إغاثة اللهفان في حكم طلاق الغضبان - ط عطاءات العلم (ابن القيم) القسم: مسائل فقهية الكتاب: إغاثة اللهفان في حكم طلاق الغضبان[آثار الإمام ابن قيم الجوزية وما لحقها من أعمال (٦)]المؤلف: أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب ابن قيم الجوزية (٦٥٩ - ٧٥١)تحقيق: عبد الرحمن بن حسن بن قائدراجعه: سليمان بن عبد الله العمير - جديع بن جديع الجديع الناشر: دار عطاءات العلم (الرياض) - دار ابن حزم (بيروت) الطبعة: الخامسة، ١٤٤٠ هـ - ٢٠١٩ م (الأولى لدار ابن حزم)عدد الصفحات: ٦٥قدمه للشاملة: مؤسسة «عطاءات العلم»، جزاهم الله خيرا[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]تاريخ النشر في راميشر: ١ يوليو ٢٠٢٦.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمدُ لله الحكيم الكريم، العليِّ العظيم، السميع العليم، الرَّءوفِ الرحيم، الذي أَسْبَغ على عباده النِّعمة، وكتب على نفسه الرحْمة، وَضَمَّنَ الكتابَ الذي كَتَبه أن رحمته تَغْلِبُ غضبه، فهو أرحم بعباده من الوالدةِ بولدها، كما هو أشدُّ فرحًا بتوبة التائب مِنَ الفاقدِ لراحلته التي عليها طعامه وشرابه في الأرض المَهْلكة إذا وجدها.وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له رب العالمين، وأرحمُ الراحمين، الذي تَعَرَّفَ إلى خلقه بصفاته وأسمائه، وتَحَجَّبَ إليهم بإحسانه وآلائه.وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله الذي خَتَم به النبيين، وأرسله رحمةً للعالمين، وبَعَثه بالحنيفيَّة السَّمحة والدين المُهَيْمِن على كُلِّ دين، فَوَضَع به الآصارَ والأغلالَ، وأغنى بشريعته على طُرقِ المكر والاحتيال، وفَتَح لمن اعتصم بها طريقًا واضحًا ومنهجًا، وجعل لمن تمسَّك بها من كلِّ ما ضاق عليه فرجًا ومخرجًا.فعند رسول الله صلى الله عليه وسلم السَّعَةُ والرحمة، وعند غيره الشِّدة والنقمة، فما جاءه مكروبٌ إلا وَجَد عنده تفريجَ كربَتِه، ولا لهفان إلا وجد عنده إغاثة لَهْفته، فما فَرَّق بين زوجين إلا عن وَطَرٍ واختيار، ولا شتَّتَ شَمْلَ مُحبَّيْنِ إلا على إرادةٍ منهما وإيثار، ولم يُخَرِّبْ ديار المُحِبِّيْنِ بِغَلَطِ اللسان، ولم يُفَرِّقْ بينهم بما جرى عليه من غير قصدِ الإنسان، بل رفع المؤاخذةَ بالكلام الذي لم يَقْصِدْه المتكلِّم بل جرى على لسانه بحكم
الخطأ والنسيان، أو الإكراه والسَّبْقِ [على](١) طريق الاتفاق، فقال -فيما رواه عنه أهل السنن من حديث عائشة أم المؤمنين-: "لا طلاق ولا عَتَاق(٢) في إغلاق"(٣) رواه الإِمام أحمد، وأبو داود، وابن ماجه(٤)، والحاكم في "صحيحه" وقال: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم(١) زيادة يقتضيها السياق.(٢) بفَتح العَين، مصدر "عَتَقَ العبد": خرج عن الرِّق. (القاسمي).(٣) أَخرجه أحمد (٦/ ٢٧٦)، وأبو داود (٢١٩٣) وابن ماجه (٢٠٤٦)، والحاكم (٢/ ١٩٨) وغيرهم.وصححه الحاكم على شرط مسلم، فتعقبه الذهبي بأن في إسناده "محمد بن عبيد". ضعَّفه أبو حاتم، ولم يحتجَّ به مسلم.قلت: وليس هو بالمشهور، وقد اضطرب في رواية الحديث على وجهين، وأسقطه بعض الرواة فتُوهِّم طريقًا آخر.وانطر "علل ابن أبي حاتم" (١/ ٤٣٠، ٤٣٢)، و"شرح مشكل الآثار" للطحاوي (٢/ ١٢٨).ووردت له متابعةٌ عند الدارقطني في "السنن" (٤/ ٣٦)، والبيهقي في "الكبرى" (٧/ ٣٥٧) إلا أن الإسناد إلى المتابع ضعيف.ففي تحسين الحديث بهذين الطريقين نظر.وانظر: "إرواء الغليل" (٧/ ١١٣ - ١١٤) و"الهداية إلى تخريج أحاديث البداية" (٦/ ١١٢ - ١١٣).وعارضه ابن رجب قى "جامع العلوم والحكم" (١/ ٢٧٨) بأثر عائشة الصحيح في اليمين المنعقدة، فقال: "وهذا يدلُّ على أن الحديث المروي عنها مرفوعًا: "لا طلاق ولا عتاق في إغلاق" إما أنه غير صحيح، أو أن تفسيره بالغضب غير صحيح … ".وانظر لمسلكه هذا: شرحَه على "علل الترمذي" (٢/ ٧٩٦ - ٨٠١).(٤) بسكون الهاء وصلًا ووقفًا. (القاسمي).
ولم يخرجاه"(١).(١) هذا الحديث وإن لم يخرجه البخاري لعدم مجيئه على شرطه، إلا أنه أشار إليه في كتاب الطلاق تحت ترجمة: باب الطلاق في الإغلاق والكره، والسكران والمجنون، وأمرِهما، والغلط والنسيان في الطلاق والشرك وغيره، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: الأعمال بالنية ولكل امرئ ما نوى.وكلُّ ما علَّقه البخاري أو أشار إليه يدلُّ على أن له أصلًا عنده ينبغي للفقيه إعارته النظر الدقيق، وليس كالذي لم يُعَلِّقْهُ ولم يشرْ إليه، كما لا يخفى.وقد اشتهر عن البخاري كمالُ فقهه، ودقةُ نظره، وقوة استنباطه وعِلمه، كما ترى في ترجمته هذه، فإنه عَدَلَ عن الاستدلال على عدم وقوع طلاق الغضبان بحديث الإغلاق لِنظير ما فيهِ عنده = إلى الاستدلال بحديث النية على عدم وقوعه، لأن هذا الحديث هو الكُلِّيُّ الأعظم في أبوابٍ من الشريعة.ولذا قال الحافظ بن حجر تحت ترجمة البخاري المذكورة ما مثاله: "اشتملت هذه الترجمة على أحكام يجمعها أن الحكم إنما يتوجه على العاقل المختار العامد الذاكر، وشمل ذلك الاستدلال بالحديث؛ لأن غير العاقل المتخار لا نِيَّة له فيما يقول أو يفعل، وكذلك الخالط والناسي والذي يُكَرَهُ على الشيء".وعليه، فإن مذهب البخاريُّ يتَّفق مع مذهب من قال بعدم وقوع طلاق الغضبان مآلًا، وإن اختلفا مأخذًا واستدلالًا -سُنَّةَ المجتهدين الاجتهاد المطلق-.على أن حديث الإغلاق بما قام على كون معناه معقولًا من الوجوه الآتية في هذا الكتاب التي كادت تقرب من الثلاثين = صار من الصحيح لغيره، وهو قسيم الصحيح لذاته. والصحيحُ لغيره ما صُحِّح لأمرٍ أجنبيّ عن السند. قال ابن الحصار: قد يعلم الفقيه (المجتهد) صحة الحديث إذا لم يكن في سنده كذاب بموافقة آيةٍ من كتاب الله، أو بعض أصول الشريعة، فيحمله ذلك على قبوله والعمل به. (القاسمي).
قال أبو داود: "في غِلاق"(١)، ثم قال: والغِلاقُ أظنه الغضب.وقال حنبل. سمعت أبا عبد الله - يعني أحمد بن حنبل - يقول: هو الغضب. ذكره الخلال [و](٢) أبو بكر عبدُ العزيز. ولفظ أحمد: يعني الغضب.قال أبو بكر: سألت أبا محمد(٣)، وابن دريد(٤)، وأبا عبد الله(٥)،(١) بغير ألِفٍ في أَولِه قال ابن حجر [في "الفتح" (٩/ ٣٨٩)]: "وحكى البيهقي أنه رويَ على الوجهين". و"الغلاق" رأيته في نسخة جيدة من "سنن أبي داود" مضبوطًا بكسر الغين المعجمة، ولعله مصدر "غالقه"، لما فيه من المغالبة، فإن الغضب يغالبه. وانظر هل يصح فتحها على الأصل غَلق - بفتحتين-، وهو الضمير والغضب كما قال المطرزي، ثم زيدت الألف إشباعًا كما في "منتزاح" وقولِه: "أعوذ بالله من العقراب". وقُرأ الحسن وابن هرمز: {وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً} على وزن "مفتعال"، كما نقله شُرَّاح "الشافية" في بحث "استكان" مِن أوائلها؟ فَلتُحرَّرْ الرواية. (القاسمي).(٢) زيادةٌ لا بد منها، أو تضاف كلمة "غلام" قبل "الخلال". ويقوي ما اخترتُه نقل المصنفِ الرواية عنهما معًا في "الزاد" (٥/ ٢١٤).(٣) لعله: أبو محمد، عبد الله بن جعفر بن درستويه الفارسيّ النحوي، توفي سنة ٣٤٧ انظر "إنباه الرواة" (٢/ ١١٣ - ١١٤)، و"سير أعلام النبلاء" (١٥/ ٥٣١ - ٥٣٢).(٤) هو أبو بكر، محمد بن الحسن بن دريد، صاحب التصانيف، توفي سنة ٣٢١. انظر: "إنباه الرواة" (٣/ ٩٢ - ١٠٠) و"سير أعلام النبلاء" (١٥/ ٩٦ - ٩٧).(٥) لعله: أبو عبد الله، إبراهيم بن محمد بن عرفة، المشهور بـ "نفطويه"، توفي سنة ٣٢٣ - انظر: "إنباه الرواة" (١/ ١٧٦ - ١٨٢)، و"سير أعلام النبلاء" (١٥/ ٧٥ - ٧٦).
وأبا طاهرًا(١)، النحويين، عن قوله: "لا طلاق ولا عتاق في إغلاق".قالوا: يريد الإكراه! لأنه إذا أُكْرهَ انغلق عليه رأيه.ويدخل في هذا المعنى المُبَرْسَم(٢) والمجنون.فقلت لبعضهم: والغضب أيضًا؟ فقال: ويدخل فيه الغضب؛ لأنَّ الإغلاق له وجهان: أحدهما الإكراه، والآخر ما دخل عليه مما ينغلق به رأيه عليه.وهذا مقتضى تبويب البخاري؛ فإنه قال في صحيحه: "بابُ الطلاق في إغلاق، والمكره(٣)، والسكران، والمجنون"(٤)، يُفَرِّقُ بين الطلاق في الإغلاق وبين هذه الوجوه. وهو أيضًا مقتضى كلام الشافعي؛ فإنه يُسَمِّي نذر اللَّجاج والغضب يمين الغلق ونذر الغَلَق(٥)، هذا اللفظ يريد به نذر الغضب، وهو قول غير واحد من أئمة اللغة(٦).(١) لعله: أبو طاهر، محمَّد بن الحسن بن محمَّد المحمَّداباذي، الإِمام النحويّ، توفي سنة ٣٣٦. انظر: "السِّيَر" (١٥/ ٣٠٤ - ٣٠٥، ٣٢٩ - ٣٣٠).(٢) البِرسام -بالكسر-: عِلَّةٌ يهذي فيها، بُرْسِمَ -بالضم- فهو مُبَرْسَم. (القاسمي).(٣) قال الحافظ ابن حجر [في "الفتح" (٩/ ٣٨٩)]: "هو في النسخ بضم الكاف وسكون الراء". وفي عطفه على الإغلاق تصريح بأنه يذهب إلى أن الإغلاق هو الغضب. (القاسمي).(٤) كذا وقع في الأصل: "باب الطلاق في إغلاق والمكره". والذي في "الصحيح" وشروحه: "باب الطلاق في الإغلاق والكره".(٥) انظر: "الأم" (٣/ ٦٥٩)، و"نهاية المحتاج" (٨/ ٢١٩).(٦) اعلم أن من فسره بالغضب فسره بلازمه أو بمساويه، كقول ابن الأثير [في "النهاية" (٣/ ٣٨٠)]: "الغَلَقُ: ضِيق الصدر وقلة الصبر. رجل غَلِق - ككتف-: سيء الخلق". =
والقولُ بِمُوجبه هو مقتضى الكتاب، والسنة، وأقوال الصحابة، والتابعين، وأئمةَ الفقهاء، ومقتضى القياس الصحيح، والاعتبار، وأصول الشريعة.أما الكتاب، فمن وجوه:أحدها: قوله تعالى: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} [البقرة: ٢٢٥].قال ابن جرير في "تفسيره": حدثنا ابن وكيع، حدثنا مالك ابن إسماعيل، عن خالد، عن عطاء، عن وسيم، عن ابن عباس قال: "لغو اليمين أن تحلف وأنت غضبان"(١).حدثنا ابن حميد، حدثنا يحيى بن واضح، حدثنا أبو حمزة، عن عطاء، عن طاووس قال: "كلُّ يمينٍ حلف عليها رجل وهو غضبان،= وقال أبو بكر [بن الأنبارى في "الزاهر" (١/ ٤٦٢)]: "كثير الغضب، وقيل: ضيق الخلق، العَسرُ الرِّضا".وقد أُغْلِقَ فلان إذا أُغْضِبَ، فغَلِقَ، غَضِبَ واحتَدَّ.وقال الليث: يقال: احتدَّ فلان فَغَلِقَ في حِدَّته، أي نَشِبَ. وهو مجاز نقله الزبيداي في "شرح القاموس" [(١٣/ ٣٨٣)].وفي "أساس البلاغة" للزمخشري [(٤٥٤)]: "غلق: احتدَّ فنشب في حِدَّته، وأُغلِقَ عليه: إذا ضُيِّق وأُكْرِه، ومنه: لا طلاق في إغلاق". (القاسمي).(١) أخرجه ابن جرير (٤/ ٤٣٨)، وسعد بن منصور (٤/ ١٥٣٣) والبيهقي في "الكبرى" (١٠/ ٤٩) وغيرهم.وإسناده ضعيف؛ عطاء بن السائب اختلط، وخالد روى عنه بعد الاختلاط، ووسيم مجهول.وتحرف في الأصل: "عطاء عن وسيم" إلى: "عطاء بن رستم".
فلا كفارة عليه فيها، قوله: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ}(١) ".وهذا أحد الأقوال في مذهب مالك، أن لغو اليمين هو اليمين في الغضب(٢)، وهذا اختيار أَجَلِّ المالكيةِ وأفضلِهم على الإطلاق وهو القاضي إسماعيل بن إسحاق، فإنه ذهب إلى أن الغضبان لا تنعقد يمينه(٣).(١) تتمة كلام ابن جرير: "وعلة من قال هذه المقالة - أي أن اللغو من الأيمان التي يحلف بها صاحبها في حال الغضب على غير عقد قلبٍ ولا عزم - ما حدثني به أحمد بن منصور المروزي قال ثنا عمر بن يونس اليمامي قال ثنا سليمان بن أبي سليمان الزهري عن يحيى بن أبي كثير عن طاووس عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يمين في غضب". وأخرجه الدارقطني كما سنذكره. (القاسمي).(٢) قال صدر الدين في "رحمة الأمة" [(٢٤٣)]: "وقال الشافعي: لغو اليمين ما لم يعقده. وإنما يُتَصَوَّرُ ذلك عنده في قوله: لا والله، وبلى والله، عند المحاورة والغضب واللجاج من غير قصد، سواء كانت على ماضٍ أو مستقبلٍ. وهي رواية عن أحمد". (القاسمي).وانظر لقول القاضي إسماعيل بن إسحاق: "بداية المجتهد" لابن رشد (٣/ ٩٨٣).(٣) قال المؤلف في "إعلام الموقعين" [(٣/ ٥٢)]: قال الإِمام أحمد في رواية حنبل: الإغلاق هو الغضب، وكذلك فسره أبو داود، وهو قول القاضي إسماعيل بن إسحاق أحد أئمة المالكية ومُقَدَّم أهل العراق منهم، وهي عنده من لغو اليمين أيضًا، فأدخل يمين الغضبان في لغو اليمين، وفي يمين الإغلاق، وحكاه شارح أحكام عبد الحق عنه، وهو [ابن] بزيزة الأندلسي، قال: وهذا قول علي [و] ابن مسعود وغيرهما من الصحابة، أن الأيمان المنعقدة كلها في حال الغضب لا تلزم، وفي "سنن الدارقطني" بإسنادٍ فيه =
ولا تنافي بين هذا القولِ وبين قولِ ابن عباس وعائشة: "إن: لغو اليمين هو قول الرجل لا والله وبلى والله"(١)، وقولِ عائشة وغيرها: أيضًا "إنه يمين الرجل على الشيء يعتقده كما حلف عليه، فيتبين بخلافه"(٢)؛ فإن الجميع من لغو اليمين، والذي فَسَّر لَغوَ اليمين بأنها: يمين الغضب يقول بِأنَّ النوعين الآخرَيْن من اللغو.وهذا هو الصحيح، فإن الله سبحانه جعل لغو اليمين مقابلًا لِكَسْب القلب، ومعلومٌ أن: الغضبانَ والحالفَ على الشيءِ يظنُّه كما حلف عليه، والقائلُ: لا والله وبلى والله -من غير عَقْدِ اليمين-، لم يَكْسِبْ قلبُه عقد اليمن، ولا قَصَدَها، واللهُ سبحانه قد رفع المؤاخذة بلفظٍ جَرَى على اللسان لم يَكْسِبْه القلبُ ولم يَقْصِدْه، فلا تجوز المؤاخذة بما رفع اللهُ المؤاخذةَ به، بل قد يقال: لغوُ الغضبان أظهرُ من لَغوِ القِسْمَيْن الأخيرَيْن؛ لما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.= لِيْنٌ من حديث ابن عباس يرفعه "لا يمين في غضب ولا عتاق فيما لا يملك". وهو إن لم يثبت رفعه فهو قول ابن عباس.وقد فسر الشافعي: "لا طلاق في إغلاق" بالغضب، وفسره به مسروق، فهذا مسروق والشافعي وأحمد وأبو داود والقاضي إسماعيل كلهم فسروا الإغلاق بالغضب، وهو من أحسن التفسير، لأن الغضبان قد أغلق عليه باب القصد بشدة غضبه". وله تتمةٌ تفصيلها ما حوته هذه الرسالة الغراء. (القاسمي).(١) أما قول عائشة: فأخرجه البخارى (٦٦٦٣).وأما قول ابن عباس: فأخرجه ابن جريج (٤/ ٤٢٨)، وسعيد بن منصور (٤/ ١٥٣٤) وغيرهما بإسنادٍ فيه ضعف.(٢) بمعناه عند البيهقي في "الكبرى" (١٠/ ٤٩ - ٥٠). وأخرجه هو وابن جرير (٤/ ٤٣٣ - ٤٣٧) عن ابن عباس، ومجاهد، والحسن وغيرهم.
فصل الوجهُ الثاني من دَلالةِ الكتاب: قولهُ سبحانه: {وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١١)} [يونس: ١١].وفي تفسير ابن أبي نجيح عن مجاهد: هو قول الإنسان لولده وماله إذا غضب عليهم: "اللهم لا تبارك فيه، وَالْعَنْهُ"، فلو يعجل لهم الاستجابة في ذلك، كما يستجاب في الخير، لأهلكهم.انْتَهَض الغضبُ مانعًا من انعقاد سبب الدعاء الذي تأثيره في الإجابة أسرع من تأثير الأسباب في أحكامها، فإن الله سبحانه يجيب دعاء الصبيِّ، والسفيه، والمُبَرْسَم، ومن لا يَصِحُّ طلاقُه ولا عُقوده، فإذا كان الغضب قد منع كون الدعاء سببًا، لأنَّ الغضبان لم يَقصِدْهُ بقلبه، فإنَّ عاقلًا لا يختار إهلاك نفسه وأهله وذهاب ماله وقَطعَ يده ورجله وغير ذلك بما يدعو به، فاقتضت رحمة العزيز العليم أنْ لا يؤاخذَه بذلك، ولا يُجيب دعاءَه! لأنه عن غيرِ قصدٍ منه، بل الحاملُ له عليه الغضب الذي هو من الشيطان.فإن قيل: إن هذا ينتقض عليكم بالحديث الذي رواه أبو داود(٢)(١) أخرجه ابن جرير (١٥/ ٣٤ - ٣٥).(٢) [(١٥٣٢)]، ورواه مسلم أيضًا [(٣٠٠٩)] كما في "رياض الصالحين" [(٥١٠)]. (القاسمي).
عن جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم أنّه قال: "لا تدعوا على أنفسكم، ولا تدعوا على أولادكم، ولا على أموالكم، ولا تدعوا على خَدَمِكُم؛ لا توافقوا من الله ساعةً لا يُسأَلُ فيها شيئًا إلا أعطاه".قيل: لا تنافي بين الآية والحديث؛ فإن الآية اقتضت الفَرْقَ بين دعاءِ المُخْتارِ ودعاءِ الغضبان الذي لا يختار ما دعا به، والحديثُ دل على أن لله سبحانه أوقاتًا لا يَرُدُّ فيها داعيًا، ولا يُسْأَلُ فيها شيئا إلَّا أعطاه؛ فنهى الأُمَّةَ أن يدعو أحدهم على نفسه أو أهله أو ماله، خشية أن يوافق تلك الساعة، فَيجَابُ له(١).ولا ريب أن الدعاء بالشرِّ كثيرًا ما يُجابُ، كالدعاء بالخير(٢)، والإنسان يدعو على غيره ظلمًا وعدوانًا [و] مع ذلك فقد يستجاب له، ولكنّ إجابةَ دعاء الخير من صفة الرحمة، وإجابةَ ضدِّه من صفة الغضب، والرحمةُ تغلب الغضب.والمقصودُ أن الغضبَ مُؤَثِّرٌ في عدم انعقاد السَّبب في الجملة.ومن هذا قوله تعالى: {وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا (١١)} [الإسراء: ١١] وهو الرجل يدعو على نفسه وأهله بالشر في حال الغضب.(١) انظر: "جامع العلوم والحكم" (١/ ٢٧٦).(٢) في الأصل: "كثيرًا ما يجاب الدعاء بالخير". ولعل الصواب ما أثبتُّ.
فصل الوجه الثالث: قوله تعالى: {وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (١٥٠)} [الأعراف: ١٥٠].ووجه الاستدلال بالآية أن موسى صلوات الله عليه لم يكن لِيُلْقي ألواحًا كتبها الله تعالى، فيها كلامه، مِنْ على رأسه إلى الأرض، فيكسوها = اختيارًا منه لذلك، ولا كان فيه مصلحةٌ لبني إسرائيل، ولذلك جَرَّة بلحيته ورأسه(١)، وهو أخوه، وإنما حمله على ذلك الغضب، فَعَذَرهُ اللهُ سبحانه به، ولم يَعْتَبْ عليه بما فعل؛ إذْ كان مصدرُه الغضبَ الخارجَ عن قدرة العبد واختياره، فالمُتَوَلِّدُ عنه غيرُ منسوب إلى اختيارهِ ورضاهُ به. يوضِّحُه: الوجه الرابع: وهو قوله: {وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ} [الأعراف: ١٥٤].فعَدَلَ سبحانه عن قوله: "سَكَن" إلى قوله: {سَكَتَ}؛ تنزيلًا للغضب منزلة السلطان الآمر الناهي، الذي يقول لصاحبه: افعل، لا تفعل. فهو مستجيب لداعي الغضبِ الناطقِ فيه، المتكلِّم على لسانه،(١) كذا في الأصل. ولعل الصواب: ولذلك جرَّ هارون بلحيته ورأسه.
فهو أولى بِأَن يُعذرَ من المُكْرَهِ الذي لم يَتسلط عليه غضبٌ يأمُره وينهاه، كما سيأتي تقريره بعد هذا إن شاء الله.وإذا كان الغضبُ هو الناطق على لسانه، الآمر الناهي له، لم يكن ما جَرى على لسانه في هذه الحال منسوبًا إلى اختياره ورضاه، فلا يتم من عليه أثره(١). الوجه الخامس: قوله تعالى: {وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ} [الأعراف: ٢٠٠] في ثلاثة مواضع من القرآن(٢).وما يتكلمُ به الغضبان في حال شدة غضبه، مِن طلاقٍ أو شتمٍ ونحوه، هو من نزغات الشيطان، فإنه يُلجئُه إلى أن يقول ما لم يكن مختارًا لقوله، فإذا سُرِّيَ عنه عَلِم أن ذلَك مِنْ إلقاء الشيطان على لسانه، مِمَّا لم يكن بِرَضاهُ واختيارِه.والغضب من الشيطان، وأثرُه منه، كما في الصحيح أن رجلين اسْتبّا عند النبي صلى الله عليه وسلم حتى احْمَرَّ وَجْهُ أحدهما وانتفخت أوداجه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد: أعوذ بالله من(١) كذا في الأصل. ولعل "مَن" موصولة.(٢) الموضع الأول في سورة الأعراف: [الآية: ٢٠٠]، والثاني في سورة فصلت [الآية: ٣٦]، والثالث قوله تعالى في سورة المؤمنون {وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (٩٧) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ (٩٨)} [المؤمنون: ٩٧، ٩٨].قال ابن كثير في فاتحة تفسيره (١/ ١٣٧): "فهذه ثلاث آيات ليس لهنَّ رابعة في معناها".
الشيطان الرجيم"(١).وفي السنن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الغضب من الشيطان، وإن الشيطان من النار، وإنما تطْفَأ النار بالماء، فإذا غضب أحدكم فليتوضأ"(٢).وإذا كان هذا السببُ وأثرُه من إلجاء الشيطان، لم يَكُنْ من اختيار العبد؛ فلا يترتب عليه حكمُه.(١) أخرجه البخاري (٦٠٤٨) ومسلم (٢٦١٠) من حديث سليمان بن صرد رضي الله عنه.(٢) أخرجه أبو داود (٤٧٨٤) وأحمد (٦/ ١٦٨) وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (٢/ ٤٦٤)، وابن قانع في "معجم الصحابة" (٢/ ٣٠٧)، والطبراني في "الكبير" (١٧/ ١٦٧) وغيرهم من حديث عطية بن عروة رضي الله عنه بإسنادٍ فيه ضعفٌ.وانظر: "المجروحين" (٢/ ٢٥)، و"الميزان" (٢/ ٣٩٥) و"التهذيب" (٥/ ١٥٤)، و"السلسلة الضعيفة" (٥٨٢)، و"المداوي" (٢/ ٤٠٨).
فصل فأما دلالة السُّنّة فمن وجوه(١):أحدها: حديث عائشة المتقدم، وهو قوله: "لا طلاق ولا عتاق في إغلاق".وقد اخْتلفَ في الإغلاق(٢)، فقال أهل الحجاز: هو الإكراه(١) ذكر من وجوه دلالة السنة ثلاثة، وبقي رابع وهو: "الأعمال بالنية" الذي استدل به البخاري على عدم وقوع طلاق الغضبان كما تقدم نقل عبارته، وكلام ابن حجر في شرحها.وقد أشار إليه في الوجه التاسع الآتي.ووجه خامس وهو: حديث ابن عباس مرفوعًا: "لا يمين في غضب"، أخرجه ابن جرير والدارقطني كما حكيناه قبل.ووجه سادس وهو: حديث "كل طلاق جائز إلا طلاق المعتوه والمغلوب على عقله" رواه الترمذي عن أبي هريرة مرفوعًا، وقال: غريب ضعيف. والمغلوب على عقلة وإن فُسِّر بالسكران، إلا أنه يتناول الغضبان أيضًا، بل هو أولى، كما ستراه للمصنف موضحًا في الوجه الثاني من ترجمة: فصلٌ وأما آثار الصحابة. (القاسمي).(٢) انظر: "إعلام الموقعين" (٢/ ١٧٥ - ١٧٦)، و (٣/ ٥٢ - ٥٣)، و (٤/ ٥٠ - ٥١) و"زاد المعاد" (٣/ ٥٦٦) و (٥/ ٢١٤ - ٢١٥) و"شفاء العليل" (١/ ٤٠٩ - ٤١٠)، و"مدارج السالكين" (١/ ٢٠٩) و (٣/ ٣٠٧ - ٣٠٨)، و"الصواعق المرسلة" (٢/ ٥٦٣ - ٥٦٥)، و"روضة المحبين" (١٩٤ - ١٩٥) للمصنف.و"رفع الملام" (٢٠/ ٢٤٤ - مجموع الفتاوى)، و"إبطال التحليل" (١٤١)، و"نصب الراية" للزيلعي (٣/ ٢٢٣).