الفوائد لابن القيم - ط عطاءات العلم (ابن القيم) القسم: الرقائق والآداب والأذكار الكتاب: الفوائد[آثار الإمام ابن قيم الجوزية وما لحقها من أعمال (١٨)]المؤلف: أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب ابن قيم الجوزية (٦٩١ - ٧٥١)المحقق: محمد عزير شمسراجعه: جديع بن محمد الجديع - محمد أجمل الإصلاحي - علي بن محمد العمران الناشر: دار عطاءات العلم (الرياض) - دار ابن حزم (بيروت) الطبعة: الرابعة، ١٤٤٠ هـ - ٢٠١٩ م (الأولى لدار ابن حزم)عدد الصفحات: ٣٠٠قدمه للشاملة: مؤسسة «عطاءات العلم»، جزاهم الله خيرا[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]تاريخ النشر في راميشر: ١ يوليو ٢٠٢٦.
بسم الله الرحمن الرحيم قاعدة جليلةإذا أردتَ الانتفاعَ بالقرآن فاجمعْ قلبك عند تلاوته وسماعه، وألْقِ سمعَك، واحضُرْ حُضورَ من يخاطبه به من تكلم به سبحانه منه إليه؛ فإنه خطابٌ منه لك على لسان رسوله:قال تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (٣٧)} [ق: ٣٧].وذلك أنَّ تمام التأثير لمَّا كان موقوفًا على مُؤثِّرٍ مُقْتَضٍ، ومحلٍّ قابل، وشرطٍ لحصول الأثرِ، وانتفاء المانع الذي يمنعُ منه، تضمَّنَتِ الآيةُ بيانَ ذلك كلِّه بأوجز لفظٍ وأبينِهِ وأدلِّه على المُراد.فقولُه: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى}: إشارةٌ إلى ما تقدَّمَ من أول السورةِ إلى ها هنا، وهذا هو المؤثِّرُ.وقولُه: {لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ}: فهذا هو المحلُّ القابلُ، والمرادُ به القلبُ الحيُّ الذي يَعْقِلُ عن الله؛ كما قال تعالى: {إِنْ هُوَ إلا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ (٦٩) لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا} [يس: ٦٩ - ٧٠]؛ أي: حيَّ القلبِ.وقوله: {أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ}، أي: وجَّه سمعَه وأصغَى حاسَّةَ سمعِهِ إلى ما يُقال له، وهذا شرطُ التأثُّر بالكلام.وقوله: {وَهُوَ شَهِيدٌ (٣٧)}، أي: شاهدُ القلبِ حاضرٌ غيرُ غائبٍ. قال ابن قتيبة(١): استمعَ كتاب الله، وهو شاهدُ القلب والفهم، ليس(١) "تفسير غريب القرآن" (ص ٤١٩).
بغافلٍ ولا ساهٍ. وهو إشارةٌ إلى المانع من حصول التأثير، وهو سهوُ القلب وغيبتُه عن تعقُّلِ ما يُقال له والنظرِ فيه وتأمُّلِه.فإذا حصل المؤثِّرُ وهو القرآنُ، والمحلُّ القابلُ وهو القلبُ الحيُّ، ووُجِد الشرطُ وهو الإصغاءُ، وانتفى المانعُ وهو اشتغالُ القلبِ وذهولُه عن معنى الخطاب وانصرافُه عنه إلى شيءٍ آخر؛ حَصَل الأثرُ وهو الانتفاعُ والتذكُّرُ.فإن قيل: إذا كان التأثيرُ إنَّما يتمُّ بمجموع هذه؛ فما وجهُ دخول أداة (أو) في قوله: {أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ}؛ والموضع موضعُ واو الجمع لا موضعُ (أو) التي هي لأحد الشيئين؟قيل: هذا سؤالٌ جيدٌ، والجوابُ عنه أن يُقال: خُرِّج الكلام بـ (أو) باعتبار حال المخاطب المدعوِّ:فإنَّ من الناس من يكون حيَّ القلب، واعِيَهُ، تامَّ الفطرة؛ فإذا فكَّر بقلبه، وجال بفكرِه؛ دلَّه قلبُه وعقلُه على صحة القرآن، وأنَّه الحقُّ، وشهد قلبه بما أخبر به القرآنُ، فكان ورودُ القرآنِ على قلبه نورًا على نور الفطرة، وهذا وصف الذين قيل فيهم: {وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ} [سبأ: ٦]، وقال في حقِّهم: {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ} [النور: ٣٥]؛ فهذا نورُ الفطرة على نور الوحي، وهذا حالُ صاحب القلب الحيِّ الواعي.قال ابنُ القيِّم: وقد ذكرنا ما تضمَّنت هذه الآية من الأسرار والعبر في كتاب "اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة
والجهمية"(١). فصاحبُ القلب يجمعُ بين قلبه وبين معاني القرآن، فيجدُها كأنَّها قد كُتِبَتْ فيه؛ فهو يقرؤُها عن ظهر قلبٍ.ومن الناس من لا يكونُ تامَّ الاستعداد، واعيَ القلبِ، كاملَ الحياةِ، فيحتاجُ إلى شاهدٍ يُميِّزُ له بين الحقِّ والباطل، ولم تبلُغْ حياةُ قلبه ونورُهُ وزكاءُ فطرته مبلغَ صاحب القلب الحي الواعي؛ فطريقُ حصولِ هدايته: أن يُفَرِّغَ سمعَهُ للكلام، وقَلْبَهُ لتأمُّلِهِ والتفكُّرِ فيه وتعقُّلِ معانيه، فيعلم حينئذٍ أنَّه الحقُّ.فالأوَّلُ حالُ من رأى بعينَيه(٢) ما دُعي إليه وأُخْبِرَ به، والثاني حالُ مَن علمَ صدْقَ المُخْبِرِ وتيقَّنَهُ وقال: يكفيني خبرُهُ. فهو في مقام الإيمان، والأولُ في مقام الإحسان. هذا قد وصل إلى علم اليقين وتَرقَّى قلبُهُ منه إلى منزلة عين اليقين، وذاك معهُ التصديقُ الجازمُ الذي خرج به من الكفر ودخل به في الإسلام. فعينُ اليقين نوعان: نوعٌ في الدُّنيا، ونوعٌ في الآخرة. فالحاصلُ في الدُّنيا نسبتُه إلى القلب كنسبةِ الشاهد إلى العين. وما أخبرتْ به الرسلُ من الغيب يُعايَنُ في الآخرة بالأبصار وفي الدنيا بالبصائر؛ فهو عينُ يقينٍ في المرتبتين.فصلوقد جمعتْ هذه السورةُ من أصول الإيمان ما يكفي ويشْفي ويُغْني(١) ص ٦ - ١٢. وتكلم عليه أيضًا في "الوابل الصيب" (ص ٦٥ - ٦٨) و"إعلام الموقعين" (١/ ٢٠٥ - ٢٠٩) و"الصواعق المرسلة" (٣/ ٨٥١).(٢) ط: "بعينه".
عن كلام أهل الكلام ومعقولِ أهل المعقول؛ فإنَّها تضمَّنَتْ تقريرَ المبدأ والمعاد والتوحيد والنبوةِ والإيمان بالملائكة، وانقسام الناس إلى هالكٍ شقيٍّ وفائزٍ سعيدٍ، وأوصاف هؤلاء وهؤلاء، وتضمَّنتْ إثبات صفات الكمال لله وتنزيهه عما يُضَادُّ كماله من النقائص والعيوب، وذكر فيها القيامتينِ الصُّغرى والكبرى، والعالمَين: الأكبرَ -وهو عالمُ الآخرةِ- والأصغر -وهو عالمُ الدُّنيا-، وذَكَر فيها خلْقَ الإنسان ووفاتَهُ وإعادتَهُ، وحالهُ عند وفاتِهِ ويوم معادِهِ، وإحاطتَهُ سبحانه به من كلِّ وجهٍ، حتى عِلْمَهُ بوساوسِ نفسه، وإقامة الحفظة عليه يُحصُون عليه كلَّ لفظةٍ يتكلَّم بها، وأنه يوافيه يوم القيامة ومعه سائقٌ يسوقُه إليه وشاهدٌ يشهدُ عليه؛ فإذا أحضره السائقُ؛ قال: {هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ (٢٣)} [ق: ٢٣]؛ أي: هذا الذي أُمِرْتُ بإحضارِهِ قد أحضرتُه، فيقالُ عند إحضاره: {أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ (٢٤)} [ق: ٢٤]؛ كما يُحْضَرُ الجاني إلى حضرةِ السُّلطانِ، فيقالُ: هذا فلانٌ قد أحضرتُهُ. فيقولُ: اذهَبوا به إلى السجنِ وعاقبوهُ بما يستحقُّه!وتأملْ كيف دلَّتِ السورةُ صريحًا على أن الله سبحانه يعيدُ هذا الجسد بعينِهِ الذي أطاعَ وعَصى، فيُنَعِّمُهُ ويُعذِّبُهُ، كما يُنعِّمُ الرُّوحَ التي آمنتْ بعينها ويُعذِّبُ التي كَفَرتْ بعينها، لا أنَّه سبحانه يَخْلُقُ روحًا أخرى غير هذه فينعِّمُها ويعذِّبها كما قاله من لم يعرف المعادَ الذي أخبرتْ به الرسلُ! حيثُ زعم أنَّ الله سبحانه يخلُقُ بدنًا غير هذا البدن من كلِّ وجهٍ! عليه يقعُ النعيمُ والعذابُ! والرُّوحُ عنده(١) عَرَضٌ من أعراضِ البدن! فيخلُقُ رُوحًا غير هذه الرُّوح وبدنًا غير هذا البدن! وهذا غيرُ ما اتَّفقت(١) ط: "عندهم".
عليه الرسلُ ودلَّ عليه القرآنُ والسنةُ وسائرُ كتب الله تعالى. وهذا في الحقيقة إنكارٌ للمعاد، وموافقةٌ لقول من أنكره من المكذِّبين؛ فإنهم لم ينكروا قدرة الله على خلق أجسامٍ أُخَرَ غير هذه الأجسام يعذِّبها وينعِّمُها؛ كيف وهم يشهدون النوعَ الإنسانيَّ يُخْلَقُ شيئًا بعد شيءٍ؛ فكلَّ وقتٍ يَخْلُقُ الله سبحانه أجسامًا وأرواحًا غيرَ الأجسامِ التي فَنِيَتْ؛ فكيف يتعجَّبون من شيءٍ يُشاهدونَه عِيانًا؟! وإنما تعجَّبوا من عَوْدِهم بأعيانِهِم بعد أن مَزَّقَهُمُ البِلَى وصاروا عظامًا ورُفاتًا، فتعجَّبوا أن يكونوا هم بأعيانهم مبعوثينَ للجزاء، ولهذا قالوا: {أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (١٦)} [الصافات: ١٦]، وقالوا: {ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ (٣)} [ق: ٣]. ولو كان الجزاءُ إنما هو لأجسامٍ غير هذه؛ لم يكن ذلكِ بعثًا ولا رجعًا، بل يكونُ ابتداءً، ولم يكن لقولِهِ: {قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ} [ق: ٤] كبيرُ معنًى؛ فإنه سبحانه جعل هذا جوابًا لسؤالٍ مقدَّرٍ، وهو أنه يُميِّزُ تلك الأجزاء التي اختلطت بالأرض واستحالت إلى العناصر بحيث لا تتميَّزُ، فأخبر سبحانه أنه قد علم ما تَنْقُصُهُ الأرضُ من لُحومهم وعِظامهم وأشعارهم، وأنَّه كما هو عالمٌ بتلك الأجزاء؛ فهو قادرٌ على تَحْصيلها وجَمْعِها بعد تفرُّقِها وتأليفِها خلقًا جديدًا.وهو سبحانَه يُقرِّرُ المعادَ بذِكْرِ كمالِ علمِهِ وكمالِ قُدرتِهِ وكمالِ حكمتِهِ؛ فإنَّ شُبَه المُنكِرين له كلَّها تعودُ إلى ثلاثةِ أنواع:أحدها: اختلاطُ أجزائِهِم بأجزاءِ الأرض على وجهٍ لا يتميَّزُ ولا يحصُلُ معه(١) تميُّزُ شخصٍ عن شخصٍ!(١) في الأصل: "معها".
الثاني: أن القدرة لا تتعلَّقُ بذلك!الثالث: أن ذلك أمرٌ لا فائدةَ فيه! وإنما(١) الحكمةُ اقتضَتْ دوامَ هذا النوع الإنسانيِّ شيئًا بعد شيءٍ هكذا أبدًا؛ كلما مات جِيلٌ؛ خَلَفَهُ جِيلٌ آخرُ؛ فأمَّا أن يُمِيتَ النوعَ الإنسانيَّ كلَّه ثم يُحْيِيَهُ بعد ذَلك؛ فلا حكَمةَ في ذلك! فجاءتْ براهينُ المعادِ في القرآن مَبْنِيَّةً على ثلاثةِ أصول:أحدُها: تقريرُ كمال علم الربِّ سبحانَه؛ كما قال في جوابِ مَنْ قال: {مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨)}: {قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩)} [يس: ٧٨ - ٧٩]، وقال: {وَإِنَّ السَّاعَةَ لآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ (٨٥) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨٦)} [الحجر: ٨٥ - ٨٦]، وقال: {قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ} [ق: ٤].والثاني: تقريرُ كمال قدرتِهِ؛ كقوله: {أَوَلَيسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ} [يس: ٨١]، وقوله: {بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ (٤)} [القيامة: ٤]، وقوله: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ (٦)} [الحج: ٦].ويَجمعُ سبحانه بين الأمرين؛ كما في قوله: {أَوَلَيسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨١)} [يس: ٨١].الثالثُ: كمالُ حكمتِهِ؛ كقوله: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَينَهُمَا(١) ط: "أو أن".
لَاعِبِينَ (٣٨)} [الدخان: ٣٨]، وقوله: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَينَهُمَا بَاطِلًا} [ص: ٢٧]، وقوله: {أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (٣٦)} [القيامة: ٣٦]، وقوله: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَينَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥) فَتَعَالى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ} [المؤمنون: ١١٥ - ١١٦]، وقوله: {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (٢١)} [الجاثية: ٢١].ولهذا كان الصوابُ أنَّ المعاد معلومٌ بالعقل مع الشرع، وأن كمالَ الربِّ تعالى وكمال أسمائه وصفاته تَقتضِيهِ وتُوجِبُهُ، وأنَّه مُنزَّهٌ عما يقولُه مُنكِروه كما يُنَزَّهُ كمالُه عن سائر العيوبِ والنقائص.ثم أخبر سبحانَه أنَّ المُنكِرين لذلك لما كذَّبوا بالحقِّ اختلط عليهم أمرُهم؛ {فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ (٥)} [ق: ٥] مختلطٍ لا يَحصُلونَ منه على شيءٍ.ثم دعاهم إلى النظرِ في العالم العُلْويِّ وبنائِهِ وارتفاعِهِ واستوائِهِ وحُسْنِه والتئامِهِ.ثم إلى العالم السُّفْلِيِّ، وهو الأرضُ، وكيف بَسَطَها وهيَّأها بالبسط لِما يُرادُ منها، وثبَّتها بالجبال، وأودعَ فيها المنافع، وأنبتَ فيها من كلِّ صنفٍ حسنٍ من أصنافِ النباتِ على اختلاف أشكالِهِ وألوانِهِ ومقاديرِهِ ومنافعِهِ وصفاتِهِ. وأنَّ ذلك تَبْصِرةٌ؛ إذا تأمَّلها العبدُ المُنِيبُ وتَبصَّرَ بها تَذَكَّرَ ما دلَّت عليه مما أخبرتْ به الرسلُ من التوحيدِ والمعادِ؛ فالناظرُ فيها يَتبصَّرُ أولًا، ثم يَتذكَّرُ ثانيًا. وأنَّ هذا لا يَحصُلُ إلا لعبدٍ منيبٍ إلى الله بقلبِهِ وجوارحِهِ.ثم دعاهم إلى التفكُّر في مادةِ أَرْزاقِهِم وأقواتِهم ومَلابِسِهم ومَراكِبِهم
وجَنَّاتِهِم، وهو الماءُ الذي أنزلَه من السماءِ وباركَ فيه، حتى أنْبَتَ به جَناتٍ مختلفةَ الثمارِ والفواكهِ ما بين أبيضَ وأسودَ وأحمرَ وأصفرَ وحلوٍ وحامضٍ وبَيْنَ ذلك، مع اختلافِ منافِعِها وتنوُّعُ أجناسِها، وأنْبَتَ به الحبوبَ كلَّها على تَنوُّعِها واختلافِ مَنافِعهَا وصفاتِها وأشكالها ومقاديرها، ثم أفردَ النخلَ لما فيه من موضع العبرةِ والدِّلالةِ التي لا تَخفى على المتأمِّل، وأَحيا به الأرض بَعْدَ مَوْتِها.ثم قال: {كَذَلِكَ الْخُرُوجُ (١١)} [ق: ١١]؛ أي: مثلُ هذا الإخراج من الأرض الفواكه والثمارَ والأقوات والحبوبَ خروجُكُم من الأرض بعد ما غُيِّبْتُم فيها.وقد ذكرنا هذا القياس وأمثاله من المقاييس الواقعة في القرآن في كتابنا "المعالم"(١)، وبيَّنَّا بعضَ ما فيها من الأسرار والعِبَر. ثم انتقلَ سبحانه إلى تقرير النبوَّةِ بأحسنِ تقريرٍ وأوجزِ لفظٍ وأبعدِهِ عن كلِّ شُبهةٍ وشكٍّ، فأخبر أنه أرسل إلى قوم نوح وعادٍ وثمود وقوم لوطٍ وقوم فرعونَ رُسلًا فكذَّبوهم، فأهلكَهُم بأنواع الهلاك، وصَدَّقَ فيهم وعيدَه الذي أوْعَدَتْهم به رُسُلُهُ إن لم يؤمنوا، وهذا تقريرٌ لنبوَّتِهِم ولنبوَّةِ مَن أخبرَ بذلك عنهم من غير أن يتعلَّم ذلك من مُعلِّمٍ ولا قرأهُ في كتابٍ، بل أخبر به إخبارًا مفصَّلًا مطابقًا لما عند أهل الكتابِ.ولا يَرِدُ على هذا إلَّا سؤالُ البَهْتِ والمكابرةِ على جَحْدِ الضَّروريات بأنَّه لم يكنْ شيءٌ من ذلك! أو أنَّ حوادثَ الدهرِ ونكباتِهِ أصابتْهم كما أصابتْ غيرَهم!! وصاحبُ هذا السؤال يعلَمُ من نفسِهِ أنه بَاهتٌ(١) أي "إعلام الموقعين عن رب العالمين" (١/ ١٥٠ - ١٩٥).
مُباهِتٌ جاحدٌ لما شَهِد به العيانُ وتَناقَلتْهُ القرونُ قرنًا بعد قرنٍ؛ فإنكارُهُ بمنزلةِ إنكارِ وجودِ المشهورينَ من الملوكِ والعلماءِ والبلاد النائية.ثم عاد سبحانه إلى تقرير المعاد بقوله: {أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ} [ق: ١٥]؛ يُقالُ لكلِّ من عجز عن شيءٍ: عَيِيَ به، وعَيِيَ فلانٌ بهذا الأمرِ.قال الشاعر(١):عَيُّوا بأمْرِهِمُ كَما … عَيَّتْ بِبَيضَتِها الحَمامَهْومنه قولُه تعالى: {وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ} [الأحقاف: ٣٣]. قال ابن عباس: يريدُ: أفَعَجَزْنا؟ وكذلك قال مقاتلٌ.قلت: هذا تفسيرٌ بلازم اللفظة، وحقيقتُها أعمُّ من ذلك؛ فإنَّ العرب تقولُ: أعياني أن أَعرِف كذا وعَيِيْتُ به: إذا لم تَهْتَدِ لوجهِهِ ولم تقْدِرْ على معرفته وتحصيله، فتقولُ: أعياني دواؤك: إذا لم تهتدِ له ولم تقفْ عليه، ولازم هذا المعنى العجزُ عنه. والبيتُ الذي استشهدوا به شاهدٌ لهذا المعنى؛ فإنَّ الحَمامةَ لم تعْجِزْ عن بَيضتِها، ولكن أعياها إذا أرادت أن تَبِيْضَ أين تَرْمي بالبيضةِ؛ فهي تدورُ وتَجُولُ حتى تَرميَ بها؛ فإذا باضَتْ أعياها أين تَحفظُها وتُودِعُها حتى لا تُنال؛ فهي تَنقُلُها من مكانٍ إلى مكانٍ وتَحَار أين تجعلُ مَقرَّها؛ كما هو حالُ من عَيِيَ(٢) بأمرِهِ فلم يدرِ من أين يَقصِدُ له ومن أين يأتيهِ.وليس المرادُ بالإعياءِ في هذه الآية التعبَ كما يظنُّه من لم يَعرِفْ(١) البيت لعبيد بن الأبرص في ديوانه (ص ١٣٨) برواية أخرى، وفي لسان العرب (حيا، عيا) بهذه الرواية.(٢) في الأصل: "اعيى".
تفسيرَ القرآنِ، بل هذا المعنى هو الذي نفاه سبحانه عن نفسه في آخر السورة بقوله: {وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ (٣٨)} [ق: ٣٨].ثم أخبر سبحانه أنهم {فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ (١٥)} [ق: ١٥]؛ أي: أنهم التبس عليهم إعادةُ الخلق خلقًا جديدًا.ثم نبَّههم على ما هو من أعظم آيات قدرته وشَواهدِ ربُوبيَّتِهِ وأدلَّة المعادِ، وهو خَلْقُ الإنسانِ؛ فإنَّه من أعظم الأدلة على التوحيد والمعاد، وأيُّ دليلٍ أوضحُ من تركيب هذه الصورة الآدميَّةِ بأعضائها وقُواها وصفاتِها وما فيها من اللحم والعظم والعُروقِ والأعصابِ والرِّباطات والمنافذِ والآلات والعلوم والإرادات والصناعات؛ كل ذلك من نطفةِ ماءٍ؟! فلو أنصفَ العبدُ ربَّه؛ لاكتفى بفكْرِهِ في نفسِه، واستدلَّ بوجودِهِ على جميع ما أخبرتْ به الرسلُ عن اللهِ وأسمائِهِ وصفاتِهِ.ثم أخبرَ سبحانَه عن إحاطةِ علمِهِ به، حتى عَلِمَ وساوسَ نفسِهِ.ثم أخبرَ عن قربِهِ إليه بالعلم والإحاطةِ، وأنَّ ذلك أدنى إليه من العِرْقِ الذي هو داخلَ بدنِهِ؛ فهو أقربُ إليه بالقدرةِ عليه والعلم به من ذلك العِرقِ. وقال شيخُنا(١): المرادُ بقوله: {نَحْنُ}؛ أي: ملائكتُنا؛ كما قال: {فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨)} [القيامة: ١٨]؛ أي: إذا قرأه عليك رسولُنا جبريلُ. قال: ويدلُّ عليه قولُه: {إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ} [ق: ١٧]؛ فقُيِّدَ القربُ المذكورُ بتلقِّي المَلَكَيْنِ، ولو كان المرادُ به قربَ الذاتِ لم يَتَقَيَّدْ بوقتِ تلقِّي الملكين؛ فلا حجَّةَ في الآيةِ لِحُلوليٍّ ولا مُعطِّلٍ.ثم أخبر سبحانه أنَّ على يميِنِه وشمالِهِ مَلَكين يكتُبانِ أعمالَه(١) هو شيخ الإسلام ابن تيمية، انظر كلامه في "مجموع الفتاوى" (٥/ ٢٣٤ - ٢٣٥).
وأقوالَه، ونبَّه بإحصاءِ الأقوال وكتابتِها على كتابة الأعمال، التي هي أقلُّ وقوعًا وأعظمُ أثرًا من الأقوال، وهي غاياتُ الأقوال ونهايتُها.ثم أخبر عن القيامةِ الصغرى، وهي سَكْرَةُ الموتِ، وأنها تجيءُ بالحقِّ، وهو: لقاؤُه سبحانَه، والقدومُ عليه، وعَرْضُ الرُّوح عليهِ، والثوابُ والعقابُ الذي تعجَّلَ لها قبلَ القيامة الكبرى.ثم ذكر القيامة الكبرى بقولهِ: {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ (٢٠)} [ق: ٢٠].ثم أخبرَ عن أحوال الخَلْقِ في هذا اليوم، وأنَّ كل أحدٍ يأتي الله سبحانه ذلك اليوم ومعه سائقٌ يَسوقُه وشهيدٌ يَشهدُ عليه، وهذا غير شهادةِ جوارحِهِ، وغيرُ شهادةِ الأرض التي كان عليها له وعليه، وغيرُ شهادةِ رسولِهِ والمؤمنين؛ فإنَّ الله سبحانه يستشهدُ على العبادِ الحفظةَ والأنبياءَ والأمكنةَ التي عملوا عليها الخير والشرَّ، والجلود التي عَصَوْه بها، ولا يَحكُمُ بينهم بمجرَّد علمِهِ؛ وهو أعدلُ العادلينَ وأحكمُ الحاكمين، ولهذا أخبر نبيُّه أنه يحكُمُ بين الناس بما سَمِعَهُ من إقرارِهم وشهادة البيِّنَةِ لا بمجرَّد علمِهِ(١)؛ فكيف يَسُوغُ لحاكمٍ أن يَحْكُمَ بمجرَّدِ علمِهِ من غيرِ بيِّنةٍ ولا إقرار؟!ثم أخبر سبحانه أن الإنسان في غفلةٍ من هذا الشأن الذي هو حقيقٌ بأن لا يَغْفُلَ عنه وأن لا يزالَ على ذكرِهِ وبالِهِ، وقال: {فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا} [ق: ٢٢]، ولم يقل: عنه؛ كما قال: {وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (٤٥)}(١) كما في الحديث الذي أخرجه البخاري (٢٤٥٨) ومسلم (١٧١٣) عن أم سلمة، وفيه: "فأقضي له على نحوٍ مما أسمعُ منه".
[فصلت: ٤٥]، ولم يقل: في شكٍّ فيه، وجاء هذا في المصدر وإن لم يَجِئ في الفعل -فلا يقالُ: غَفَلْتُ منه ولا شَكَكْتُ منه- كأن غَفْلَتَهُ وشكَّه ابتداءٌ منه؛ فهو مبدأُ غفلتِهِ وشكِّه! وهذا أبلغ من أن يُقال: في غفلةٍ عنه وشكٍّ فيه؛ فإنه جعل ما ينبغي أن يكون مبدأ التذكرة واليقينِ ومنشأهما مبدأً للغفلةِ والشكِّ.ثم أخبر أنَّ غطاءَ الغفلة والذُّهول يُكْشَفُ عنه ذلك اليوم كما يُكْشَفُ غطاءُ النوم عن القلب فيستيقظُ وعن العين فتنفتحُ؛ فنسبةُ كَشْفِ هذا الغطاءِ عن العبدِ عند المعاينةِ كنسبةِ كَشْفِ غطاءِ النوم عنه عند الانتباهِ.ثم أخبر سبحانه أنَّ قرينَه -وهو الذي قُرِنَ به في الدُّنيا من الملائكةِ يَكْتُبُ عَمَلَه وقولَه- يقولُ لمَّا يُحْضِرُهُ: هذا الذي كنتَ وَكَلْتَني به في الدُّنيا قد أحضرتُه وأتيتكَ به. هذا قول مجاهدٍ(١).وقال ابنُ قُتيبة(٢): المعنى: هذا ما كتبتُهُ عليه وأحصيتُهُ من قولِهِ وعملِهِ حاضرٌ عندي.والتحقيقُ أن الآية تتضمَّنُ الأمرين؛ أي: هذا الشخص الذي وُكِلْتُ به، وهذا عَملُهُ الذي أحصيتُهُ عليه.فحينئذٍ يُقالُ: {أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ} [ق: ٢٤]، وهذا إما أن يكون خطابًا للسائقِ والشهيد، أو خطابًا للملك المُوَكَّل بعذابِهِ وإن كان واحدًا، وهو مذهبٌ معروفٌ من مذاهب العرب في خطابها، أو تكونُ الألفُ منقلبةً عن نون التأكيد الخفيفة ثمَّ أُجْرِيَ الوصلُ مُجرَى الوقفِ.(١) انظر تفسير القرطبي (١٧/ ١٦) وابن كثير (٧/ ٣٢٩١).(٢) "تأويل مشكل القرآن" (ص ٤٢٢).
ثم ذَكَرَ صفاتِ هذا المُلْقَى، فذَكَرَ له ستَّ صفاتٍ:إحداها(١): أنَّه كَفَّارٌ لنِعَمِ الله وحقوقه، كفَّارٌ بديِنِه وتوحيدِهِ وأسمائِهِ وصفاتِهِ، كَفَّارٌ برُسُلِه وملائكتِهِ، كفَّارٌ بكتبِهِ ولقائِهِ.الثانيةُ: أنه مُعانِدٌ للحقِّ بدَفْعِهِ جَحْدًا وعِنادًا.الثالثةُ: أنه مَنَّاعٌ للخير، وهذا يَعُمُّ منعَهُ للخيرِ الذي هو إحسانٌ إلى نفسِهِ من الطاعاتِ والقُرَبِ إلى الله، والخير الذي هو إحسانٌ إلى الناس؛ فليس فيه خيرٌ لنفسِهِ ولا لبنَي جنسِهِ؛ كما هو حالُ أكثرِ الخَلْقِ.الرابعةُ: أنه مع مَنْعِهِ للخيرِ مُعتدٍ على الناس، ظلومٌ، غَشُومٌ، مُعتدٍ عليهم بيدِهِ ولسانِهِ.الخامسة: أنه مُرِيْبٌ؛ أي: صاحبُ رَيْبٍ وشكٍّ، ومع هذا فهو آتٍ لكلِّ رِيبةٍ، يُقال فلان مُرِيبٌ، إذا كان صاحِبَ رِيبةٍ.السادسةُ: أنه مع ذلك مُشرِكٌ باللهِ، قد اتَّخَذَ مع الله إلهًا آخر؛ يَعبُدُه، ويُحِبُّه، ويَغضَبُ له، ويَرضى له، ويَحلِفُ باسمِهِ، وَينذُرُ له، ويُوالي فيه، ويُعادي فيه.فيَختصِمُ هو وقرينهُ من الشياطين، ويُحِيلُ الأمرَ عليه، وأنه هو الذي أَطغاه وأَضلَّهُ، فيقولُ قرينُه: لم يكن لي قُوةٌ أن أُضِلَّهُ وأُطْغِيَهُ، ولكن كان في ضلال بعيدٍ؛ اختاره لنفسهِ، وآثَرَهُ على الحقِّ؛ كما قال إبليسُ لأهل النار: {وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إلا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي} [إبراهيم: ٢٢]. وعلى هذا؛ فالقرينُ هنا هو شيطانُه؛ يَختصمان عند الله.(١) الأصل: "أحدها". وهذا شائع في كتب المؤلف.
وقالت طائفةٌ: بل قرينُه ها هنا هو المَلَكُ، فيدَّعي عليهِ أنَّه زاد عليه فيما كَتبَهُ عليه وطَغَى، وأنَّه لم يَفْعَلْ ذلك كلَّه، وأنه أعْجَلَهُ بالكتابةِ عن التوبة، ولم يُمْهِلْهُ حتى يتوبَ! فيقولُ المَلَكُ: ما زِدتُ في الكتابةِ على ما عَمِلَ، ولا أَعجَلْتُه عن التوبة، {وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ (٢٧)} [ق: ٢٧].فيقولُ الربُّ تعالى: {لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ} [ق: ٢٨]، وقد أخْبَرَ سبحانَه عن اختصام الكُفَّار والشياطين بين يديه في سورتي(١) الصافات والأعراف، وأخبرَ عن اختصام الناس بين يديهِ سبحانَه في سورة الزمر، وأخبَر عن اختصام أهلِ النارِ فيها في سورة الشعراءِ وسورةِ ص.ثم أخبر سبحانه أنه لا يُبدَّلُ القولُ لديه، فقيلَ: المرادُ بذلك: قولُه: {لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١١٩)} [هود: ١١٩]، ووَعْدُه لأهل الإيمان بالجنة، وأنَّ هذا لا يُبدَّلُ ولا يُخْلفُ. قال ابن عباس: يرِيدُ: ما لِوَعْدِي خُلْفٌ لأهل طاعتي ولا أهل معصيتي. قال مجاهدٌ: قد قَضَيتُ ما أنا قاضٍ. وهذا أصحُّ القولين في الآية(٢).وفيها قولٌ آخرُ: أن المعنى: ما يُغيَّرُ القولُ عندي بالكذبِ والتلبيسِ كما يُغيَّرُ عند الملوكِ والحُكَّام، فيكون المرادُ بالقول قولَ المختصمين، وهو اختيارُ الفرَّاءِ وابنِ قُتيبةَ. قال الفرَّاءُ(٣): المعنى: ما يُكْذَبُ عندي لعِلْمي بالغيبِ. وقال ابنُ قُتيبة(٤). أي: ما يُحَرَّفُ القولُ عندي ولا يُزادُ(١) الأصل: "سورة".(٢) انظر تفسير الطبري (٢١/ ٤٤٣) وابن كثير (٧/ ٣٢٩٣).(٣) "معاني القرآن" (٣/ ٧٩).(٤) "تأويل مشكل القرآن" (ص ٤٢٣).