرِيحُهُ … وَبِأَعْظُمٍ رِمَمٍ عَلَيْهَا أَعْظُمُ)(مَنْ ذَا تَوَقَّاهُ الْمَنُونُ وَقَبْلَنَا … عَادٌ أَطَاحَهُمُ الْحِمَامُ وَجُرْهُمُ)(وَالتُّبَّعَانِ تَلاحَقَا وَمُحَرّقٌ … وَالْمُنْذِرَانِ وَمَالِكٌ وَمُتَمَّمُ)كَأَنَّكَ بِمَا يُزْعِجُ وَيَرُوعُ، وَقَدْ قُلِعَ الأُصُولُ وَقُطِعَ الْفُرُوعُ، يَا نَائِمًا إِلَى كَمْ هَذَا الْهُجُوعُ، إِلَى مَتَى بِالْهَوَى هَذَا الْوُلُوعُ، أَيَنْفَعُكَ وَقْتَ الْمَوْتِ الدُّمُوعُ، كَمْ لَكَ إِلَى
التُّقَى عِنْدَ النَّزْعِ نُزُوعُ، هَيْهَاتَ لا يَنْفَعُ الذُّلُّ إِذًا وَالْخُضُوعُ، يَقُولُ فَرِّقُوا الْمَالَ فَالْعَجَبُ لجود المنوع، هذا وَمَلَكُ الْمَوْتِ يَسُلُّهَا مِنْ بَيْنِ الضُّلُوعِ، رَشَقَكَ سَهْمُ الْمَنُونِ فَمَا أَغْنَتِ الدُّرُوعُ، وَأَتَى حَاصِدُ الزَّرْعِ وَأَيْنَ الزُّرُوعُ، وَخَلَتْ مِنْكَ الْمَسَاكِنُ وَفَرَغَتِ الرُّبُوعُ، وَنَابَ غُرَابُ الْبَيْنِ عَنِ الْوَرْقَاءِ السَّجُوعِ، وَتَمَنَّيْتَ أَنْ لَوْ زِدْتَ مِنْ سُجُودٍ وَرُكُوعٍ، فَاحْذَرْ مَكْرَ الْعَدُوِّ وَلا تَقْبَلْ قَوْلَ الْخَدُوعِ.(ضَيَّعْتَ وَقْتَكَ فَانْقَضَى فِي غَفْلَةٍ … وَطَوَيْتَ فِي طَلَبِ الْخَوَادِعِ أَدْهُرَا)(أَفَهِمْتَ عَنْ هَذَا الزَّمَانِ جوابه … فلقد أبان لك العظات وكررا)(عانيت ما ملأ الصدرو مَخَافَةً … وَكَفَاكَ مَا عَايَنْتَهُ مَنْ أَخْبَرَا)يَا عَجَبًا كَيْفَ أَنِسَ بِالدُّنْيَا مُفَارِقُهَا، وَأَمِنَ النَّارَ وَارِدُهَا، كَيْفَ يَغْفَلُ مَنْ لا يُغْفَلُ عَنْهُ، كَيْفَ يَفْرَحُ بِالدُّنْيَا مَنْ يَوْمُهُ يَهْدِمُ شَهْرَهُ، وَشَهْرُهُ يَهْدِمُ سَنَتَهُ وَسَنَتُهُ تَهْدِمُ عُمْرَهُ، كَيْفَ يَلْهُو مَنْ يَقُودُهُ عُمْرُهُ إِلَى أَجَلِهِ وَحَيَاتُهُ إِلَى مَوْتِهِ.إِخْوَانِي: الدُّنْيَا فِي إِدْبَارٍ، وَأَهْلُهَا مِنْهَا فِي اسْتِكْثَارٍ، وَالزَّارِعُ فِيهَا غَيْرَ التُّقَى لا يَحْصُدُ إِلا النَّدَمَ.قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ: يَا بُنَيَّ لِكُلِّ إِنْسَانٍ بَيْتَانِ: بَيْتٌ شَاهِدٌ وَبَيْتٌ غَائِبٌ، فَلا يُلْهِيَنَّكَ بَيْتُكَ الْحَاضِرُ الَّذِي فِيهِ عُمْرُكَ قَلِيلٌ عَنْ بَيْتِكَ الْغَائِبِ الَّذِي عُمْرُكَ فِيهِ طَوِيلٌ.إِخْوَانِي: أَنْفَاسُ الْحَيِّ خُطَاهُ إِلَى أَجَلِهِ وَرُبَّمَا أَوْرَدَ الطَّمَعُ وَلَمْ يَصْدُرْ يَا مَنْ يَفْنَى بِبَقَائِهِ وَيَسْقَمُ بِسَلامَتِهِ وَيُؤْتَى مِنْ مَأْمَنِهِ تَيَقَّظْ، الْجِدَّ الْجِدَّ قَبْلَ بَغَتَاتِ الْمَنَايَا وَمُجَاوَرَةِ أَهْلِ الْبِلَى، لَيَحُلَّنَّ بِكُمْ مِنَ الْمَوْتِ يَوْمٌ ذُو ظُلْمٍ يُنْسِيكُمْ مُعَاشَرَةَ اللَّذَّاتِ وَالنِّعَمِ، وَلا يُبْقِي فِي الأَفْوَاهِ إِلا طَعْمَ النَّدَمِ.(سَلْ بِالزَّمَانِ خَبِيرًا … إِنَّهُ بِهِ لَعَلِيمُ)(داعي الأمانة ظَاعِنٌ … بِالْمَرْءِ وَهْوَ مُقِيمُ)(وَوَرَاءَ ضِيقِ حَيَاتِهِ … نَفْسٌ وَلَيْسَ يَدُومُ)
(يَا سَادِرًا فِي غَيِّهِ … حَتَّامَ أَنْتَ مُلِيمُ)(لا تُخْدَعَنَّ بِمَنِيَّةٍ … أُمُّ الْخُلُودِ عَقِيمُ)(حَتَّامَ يَجْذِبُكَ الْمَشِيبُ … بِكَفِّهِ وَتَهِيمُ)(وَإِذَا الْمَنِيَّةُ أَبْرَقَتْ … فَرَجَاؤُكَ الْمَهْزُومُ)(عِشْقُ الْبَقَاءِ وَإِنَّمَا … طُولُ الْحَيَاةِ هُمُومُ)أَيْنَ الَّذِينَ مَلَكُوا الدُّنْيَا وَنَالُوا، زَالُوا سَبَقُوكَ يَا هَذَا إِلَى مَا إِلَيْهِ آلُوا، أَيْنَ الْمَغْرُورُونَ بِالآلِ آلُوا إِلَى الشَّتَاتِ، أَيْنَ المسرورون بِالْمَالِ مَالُوا إِلَى الْكِفَاتِ، غَلَقَ رَهْنُ أَعْمَالِهِمْ، وَمَا عَلِقُوا إِلا بِالْوَبَالِ، وَصَارَتْ آصَارُهُمْ فِي مَصِيرِهِمْ كَالْجِبَالِ، فَنَدِمُوا إِذْ لا نَدَمٌ يَنْفَعُ، وَنَدَبُوا عَلَى الْمُصَابِ وَلَكِنْ بَعْدَ الْمَصْرَعِ، وَتَجَرَّعُوا كؤوس الْبَأْسِ مِنْ كُلِّ مَطْمَعٍ وَضُرِبُوا بِسُيُوفٍ مِنَ الْحَسَرَاتِ إِذْ تَهُزُّ تَقْطَعُ.(ظِلٌّ مِنَ الدُّنْيَا تَقَلَّصَ زَائِلا … وَمُنًى يُذَاقُ عَلَى جَنَاهَا الْعَلْقَمُ)(مَا هَذِهِ الآمَالُ إِلا رَقْدَةٌ … فِيهَا بِأَضْغَاثِ الأَمَانِي نَحْلُمُ)(وَالْكُلُّ فِي رِقِّ الْفَنَاءِ وَإِنَّمَا … لِلنَّائِبَاتِ مُعَرَّضٌ مَنْ يَهْرَمُ)(أَبَدًا تُفَهِّمُنَا الْخُطُوبُ كُرُورَهَا … وَنَعُودُ فِي عَمَهٍ كَمَنْ لا يَفْهَمُ)(تَلْقَى مَسَامِعُنَا الْعِظَاتِ كَأَنَّمَا … فِي الظِّلِّ يَرْقُمُ وَعْظَهُ مَنْ يَرْقُمُ)(وَصَحَائِفُ الأَيَّامِ نَحْنُ سُطُورُهَا … يَقْرَا الأَخِيرُ وَيُدْرِجُ الْمُتَقَدِّمُ)(لَحْدٌ عَلَى لَحْدٍ يُهَالُ ضَرِيحُهُ … مَعَ أَعْظُمٍ رِمَمٍ عَلَيْهَا أَعْظُمُ)(مَنْ ذَا تَوَقَّاهُ الْمَنُونُ وَقَبْلَنَا … عَادٌ أَطَاحَهُمُ الْحِمَامُ وَجُرْهُمُ)(وَالتُّبَّعَانِ تَلاحَقَا وَمُحَرّقٌ … وَالْمُنْذِرَانِ وَمَالِكٌ وَمُتَمَّمُ)(وَمَمَالِكٌ مَنَعَتْ بِهَا أَرْبَابُهَا … فَتَجَبَّرُوا ثِقَةً بِهَا وَتَعَظَّمُوا)(سُلِبُوا ثِيَابَ الْخُنْزُوَانَةِ عَنْوَةً … فَهَوَوْا وَشَامِخُ عِزِّهِمْ مُتَهَدِّمُ)
الْكَلامُ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى{وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ التي حرم الله إلا بالحق} رَوَى الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي صَحِيحَيْهِمَا مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ يَوْمَ النَّحْرِ بِمَكَّةَ: " دِمَاؤُكُمْ وَأَمْوَالُكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا وَسَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، أَلا فَلا تَرْجِعُوا بَعْدِي ضُلالا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ ".أَخْبَرَنَا هِبَةُ اللَّهِ بْنُ الْحُصَيْنِ، أَنْبَأَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ ابْنُ الْمُذْهِبِ، أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ شَقِيقٍ، قَالَ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " أَوَّلُ مَا يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي الدِّمَاءِ "قَالَ أَحْمَدُ: وَحَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: " لَنْ يَزَالَ الْمَرْءُ فِي فُسْحَةٍ مِنْ دِينِهِ مَا لَمْ يُصِبْ دَمًا حَرَامًا ".انْفَرَدَ بِإِخْرَاجِ هَذَا الْحَدِيثِ الْبُخَارِيُّ وَاتَّفَقَا عَلَى الَّذِي قَبْلَهُ.أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا أَبُو الحسين ابن النَّقُّورِ، أَخْبَرَنَا أَبُو حَفْصٍ الْكِنَانِيُّ، حَدَّثَنَا الْبَغَوِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ الْمَكِّيُّ، حَدَّثَنَا حَاتِمٌ يَعْنِي ابْنَ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ بَشِيرٍ يَعْنِي ابْنَ الْمُهَاجِرِ، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: " لَقَتْلُ الْمُؤْمِنِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ زَوَالِ الدُّنْيَا ".وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عز وجل اخْتَارَ هَذَا الْيَوْمَ لاسْتِشْهَادِ الْحُسَيْنِ.أَخْبَرَنَا ابْنُ الْحُصَيْنِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُذْهِبِ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حدثنا عبد الله ابن أَحْمَدَ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ، حَدَّثَنَا مَهْدِيٌّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ
أَبِي يَعْقُوبَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نُعْمٍ، قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى ابْنِ عُمَرَ وَأَنَا جَالِسٌ عِنْدَهُ فَسَأَلَهُ عَنْ دَمِ الْبَعُوضِ فَقَالَ لَهُ: ممن أَنْتَ؟ قَالَ: مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ. قَالَ: انْظُرُوا إِلَى هَذَا يَسْأَلُ عَنْ دَمِ الْبَعُوضِ وَقَدْ قَتَلُوا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَقَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: " هُمَا رَيْحَانَتَايَ مِنَ الدُّنْيَا ".انْفَرَدَ بِإِخْرَاجِهِ الْبُخَارِيُّ.أَخْبَرَنَا الْكَرُوخِيُّ، أَنْبَأَنَا أَبُو عَامِرٍ الأَزْدِيُّ. وَأَبُو بَكْرٍ الْغُورَجِيُّ، أَنْبَأَنَا الْجَرَّاحِيُّ، حَدَّثَنَا الْمَحْبُوبِيُّ، حَدَّثَنَا التِّرْمِذِيُّ حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلانَ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَالْحَفَرِيُّ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي نُعْمٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ سَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ ".قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ.أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي، أَنْبَأَنَا الْجَوْهَرِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ مَعْرُوفٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ صَاعِدٍ، حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى الْقَطَّانُ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ بَهْدَلَةَ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم " هَذَانِ ابْنَايَ فَمَنْ أَحَبَّهُمَا فقد أحبني " يعني الحسن والحسين عليهما السلام.أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بن أحمد بن البشرى، أخبرنا عبيد الله بن محمد ابن رَيْطَةَ إِذْنًا، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو صَالِحٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيُّ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْعَبْسِيُّ، حَدَّثَنَا أَبَانُ بْنُ أَبِي عَيَّاشٍ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، قَالَتْ: كَانَ جِبْرِيلُ عِنْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَحُسَيْنٌ مَعِي فَبَكَى فَتَرَكْتُهُ فَأَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَأَخَذْتُهُ فَبَكَى فَأَرْسَلْتُهُ فَذَهَبَ إِلَيْهِ فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ: أَتُحِبُّهُ يَا مُحَمَّدُ فَقَالَ: نَعَمْ. فَقَالَ: إِنَّ أُمَّتَكَ سَتَقْتُلُهُ فَإِنْ شِئْتَ أَرَيْتُكَ تُرْبَةَ أَرْضِهِ الَّتِي يُقْتَلُ بِهَا. فَبَسَطَ جَنَاحَهُ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي يُقْتَلُ بِهَا يُقَالُ لَهَا كَرْبَلاءُ وَأَخَذَ بِجَنَاحِهِ فَأَرَاهُ إِيَّاهُ. قَالَ حَمَّادٌ: فأَخْبَرَنِي أَبَانٌ أَوْ غَيْرُهُ أَنَّ الْحُسَيْنَ لَمَّا نَزَلَ كَرْبَلاءَ شَمَّ الأَرْضَ وَسَأَلَهُمْ عَنِ اسْمِهَا فَقَالُوا: كَرْبَلاءُ، فَقَالَ كَرْبٌ
وَبَلاءٌ فَقُتِلَ بِهَا.وَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَجِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَارَ مَعَ عَلِيٍّ عليه السلام وَكَانَ صَاحِبَ مَطْهَرَتِهِ فَلَمَّا حَاذَى نِينَوَى وَهُوَ مُنْطَلِقٌ إِلَى صِفِّينَ نَادَى عَلِيٌّ: اصْبِرْ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، اصْبِرْ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ بِشَطِّ الْفُرَاتِ. قُلْتُ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ذَاتَ يَوْمٍوَعَيْنَاهُ تَفِيضَانِ قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَغْضَبَكَ أَحَدٌ مَا شَأْنَ عَيْنَيْكَ تَفِيضَانِ؟ قَالَ: قَامَ مِنْ عِنْدِي جِبْرِيلُ قَبْلُ فَحَدَّثَنِي أَنَّ الْحُسَيْنَ يُقْتَلُ بِشَطِّ الْفُرَاتِ وَقَالَ لِي: هَلْ لَكَ أَنْ أُشِمَّكَ مِنْ تُرْبَتِهِ قُلْتُ: نَعَمْ فَمَدَّ يَدَهُ فَقَبَضَ قَبْضَةً مِنْ تُرَابٍ فَأَعْطَانِيهَا فَلَمْ أَمْلِكْ عَيْنَيَّ أَنْ فَاضَتَا.وَرَوَى عَمَّارُ بْنُ أَبِي عَمَّارٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ رَأَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فِي الْمَنَامِ نِصْفَ النَّهَارِ أَشْعَثَ أَغْبَرَ مَعَهُ قَارُورَةٌ فِيهَا دَمٌ يَلْتَقِطُهُ أَوْ يَتَتَبَّعُ فِيهَا شَيْئًا، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا هَذَا؟ قَالَ: دَمُ الْحُسَيْنِ وَأَصْحَابِهِ لَمْ أَزَلْ أَتَتَبَّعُهُ مُنْذُ الْيَوْمِ. قَالَ عَمَّارٌ: فَحَفِظْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ فَوَجَدْنَاهُ قُتِلَ ذَلِكَ الْيَوْمَ.إِنَّمَا رَحَلَ الْحُسَيْنُ إِلَى الْقَوْمِ لأَنَّهُ رَأَى الشَّرِيعَةَ قَدْ رُفِضَتْ، فَجَدَّ فِي رَفْعِ قَوَاعِدِ أَصْلِهَا الْجَدُّ [صلى الله عليه وسلم] ، فَلَمَّا حَضَرُوهُ حَصَرُوهُ فَقَالَ: دَعُونِي أَرْجِعُ. فَقَالُوا: لا، انْزِلْ عَلَى حُكْمِ ابْنِ زِيَادٍ. فَاخْتَارَ الْقَتْلَ عَلَى الذُّلِّ، وَهَكَذَا النُّفُوسُ الأَبِيَّةُ.(تَأْبَى الدَّنَاءَةَ لِي نَفْسٌ نَفَاسَتُهَا … تَسْعَى لِغَيْرِ الرِّضَا بِالرِّيِّ وَالشِّبَعِ)(فَلاكْتِسَابِ الْعُلا حِلِّي وَمُرْتَحَلِي … وفي حمى المجد مصطافي ومرتعي)(لِي هِمَّةٌ مَا أَظُنُّ اللَّحْظَ يُدْرِكُهَا … إِلا وَقَدْ جَاوَزَتْ فِي كُلِّ مُمْتَنَعِ)(لا صَاحَبَتْنِي نَفْسٌ إِنْ هَمَمْتُ بِأَنْ … أَرْمِي بِهَا لَهَوَاتِ الْمَوْتِ لَمْ تُطِعِ)وَلَقَدْ تَبِعَ طَرِيقَ الْحُسَيْنِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ، فَإِنَّ الْحَجَّاجَ عَرَضَ عَلَيْهِ الأَمَانَ فَقَالَ: وَاللَّهِ لَضَرْبَةٌ بِسَيْفٍ فِي عِزٍّ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ حَيَاةٍ فِي ذُلٍّ! وَكَانَ يُحَارِبُهُمْ وَيُنْشِدُ:
(اصْبِرْ عِصَامُ إِنَّهُ شِبْرَاقْ قَدْ سَنَّ … أَصْحَابُكَ ضَرْبَ الأَعْنَاقْ)(وَقَامَتِ الْحَرْبُ بِنَا عَلَى سَاقْ … )فَقِيلَ لَهُ قَدْ لَحِقَ فُلانٌ وَفُلانٌ بِالْحَجَّاجِ. فأنشد:(فرت سلامان وفرت النمر … قد تتلاقى مَعَهُمْ فَلا نَفِرُّ)وَكَانُوا يَرْمُونَ بِالْحِجَارَةِ فَيُقَالُ لَهُ مَا تَأْمَنُ أَنْ يُصِيبَكَ حَجَرٌ؟ فَيَقُولُ:(هَوِّنْ عَلَيْكَ فَإِنَّ الأُمُورَ … بِكَفِّ الإِلَهِ مَقَادِيرُهَا)(فَلَيْسَ بِآتِيكَ مَنْهِيُّهَا … وَلا قَاصِرٌ عَنْكَ مَأْمُورُهَا)وَلَبِسَ دِرْعًا وَجَاءَ يُوَدِّعُ أُمَّهُ أَسْمَاءَ فَقَالَتْ: مَا هَذَا الدِّرْعُ؟ فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا لَبِسْتُهُ إِلا لأُقَوِّيَ نَفْسَكِ!.(فَإِنِّي لَيُغْنِينِي عَنِ السَّيْفِ عَزْمَتِي … فَهَلْ فِيهِ مَا يُغْنِيهِ عَنْ كَفِّ ضَارِبِ)(إِذَا عَرَضُ الدُّنْيَا أَلانَ صِلابَهَا … شَمَخْتُ بِأَنْفِي عَنْهُ وَازْوَرَّ جَانِبِي)(فَلا تَنْتَسِبُ إِلا إِلَى بُعْدِ هِمَّةٍ … وَلا تَكْتَسِبُ إِلا بِحُرِّ الْمَقَانِبِ)(فَإِنَّ دَنِيَّاتِ السَّجَايَا إِذَا هَوَى … بِهَا الْمَرْءُ لَمْ يَنْفَعْهُ عِزُّ الْمَنَاصِبِ)للَّهِ دَرُّ هَذِهِ الأَنْفُسِ فَمَا أَعَزَّهَا وَهَذِهِ الْهِمَمِ فَمَا أَرْفَعَهَا!(وَلَمَّا رَأَوْا بَعْضَ الْحَيَاةِ مَذَلَّةً … عَلَيْهِمُ وَعِزَّ الْمَوْتِ غَيْرَ مُحَرَّمِ)(أَبَوْا أَنْ يَذُوقُوا الْعَيْشَ وَالذَّمُّ وَاقِعٌ … عَلَيْهِ وَمَاتُوا مِيتَةً لَمْ تُذَمَّمِ)(وَلا عَجَبٌ لِلأُسْدِ إِنْ ظَفِرَتْ بِهَا … كِلابُ الأَعَادِي مِنْ فَصِيحٍ وَأَعْجَمِ)(فَحَرْبَةُ وَحْشِيٍّ سَقَتْ حَمْزَةَ الرَّدَى … وَحَتْفُ عَلِيٍّ فِي حُسَامِ ابْنِ مُلْجَمِ)أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ السُّرِّيُّ، أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُطَّةَ، حَدَّثَنَا أَبُو حَامِدٍ مُحَمَّدُ بْنُ هَارُونَ الْحَضْرَمِيُّ، حَدَّثَنَا هِلالُ بْنُ بِشْرٍ، حدثنا عبد الملكابن مُوسَى عَنْ هِلالِ بْنِ ذَكْوَانَ، قَالَ لَمَّا قُتِلَ الْحُسَيْنُ مُطِرْنَا مَطَرًا بَقِيَ أَثَرُهُ فِي ثِيَابِنَا مِثْلَ الدَّمِ.
قُلْتُ: لَمَّا كَانَ الْغَضْبَانُ يَحْمَرُّ وَجْهُهُ فَيَتَبَيَّنُ بِالْحُمْرَةِ تَأْثِيرُ غَضَبِهِ، وَالْحَقُّ سُبْحَانَهُ لَيْسَ بِجِسْمٍ، أَظْهَرَ تَأْثِيرَ غَضَبِهِ بِحُمْرَةِ الأُفُقِ حِينَ قُتِلَ الْحُسَيْنُ.وَبِالإِسْنَادِ قَالَ ابْنُ بُطَّةَ: وَحَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ الْقَاضِي، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، قَالَ: لَمْ تُرَ هَذِهِ الْحُمْرَةُ فِي السَّمَاءِ حَتَّى قُتِلَ الْحُسَيْنُ.قَالَ ابْنُ بُطَّةَ: وَحَدَّثَنَا أَبُو ذَرٍّ الْبَاغَنْدِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْوَرَّاقُ، قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيَّ بن أَخِي شُعَيْبِ بْنِ حَرْبٍ يَقُولُ: نَاحَتِ الْجِنُّ عَلَى الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ فَقَالَتْ جِنِّيَّةٌ:(جَاءَتْ نِسَاءُ الْحَيِّ يَبْكِينَ شَجِيَّاتِ … وَيَلْطُمْنَ خُدُودًا كَالدَّنَانِيرِ نقيات)(ويلبسن ثياب السود بعد االقصبيات … )وَرُوِّينَا فِي حَدِيثٍ أَنَّهُ حُفِظَ مِنْ قَوْلِ الْجِنِّ:(مَسَحَ النَّبِيُّ جَبِينَهُ … فَلَهُ بَرِيقٌ فِي الْخُدُودِ)(أَبَوَاهُ مِنْ عَلْيَا قُرَيْشٍ … وَجَدُّهُ خَيْرُ الْجُدُودِ)وَقَالَ جِنِّيٌّ آخَرُ:(أَبْكِي قَتِيلا بِكَرْبَلاءَ … مُضَرَّجَ الْجِسْمِ بِالدِّمَاءِ)(أَبْكِي قَتِيلا بَكَى عَلَيْهِ … حُزْنًا بَنُو الأَرْضِ وَالسَّمَاءِ)(أَبْكِي قَتِيلَ الطُّغَاةِ ظُلْمًا … بِغَيْرِ جُرْمٍ سِوَى الْوَفَاءِ)(هُتِّكَ أَهْلُوهُ فَاسْتَحَلُّوا … مَا حَرَّمَ اللَّهُ فِي الإِمَاءِ)(يَا بِأَبِي جِسْمُهُ الْمُعَرَّى … إِلا مِنَ الدِّينِ وَالْحَيَاءِ)(كُلُّ الرَّزَايَا لَهَا عَزَاءٌ … وَمَا لِذَا الرُّزْءِ مِنْ عَزَاءِ)وَرُوِّينَا أَنَّ صَخْرَةً وُجِدَتْ قَبْلَ مَبْعَثِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِثَلاثِ مِائَةِ سَنَةٍ وَعَلَيْهَا مَكْتُوبٌ بِالْيُونَانِيَّةِ:
(أَيَرْجُو مَعْشَرٌ قَتَلُوا حُسَيْنًا … شَفَاعَةَ جَدِّهِ يَوْمَ الْحِسَابِ)وَيْحَ قَاتِلِ الْحُسَيْنِ! كَيْفَ حَالُهُ مَعَ أَبَوَيْهِ وَجَدِّهِ!(لا بُدَّ أَنْ تَرِدَ الْقِيَامَةَ فَاطِمُ … وَقَمِيصُهَا بِدَمِ الْحُسَيْنِ مُلَطَّخُ)(وَيْلٌ لِمَنْ شُفَعَاؤُهُ خُصَمَاؤُهُ … وَالصُّورُ فِي يَوْمِ الْقِيَامَةِ يُنْفَخُ)إِخْوَانِي: بِاللَّهِ عَلَيْكُمْ مَنْ قَبَّحَ عَلَى يُوسُفَ بِأَيِّ وَجْهٍ يَلْقَى يَعْقُوبَ!لَمَّا أُسِرَ الْعَبَّاسُ يَوْمَ بَدْرٍ سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنِينَهُ فَمَا نَامَ، فَكَيْفَ لَوْ سَمِعَ أَنِينَ الْحُسَيْنِ؟لَمَّا أَسْلَمَ وَحْشِيٌّ قَالَ لَهُ: غَيِّبْ وَجْهَكَ عَنِّي. هَذَا وَاللَّهِ وَالْمُسْلِمُ لا يُؤَاخَذُ بِمَا كَانَ فِي الْكُفْرِ، فَكَيْفَ يَقْدِرُ الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم أَنْ يُبْصِرَ مَنْ قَتَلَ الْحُسَيْنَ؟قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَنْ قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا} .لَقَدْ جَمَعُوا فِي ظُلْمِ الْحُسَيْنِ مَا لَمْ يَجْمَعْهُ أَحَدٌ، وَمَنَعُوهُ أَنْ يَرِدَ الْمَاءَ فِيمَنْ وَرَدَ، وَأَنْ يَرْحَلَ عَنْهُمْ إِلَى بَلَدٍ، وَسَبُّوا أَهْلَهُ وَقَتَلُوا الْوَلَدَ، وَمَا هَذَا حَدُّ دَفْعٍ عَنِ الْوِلايَةِ هَذَا سُوءُ مُعْتَقَدٍ.نَبَعَ الْمَاءُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِ جَدِّهِ فَمَا سَقَوْهُ مِنْهُ قَطْرَةً!كَانَ الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم ون حُبِّ الْحُسَيْنِ يُقَبِّلُ شَفَتَيْهِ وَيَحْمِلُهُ كَثِيرًا عَلَىعَاتِقَيْهِ، وَلَمَّا مَشَى طِفْلا بَيْنَ يَدَيِ الْمِنْبَرِ نَزَلَ إِلَيْهِ، فَلَوْ رَآهُ مُلْقَى عَلَى أَحَدِ جَانِبَيْهِ وَالسُّيُوفُ تَأْخُذُهُ وَالأَعْدَاءُ حَوَالَيْهِ وَالْخَيْلُ قَدْ وَطِئَتْ صَدْرُهُ وَمَشَتْ عَلَى يَدَيْهِ وَدِمَاؤُهُ تَجْرِي بَعْدَ دُمُوعِ عَيْنَيْهِ لَضَجَّ الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم مُسْتَغِيثًا مِنْ ذَلِكَ وَلَعَزَّ عَلَيْهِ.(كَرْبَلاءُ زِلْتِ كَرْبًا وَبَلا … مَا لَقِيَ عِنْدَكِ أَهْلُ الْمُصْطَفى)(كَمْ عَلَى تُرْبِكَ لَمَّا صُرِّعُوا … مِنْ دَمٍ سَالَ وَمِنْ دَمْعٍ جَرَى)(يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ عَايَنْتَهُمْ … وَهُمُ مَا بَيْنَ قتل وسبا)
(مِنْ رَمِيضٍ يُمْنَعُ الظِّلَّ وَمِنْ … عَاطِشٍ يُسْقَى أَنَابِيبَ الْقَنَا)(لَرَأَتْ عَيْنَاكَ فِيهِمْ مَنْظَرًا … لِلْحَشَا شَجْوًا وَلِلْعَيْنِ قَذَى)(لَيْسَ هَذَا لِرَسُولِ اللَّهِ يَا … أُمَّةَ الطُّغْيَانِ وَالْمَيْنِ جَزَا)(غَارِسٌ لَمْ يَأْلُ فِي الْغَرْسِ لَهُمْ … فَأَذَاقُوا أَهْلَهُ مُرَّ الْجَنَى)(جَزَرُوا جَزْرَ الأَضَاحِي نَسْلَهُ … ثُمَّ سَاقُوا أهله سوق الإما)(هاتقات يَا رَسُولَ اللَّهِ فِي … بُهَرِ السَّعْيِ وَعَثَرَاتِ الْخُطَا)(قَتَلُوهُ بَعْدَ عِلْمٍ مِنْهُمُ … أَنَّهُ خَامِسُ أَصْحَابِ الْكِسَا)(يَا جِبَالَ الْمَجْدِ عِزًّا وَعُلا … وَبُدُورَ الأَرْضِ نُورًا وَسَنَا)(جَعَلَ اللَّهُ الَّذِي نَالَكُمْ … سَبَبَ الْوَجْدِ طَوِيلا وَالْبُكَا)(لا أَرَى حزنكم ينسى ولا … رزأكم يُسْلَى وَلَوْ طَالَ الْمَدَى)سُبْحَانَ مَنْ رَفَعَ لِلْحُسَيْنِ بِقَتْلِهِ مَكَانًا، وَدَمَغَ مَنْ عَادَاهُ فَعَادَ بَعْدَ الْعِزِّ مُهَانًا، مَا ضَرَّهُحِينَ الشَّهَادَةِ مَنْ أَوْسَعَهُ خِذْلانًا {وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جعلنا لوليه سلطانا} هَلَكَأَهْلُ الزَّيْغِ وَالْعِنَادِ وَكَأَنَّهُمْ مَا مَلَكُوا الْبِلادَ وَعَادَ عَلَيْهِمُ اللَّعْنُ كَمَا عَادَ عَلَى عَادٍ، أَيْنَ يَزِيدُ أَيْنَ زِيَادٌ، كَأَنَّهُمَا مَا كَانَا لا كَانَا {فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا} .تَمَتَّعُوا أَيَّامًا يَسِيرَةً، ثُمَّ عَادَتْ أَجْنِحَةُ الْمُلْكِ كَسِيرَةً، وَبَقِيَتْ سِيرَةُ الْحُسَيْنِ أَحْسَنَ سِيرَةٍ، وَمَنْ عزت عاقبته والسيرة فكأن لَمْ يَلْقَ هَوَانًا {فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا} .مُزِّقُوا وَاللَّهِ كُلَّ مُمَزَّقٍ، وَتَفَرَّقُوا بِالشَّتَاتِ أَيَّ مُتَفَرَّقٍ، وَظَنُّوا أَنَّهُمْ رَفُّوا مَا جَنَوْا فَتَخَرَّقَ، إِنَّ نَاصِرَ الْمَظْلُومِ لا يَتَوَانَى {فَقَدْ جَعَلْنَا لوليه سلطانا} .تَعَزَّزُوا عَلَى [مِثْلِ] الْحُسَيْنِ وَطَالُوا، وَظَنُّوا بَقَاءَ الْمُلْكِ لَهُمْ بِمَا احْتَالُوا، وَكِيلَ لَهُمْ مِنَ الذَّمِّ أَضْعَافُ مَا كَالُوا، وَعُجِّلَ قَلْعُهُمْ مِنَ السُّلْطَةِ فَزَالُوا سُلْطَانًا سُلْطَانًا {فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سلطانا} .
وَيْلَهُمْ لَوْ دَبَّرُوا أَمْرَهُمْ لَرَفَعُوا بِطَاعَةِ الْحُسَيْنِ قَدْرَهُمْ، مَلَكُوا أَيَّامًا ثُمَّ بَقِيَ الْخِزْيُ دَهْرَهُمْ، اشْتَغِلُوا الْيَوْمَ بِتَسْبِيحِكُمْ وَدَعُوا ذِكْرَهُمْ أَهْوَانًا {وَمَنْ قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا} . وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ.