أحكام أهل الذمة - ط عطاءات العلم (ابن القيم) القسم: مسائل فقهيةأحكام أهل الذمة[آثار الإمام ابن قيم الجوزية وما لحقها من أعمال (٣٤)]المؤلف: أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب ابن قيم الجوزية (٦٥٩ - ٧٥١)جـ ١: تحقيق (محمد عزير شمس)، تخريج (نبيل بن نصار السندي)جـ ٢: تحقيق (نبيل بن نصار السندي)راجعه: محمد أجمل الإصلاحي - سليمان بن عبد الله العمير الناشر: دار عطاءات العلم (الرياض) - دار ابن حزم (بيروت) الطبعة: الثانية، ١٤٤٢ هـ - ٢٠٢١ م (الأولى لدار ابن حزم)عدد الأجزاء: ٢قدمه للشاملة: مؤسسة «عطاءات العلم»، جزاهم الله خيرا[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]تاريخ النشر في راميشر: ١ يوليو ٢٠٢٦.
آثار الإمام ابن قيم الجوزية وما لحقها من أعمال (٣٤) أحكام أهل الذمة تأليفالإمام أبي عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب ابن قيم الجوزية(٦٩١ هـ - ٧٥١ هـ) وفق المنهج المعتمد من الشيخ العلامةبكر بن عبد الله أبو زيد (رحمه الله تعالى) دار عطاءات العلم - دار ابن حزم
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلَّم كثيرًا.سئلالشيخ الإمام العالم العلامة شمس الدين ــ زاده الله من فضله ــ عن كيفية الجزية الموضوعة على أهل الذمة بالبلاد الإسلامية، وسبب وضعها، وعن مقدار ما يُؤخذ من الأغنياء ومن المتوسطين ومن الفقراء، وعن حدِّ الغني والمتوسط والفقير فيها، وهل يُثاب أولياء أمور المسلمين ــ أيَّدهم(١) الله تعالى ــ على إلزامهم بها على حسب حالهم أم لا؟ وهل يُؤخذ من الغني والفقير والمتوسط؟(٢) وأجاب:[أما] سبب وضع الجزية فهو قوله تعالى: {قَاتِلُوا اُلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ اِلْأَخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اَللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ اَلْحَقِّ مِنَ اَلَّذِينَ أُوتُوا اُلْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا اُلْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التوبة: ٢٩].(١) في المطبوع: "أمدهم" خلاف ما في الأصل.(٢) هنا كلمة غير واضحة في الأصل، ولعلها: "فألف".
فأجمع الفقهاء على أن الجزية تُؤخذ من أهل الكتاب ومن المجوس. وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه قد توقَّف في أخذ الجزية من المجوس حتى شهد عبد الرحمن بن عوفٍ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذها من مجوس هَجَرَ. ذكره البخاري(١).وذكر الشافعي(٢) أن عمر بن الخطاب ذكر المجوس فقال: ما أدري كيف أصنعُ في أمرهم، فقال له عبد الرحمن بن عوفٍ: أشهد لسمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "سُنُّوا بهم سنةَ أهل الكتاب". وهذا صريحٌ في أنهم ليسوا من أهل الكتاب، ويدلُّ عليه قوله تعالى: {أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ} [الأنعام: ١٥٧]، فالله سبحانه حكى هذا عنهم، ولم ينكره عليهم ولم يكذِّبهم فيه.وأما حديث عليٍّ أنه قال: "أنا أعلم الناس بالمجوس: كان لهم علمٌ(١) في "صحيحه" (٣١٥٦).(٢) في "الأم" (٥/ ٤٠٨) عن مالك ــ وهو في "الموطأ" (٧٥٦) ــ عن جعفر بن محمد، عن أبيه، أن عمر … إلخ. وأخرجه أيضًا عبد الرزاق (١٠٠٢٥) وابن أبي شيبة (١٠٨٧٠، ٣٣٣١٨، ٣٣٣١٩) وأبو يعلى (٨٦٢) وغيرهم من طرقٍ عن جعفر بن محمد به. رجاله ثقات، إلا أنه منقطع كما قال الشافعي عند إيراده، وذلك أن محمدًا ــ وهو الباقر ــ لم يُدرك عمر ولا عبد الرحمن. قال ابن عبد البر في "التمهيد" (٢/ ١١٦): هو منقطع ولكن معناه متصل من وجوه حسان. قلتُ: منها حديث البخاري المتقدم آنفًا. وانظر: "تنقيح التحقيق" (٤/ ٦١٨) و"إرواء الغليل" (١٢٤٨، ١٢٤٩).
يعلمونه وكتابٌ يدرسونه، وإنَّ ملكهم سَكِرَ فوقع على ابنته أو أخته فاطلع عليه بعض أهل مملكته، فلما صحا جاؤوا يقيمون عليه الحدَّ، فامتنع منهم ودعا أهل مملكته وقال: تعلمون دينًا خيرًا من دين آدم وقد أنكح بنيه بناتِه؟ فأنا على دين آدم! قال: فتابعه قومٌ وقاتلوا الذين يخالفونه حتى قتلهم، فأصبحوا وقد أُسرِيَ بكتابهم ورُفع العلم الذي في صدورهم؛ فهم أهل كتابٍ، وقد أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر ــ وأُراه قال: وعمر ــ منهم الجزية".فهذا حديث رواه الشافعي في "مسنده" وسعيد بن منصورٍ وغيرهما(١)، ولكنَّ جماعةً من الحفَّاظ ضعَّفوا الحديث(٢). قال أبو عبيد(٣): لا أحسب ما رووه عن علي في هذا محفوظًا.وقد روى البخاري في "صحيحه"(٤) عن المغيرة بن شعبة أنه قال لعاملِ(١) "مسند الشافعي" بترتيب سنجر (١٧٧٥) وبترتيب السندي (٤٣٢)، وهو في "الأم" (٥/ ٤٠٦ - ٤٠٧)، ومن طريق الشافعي أخرجه ابن زنجويه في "الأموال" (١٤٠) والبيهقي في "السنن الكبير" (٩/ ١٨٨) و"المعرفة" (١٣/ ٣٦٦ - ٣٦٧). ولم أجده عند سعيد بن منصور في المطبوع من "سننه". وأخرجه أيضًا عبد الرزاق (١٠٠٢٩) وابن أبي عمر في "مسنده" (المطالب العالية: ٢٠٦٣) وأبو يعلى (٣٠١). وفي إسناده أبو سعد البقَّال، وهو ضعيف منكر الحديث. وله طريق آخر عند القاضي أبي يوسف في "الخراج" (٢٩٠ - تحقيق البنَّا) بنحوه، وفي إسناده انقطاع.(٢) قال ابن عبد البر في "التمهيد" (٢/ ١٢٠): أكثر أهل العلم لا يصححون هذا الأثر. وانظر: "الجامع" للخلال (٢/ ٤٦٨)، و"مجموع الفتاوى" (٣٢/ ١٨٩).(٣) في كتاب "الأموال" (ص ٨٣) ط. دار الفضيلة. ونقله في "المغني" (١٣/ ٢٠٥).(٤) برقم (٣١٥٩).
كسرى: أمرَنا نبيُّنا أن نقاتلكم حتى تعبدوا الله وحدَه أو تُؤَدُّوا الجزية.وفي "مسند الإمام أحمد" والترمذي(١) عن ابن عباس قال: مرِض أبو طالب فجاءته قريشٌ وجاءه النبي صلى الله عليه وسلم، وشَكَوه إلى أبي طالب، فقال: يا ابنَ أخي، ما تريد من قومك؟ قال: "أريد منهم كلمةً تَدِينُ لهم بها العربُ، وتُؤدِّي إليهم بها العجمُ الجزيةَ". قال: كلمةً واحدةً؟ قال: "كلمةً واحدةً، قولوا(٢): لا إله إلا الله". قالوا: جعل الآلهة إلهًا واحدًا، إن هذا لشيء عجابٌ، ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة، إن هذا إلا اختلاقٌ. قال: فنزل فيهم: {ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ} إلى قوله: {اَخْتِلَاقٌ} [ص: ١ - ٦].وفي "الصحيحين"(٣) من حديث عمرو بن عوفٍ الأنصاري: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أبا عبيدة بن الجرَّاح إلى البحرين يأتي بجِزْيتها، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو صالح أهل البحرين(٤)، وأمَّرَ عليهم العلاء بن الحضرمي.(١) "مسند أحمد" (٢٠٠٨، ٣٤١٩) و"جامع الترمذي" (٣٢٣٢)، وأخرجه أيضًا النسائي في "الكبرى" (٨٧١٦) وأبو يعلى (٢٥٨٣) وابن حبان (٦٦٨٦) والحاكم (٢/ ٤٣٢) والضياء في "المختارة" (١٠/ ٣٩٠)، كلهم من طريق الأعمش عن يحيى بن عُمارة ــ وقيل: ابن عبَّاد، وقيل: عبَّاد بن جعفر ــ عن سعيد بن جبير عن ابن عباس. ويحيى هذا فيه جهالة، ولم يوثقه غير ابن حبان. على أن الترمذي صحَّح حديثه فقال: هذا حديث حسن صحيح، وصححه ابن حبان والحاكم واختاره الضياء.(٢) "قولوا" ليست في المطبوع.(٣) البخاري (٣١٥٨، ٤٠١٥، ٦٤٢٥) ومسلم (٢٩٦١).(٤) "ياتي … البحرين" ساقطة من المطبوع.
وذكر أبو عبيد في "كتاب الأموال"(١) عن الزهري قال: قَبِل رسول الله صلى الله عليه وسلم الجزية من أهل البحرين وكانوا مجوسًا.وفي "سنن أبي داود"(٢) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث خالد بن الوليد إلى أُكَيدِرِ دُومةَ فأخذوه فأتوا به، فحقَنَ له دمه، وصالحه على الجزية.وقال الزهري: أول ما أُخِذت الجزية من أهل نجران وكانوا نصارى(٣).وفي "صحيح البخاري"(٤) عن ابن أبي نَجيحٍ(٥) قال: قلت لمجاهدٍ: ما(١) (ص ٤١)، وبنحوه في (ص ٢٠٣).(٢) برقم (٣٠٣٧) من طريق محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر، عن أنس، وعن عثمان بن أبي سليمان. وإسناده جيِّد، إلا أنه على طريقة ابن إسحاق في جمع متون الروايات المسندة والمرسلة في سياق واحد. والظاهر من "العلل" لابن أبي حاتم (٩٦٧) أن ذكر الجزية ليس مسندًا من طريق أنس. وقد ذكرها ابن إسحاق في "مغازيه" ــ ومن طريقه البيهقي في "دلائل النبوة" (٥/ ٢٥٠ - ٢٥١) ــ عن يزيد بن رومان، وعبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم ــ وهما من ثقات التابعين العالمين بالمغازي ــ مرسلًا في سياق قصة أُكيدر وأَسره ومصالحته. وانظر: "البدر المنير" (٩/ ١٨٥).(٣) أخرجه أبو عبيد في "الأموال" (٦٩، ٨٧) والبلاذري في "فتوح البلدان" (١/ ٨١).(٤) كتاب الجزية، باب الجزية والموادعة مع أهل الحرب، تعليقًا عن ابن عيينة عن ابن أبي نجيح به. ووصله عبد الرزاق (١٠٠٩٤) عن ابن عيينة به.(٥) في المطبوع: "أبي نجيح" خطأ.
شأن أهل الشام عليهم أربعة دنانير وأهل اليمن عليهم دينارٌ؟ قال: جعل ذلك من قِبَلِ اليسار.فاختلف الفقهاء فيمن تُؤخذ منهم الجزية، بعد اتفاقهم على أخذها من أهل الكتاب ومن المجوس.فقال أبو حنيفة: تُؤخذ من أهل الكتاب والمجوس وعَبَدة الأوثان من العجم، ولا تُؤخذ من عَبَدة الأوثان من العرب(١). ونصَّ على ذلك أحمد في رواية عنه(٢).واحتج أرباب هذا القول على ذلك بحججٍ، منها: قوله في الحديث المتقدم: "وتُؤدِّي إليكم بها العجمُ الجزيةَ"، واحتجوا بحديث بُريدة الذي رواه مسلم في "صحيحه"(٣) قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمَّر أميرًا على جيشٍ أو سريةٍ أوصاه في خاصَّته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيرًا، ثم قال: "اغْزُوا باسم الله في سبيل الله، قاتِلوا من كفرَ بالله، اغْزُوا ولا تَغُلُّوا، ولا تَغْدِروا، ولا تَمثُلوا، ولا تقتلوا وليدًا، وإذا لقيتَ عدوَّك من المشركين فادْعُهم إلى ثلاث خصالٍ ــ أو خلالٍ ــ، فأيتهنَّ ما أجابوك إليها فاقبَلْ منهم وكُفَّ عنهم، ثم ادْعُهم(١) انظر: "حاشية ابن عابدين" (٤/ ١٩٨).(٢) كما في "المغني" (١٣/ ٣١). وانظر "مجموع الفتاوى" (٣١/ ٣٨١).(٣) برقم (١٧٣١).
إلى الإسلام، فإن أجابوك فاقبلْ منهم وكُفَّ عنهم، ثم ادعُهم إلى التحوُّل من دارهم إلى دار المهاجرين، وأخبِرْهم أنهم إن فعلوا ذلك(١) فلهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين، فإن أَبَوا أن يتحوَّلوا منها، فأخبِرْهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين، يَجري عليهم حكمُ الله الذي يجري على المؤمنين، ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء إلا أن يجاهدوا مع المسلمين، فإن هم أَبَوا فسَلْهم الجزيةَ، فإن هم أجابوك فاقبلْ منهم وكُفَّ عنهم، فإن هم أَبَوا فاستعِنْ بالله وقاتِلْهم. وإذا حاصرتَ أهلَ حصنٍ فأرادوك أن تجعل لهم ذمَّةَ الله وذمَّةَ نبيِّه فلا تجعلْ لهم ذمَّةَ الله ولا ذمَّة نبيِّه، ولكن اجعلْ لهم ذمتَك وذمةَ أصحابك، فإنكم أن تُخْفِروا ذِمَمَكم وذِمَمَ أصحابكم أهونُ من أن تُخْفِروا ذمةَ الله وذمةَ رسوله. وإذا حاصرتَ أهلَ حصنٍ فأرادوك أن تُنزِلهم على حكم الله فلا تُنزِلهم على حكم الله، ولكن أَنزِلْهم على حكمك، فإنك لا تدري أتصيبُ حكم الله فيهم أم لا؟ ".وفي هذا الحديث أنواعٌ من الفقه:منها: وصية الإمام لِنوَّابه وأمرائه ووُلاتِه بتقوى الله، والإحسان إلى الرعية، فبهذين الأصلين يُحفظ على الأمير منصِبُه، وتَقَرُّ عينُه به، ويأمن فيه من النكَبات والغِيَر. ومتى ترك هذين الأمرين أو أحدهما فلا بدَّ أن يسلبه الله عزَّه، ويجعله عبرةً للناس، فما أُزِيلت(٢) النِّعم إلا بترك تقوى الله والإساءة إلى الناس.(١) "ذلك" ساقطة من المطبوع.(٢) في المطبوع: "فما إن سلبت" خلاف ما في الأصل.
ومنها: أن الجيش ليس لهم أن يَغُلُّوا من الغنيمة، ولا يَغدِروا بالعهد، ولا يَمْثُلوا بالكفّار، ولا يقتلوا من لم يبلغ الحُلُم.ومنها: أن المسلمين يدعون الكفار قبل قتالهم إلى الإسلام، وهذا واجبٌ إن كانت الدعوة لم تبلُغْهم، ومستحبٌّ إن بلغَتْهم الدعوة. هذا إذا كان المسلمون هم القاصدين للكفار، فأما إذا قصدهم الكفار في ديارهم فلهم أن يقاتلوهم من غير دعوةٍ، لأنهم يدفعونهم عن أنفسهم وحريمهم.ومنها: إلزامهم بالتحوُّل إلى دار الإسلام إذا كانوا مقيمين بين الكفار، فإن أسلموا كلُّهم وصارت الدار دارَ إسلامٍ لم يُلْزَموا بالتحوُّل منها، بل يقيموا(١) في ديارهم. وكانت دار الهجرة في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم هي دار الإسلام، فلما أسلم أهل الأمصار صارت البلاد التي أسلم أهلها بلاد الإسلام، فلا يلزمهم الانتقال منها.ومنها: أن الأعراب ليس لهم شيء في الفيء ولا في الغنائم ما لم يقاتلوا، فإذا قاتلوا استحقُّوا من الغنيمة ما يستحقُّه مَن شهد الوقعةَ، وأما الأعراب الذين لا يقاتلون الكفار مع المسلمين فليس لهم شيء في الفيء ولا في الغنيمة.ومنها: أن الجزية تُؤخذ من كل كافرٍ، هذا ظاهر هذا الحديث، ولم يستثنِ منه كافرًا من كافرٍ.ولا يقال: هذا مخصوصٌ بأهل الكتاب خاصَّةً، فإن اللفظ يأبى(١) كذا في الأصل بحذف النون.
اختصاصَه(١) بأهل الكتاب. وأيضًا فسرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم وجيوشه أكثرَ ما كانت تقاتل عَبَدةَ الأوثان من العرب.ولا يقال: إن القرآن يدلُّ على اختصاصها بأهل الكتاب، فإن الله سبحانه أمر بقتال أهل الكتاب حتى يُعطوا الجزية، والنبي صلى الله عليه وسلم أمر بقتال المشركين حتى يُعطوا الجزية، فيؤخذ من أهل الكتاب بالقرآن ومن عموم الكفار بالسنة، وقد أخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم من المجوس وهم عُبَّاد النار، لا فرقَ بينهم وبين عبدة الأوثان. ولا يصح أنهم أهل الكتاب ولا كان لهم كتابٌ، ولو كانوا أهلَ كتابٍ عند الصحابة رضي الله عنهم لم يتوقَّفْ عمر رضي الله عنه في أمرهم، ولم يقلِ النبي صلى الله عليه وسلم: "سُنُّوا بهم سنةَ أهلِ الكتاب"، بل هذا يدلُّ على أنهم ليسوا أهلَ كتابٍ. وقد ذكر الله سبحانه أهل الكتاب في القرآن في غير موضع، وذكر الأنبياء الذين أنزل عليهم الكتب والشرائع العظام، ولم يذكر للمجوس ــ مع أنها أمةٌ عظيمةٌ من أعظم الأمم شوكةً وعددًا وبأسًا ــ كتابًا ولا نبيًّا، ولا أشار إلى ذلك، بل القرآن يدلُّ على خلافه كما تقدَّم، فإذا أُخِذت من عُبَّاد النيران فأيُّ فرقٍ بينهم وبين عُبَّاد الأوثان؟فإن قيل: فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يأخذها من أحدٍ من عُبَّاد الأوثان مع كثرة قتاله لهم.قيل: أجلْ، وذلك لأن آية الجزية إنما نزلت عامَ تبوك في السنة التاسعة من الهجرة بعد أن أسلمت جزيرة العرب ولم يبقَ بها أحدٌ من عبَّاد الأوثان،(١) في المطبوع: "اختصاصهم" خلاف الأصل. وضمير المفرد للفظ.
فلما نزلت آية الجزية أخذها النبي صلى الله عليه وسلم ممن بقي على كفره من النصارى والمجوس، ولهذا لم يأخذها من يهود المدينة حين قدم المدينة، ولا من يهود خيبر، لأنهم(١) صالحهم قبل نزول آية الجزية.وهذه الشبهة هي التي أوقعتْ عند اليهود أن أهل خيبر لا جزية عليهم، وأنهم مخصوصون بذلك من جملة اليهود، ثم أكَّدوا أمرها بأن زوَّروا كتابًا(٢) فيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أسقط عنهم الكُلَفَ(٣) والسُّخَر(٤) والجزية، ووضعوا فيه شهادة سعد بن معاذٍ ومعاوية بن أبي سفيان وغيرهما. وهذا الكتاب كذِبٌ مختلقٌ بإجماع أهل العلم من عشرة أوجهٍ(٥):منها: أن أحدًا من علماء النقل والسير والمغازي لم يذكر(٦) أن ذلك وقع البتةَ، مع عنايتهم بضبط ما هو دون ذلك بكثيرٍ.الثاني: أن الجزية إنما نزلت بعد فتح خيبر، فحينَ صالح أهل خيبر لم(١) في المطبوع: "لأنه" خلاف ما في الأصل.(٢) انظر: "مجموعة الوثائق السياسية" (ص ٩١، ٩٣، ٩٥).(٣) جمع كُلْفة، ما يتكلَّفه الإنسان على مشقة. والمراد هنا ما يكلَّفون به من الضرائب ونحوها.(٤) جمع سُخْرة، ما يُسخّره الإنسان من دابّة أو رجلٍ بلا أجرٍ ولا ثمنٍ.(٥) نقل المؤلف في "زاد المعاد" (٣/ ١٧٨، ١٧٩) عن شيخ الإسلام بعض هذه الأوجه. وذكرها كاملة في "المنار المنيف" (ص ٩٢ - ٩٤). وسيذكر المؤلف وجوهًا أخرى فيما يأتي (ص ٧٧ - ٧٩).(٦) في الأصل: "لم يذكروا".
تكن الجزية نزلت حتى يضَعَها عنهم.الثالث: أن معاوية بن أبي سفيان لم يكن أسلم بعدُ، فإنه إنما أسلم عامَ الفتح بعد خيبر.الرابع: أن سعد بن معاذٍ توفي عام الخندق قبل فتح خيبر.الخامس: أنه لم يكن في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم على أهل خيبر كُلَفٌ ولا سُخَرٌ حتى تُوضَع عنهم.السادس: أنه لم يكن لأهل خيبر من الحرمة ورعاية حقوق المسلمين ما يقتضي وضعَ الجزية عنهم، وقد كانوا من أشدِّ الكفار عداوةً لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فأيُّ خيرٍ حصل بهم للمسلمين حتى تُوضع عنهم الجزية دون سائر الكفار؟السابع: أن الكتاب الذي أظهروه ادَّعَوا أنه بخط علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وهذا كذبٌ قطعًا، وعداوة علي رضي الله عنه لليهود معروفةٌ، وهو الذي قتل مرحبًا اليهودي(١)، وأثخنَ في اليهود يومَ خيبر حتى كان الفتح على يديه.الثامن: أن هذا لا يُعرف إلا من رواية اليهود، وهم القوم البُهت، أكذبُ الخلق على الله وأنبيائه ورسله، فكيف يُصدَّقون على رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يخالف كتاب الله تعالى؟!(١) كما في "صحيح مسلم" (١٨٠٧/ ١٣٢). وانظر الخلاف في ذلك عند المؤلف في "زاد المعاد" (٣/ ٣٨٢ وما بعدها).
التاسع: أن هذا الكتاب لو كان صحيحًا لأظهروه في أيام الخلفاء الراشدين، وفي أيام عمر بن عبد العزيز، وفي أيام المنصور والرشيد، وكان أئمة الإسلام يستثنونهم ممن تُوضع عنهم الجزية، أو يذكر(١) ذلك فقيهٌ واحدٌ من فقهاء المسلمين، ولا يجوز على الأمة أن تُجمِع على مخالفة سنة نبيِّها. وكيف يكون بأيدي أعداء الله كتابٌ من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يحتجُّون به كلَّ وقتٍ على من يأخذ الجزية منهم، ولا يذكره عالمٌ واحدٌ من علماء السلف؟ وإن اغترَّ به بعضُ من لا علْمَ له بالسيرة والمنقول من المتأخرين، فَشنَّع(٢) عليه أصحابه، وبيَّنوا خطأه، وحذَّروا من سقطته.العاشر: أن أئمة الحديث والنقل يشهدون ببطلان هذا الكتاب، وأنه زُورٌ مفتعلٌ وكذبٌ مختلقٌ(٣). ولما أظهره اليهود بعد الأربع مائةٍ على عهد الحافظ أبي بكر الخطيب البغدادي أرسل إليه الوزير ابن المسلمة، فأوقفَه عليه فقال الحافظ: هذا الكتاب زورٌ، فقال له الوزير: من أين هذا؟ فقال: فيه شهادة سعد بن معاذٍ ومعاوية بن أبي سفيان، وسعدٌ مات يومَ الخندق قبل خيبر، ومعاوية أسلم يوم الفتح سنة ثمانٍ، وخيبر كانت سنة سبعٍ. فأعجب ذلك الوزير(٤).(١) في المطبوع: "لذكر" خلاف ما في الأصل.(٢) في الأصل: "وشنع".(٣) انظر: "البداية والنهاية" (٦/ ٣٥٥، ٣٥٦ و ١٦/ ٢٨)، و"المغني" (١٣/ ٢٥٢)، و"مجموع الفتاوى" (٢٨/ ٦٦٤).(٤) انظر: "المنتظم" (١٦/ ١٢٩)، و"معجم الأدباء" (١/ ٣٨٦)، و"سير أعلام النبلاء" (١٨/ ٢٨٠)، و"الوافي بالوفيات" (٧/ ١٩٢، ١٩٣)، و"المستفاد من ذيل تاريخ بغداد" (ص ٦٠)، و"طبقات الشافعية" (٤/ ٣٥).
والمقصود أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأخذ الجزية من أحدٍ من مشركي العرب لأن آية الجزية نزلت بعد عام تبوك، وكانت عُبَّاد الأصنام من العرب كلهم قد دخلوا في الإسلام، فأخذها النبي صلى الله عليه وسلم ممن لم يدخل في الإسلام من اليهود ومن النصارى ومن المجوس.قال المخصِّصون بالجزية لأهل الكتاب: المراد من إرسال الرسل وإنزال الكتب إعدامُ الكفر والشرك من الأرض وأن يكون الدين كله لله، كما قال تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ} [البقرة: ١٩٣]، وفي الآية الأخرى: {وَيَكُونَ اَلدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ} [الأنفال: ٣٩]. ومقتضى هذا أن لا يُقَرَّ كافرٌ على كفره، ولكن جاء النص بإقرار أهل الكتاب إذا أَعطَوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون، فاقتصرنا بها عليهم، وأخذنا في عموم الكفار بالنصوص الدَّالة على قتالهم إلى أن يكون الدين كله لله.قالوا: ولا يصح إلحاق عَبَدة الأوثان بأهل الكتاب؛ لأن كفر المشركين أغلظ من كفر أهل الكتاب، فإن أهل الكتاب معهم من التوحيد وبعض آثار الأنبياء ما ليس مع عبَّاد الأصنام، ويؤمنون بالمعاد والجزاء والنبوات بخلاف عبدة الأصنام. وعَبَدة الأصنام حربٌ لجميع الرسل وأممِهم من عهد نوحٍ إلى خاتم الأنبياء والمرسلين؛ ولهذا أثَّر هذا التفاوتُ الذي بين الفريقين في حلِّ الذبائح وجواز المناكحة من أهل الكتاب دون عُبَّاد الأصنام.