الداء والدواء = الجواب الكافي - ط عطاءات العلم (ابن القيم)القسم: الرقائق والآداب والأذكارالكتاب: الداء والدواء[آثار الإمام ابن قيم الجوزية وما لحقها من أعمال (١٧)]المؤلف: أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب ابن قيم الجوزية (٦٩١ - ٧٥١ هـ)حققه: محمد أجمل الإصلاحيخرج أحاديثه: زائد بن أحمد النشيريراجعه: سليمان بن عبد الله العمير - علي بن محمد العمرانالناشر: دار عطاءات العلم (الرياض) - دار ابن حزم (بيروت)الطبعة: الرابعة، ١٤٤٠ هـ - ٢٠١٩ م (الأولى لدار ابن حزم)عدد الصفحات: ٥٧٣قدمه للشاملة: مؤسسة «عطاءات العلم»، جزاهم الله خيرا[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]تاريخ النشر في Ramisher: ١ يوليو ٢٠٢٦.
بسم الله الرحمن الرحيمولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم(١)ما تقول السادة العلماء أئمة الدين(٢) رضي الله عنهم أجمعين(٣) - في رجل ابتلي ببلية، وعلم أنها إن استمرّت به أفسدت عليه(٤) دنياه وآخرته، وقد اجتهد في دفعها عن نفسه بكل طريق، فما تزداد(٥) إلا توقّدًا وشدة؛ فما الحيلة في دفعها؟ وما الطريق إلى كشفها؟ فرحم الله من أعان مبتلى(٦)، "والله في عون العبد ما كان العبد(٧) في عون أخيه"(٨)، أفتونا مأجورين(٩).فأجاب الشيخ الإِمام العالم شيخ الإِسلام مفتي الفِرَق شمس الدين(١) س: "ربِّ يسر وأعن برحمتك". ز: "حسبي الله ونعم الوكيل، اللهم وفق".ل: "ربِّ يسر وأعن".(٢) هكذا بدأت النسختان ف، خب. وفي غيرهما ذكر اسم المؤلف وألقابه في أول الكلام، فبدأت ز مثلًا على النحو الآتي: "سئل الشيخ الإِمام العالم … : ما تقول السادة العلماء … مأجورين. فكتب الشيخ رضي الله عنه: الجواب: الحمد لله، ثبت … ".(٣) "أجمعين" ساقط من ز.(٤) "عليه" من س، ل، خا.(٥) كذا في ل، خا. ولم ينقط حرف المضارع في س. وفي غيرها: "يزداد".(٦) س: "المبتلى".(٧) "العبد" ساقط من ف.(٨) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. أخرجه مسلم في كتاب الذكر والدعاء (٢٦٩٩).(٩) كذا في ف، ز. وزاد في س، خب: "رحمكم الله". وفي ل: "رحمكم الله ورضي عنكم". وزاد في خب: "وختم لكم بخير".
أبو عبد الله محمَّد بن أبي بكر بن أيوب إمام المدرسة الجوزية بدمشق المحروسة رضي الله عنه(١):الحمد لله(٢). ثبت في صحيح البخاري(٣) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء". وفي صحيح مسلم(٤) من حديث جابر(٥) بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لكل داء دواء، فإذا أصيب دواء الداء برأ بإذن الله".وفي مسند الإِمام أحمد(٦) من حديث أسامة بن شريك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله لم يُنْزِلْ داءً إلا أنزل له شفاءً، علِمَه مَن علِمَه، وجَهِله مَن(١) كذا في ف. وانظر للألقاب الواردة في النسخ الأخرى: وصفها في مقدمة التحقيق.(٢) زاد في ف: "ربِّ العالمين".(٣) في كتاب الطب (٥٦٧٨). وفي س: "صحيح مسلم والبخاري".(٤) في كتاب السلام (٢٢٠٤).(٥) س: "مسلم عن جابر".(٦) ٤/ ٢٧٨ (١٨٤٥٦). من طريق مصعب بن سلّام ثنا الأجلح عن زياد بن علاقة عن أسامة بن شريك. . . فذكره. وقد خولف مصعب. خالفه محمَّد بن فضيل، فرواه عن الأجلح عن زياد عن أسامة باللفظ الثاني الذي ذكره المؤلف. أخرجه الطبراني في الكبير ١/ ١٨٣ (٤٧٨). ورواه محمَّد بن فضيل عن الشيباني والأجلح عن زياد به بمثله. أخرجه هناد في الزهد (١٢٦٠). ورواية الجماعة -كما سيأتي- بدون زيادة (علمه من علمه، وجهله من جهله) ورواتها حفاظ متقنون كالثوري وشعبة والأعمش وغيرهم. وأيضًا مصعب بن سلام فيه ضعف.وقد جاءت هذه الزيادة من حديث عبد الله بن مسعود عند أحمد في المسند و (٣٥٧٨) وغيره. وفيه اختلاف في رفعه ووقفه، وفي سماع أبي عبد الرحمن السلمي من ابن مسعود. راجع علل الدارقطني ٥/ ٣٣٤ - ٣٣٥.
جَهِله".وفي لفظ(١): "إن الله لم يضع داءً إلا وضع له شفاءً أو دواءً إلا داءً واحدًا" قالوا: يا رسول الله ما هو؟ قال: "الهرَم". قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح(٢).وهذا يعمّ أدواءَ القلب والروح والبدن، وأدويتَها.وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم(٣) الجهل داء، وجعل دواءه سؤال العلماء: فروى أبو داود في سننه(٤) من حديث جابر بن عبد الله قال: خرجنا(١) أخرجه الترمذي (٢٠٣٨) وأبو داود (٢٠١٥) وابن ماجه (٣٤٣٦) وأحمد (١٨٤٥٤) والطبراني (١/ ١٧٩ - ١٨٤) وغيرهم، من طرق عن الثوري وشعبة وابن عيينة والأعمش وزائدة وزهير وغيرهم، كلهم عن زياد بن علاقة عن أسامة بن شريك. فذكره بعضهم مطولًا، وبعضهم مختصرًا. والحديث صححه سفيان بن عيينة والترمذي وابن خزيمة وابن حبان والحاكم والدارقطني والضياء المقدسي والبوصيري وغيرهم. انظر الأحاديث المختارة (٤/ ١٧١)، والإلزامات والتتبع للدارقطني (ص ١١٣ - ١١٤).(٢) كذا في ف، ومتن الترمذي المطبوع مع تحفة الأحوذي (٦/ ١٦٠). وكذا في نسخة باريس من الجامع رواية الكروخي (ق/ ١٣٤)، ومثله في تحفة الأشراف للمزي (١/ ٦٢). وفي النسخ الأخرى: "حديث صحيح".(٣) العبارة "يعم. . . صلى الله عليه وسلم" ساقطة من س.(٤) في كتاب الطهارة (٣٣٦). وأخرجه الدارقطني (١/ ١٩٠) والبغوي في شرح السنة (٣١٣) من طريق الزبير بن خُريق عن عطاء بن أبي رباح عن جابر، فذكره. قال الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير (١/ ١٥٦): "صححه ابن السكن، وقال ابن أبي داود: تفرد به الزبير بن خريق، وكذا قال الدارقطني، قال: وليس بالقوي" ثم ذكر الاختلاف على رواة الحديث. وانظر تحقيق المسند (٣٠٥٦) وبيان الوهم والإيهام لابن القطان = (٢/ ٢٣٦ - ٢٣٧).
في سفر، فأصاب رجلًا منا حجر، فشجّه في رأسه، ثم احتلم، فسأل أصحابه(١)، فقال(٢): هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ قالوا: ما نجد لك رخصة، وأنت تقدر على الماء. فاغتسل، فمات. فلما قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر بذلك فقال: "قتلوه، قتلهم الله! ألا سألوا إذ لم يعلموا! فإنما شفاء العي السؤال إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصِر -أو يعصِب- على جرحه خرقةً، ثم يمسح عليها، ويغسل سائر جسده".فأخبر أنّ الجهل داء، وأنّ شفاءه السؤال.وقد أخبر سبحانه عن القرآن أنه شفاء(٣)، فقال تعالى: {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَافُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ} [فصلت: ٤٤]. وقال: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} [الإسراء: ٨٢]، و"من" ها هنا لبيان الجنس لا للتبعيض(٤)، فإن القرآن كله شفاء، كما قال في الآية الأخرى(٥). فهو شفاء للقلوب من داء الجهل والشك والريب، فلم ينزل الله سبحانه من السماء شفاء قط أعم ولا أنفع ولا أعظم ولا أنجع(٦) في إزالة الداء من القرآن.(١) ف: "الصحابة".(٢) "فقال" ساقط من س.(٣) ل: "أن القرآن شفاء". وقد أشير إلى هذه النسخة في حاشية س.(٤) ل: "ها هنا الجنس لا التبعيض".(٥) يعني الآية السابقة. وفي النسخ المطبوعة: "المتقدمة" مكان "الأخرى".(٦) س: "أبلغ".
وقد ثبت في الصحيحين(١) من حديث أبي سعيد قال: انطلق نفر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم(٢) في سَفْرة سافروها حتى نزلوا على حيّ من أحياء العرب، فاستضافوهم، فأبوا أن يُضَيّفوهم(٣). فلُدِغَ سيّدُ ذلك الحي، فسعوا له بكل شيء، لا ينفعه شيء، فقال بعضهم: لو أتيتم هؤلاء الرهطَ الذين نزلوا، لعلّه أن يكون عند بعضهم شيء(٤). فأتوهم، فقالوا: أيها الرهط إن سيّدنا لُدِغ، وسعينا له بكل شيء لا ينفعه، فهل عند أحد منكم من شيء؟ فقال بعضهم: نعم(٥)، والله إنّي لأرقي، ولكن والله استضفناكم فلم تُضَيّفونا، فما أنا براقٍ حتى تجعلوا لنا جُعْلًا.فصالحوهم على قطيع من الغنم. فانطلق يتفُل عليه، ويقرأ {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)} [الفاتحة: ٢]. فكأنما نُشِطَ من عِقال، فانطلق يمشي، وما به قَلَبة(٦). فأوفَوهم جُعْلَهم الذي صالحوهم عليه. فقال بعضهم: اقتسِموا، فقال الذي رقَى: لا نفعل حتى نأتي النبي صلى الله عليه وسلم(٧)، فنذكر له الذي كان، فننظر بما يأمرنا. فقدِموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكروا له ذلك، فقال: "وما يدريك أنها رقية؟ " ثم قال: "قد أصَبتُم، اقتسِمُوا واضرِبوا لي معكم سهمًا".(١) أخرجه البخاري في الإجارة، باب ما يعطي في الرقية … (٢٢٧٦) وغيره، ومسلم في السلام، باب جواز أخذ الأجرة على الرقية بالقرآن والأذكار (٢٢٠١).(٢) ف: "رسول الله صلى الله عليه وسلم".(٣) س: "فلم يضيفوهم"، وأشير في الحاشية إلى ما أثبتناه من غيرها.(٤) ل: "عندهم بعض شيء".(٥) سقط "نعم" من ز.(٦) القلبة: الألم والعلّة. انظر النهاية (٤/ ٩٨).(٧) ل: "رسول الله صلى الله عليه وسلم".
فقد أثّر هذا الدواءُ في هذا(١) الداء، وأزاله حتى كأنْ لم يكن. وهو أسهل دواء وأيسره. ولو أحسن العبد التداوي بالفاتحة لرأى لها تأثيرًا عجيبًا في الشفاء.ومكثتُ بمكة مدّةً تعتريني(٢) أدواء، ولا أجد طبيبًا ولا دواء، فكنتُ أعالج نفسي بالفاتحة، فأرى لها تأثيرًا عجيبًا(٣). فكنت أصف ذلك لمن يشتكي(٤) ألمًا، وكان(٥) كثير منهم يبرأ سريعًا(٦).ولكن ها هنا أمر ينبغي التفطّن له، وهو أن الأذكار والآيات والأدعية التي يستشفى بها ويرقى بها، هي في نفسها نافعة شافية، ولكن تستدعي قبول المحلّ، وقوة همة الفاعل وتأثيره. فمتى تخلّف الشفاء كان لضعف تأثير الفاعل، أو لعدم قبول المنفعل، أو لمانع قوي فيه يمنع أن ينجع فيه الدواء، كما يكون ذلك في الأدوية والأدواء الحسية، فإنّ عدم تأثيرها قد يكون لعدم قبول الطبيعة لذلك الدواء، وقد يكون لمانع(٧) قوي يمنع من اقتضائه أثره. فإن الطبيعة إذا أخذت الدواء بقبول تام كان انتفاع البدن به بحسب ذلك القبول، وكذلك القلب إذا أخذ الرقى والتعاويذ بقبول(١) "هذا" ساقط من ف.(٢) ف، ز: "يعتريني".(٣) "أعالج … تاثيرًا" تكرر في س. وسقط "لا دواء فكنت … عجيبًا" من ز، واستدرك بخط مغاير في الحاشية.(٤) ز: "اشتكى".(٥) ف: "فكان".(٦) وانظر كلام المؤلف في تأثير سورة الفاتحة في زاد المعاد (٤/ ١٧٦ - ١٧٨)، وهناك أيضًا حكى عن نفسه أنه كان يتعالج في مكة بسورة الفاتحة. وانظر: مدارج السالكين (١/ ٥٧ - ٥٨).(٧) ل: "المانع".
تام(١)، وكان للراقي نفس فعالة وهمة مؤثرة، أثّر في إزالة الداء(٢).وكذلك الدعاء، فإنه من أقوى الأسباب في دفع المكروه وحصول المطلوب، ولكن قد يتخلف عنه أثره(٣)، إما لضعفه في نفسه بأن يكون دعاء لا يحبه الله لما فيه من العدوان، وإما لضعف القلب وعدم إقباله على الله وجمعيته عليه وقت الدعاء، فيكون بمنزلة القوس الرخو جدًّا فإن السهم يخرج منه خروجًا ضعيفًا، وإما لحصول المانع من الإجابة من أكل الحرام، والظلم، ورَين الذنوب على القلوب، واستيلاء الغفلة والسهو(٤) واللهو وغلبتها عليها(٥).كما في صحيح الحاكم(٦) من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: "ادعو الله وأنتم موقنون بالإجابة، واعلموا أنّ الله لا يقبل دعاءً مِن قلبٍ(١) ف: "بالقبول التام".(٢) س: "أثرت وأزالت الداء"، وأشير في الحاشية إلى ما أثبتنا من غيرها.(٣) ف: "ولكن يتخلف أثره عنه".(٤) س: "الشهوة"، ولم يرد فيها ما بعد هذه الكلمة.(٥) كذا في ف، ز. وفي ل: "الغفلة والسهو والذنوب".(٦) كذا سمّى المؤلف مستدرك الحاكم بالصحيح، وسيأتي مرارًا، وكذا يسفيه شيخه، نظرًا إلى شرط المصنف لا توثيقًا لتصحيحه. ويدلّ على ذلك قوله في الفروسية (١٨٥ - ١٨٦): "ولا يعبأ الحفاظ أطباء علل الحديث بتصحيح الحاكم شيئًا، ولا يرفعون به رأسًا البتة، بل لا يدل تصحيحه على حسن الحديث، بل يصحح أشياء موضوعة بلا شك عند أهل العلم بالحديث … ". وقال شيخ الإِسلام: " … وروى ذلك الحاكم في صحيحه، لكن هذا ضعيف، وللحاكم مثل هذا، يروي أحاديث موضوعة في صحيحه" (رسالة في قنوت الأشياء - جامع الرسائل ١/ ١٢).
غافلٍ لاه"(١).فهذا دواء نافع مزيل للداء، ولكن غفلة القلب عن الله تبطل قوله.وكذلك أكل الحرام يبطل قوته ويضعفها، كما في صحيح مسلم(٢) من حديث أبي هريرة: قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أيها الناس، إنّ الله طيّب، لا يقبل إلا طيّبًا. وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٥١)} [المؤمنون: ٥١]، وقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} البقرة: ١٧٢] ". ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعثَ أغبرَ يمدّ يده إلى السماء: يا ربّ يا ربّ، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغُذِيَ بالحرام، فأنّى يستجاب لذلك!(١) أخرجه الحاكم في المستدرك ١/ ٦٧٠ - ٦٧١ (١٨١٧) والترمذي (٣٤٧٩) وابن حبان في المجروحين (١/ ٣٦٨) وابن عدي في الكامل (٤/ ٦٢) وغيرهم، من طريق صالح المرّي عن هشام بن حسان عن محمَّد بن سيرين عن أبي هريرة، فذكره. قال الحاكم: "هذا حديث مستقيم الإسناد، تفرد به صالح المري، وهو أحد زهاد البصرة، ولم يخرجاه". وتعقبه الذهبي بقوله: "صالح متروك".والحديث ضعفه الترمذي، وعده ابن عدي وابن حبان من منكرات صالح المري.وورد من حديث عبد الله بن عمرو عند أحمد في المسند ٢/ ١٧٧ (٦٦٥٥) لكنه من طريق حسن بن موسى عن ابن لهيعة قال ابن المديني: "الحسن بن موسى إنما سمع من ابن لهيعة بأخرة … ". وحسنه المنذري والهيثمي انظر: الترغيب والترهيب (٢/ ٤٩١ - ٤٩٢) ومجمع الزوائد (١٠/ ١٤٨) ومسند الفاروق لابن كثير (٢/ ٦٤٩).(٢) في كتاب الزكاة، باب قبول الصدقة من الكسب الطيب وتربيتها (١٠١٥).
وذكر عبد الله ابن الإِمام(١) أحمد في كتاب الزهد لأبيه(٢): أصاب بني إسرائيل بلاءً، فخرجوا مخرجًا، فأوحى الله عز وجل إلى نبيّهم أن أخبرهم: تخرجون إلى الصعيد بأبدان نجسة، وترفعون إليّ أكُفًّا قد سفكتم بها الدماء وملأتم بها بيوتكم من الحرام، الآن حين اشتد غضبي عليكم، ولن تزدادوا مني إلا بعدًا.وقال أبو ذر: يكفي من الدعاء مع البِرّ ما يكفي الطعام من الملح(٣).فصلوالدعاء من أنفع الأدوية، وهو عدو البلاء، يدافعه ويعالجه، ويمنع نزوله، ويرفعه، أو يخففه إذا نزل.وهو سلاح المؤمن، كما روى الحاكم في صحيحه(٤) من حديث علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الدعاء سلاح المؤمن،(١) "الإِمام" من س.(٢) لم أقف عليه في المطبوع، وأخرجه أبو داود في الزهد (١٣)، وفي سنده ضعف.(٣) أخرجه أحمد في الزهد (٧٨٨)، وابن المبارك في الزهد (٣١٩) وغيرهما، من طريق بكر بن عبد الله المزني عن أبي ذر، فذكره. قال أبو حاتم الرازي: "بكر بن عبد الله المزني عن أبي ذر مرسل". المراسيل (٢٥) لابن أبي حاتم (ط دار الكتب العلمية).(٤) ١/ ٦٦٩ (١٨١٢). وأخرجه ابن عدي في الكامل (٦/ ١٧٢) والقضاعي في مسند الشهاب (١٤٣) وغيرهما. قال الحاكم: "هذا حديث صحيح، فإن محمَّد بن الحسن هذا هو التل أو هو صدوق في الكوفيين". قلت: محمَّد بن الحسن هو ابن أبي يزيد الهمداني، متروك الحديث. وكذبه ابن معين وأبو داود. وقال بعضهم: ضعيف. انظر: تهذيب الكمال (٢٥/ ٧٦ - ٧٩) راجع السلسلة الضعيفة للألباني (١٧٩).
وعماد الدين، ونور السموات والأرض".وله مع البلاء ثلاث مقامات:أحدها: أن يكون أقوى من البلاء، فيدفعه.الثاني: أن يكون أضعف من البلاء، فيقوى عليه البلاء، فيصاب به العبد. ولكن(١) قد يخففه، وإن كان ضعيفًا.الثالث: أن يتقاوما، ويمنع كلّ واحد منهما صاحبه.وقد روى الحاكم في صحيحه(٢) من حديث عائشة قالت: قال لي رسول الله- صلى الله عليه وسلم: "لا يغني حَذَر من قَدَر، والدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل. وإن البلاء لينزل، فيلقاه الدعاء، فيعتلجان إلى يوم القيامة".وفيه أيضًا(٣) من حديث ابن عمر عن النبي- صلى الله عليه وسلم قال: "الدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل، فعليكم عبادَ الله بالدعاء".(١) ز: "ولكنه".(٢) ١/ ٦٦٩ (١٨١٣). وأخرجه الطبراني في الدعاء (٣٣)، والبزار في مسنده (زوائده: ٢١٦٥) وغيرهما. قال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه". وتعقبه الذهبي بقوله: "زكريا مجمع على ضعفه".(٣) ١/ ٦٧٠ (١٨١٥). وأخرجه الترمذي (٣٥٤٨) من طريق عبد الرحمن بن أبي بكر بن أبي مليكة عن موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر، فذكره. قال الترمذي: "هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث عبد الرحمن بن أبي بكر القرشي، وهو ضعيف في الحديث، ضعفه بعض أهل العلم من قبل حفظه".وقال الذهبي في التلخيص: "عبد الرحمن واهٍ".
وفيه أيضًا(١) من حديث ثوبان: "لا يردّ القدرَ إلا الدعاءُ، ولا يزيد لعمر إلا البِرّ، دانّ الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه".فصلومن أنفع الأدوية: الإلحاح في الدعاءوقد(٢) روى ابن ماجه في سننه(٣) من حديث أبي هريرة قال: قال(١) ١/ ٦٧٠ (١٨١٤). وأخرجه ابن ماجه (٤٠٢٢) وأحمد ٣٧/ ٦٨ (٢٢٣٨٦) وابن حبان (٨٧٢) والبغوي في شرح السنة ١٣/ ٦ (٣٤١٨) وغيرهم، من طريق الثوري عن عبد الله بن عيسى عن عبد الله بن أبي الجعد عن ثوبان، فذكره. قال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه". قلت: ولم يتعقبه الذهبي. وقد وقع في الحديث اختلاف، وطريق الثوري أشبه بالصواب، لكن في سنده عبد الله بن أبي الجعد، لم يوثقه غير ابن حبان.وورد من حديث سلمان بلفظ "لا يرد القضاء إلا الدعاء، ولا يزيد في العمر إلا البر". أخرجه الترمذي (٢١٣٩) وقال: (هذا حديث حسن غريب من حديث سلمان، لا نعرفه إلا من حديث يحيى بن الضريس". قلت: والحديث تفرد به أبو مودود، واسمه فضة -ضعيف الحديث- عن سليمان التيمي عن أبي عثمان النهدي عن سلمان. انظر: تهذيب الكمال (٢٣/ ٢٦٧).(٢) لم يرد "وقد" في س.(٣) رقم (٣٨٢٧). وأخرجه الترمذي (٣٣٧٣) وأحمد ٢/ ٤٤٢ (٩٧٠١) والحاكم ١/ ٦٦٨ (١٨٠٧) وغيرهم، من طريق أبي المليح عن أبي صالح الخوزي عن أبي هريرة، فذكره. قال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد، فإن أبا صالح الخوزي وأبا المليح الفارسي لم يذكرا بالجرح، وإنما هما في عداد المجهولين لقلة الحديث". قلت: الحديث تفرد به أبو صالح الخوزي، وهو لم يرو عنه غير أبي المليح، وقال فيه ابن معين: ضعيف الحديث. وقال أبو زرعة: لا بأس به. وقال ابن حجر: لين الحديث. وجعل ابن عدي هذا الحديث من مفاريده. انظر تهذيب الكمال (٣٣/ ٤١٨) والكامل في الضعفاء (٧/ ٢٩٤ - ٢٩٥).
رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من لم يسأل اللهَ يغضَبْ عليه".وفي صحيح الحاكم(١) من حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تعجزوا في الدعاء، فإنه لا يهلك مع الدعاء أحد".وذكر الأوزاعي، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله يحب الملِحّين في الدعاء"(٢).وفي كتاب الزهد للإمام أحمد(٣) عن قتادة قال: قال مُوَرِّق: ما وجدت للمؤمن مثلًا إلا رجلًا في البحر على خشبة، فهو يدعو: يا رب(١) ١/ ٦٧١ (١٨١٨). وأخرجه ابن حبان (٨٧١) والعقيلي في الضعفاء (٣/ ١٨٨) وابن عدي في الكامل (٥/ ١٣) وغيرهم، من طريق عمر بن محمَّد بن صهبان الأسلمي عن ثابت عن أنس فذكره. صححه الحاكم قال الحافظ في اللسان (٦/ ١٤١): "صححه الحاكم فتساهل في ذلك". قلت: الحديث تفرد به عمر بن محمَّد عن ثابت. وعمر هذا قال البخاري: منكر الحديث. وقالالنسائي: متروك. وقال أحمد: لم يكن بشيء. وقال العقيلي: "لا يتابع عليه، ولا يعرف إلا به". وقد وقع في سند ابن حبان والحاكم وهم. راجع السلسلة الضعيفة للألباني (٨٤٣) والتعليق على ابن حبان.(٢) أخرجه العقيلي في الضعفاء (٤/ ٤٥٢) والطبراني في الدعاء (٢٠) وابن عدي في الكامل (٧/ ١٦٤)، من طريق بقية عن يوسف بن السفر عن الأوزاعي به، فذكره. ويوسف هذا متروك، قاله أبو زرعة والنسائي. وقال البخاري: كان يكذب. وقال ابن عدي: "وهذه الأحاديث التي رواها يوسف عن الأوزاعي بواطيل كلها".والصحيح في المتن أنه من قول الأوزاعي. هكذا رواه عيسى بن يونس عن الأوزاعي قال: كان يقال: "أفضل الدعاء الإلحاح على الله والتضرع إليه".أخرجه العقيلي (٤/ ٤٥٢) وقال: حديث عيسى بن يونس أولى.(٣) رقم (١٧٦٥)، ورجاله ثقات.
يا رب، لعل الله عز وجل أن ينجيه.فصلومن الآفات التي تمنع ترتُّبَ أثرِ الدعاء عليه: أن يستعجل العبد، ويستبطئ الإجابة، فيستحسرَ، ويدَعَ الدعاء. وهو بمنزلة مَن(١) بذر بَذرًا، أو غرس غِراسًا، فجعل يتعاهده ويسقيه، فلمّا استبطأ كمالَه وإدراكَه، تركه وأهمله!وفي صحيح البخاري(٢) من حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال(٣): "يستجاب لأحدكم ما لم يعجَلْ، يقول: دعوتُ، فلم يُستجَبْ لي".وفي صحيح مسلم(٤) عنه: "لا يزال يُستجاب للعبد ما لم يَدْعُ بإثم أو قطيعةِ رحيم، ما لم يستعجلْ". قيل: يا رسولَ الله، وما الاستعجال(٥)؟ قال: "يقول: قد دعوتُ وقَد دعوتُ، فلم أرَ يستجيب(٦) لي. فيَستحسِرُ عند ذلك ويدَعُ الدعاء".(١) "أن يستعجل … من" ساقط من س.(٢) ز: "وفي البخاري". والحديث في كتاب الدعوات، باب يستجاب للعبد ما لم يعجل (٦٣٤٠).(٣) ف: "أبي هريرة قال: قال رسول الله".(٤) في كتاب الذكر والدعاء، باب بيان أنه يستجاب للداعي ما لم يعجل (٢٧٣٥).(٥) س: "وما لا يستعجل".(٦) س، ل: "يستجب".
وفي مسند أحمد(١) من حديث أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يزال العبد بخير ما لم يستعجل" قالوا: يا رسول الله، كيف يستعجل؟ قال: "يقول: قد(٢) دعوتُ ربّي، فلم يَستجِبْ لي".فصلوإذا جمع الدعاءُ حضورَ القلب وجمعيتَه بكلّيته على المطلوب، وصادف وقتًا من أوقات الإجابة الستة وهي: الثلث الأخير(٣) من الليل، وعند الأذان، وبين الأذان والإقامة، وأدبار الصلوات المكتوبات، وعند صعود الإِمام يوم الجمعة على المنبر حتى تقضى الصلاة، وآخر ساعة بعد العصر من ذلك اليوم(٤)؛ وصادف خشوعًا في القلب، وانكسارًا بين يدي الربّ، وذلاًّ له، وتضرّعًا ورِقّةً؛ واستقبل الداعي القبلة، وكان على طهارة، ورفع يديه إلى الله تعالى، وبدأ بحمد الله والثناء عليه، ثم ثنّى بالصلاة على محمَّد عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم، ثم قدّم بين يدي(١) ٣/ ١٩٣ (١٣٠٠٨، ١٣١٩٨). وأخرجه أبو يعلى في مسنده (٢٨٦٥) والطبراني في الدعاء (٨١) وابن عدي في الكامل (٦/ ٢١٤) وغيرهم، من طريق أبي هلال الراسبي عن قتادة عن أنس به فذكره. قلت: أبو هلال اسمه محمَّد بن سليم. في حفظه مقال، ويخالف أو يتفرد عن قتادة ولهذا قال ابن عدي بعد ما ساق لأبي هلال أحاديث: "وهذه الأحاديث لأبي هلال عن قتادة عن أنس كل ذلك أو عامتها غير محفوظة".وقد روي من وجهين عن أنس، ولا يثبت. انظر مسند البزار (٦٦٦٦) والحلية (٦/ ٣٠٩).(٢) لم يرد "قد" في "ف" وكذا في المسند (٢٠/ ٣١١). وفيه (٢٠/ ٤٢٢) كما أثبتنا من النسخ الأخرى.(٣) س: "الآخر".(٤) "اليوم" ساقط من س.