تحفة المودود بأحكام المولود - ط عطاءات العلم (ابن القيم) القسم: مسائل فقهية الكتاب: تحفة المودود بأحكام المولود[آثار الإمام ابن قيم الجوزية وما لحقها من أعمال (٢٢)]المؤلف: أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب ابن قيم الجوزية (٦٩١ - ٧٥١)المحقق: عثمان بن جمعة ضميريةراجعه: خلدون بن محمد الأحدب - محمد أجمل الإصلاحي - سليمان بن عبد الله العمير الناشر: دار عطاءات العلم (الرياض) - دار ابن حزم (بيروت) الطبعة: الرابعة، ١٤٤٠ هـ - ٢٠١٩ م (الأولى لدار ابن حزم)عدد الصفحات: ٥٦٢قدمه للشاملة: مؤسسة «عطاءات العلم»، جزاهم الله خيرا[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]تاريخ النشر في راميشر: ١ يوليو ٢٠٢٦.
آثار الإمام ابن قيم الجوزية وما لحقها من أعمال (٢٢)تحفة المودود بأحكام المولود تأليفالإمام أبي عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب ابن قيم الجوزية (٦٩١ - ٧٥١) تحقيقعثمان بن جمعة ضميرية وفق المنهج المعتمد من الشيخ العلامةبكر بن عبد الله أبو زيدرحمه الله تعالى دار عطاءات العلم - دار ابن حزم
راجع هذا الجزء خلدون بن محمد الأحدبمحمد أجمل الإصلاحيسليمان بن عبد الله العمير
بسم الله الرحمن الرحيموبهِ نستعينُ(١)الحمدُ للهِ العليِّ العظيمِ، الحليمِ الكريمِ، الغفورِ الرَّحيمِ(٢).الحمدُ لله ربِّ العالمينَ، الرَّحمنِ الرَّحيمِ، مَالكِ يومِ الدِّينِ(٣)، بدأ(٤) خلْقَ الإنسانِ من سُلالةٍ مِنْ طينٍ، ثمَّ جعلَه نُطْفَةً في قَرارٍ مَكينٍ، ثم خلَق النُّطفةَ عَلَقةً سوداءَ(٥) للنَّاظرينَ، ثم خلَق العَلَقةَ مُضْغَةً ـ وهي قطعةُ لحمٍ بقدر أُكْلَةِ الماضِغِينَ ـ ثم خلقَ المُضْغةَ عظامًا مختلفةَ الأشكالِ(٦) أساسًا(٧) يقومُ عليه هذا البناءُ المتينُ(٨)، ثم كَسَا العظامَ(١) في "ج" بعد البسملة: ربِّ يسر. وفي "ب" زيادة: واختم بخير يا كريم.(٢) في "ج": الحمد لله العلي الحليم، الغفور الرحيم.(٣) "مالك يوم الدين" ليست في "أ".(٤) في "أ، ب، د": الذي أبهر، وفي "ج": (أبهر). وفي كتاب الروح للمصنف، تبدأ نسخة الظاهرية بدمشق رقم (٣١٨٨) بأول مقدمة هذا الكتاب، وفيها: (بهر خلق الإنسان)، والسياق يقتضي: (بدأ خلق الإنسان)، كما في سورة السجدة؛ أو (أبدع .. ).(٥) في "أ": سواء.(٦) في "ب، ج": مختلفةَ المقاديرِ والأشكالِ والمنافعِ.(٧) في "أ": أسبابًا.(٨) في جميع النسخ: (المبين) ولعلها تصحيف عن (المتين)، وقد جاءت هكذا في مقدمة نسخة الظاهرية من كتاب الروح للمصنف. وهي أقرب إلى معنى البناء، لأن المتين هو القوي.
لحمًا هو لها كالثَّوبِ لِلَّابسينَ، ثم أنْشأهُ خَلقًا آخَرَ، فتباركَ اللهُ أَحْسنُ الخالقِينَ!فَسُبْحَانَ مَنْ شَمِلتْ قدرتُهُ كلَّ مَقْدُورٍ، وجَرَتْ مشيئتُه في خلْقهِ بِتَصَارِيْفِ الأُمورِ، وتفرَّد بملك السمواتِ والأرضِ، يخلُق ما يشاءُ، {يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ} [الشورى/ ٤٩].وتبارك العليُّ العظيمُ، الحليمُ الكريمُ، السَّميعُ العليمُ {هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [آل عمران/٦].وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ لهُ، إلهًا جلَّ عن المثيلِ والنَّظيرِ(١)، وتعالى عن الشَّريْكِ والظَّهيرِ، وتقدَّسَ عن شَبَهِ خَلْقهِ(٢)، فَـ {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى/ ١١].وأشهدُ أنَّ محمَّدًا عبدُه ورَسُولُهُ، وخِيرتُه من خَلْقه، وأمينُه على وَحْيِهِ، وحجَّتُهُ على عِبَادهِ. أرسلَهُ رحمةً للعالمينَ، وقُدْوةً للعَامِلينَ، ومَحجَّةً للسَّالكينَ، وحُجَّةً على العِبادِ أجمعينَ، فَهَدَى به مِنَ الضَّلالةِ، وعلَّم به من الجَهالةِ، وكثَّر بهِ بعد القِلَّةِ، وأعزَّ به بعد الذِّلةِ، وأغْنَى به بعد(١) في "د": التمثيل والنظير.(٢) في "ج": وتقدَّسَ عن الوزير والمشير.
العَيْلَةِ(١)، وفتحَ برسالتهِ أَعْيُنًا عُمْيًا، وآذانًا صُمًّا، وقلُوبًا غُلْفًا، فبلَّغَ الرِّسَالةَ، وأدَّى الأمَانةَ، ونصحَ الأُمَّةَ، حتى وَضَحَتْ شَرائعُ الأَحْكامِ، وظهرتْ شرائعُ الإسلامِ، وعزَّ حزبُ الرَّحمنِ وذلَّ حزبُ الشَّيطانِ، فأشرقَ وَجْهُ الدَّهْرِ حُسْنًا، وأَصْبحَ الظَّلامُ ضِياءً، واهتَدَى كلُّ حَيْرانَ.فصلَّى اللهُ وملائكتُه وأنبياؤه ورُسلُهُ وعبادُه المؤمنونَ عليه ـ كما وحَّد اللهَ(٢) وعرَّف به(٣) ودعا إليه ـ وعليهِ السَّلامُ ورَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ.أمَّا بعدُ:فإنَّ الله ـ سبحانه ـ نوَّع أحكامَهُ على الإنسانِ مِنْ حينِ خروجهِ إلى هذه الدَّارِ إلى أنْ(٤) يستقرَّ في دار القَرارِ. وقَبْلَ ذلك ـ وهو في الظُّلماتِ الثَّلاثِ ـ كانتْ أحكامُه القَدَرِيَّةُ جاريةً عليه ومُنتهيةً إليه، فلمَّا انفصل عن أُمِّه تعلَّقت به أحكامُهُ الأمْرِيَّةُ، وكان المخاطَبُ بها الأبَويْن، أو مَنْ يقومُ مقامَهما في تربيتِهِ والقيامِ عليه. فللّه ـ سبحانه ـ فيه أحكامٌ أمَرَ قيِّمَهُ بها ما دامَ تحتَ كفالتِه، فهو المطالَبُ بها دونَه، حتى إذا بلغَ حدَّ التكليفِ تعلَّقتْ به الأحكامُ، وجَرَتْ عليه الأقلامُ(٥)، وحُكِم له بأحكامِ أهلِ(١) في "أ": الفقر.(٢) في "د": وجّه الله.(٣) في "أ": وعرَّف.(٤) في "ب، د": حين(٥) في "ج": وجرت به الأقلام.
الكُفْرِ وأهلِ الإسْلامِ، وأخذ في التأهُّب لمنازلِ السُّعَداءِ أو دارِ الأشْقِياءِ، فتُطْوَى به(١) مَرَاحِلُ الأيامِ والليالي إلى الدَّار التي كُتِب مِنْ أهلها، ويُسِّرَ في مَراحلِهِ تلكَ لأسبابِها، واستُعْمِل بعَمَلِها، فإذا انتهى به السَّيرُ إلى آخر مرحلةٍ، أشرفَ منها على المسكنِ الذي عُمِّر له قبل إيجادهِ، إمَّا منزلُ شِقْوتِه، وإمَّا منزلُ سعادتِه، فهناك(٢) يضعُ عَصَا السَّفرِ عن عَاتقِهِ، ويستقرُّ نَواهُ، وتصيرُ دارُ العَدْلِ مأواهُ، أو دارُ السَّعادةِ مَثْوَاهُ.فصلوهذا كتابٌ، قَصَدْنا فيه ذِكْرَ(٣) أحكامِ المولُودِ المتعلِّقةِ به بعد ولادتهِ ما دامَ صغيرًا؛ من عَقِيقَتهِ وأحْكَامِهَا، وحَلْقِ رأسهِ، وتَسْمِيَتهِ، وخِتَانهِ، وبَولهِ، وثَقْبِ أُذُنهِ، وأحْكامِ تربيتهِ، وأطوارِه من حين كونهِ نُطْفَةً إلى مُسْتَقَرِّهِ في الجنَّةِ أو النَّارِ، فجاء كتابًا بديعًا(٤) في معناهُ، مشتملًا من الفَوائدِ على ما لا يَكادُ يُوجَدُ(٥) في سِوَاه؛ مِنْ نُكَتٍ بَدِيعَةٍ من التَّفسيرِ، وأحَادِيثَ تدعُو الحاجةُ إلى مَعْرِفَتِهَا وعِلَلِهَا والجَمْعِ(٦) بين مُخْتَلِفِهَا،(١) في "أ، ب": فيطوى به.(٢) في "ب": هناك.(٣) ساقطة من "د".(٤) في "د": نافعًا.(٥) في "أ، ب": ما لا تكاد توجد. وسقطت كلمة (في) من "د".(٦) في "د": الجمع.
ومسائلَ فقهيَّةٍ لا يَكادُ الطالبُ يَظْفَرُ بها، وفوائدَ حِكميَّة تشتدُّ(١) الحاجةُ إلى العلمِ بها.فهو كتابٌ ممتعٌ لقارئهِ، مُعْجِبٌ للنَّاظرِ فيه، يَصْلحُ للمَعَاشِ والمعَادِ، ويحتاجُ إلى مضمونهِ كلُّ من وُهِبَ له شيءٌ من الأولادِ. ومِنَ الله أستمدُّ السَّدادَ، وأسألُ التَّوفيقَ لِسُبُلِ(٢) الرَّشادِ، إنّه كريمٌ جَوادٌ.وسمَّيتُه: (تُحفَة المَودُودِ بِأَحكَامِ المَولُودِ). واللهُ ـ سبحانه ـ المسؤولُ أنْ يَجْعلَهُ خالصًا لوجهِهِ الكَريمِ، إنَّه حَسْبُنا ونِعْمَ الوَكِيلُ.وجعلتُه سبعةَ عشَرَ بابًا:الباب الأول: في استحبابِ طلبِ الأولاد.الباب الثاني: في كراهةِ تَسخُّط ما وَهَب اللهُ له من البنات.الباب الثالث: في استحبابِ بشارةِ من وُلِد له ولدٌ وتهنئتِه(٣).الباب الرابع: في استحباب الأذانِ والإقامةِ في أذُنهِ.الباب الخامس: في استحباب تَحْنِيكهِ.الباب السَّادس: في العَقِيقَة عنه وأحكامِها وذِكْرِ الاختلاف في وجوبها وحجَّة الطّائفتَين(٤).(١) في "ب": يشتد.(٢) في "أ": لنيل.(٣) ليست في "ب، د".(٤) في "د": التابعين.
الباب السَّابع: في حَلْق رأسه والتصدُّقِ بزِنَةِ شَعره.الباب الثامن: في ذِكْر تسميته ووقتِها وأحكامها.الباب التاسع: في خِتَان المولود وأحكامِه.الباب العاشر: في ثَقْبِ أذُن(١) الذَّكر والأنثى وحكمه(٢).الباب الحادي عشر: في حكم بَوْل الغُلام والجَارِيَة قبل أكْلِهما الطعامَ.الباب الثاني عشر: في حكم ريقِ الرَّضيع ولُعَابهِ وهل هو طاهر أو نَجسٌ؛ لأنه لا يُغسل فمُه مع كثرة قَيئِهِ.الباب الثالث عشر: في جواز حمل الأطفال في الصَّلاة وإنْ لم تُعلَم حال ثيابهم.الباب الرابع عشر: في استحباب تقبيل الأطفال(٣).الباب الخامس عشر: في وجوب تأديب الأولاد وتعليمهم والعدل بينهم.الباب السَّادس عشر: في ذِكْر فصولٍ نافعة في تربية الأطفال.الباب السَّابع عشر: في أطْوار الطفل من حين كونه نطفةً إلى وقت دُخولِه الجنَّة أو النار.(١) ليست في "ب".(٢) في "ج": وأحكامه.(٣) في "أ، ب، ج" زيادة: والأهل.
الباب الأولفي استحبابِ طَلبِ الوَلدِقال الله تعالى: {فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ} [البقرة/١٨٧]، فَرَوَى شُعْبَةُ عن الحَكَمِ عن مُجاهِدٍ، قال: هو الولد(١).وقالَه الحَكَمُ، وعِكْرِمَةُ، والحَسَنُ البصْريُّ، والسُّدّيّ، والضّحَّاكُ(٢).وأرفع ما فيه: ما رواه محمَّدُ بنُ سعدٍ عن أبيه: حدّثني عمِّي قال: حدّثني أَبي عن أبيه، عن ابنِ عبَّاسٍ، قال: هو الوَلدُ(٣).وقال ابنُ زيدٍ: هو الجِمَاعُ(٤).وقال قَتَادَة: ابْتَغُوا الرُّخْصةَ التي كتبَ اللهُ لكم(٥).وعن ابن عبَّاس روايةٌ أخرى، قال: ليلة القدر(٦).(١) انظر: تفسير مجاهد:١/ ٩٧، وأخرجه عنه أيضًا: الطبري: ٣/ ٢٤٤، وسعيد بن منصور:٢/ ٦٩٧، والثوري في التفسير، ص ٥٨، والبغوي في التفسير: ١/ ٢٠٧.(٢) انظر: تفسير الطبري: ٣/ ٢٤٥ ـ ٢٤٧، وتفسير ابن أبي حاتم: ١/ ٣١٧، والدر المنثور: ٢/ ٢٨٠، وتفسير البغوي: ١/ ٢٠٧.(٣) أخرجه الطبري: ٣/ ٢٤٥، وابن أبي حاتم: ١/ ٣١٧. وانظر: الدر المنثور: ٢/ ٢٨٠.(٤) أخرجه الطبري: ٣/ ٢٤٦، وابن أبي حاتم: ١/ ٣١٧.(٥) أخرجه الطبري: ٣/ ٢٤٧، وعبد الرزاق في التفسير: ١/ ٧١، والبغوي: ١/ ٢٠٧.(٦) أخرجه الطبري: ٣/ ٢٤٦، والإمام أحمد في العلل: ١/ ٤١٢، وابن أبي حاتم: ١/ ٣١٧، وعزاه في الدر المنثور ٢/ ٢٨٠ لابن المنذر.
والتحقيقُ أنْ يُقال: لما خفَّف اللهُ عن الأُمَّة بإباحةِ الجماع ليلةَ الصَّوْمِ إلى طُلوعِ الفجرِ، وكان المُجامِعُ يَغْلبُ عليهِ حُكْمُ الشّهوةِ، وقضاءُ الوَطَرِ حتى لا يكادُ يخطُر بقلبهِ غيرُ ذلك، أَرْشَدَهُمْ ـ سبحانه ـ إلى أنْ يَطلُبوا رِضَاهُ في مثلِ هذه اللَّذةِ، ولا يُبَاشِرُوهَا بِحُكْمِ مجرَّدِ الشهوةِ، بل يَبْتَغُوا(١) بها ما كَتبَ اللهُ لهم من الأَجْرِ والوَلَدِ الذي يَخرُجُ من أصْلابِهم يَعْبُدُ اللهَ لا يُشْركُ به شيئًا، ويبتغوا(٢) ما أباحَ اللهُ لهم من الرُّخْصةِ بحُكْمِ محبَّته لقَبولِ رُخَصِهِ(٣)، فإنَّ اللهَ يحبُّ أن يُؤْخَذَ بِرُخَصِهِ كما يَكْرَهُ أَنْ تُؤتَى مَعْصِيَتُهُ(٤)، ومما كَتَبَ اللهُ لهم(٥): ليلة القدرِ،(١) في "ج": يبتغون.(٢) في "ج": يبتغون.(٣) في "أ": رخصته.(٤) أخرج الإمام أحمد في "المسند": ٢/ ١٠٨ وفي طبعة الرسالة:١٠/ ١٠٧، عن ابن عُمَر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنَّ الله يُحبُّ أَنْ تُؤتَى رُخصُهُ كما يَكره أَنْ تُؤْتَى مَعْصِيتُه". وهو حديث صحيح، وقد روي من حديث جماعة من الصحابة، فأخرجه: ابن حبان في صحيحه برقم (٢٧٤٢ و ٣٥٦٨) وفي الثقات: ٧/ ١٨٦، والبيهقي: ٣/ ١٤٠، والطبراني في الكبير:١٠/ ٣٠ و ١١/ ٣٢٣. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٣/ ١٦٢: "رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح، والبزار والطبراني في الأوسط وإسناده حسن".(٥) في (أ، ب، ج): كُتِب لهم.
فأُمِرُوا(١) أن يَبْتغُوهَا.لكنْ يبقَى أن يُقال: فما تعلُّق ذلك بإباحةِ مُبَاشَرةِ أزواجِهِمْ؟فيقال: فيه إرشادٌ إلى أنْ لا يَشْغَلَهُم(٢) ما أُبيحَ لهم مِنَ المُبَاشَرَةِ عن طَلَبِ هذه الليلةِ التي هي خيرٌ من ألف شهرٍ، فكأنَّه ـ سبحانه ـ يقول: اقضُوا وَطَرَكُمْ من نسائِكمْ ليلةَ الصِّيامِ، ولا يَشْغَلْكُمْ ذلك عن ابتغاءِ ما كَتَبَ اللهُ لكم(٣) من هذه الليلةِ التي فضَّلكمُ بها. والله أعلم.وعن أَنَسٍ قالَ: كانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يأمر بالبَاءَةِ، وينهى عن التبتُّل نهيًا شديدًا(٤)، ويقول: "تزوَّجُوا الوَدُودَ الوَلُودَ فإني مُكاثِرٌ بكمُ الأنبياءَ يومَ القيامَةِ" رواه الإمامُ أَحمَد(٥) وأبو حَاتِم في "صحيحه"(٦).(١) في "د": وأمروا.(٢) في "ج": أن يشغلهم.(٣) في "ج": ما كتب لكم.(٤) الباءة هنا: الزواج. والتبتُّل: هو ترك النكاح انقطاعًا إلى العبادة. انظر: شرح السنة للبغوي: ٩/ ٤.(٥) في المسند: ٣/ ١٥٨، وفي طبعة الرسالة:٢٠/ ٦٣.(٦) أبو حاتم ابن حبان في الصحيح برقم (٤٠٢٨)، ورواه الطبراني في الأوسط برقم (٥٠٩٥)، والبيهقي: ٧/ ٨١ ـ ٨٢، وسعيد بن منصور برقم (٤٩٠). قال الهيثمي في المجمع ٤/ ٢٥٨: "إسناده حسن". والحديث صحيح، وهو مروي عن جماعة من الصحابة. انظر: إرواء الغليل: ٦/ ١٩٥، التعليق على المسند: ٢٠/ ٦٣ ـ ٦٤.
وعن مَعْقِلِ بنِ يَسارٍ قال: جاءَ رجلٌ إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فقال: إنِّي أَصَبْتُ امرأةً ذاتَ حَسَبٍ وجمَالٍ، وإنها لا تَلِدُ، أفأتَزوَّجُهَا؟ قال: "لا"، ثم أتاهُ الثانيةَ فنهاهُ، ثم أتاه الثالثةَ، فقال: "تزوَّجُوا الوَلُودَ، فإني مُكاثرٌ بِكُمْ" رواه أبو داود والنَّسائِيُّ(١).وعن عبدِ الله بنِ عَمْروٍ أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "انْكحُوا أُمَّهاتِ الأولادِ، فإنِّي أُباهِي بِكُم يومَ القِيامةِ" رواه الإمام أَحمد(٢).وعن عائِشةَ رضي الله عنها قالت: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "النِّكاحُ مِنْ سُنَّتي، ومَنْ لم يَعملْ بسنَّتي فَلَيسَ مِنِّي، وتَزوَّجُوا فإنِّي مكاثرٌ بِكمُ الأُمَمَ يومَ القِيامَةِ"(٣).(١) أخرجه أبو داود في النكاح، باب في تزويج الأبكار: ٧/ ٥٨٦ ـ ٥٨٧ (مع بذل المجهود)، والنسائي في النكاح، باب كراهية تزويج العقيم: ٦/ ٥ ـ ٦٦، وصححه الحاكم: ٢/ ١٦٢، ووافقه الذهبي، ورواه ابن حبان برقم (٤٠٥٦).(٢) في المسند: ٢/ ١٧١ ـ ١٧٢، وفي طبعة الرسالة: ١١/ ١٧٢. وفيه حيي بن عبدالله المعافري، وقد وثِّق وفيه ضعفٌ. وله شاهد من حديث معقل بن يسار ـ السابق ـ وآخر من حديث أنس عند سعيد بن منصور وابن حبان، فيتقوى بهما. انظر: التعليق على المسند: ١/ ١٧٢. وقوله: "أمهات الأولاد" أي: ذوات الأولاد، أوالمرأة الولود.(٣) أخرجه ابن ماجه في النكاح، باب ما جاء في فضل النكاح: ١/ ٥٩٢. قال البوصيري في الزوائد: "إسناده ضعيف، لاتفاقهم على ضعف عيسى بن ميمون المديني، لكن له شاهد صحيح". وانظر: التلخيص الحبير لابن حجر: ٣/ ١١٦، سلسلة الأحاديث الصحيحة للشيخ الألباني رقم (٢٣٨٣).
وقد روى حمَّادُ بنُ سلَمَةَ، عن عاصمٍ، عن أَبي صالحٍ، عن أبي هُرَيرةَ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: "إنَّ العبدَ لَتُرْفعُ له الدَّرجةُ فيقولُ: أيْ رَبِّ أنَّى لي هذا! فيقولُ: باستغفارِ وَلَدِكَ لكَ مِنْ بَعدِكَ"(١).فصلومما يرغِّب في الولد: ما رواه مُسْلمٌ في "صحيحه" عن أبي حسَّان، قال تُوفِّي ابنانِ لي، فقلتُ لأبي هُرَيْرَةَ: سمعتَ من رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثًا تحدّثُناهُ يطيِّب أنفُسَنا عن مَوْتَانا؟ قال: نعم، "صِغَارُهُم دَعَامِيْصُ الجنَّة، يَلْقَى أحدُهم أباه ـ أو قال: أبَوَيه ـ فيأخذُ بناحية ثوبه أو يدِه كما آخذ أنا بِصَنِيفَةِ(٢) ثوبِكَ هذا، فلَا يُفَارِقُهُ حتى يُدْخِلَهُ اللهُ وأباه الجنَّةَ"(٣).(١) رواه الإمام أحمد: ٢/ ٥٠٩، وفي طبعة الرسالة: ١٦/ ٣٥٦ ـ ٣٥٧، باختلاف في ألفاظ يسيرة، ورواه البيهقي: ٧/ ٧٨ ـ ٧٩، وابن أبي شيبة: ٣/ ٣٨٧، وبمعناه عند ابن ماجه في الأدب، باب بر الوالدين برقم (٣٦٦٠). وقال البوصيري في الزوائد: "إسناده صحيح، ورجاله ثقات".(٢) في "أ، ب، ج": بصَنَفة.(٣) أخرجه مسلم في البر والصلة والآداب، باب فضل من يموت له ولد فيحتسبه: ٤/ ٢٠٢٩ برقم (٢٦٣٥). و"دعاميص الجنة": صغار أهلها. وأصل الدعموص: دويبة تكون في مستنقع الماء لا تفارقه. أي: إن هذا الصغير في الجنة لا يفارقها. و"صنيفة الثوب": طرفه. ويقال أيضًا: صنفة.
وقال وَكِيْع(١): حدّثنا شُعْبَةُ، عن مُعَاويةَ بنِ قُرَّةَ، عن أبيه(٢): أنَّ رجلًا كان يأتي النبيَّ صلى الله عليه وسلم ومعه ابنٌ له، فقال له النبيُّ صلى الله عليه وسلم: "أتحبُّه؟ " فقال: يا رسولَ الله، أحبَّك الله كما أحبُّه. ففقَدَه النبيُّ صلى الله عليه وسلم فقال: "ما فعل ابنُ فلانٍ؟ " قالوا: يا رسولَ الله! مات. فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم لأبيه: "أَمَا تحبُّ أن لا تأتيَ بابًا من أبواب الجنَّة إلا وجدتَه ينتظرُكَ عليهِ؟ " فقال رجلٌ: ألَهُ خاصَّةً يا رسولَ الله، أو لكلِّنا؟ قال: "بَلْ لِكُلِّكم"(٣).قال أَحمد: [حدثنا عبدالصمد] حدّثنا عَبْدُ ربِّه بنُ بَارِقٍ الحَنَفِيُّ، [حَدَّثنا سِمَاك](٤)، أبو زُمَيْل الحَنَفِيُّ(٥)، قال سمعتُ ابنَ عبَّاسٍ يقول:(١) هكذا في جميع النسخ، وفي المطبوع: وقال أَحمد: حدّثنا وكِيع ..(٢) عن أبيه. ساقطة من "ب".(٣) أخرجه الإمام أحمد: ٣/ ٤٣٦ و ٥/ ٣٥، وفي طبعة الرسالة: ٢٤/ ٣٦١، والنسائي في الجنائز، باب الأمر بالاحتساب والصبر عند نزول المصيبة:٤/ ٢٢ - ٢٣، والطبراني في الكبير: ١٩/ ٣١، وصححه الحاكم: ١/ ٣٨٤ ووافقه الذهبي، ورواه البيهقي في شعب الإيمان: ١٧/ ٢٦٠، وابن أبي شيبة: ٣/ ٣٥٤. قال السِّنْدِيُّ في التعليق على المسند: قوله: "أحبك الله" بيان شدة محبته لابنه، أو أنه كان يعرف قدر محبة الله تعالى لعباده المؤمنين فضلاً عن الأنبياء ـ عليهم الصلاة والسلام ـ فضلا عن سيد ولد آدم عليه السلام. وقوله: "أما تحب؟ " قاله تسلية له وحثًّا له على الصبر على فقده.(٤) ما بين القوسين ليس في الأصول، وهو في المسند.(٥) في "ج": أبو زبيد الحنفي، وفي "د": أبو زميد الحنفي. وكلاهما تحريف.