عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين - ط عطاءات العلم (ابن القيم) القسم: الرقائق والآداب والأذكار الكتاب: عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين[آثار الإمام ابن قيم الجوزية وما لحقها من أعمال (١٥)]المؤلف: أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب ابن قيم الجوزية (٦٩١ - ٧٥١)المحقق: إسماعيل بن غازي مرحباراجعه: سليمان بن عبد الله العمير - محمد أجمل الإصلاحي - علي بن محمد العمران الناشر: دار عطاءات العلم (الرياض) - دار ابن حزم (بيروت) الطبعة: الرابعة، ١٤٤٠ هـ - ٢٠١٩ م (الأولى لدار ابن حزم)عدد الصفحات: ٥٤٩قدمه للشاملة: مؤسسة «عطاءات العلم»، جزاهم الله خيرا[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]تاريخ النشر في راميشر: ١ يوليو ٢٠٢٦.
بسم الله الرحمن الرحيم ربّ يسّر وأعنالحمدُ للَّه الصَّبورِ الشَّكورِ العليّ الكبير السميع البصير العليم القدير، الذي شملت قدرتُه كلَّ مقدور، وجَرت مشيئتُه في خلقه بتصاريفِ الأمور، وأَسمعت دعوتُه لليوم الموعود أصحابَ القبورِ، قَدَّرَ مقاديرَ الخلائقِ وآجالَهم، وكتب آثارَهم وأعمالهم، وَقسَّم بينهم معايشَهم وأموالَهم، وخَلَق(١) الموتَ والحياةَ لِيَبلُوَهم أيُّهم أحسنُ عملًا وهوَ العزيزُ الغفورُ، القاهرُ القادرُ، فكلُّ عسيرٍ عليه يَسير، والمولى النَّاصِرُ، فَنِعمَ المولى ونعمَ النَّصيرُ.{يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢) خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (٣) يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} [التغابن: ١ - ٤].وأشهدُ أن لا إله إلا اللَّه وحدَه لا شريكَ له، إله جلَّ عن الشَّبيه والنظير، وتعالى عن الشَّريكِ والظَّهيرِ، وتقدَّسَ عن تعطيل الملحدين، كما تنزّه عن شَبَهِ المخلوقين، فـ {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِير (١١)}(٢) [الشورى: ١١].(١) في (ن) و (م): وقدّر.(٢) في حاشية الأصل بعده: "أحمده سبحانه وتعالى على نعمه وهو اللطيف الخبير، وأشكره شكر عبدٍ لم يرضَ سواه له نصير". بخط مغاير ودون علامة =
وأشهدُ أن محمدًا عبدُه ورسولُه، وخيرتُه من بريَّته، وصفوتُه من خَليقته، وأمينُه على وَحْيِه، وسفيرُه بينه وبين عباده، أعرفُ الخَلقِ بِه وأقومُهم بخشيته، وأنصحُهم لأمّته، وأصبَرُهم لِحُكمِه، وأَشكرهم لِنِعَمِه، وأقربُهم إليه وسيلَةً، وأعلاهُم عنده منزلةً، وأعظمُهم عنده جاهًا، وأوسعُهم عنده شفاعةً، بعثهُ إلى الجَنَّةِ داعيًا، وللإيمانِ مُناديًا، وفي مرضاته ساعيًا، وبالمعروف آمرًا، وعن المنكر ناهيًا، فَبَلَّغ رسالاتِ ربِّه، وصدّعَ بأمره، وتحمَّل في مرضاته ما لمِ يتحمَّلْه بشرٌ سواه، وقام للَّه بالصَّبرِ والشُّكر أحَقَّ القيام حتى بَلَغ رضاه، فَثَبَت في مَقامِ الصَّبرِ حتى لم يلحقْه أحدٌ من الصّابرين، وَتَرقى في دَرَجةِ الشُّكر حتى علا فوقَ جَميعِ الشاكرين.فَحَمدَه اللَّهُ وملائكتُه ورسلُه وجميعُ المؤمنين، ولذلك خُصَّ بلواءِ الحَمدِ دون جميع العالمين، فآدمُ تحتَ لوائِه ومن دونه من الأنبياءِ والمرسلين، وجعلَ الحمْدَ فاتحَةَ كتابِه الذي أنزلَه عليه(١) وآخرَ دعوى أهلِ ثوابِه الذين هداهم على يديه.وسمّى أمَّته الحَمّادين(٢) قبل أن يُخرجَهم إلى الوجودِ، لحمدِهم له على السَّرَّاءِ والضَّرَّاءِ والشِّدَّةِ والرّخاءِ، وجعلَهم أَسبق الأممِ إلى دارِ الثَّوابِ والجزاءِ.فأقربُ الخلقِ إلى لوائه أكثرُهم حمدًا للَّه وذكرًا، كما أن أعلاهم= إلحاقٍ، لذا لم أثبتها في الأصل.(١) في (م) و (ن) زيادة: "كذلك فيما بلغنا هو في التوراة والإنجيل". ونحوه في (ب).(٢) جاء في ذلك حديث أخرجه الدارمي في سننه برقم (٥، ٧، ٨).
منزلةً أعظمهم صبرًا وشُكرًا، فصلّى اللَّهُ وملائكتُه وأنبياؤُه ورسلُه وجميعُ المؤمنين عليه كما وَحَّدَ اللَّه، وَعَرَّفَ به، ودعا إليه، وَسلَّم تَسليمًا كثيرًا.أما بعد: فإن اللَّه سبحانه جعل الصبر جوادًا لا يكبو(١)، وصارما لا ينبو(٢)، وجندًا غالبًا لا يهزم، وحصنًا حصينًا لا يهدم ولا يثلم، فهو والنصر أخوان شقيقان(٣).رَضِيْعَيْ لِبَانٍ ثديَ أُمٍّ تقاسما … بأسحمَ(٤) داجٍ عَوضُ لا نتفرق(٥)فالنصر(٦) مع الصبر، والفرج مع الكرب، واليسر مع العسر، وهو أنصر لصاحبه من الرجال، بلا عدة ولا عدد، ومحله من(٧) الظفر كمحل الرأس من الجسد.ولقد ضمن الوفي الصادق لأهله في محكم كتابه أنه يوَفيهم أجرهم بغير حساب، وأخبر أنه معهم بهدايته ونصره العزيز وفتحه المبين، فقال: {وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (٤٦)} [الأنفال: ٤٦]؛ فذهب(١) كبا الجواد يكبو كبوة إذا عثر. انظر "لسان العرب" (١٥/ ٢١٣).(٢) نبا السيف إذا كلّ ولم يقطع. انظر "لسان العرب" (١٥/ ٣٠١).(٣) في (م) و (ن) زيادة: لا يفترقان.(٤) في الأصل: "باسود". والمثبت من النسخ الأخرى، وهو الموافق للمصادر الآتية.(٥) البيت للأعشى وهو في "ديوانه" ص ٢٧٥. يمدح به المحلّق بن جشم الكلابي وفيه جعل الأعشى الجود والمحلّق كأخوين رضعا لبانًا واحدًا، من ثدي أم واحدة مبالغة في وصفه بالكرم، وذكر أنهما تحالفا وتعاقدا ألا يفترقا أبدًا.انظر: "الحلل في شرح أبيات الجمل" ص ١٠٤ وما بعدها.(٦) في الأصل "فالنصرة"، والمثبت من النسخ الأخرى.(٧) "من" ساقطة من الأصل، وأثبتها من النسخ الأخرى.
الصابرون بهذه المعية بخير الدنيا والآخرة، وفازوا بها بنعمه الباطنة والظاهرة.وجعل سبحانه الإمامة في الدين منوطةً بالصبر واليقين، فقال تعالى -وبقوله اهتدى المهتدون-: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ (٢٤)} [السجدة: ٢٤].وأخبر أن الصبر خير لأهله خبرًا مؤكدًا باليمين، فقال تعالى: {وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (١٢٦)} [النحل: ١٢٦].وأخبر أن مع الصبر والتقوى لا يضر كيد العدو ولو كان ذا تسليط، فقال: {وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (١٢٠)} [آل عمران: ١٢٠].وأخبر عن نبيه يوسف الصديق عليه السلام، أن صبره وتقواه وصَّلاه إلى محل العز والتمكين، فقال: {إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٩٠)} [يوسف: ٩٠].وعلق الفلاح بالصبر والتقوى، فعقل ذلك عنه المؤمنون، فقال: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٢٠٠)} [آل عمران: ٢٠٠].وأخبر عن محبته لأهله، وفي ذلك أعظم ترغيب للراغبين(١)، فقال: {وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (١٤٦)} [آل عمران: ١٤٦].ولقد بشر الصابرين بثلاثٍ، كلّ منها خير مما عليه أهل الدنيا(١) في الأصل و (ب): الراغبين، والمثبت من (م، ن) وط السلفية.
يتحاسدون، فقال: {وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)} [البقرة: ١٥٥ - ١٥٧].ووصّى عباده بالاستعانة بالصبر والصلاة على نوائب الدنيا والدين، فقال: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (٤٥)} [البقرة: ٤٥].وجعل الفوز بالجنة والنجاةَ من النار لا يحظى به إلا الصابرون، فقال تعالى: {إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ (١١١)} [المؤمنون: ١١١].وأخبر أن الرغبة في ثوابه والإعراضَ عن الدنيا وزينتها لا يلقَّاها إلا أولو الصبر المؤمنون، فقال تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ (٨٠)} [القصص: ٨٠].وأخبر أن دفع السيئة بالتي هي أحسن تجعل المسيء كأنه ولي حميم، فقال: {وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤)} [فصلت: ٣٤].وأن هذه الخصلة لا يُلقّاها: {إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥)} [فصلت: ٣٥].وأخبر سبحانه خبرًا مؤكدًا ب القسم: {إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)} [العصر: ٢ - ٣].وقسّم خلقه قسمين: أصحابَ ميمنة وأصحاب مشأمة، وخص
بالميمنة أهل التواصي بالصبر والمرحمة، وخص بالانتفاع بآياته أهلَ الصبر والشكر تمييزًا لهم بهذا الحظ الموفور، فقال في أربع آيات من كتابه: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} [إبراهيم: ٥]، [لقمان: ٣١]، [سبأ: ١٩]، [الشورى: ٣٣].وعلق المغفرة والأجر بالعمل الصالح والصبر، وذلك على من يسَّرَه عليه يسير، فقال: {إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١١)} [هود: ١١].وأخبر أن الصبر والمغفرة من العزائم التي تجارة أهلها لا تبور، فقال: {وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (٤٣)} [الشورى: ٤٣].وأمر رسوله بالصبر لحكمه، وأخبر أن صبره إنما هو به، وبذلك جميع المصائب تهون، فقال: {وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا} [الطور: ٤٨]، وقال: {وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (١٢٧) إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨)} [النحل: ١٢٧ - ١٢٨].فالصبر آخيّة المؤمن التي يجول ثم يرجع إليها(١)، وساقُ إيمانه(١) الآخيّة بالمد والتشديد: عود أو حبل يعرض في الحائط ويدفن طرفاه فيه، ويصير وسطه كالعروة تشدّ إليه الدّابّة. انظر "النهاية" لابن الأثير (١/ ٢٩)، و"لسان العرب" (١٤/ ٢٣).ولعل المصنف استفاد هذه العبارة من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "مثل المؤمن ومثل الإيمان، كمثل الفرس في آخيّته، يجول ثم يرجع إلى آخيّته". رواه أحمد في "مسنده" (٣/ ٥٥).قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (١٠/ ٢٠١): "رواه أحمد وأبو يعلى =
التي لا اعتماد له إلا عليها، فلا إيمان لمن لا صبر له، وإن كان فإيمانٌ قليلٌ في غاية الضعف، وصاحبه ممن {يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ} [الحج/ ١١](١)، ولم يحظَ منهما إلا بالصفقة الخاسرة، فخير عيشٍ أدركه السعداءُ بصبرهم، وترقوا إلى أعلى المنازل بشكرهم، فساروا بين جناحي الصبر والشكر إلى جنات النعيم، وذلك فضل اللَّه يؤتيه من يشاء، واللَّه ذو الفضل العظيم.= ورجالهما رجال الصحيح غير أبي سليمان الليثي وعبد اللَّه بن الوليد التميمي وكلاهما ثقة".كذا قال رحمه الله، إلا أن أبا سليمان الليثي قال فيه علي بن المديني: مجهول، وعبد اللَّه بن الوليد ليّن الحديث، كما في التقريب.انظر: "تعجيل المنفعة" ص: ٤٩٢، و"تقريب التهذيب" ص: ٥٥٦.لذا ضعفه الألباني في "ضعيف الترغيب والترهييب" رقم: ١٨٣١.قال ابن الأثير في "النهاية" (١/ ٣٠): "ومعنى الحديث أنه يبعد عن ربّه بالذنوب، وأصل إيمانه ثابت" اهـ.(١) في (ن) أكمل الآية إلى قوله: {ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (١١)}.
فصل(١)ولما كان الإيمان نصفين: نصفَ صبر ونصفَ شكر، كان حقيقًا على من نصح نفسه وأحب نجاتها وآثر سعادتها، أن لا يهمل هذين الأصلين العظيمين، ولا يعدِل عن هذين الطريقين [القاصدين](٢) وأن يجعل سيره إلى اللَّه بين هذين الطريقين(٣)؛ ليجعله يوم لقائه مع خير الفريقين.فلذلك وضع هذا الكتاب للتعريف بشدة الحاجة والضرورة إليهما، وبيان توقف سعادة الدنيا والآخرة عليهما، فجاء كتابًا جامعًا حاويًا نافعًا، فيه من الفوائد ما هو حقيق أن يُعضّ عليه بالنواجذ وتثنى عليه الخناصر، ممتعًا لقارئه، مُرِيحًا للناظر فيه، مسلّيًا للحزين، منهضًا للمقصرين، محرّضًا للمشمرين.مشتملًا على نكت حِسانٍ من تفسير القرآن، وعلى أحاديثَ نبويةٍ معزوةٍ إلى مظانها، وآثار سلفية منسوبة إلى قائلها، ومسائلَ فقهية حسان مقررة بالدليل، ودقائق سلوكية على سواء السبيل(٤)، وذكرِ أقسام الصبر(١) المقدمة الآتية استفادها المصنف رحمه الله من كتاب "إحياء علوم الدين" للغزالي (٤/ ٥٢).وقد أفرد الغزالي في "إحياء علوم الدين" (٤/ ٥٢ - ١٢٠) للصبر والشكر كتابًا، وهو الكتاب الثاني من ربع المنجيات.(٢) ما بين المعكوفين من النسخ الأخرى، ولعله سقط من الأصل.(٣) في (م): "الجناحين".(٤) في (م)، (ب) زيادة: "لا تخفى معرفة ذلك على من فكّر وأحضر ذهنه، فإن فيه ذكر أقسام. . . ".وفي (ن): "لا تخفى. . . ذهنه وذكر أقسام. . . ".
ووجوهه والشكرِ وأنواعه، وفَصْلِ النزاع في التفضيل بين الغني الشاكر والفقير الصابر، وذكرِ حقيقة الدنيا وما مثَّلها اللَّه ورسولُه والسلف الصالح به، والكلامِ على سِرّ هذه الأمثال ومطابقتها لحقيقة الحال، وذكرِ ما يُذمُّ من الدنيا ويُحمَدُ وما يقرّبُ منها إلى اللَّه ويُبْعِد وكيف يَشقى بها من يشقى، ويسعدُ بها من يسعد، وغير ذلك من الفوائد التي لا يكاد يُظفر بها في كتاب سواه.وذلك محض منةِ اللَّه على عبده، وعطية من بعض عطاياه، فهو كتاب يصلح للملوك والأمراء، والأغنياء والفقراء، والصوفية والفقهاء، يُنهِض القاعدَ إلى المسير، ويؤنس السائر في الطريق، وينبِّه السالك على المقصود.ومع هذا فهو جهد المقل وقدرة المفلس، حذر فيه من الداء وإن كان من أهله، ووصف فيه الدواء وإن قصَّر عن(١) تناوله لظلمه وجهله، وهو يرجو أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين أن يغفر له غِشَّهُ لنفسه بنصيحته لعباده المؤمنين.فما كان في الكتاب من صوابِ فمن اللَّه وحده؛ فهو المحمود المستعان، وما كان فيه من خطأ فمن مصنفه ومن الشيطان، واللَّهُ بريء منه ورسولُه.وهذه بضاعة مؤلفه المزجاة تساق إليك، وسلعته تعرض عليك، فلقارئه غُنمه، وعلى مؤلفه غرمه(٢).(١) في (ن): "لم يصبر على". مكان: "قصر عن".(٢) في (م)، (ب) بعد هذه الكلمة الزيادة التالية: "وبنات أفكاره تزف إليك، فإن =
وقد جعلته ستةً وعشرين بابًا وخاتمة:الباب الأول: في معنى الصبر لغة واشتقاق هذه اللفظة وتصريفها.الباب الثاني: في حقيقة الصبر وكلام الناس فيه.الباب الثالث: في بيان أسماء الصبر بالإضافة إلى متعلَّقه.الباب الرابع: في الفرق بين الصبر والتصبر والاصطبار والمصابرة.الباب الخامس: في أقسام الصبر باعتبار محله.الباب السادس: في أقسامه بحسب اختلاف قوته وضعفه ومقاومته لجيش الهوى وعجزه عنه.الباب السابع: في بيان أقسامه باعتبار متعلَّقه.الباب الثامن: في انقسامه باعتبار تعلّق الأحكام الخمسة به.الباب التاسع: في بيان تفاوت درجات الصبر.الباب العاشر: في انقسام الصبرِ إلى محمود ومذموم.الباب الحادي عشر: في الفرقِ بين صبر الكرام وصبر اللئام.الباب الثاني عشر: في الأسبابِ التي تعينُ على الصبر.الباب الثالث عشر: في بيان أنّ الإنسان لا يَستغني عن الصبر في حال من الأحوال.= وجدت حرًّا كريمًا كان بها أسعد، وإلا فهي خود تُزفّ إلى عنين مقعد". وفي (ن) أيضًا: "وبنات أفكاره. . . " إلى: "خود تُزف إلى عنين ضرير مقعد".
الباب الرابع عشر: في بيان أشقّ الصبر على النفوس.الباب الخامس عشر: في ذكر ما ورد في الصبر من نصوص الكتاب العزيز.الباب السادس عشر: في ذكر ما ورد فيه من نصوصِ السنة.الباب السابع عشر: في ذكر الآثار الواردة عن الصحابة في فضيلة الصبر.الباب الثامن عشر: في ذكر أمور تَتَعلق بالمصيبة من البكاء، والندب، وشق الثياب، ودعوى الجاهلية، ونحوها.الباب التاسع عشر: في أنّ الصبرَ نصف الإيمان، وأنّ الإيمان نصفان: نصف صبر، ونصف شكر.الباب العشرون: في بيان تنازع الناس في الأفضل من الصبر والشكر.الباب الحادي والعشرون: في الحكم بين الفريقين، والفصل بين الطائفتين.الباب الثاني والعشرون: في اختلاف الناس في الغنيّ الشاكر والفقير الصابر أيهما أفضل؟ وما هو الصوابُ في ذلك؟الباب الثالث والعشرون: في ذكر ما احتجت به الفقراء من الكتاب والسنة والآثار والاعتبار.الباب الرابع والعشرون: في ذكر ما احتجت به الأغنياء من الكتاب والسنة والآثار والاعتبار.
الباب الخامس والعشرون: في بَيانِ الأمور المضادة للصبر، والمنافية له، والقادحة فيه.الباب السادس والعشرون: في بيان دخول الصبرِ والشكرِ في صفات الرب جل جلاله وتسميته بالصبور والشكور.وسَمَّيتُهُ: "عُدَّةَ الصابرين وذَخِيرةَ الشاكرين"، واللَّه سبحانه المسؤول أن يجعله خالصًا لوجهه مُدنيًا من رضاه، وأن ينفع به مؤلفَهُ وكاتبه وقارئه، إنه سميع الدعاء وأهل الرجاء، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
البابُ الأول في معنى الصبر لغة، واشتقاق هذه اللفظة وتصريفهاأصل هذه الكلمة هو: المنع والحبس. فالصبر: حبس النفس عن الجزع، واللسان عن التَّشكّي والتسَخُّط، والجوارح عن لطم الخدود وشق الجيوب ونحوهما.ويقال: صَبَرَ يَصْبرُ صَبْرًا، وصَبَرَ نفسَه؛ قال تعالى: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ} [الكهف: ٢٨].وقال عنترة:فَصَبَرتُ عارفةً لذلكَ حُرَّةً … تَرسو إذا نَفْسُ الجبانِ تَطلَّعُ(١)يَقُول: حَبَسْتُ نَفْسًا عارفةً، وهي نفس حرٍّ يأنف لا نفسُ عبد لا أنَفَةَ له.وقوله: ترسو، أي: تثبت وتسكن، إذا خفّت نفس الجبان واضطربت.ويُقال: صَبَرتُ فلانًا، إذا حَبَسته، وصبَّرتُه -بالتشديد- إذا حمَلته على الصبر.وفي حديث الذي أَمسك رجلًا وقتَلَه آخر: "يُقْتَلُ القاتلُ، ويُصْبَرُ(١) البيت في "ديوانه" ص ٨٥. وانظر "غريب الحديث" لأبي عبيد (١/ ٣٢١)، و"لسان العرب" (٤/ ٤٣٨) و (٩/ ٢٣٩).
الصابرُ"(١)؛ أي: يُحبَس للموت كما حَبَس من أمسكه للموت.وصَبَرت الرجُلَ إذا قتلته صبرًا، أي: أمسكته للقتل.وصَبَرْتُه أيضًا وأصبرته إذا حبسته للحلف، ومنه الحديثُ الصحيحُ: "من حلف على يمينِ صبرٍ لتقْتَطعَ بها مال امرئٍ مسلمٍ لقيَ اللَّهَ وهو عنه معرض"(٢).ومنه الحديث الذي في القَسَامَة: "ولا تُصْبِرْ يَمينَه حيث تُصْبَرُ الأيمان"(٣).والمصبورة: اليمين المحلوف عليها.(١) أخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" رقم (١٧٨٩٢)، ومن طريقه الدارقطني في "سننه" (٣/ ١٤٠) عن معمر عن إسماعيل بن أمية رفع الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم به. وهذا ظاهر الانقطاع.وأخرجه الدارقطني في "سننه" (٣/ ١٣٩)، عن إسماعيل بن أمية عن سعيد بن المسيب نحوه. وهذا مرسل أيضًا.ثم أخرجه الدارقطني في "سننه" (٣/ ١٤٠) ومن طريقه البيهقي في "السنن الكبرى" (٨/ ٥٠) عن إسماعيل بن أمية مرسلًا نحوه.كما أخرجه الدارقطني في "سننه" (٣/ ١٤٠)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (٨/ ٥٠) وأبو نعيم في "الحلية" (٧/ ١١٠)، عن إسماعيل بن أمية عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه. إلا أنه غير محفوظ كما ذكر البيهقي في "السنن الكبرى" (٨/ ٥٠).(٢) أخرجه البخاري في "صحيحه" رقم (٤٥٤٩)، (٦٦٧٦)، ومسلم في "صحيحه"، رقم (١٣٨) عن عبد اللَّه بن مسعود رضي الله عنه، بلفظ: "من حلف على يمين صبر ليقتطع بها مال امرئ مسلم، لقي اللَّه وهو عليه غضبان".(٣) أخرجه البخاري في "صحيحه" رقم (٣٨٤٥) عن ابن عباس رضي الله عنهما.