مجلة الحقائق (عبد القادر الإسكندراني) القسم: الجوامع الكتاب: مجلة الحقائق (الدمشقية)أصدرها: عبد القادر بن محمد سليم الكيلاني الإسكندراني (ت ١٣٦٢هـ)صدر منها: ٣٤ عددا[الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع، ورقم الجزء هو رقم العدد]تاريخ النشر في راميشر: ١ يوليو ٢٠٢٦.
مجلة الحقائق - جـ ١ـ[مجلة الحقائق (الدمشقية)]ـأصدرها: عبد القادر بن محمد سليم الكيلاني الإسكندراني (المتوفى: ١٣٦٢هـ)صدر منها: ٣٤ عددا[الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع، ورقم الجزء هو رقم العدد]
مجلة الحقائق - جـ ١العدد ١ - بتاريخ: ٧ - ٨ - ١٩١٠
إسبانيا وما جاورها من بلاد الإفرنج إلى نهر تورس وحولوا الاحتلال الموقت إلى السيادة الدائمة.ثم لما ظهر ضعف بني أمية بعد ذلك واضطرابهم هان على الناس الخروج عن طاعتهم وتوفق العباسيون يومئذ إلى رجل فارسي يدعى أبا مسلم الخراساني فأنقذوه في طلب البيعة لهم في خراسان لبعدها عن مركز الخلافة فتوفق توفيقاً عجيباً حتى أدني الخلافة لبني العباس وسلم أزمتها إلى السفاح أول خلفائهم اعتمد العباسيون على جماعة من الفرس تظاهروا بالعدالة والاستقامة فاتخذوهم أنصاراً في عواملهم السياسية وأعلوا مراتبهم وأجلسوهم على منصة الرفعة والعز وكان الكثير منهم ليس من الدين في شيئ بل كان منهم طوائف ضالة مضلة كالمانوية والباطنية والإسماعيلية وغيرهم من الطوائف المارقة وهكذا إلى أن ظهرت المعتزلة وتفرقت الأمة المحمدية فأخذوا يضلون الناس ويدعونهم إلى اتباعهم والنأسي بأقوالهم وأفعالهم فظهر الإلحاد وفشت الزندقة وكثر الغى واستفحل الأمر فصدر أمر المنصور بتأليف كتب لإظهار شباتهم ودحض دعاويهم الباطلة.كانت الأوائل من الصحابة والتابعين لسلامة عقائدهم وقلة الوقائع والاختلافات في زمنهم مستغنين عن تدوين على أصول الدين وفروعه أعني التوحيد والفقه فلما حدثت الفتن اختلاف الآراء والميل إلى البدع والأهواء وكثر جدال المبتدعه وتقووا بحيث لا يمكن زجرهم اشتغل علماء الدين بالنظر والاستدلال والاجتهاد والاستنباط وتمهيد القواعد وإيراد الشبه بأجوبتها وتعيين الأوضاع وتبين المذاهب. أول من أظهر الخلاف من فرقة المعتزلة وأصل بن عطاء وكان في مجلس الحسن البصري فقال رجل للحسن يا إمام زعم أناس كفر من فعل كبيرة وقال آخرون لا تضر مع الإيمان معصية كما لا تنفع مع الكفر طاعة فما الحق في ذلك فأطرق ملياً لينظر فأسرع وأصل بإثبات المنزلة بين المنزلتين وعقد له مجلساً وقال الناس ثلاثة (مؤمن، وكافر، ولا مؤمن، ولا كافر) فقال الحسن اعتزلنا وأصل ثم تعاظم الأمر لما عرب المأمون العلوم الفلسفية وكان طلبها من اليونان فضنوا بها فلم يزل حتى أرسلوها وخلطت تلك الشبه فكانت المعتزلة ينتحلون منها وذلك أن من قواعد الفلاسفة أن واجب الوجود لا يكون إلا واحداً من جميع جهاته أخذت منه المعتزلة نفى صفات المعاني ومن قواعدهم التأثير بالتعليل ونفي الاختيار بإثبات اللزوم أخذوا منه
وجوب الصلاح والأصلح ومن قواعدهم أن الرؤية بأشعة تتصل بالمرئي أخذوا منه أن الله لا يرى ومنها تأثير العقول أخذوا منه أن العباد يخلقون أفعالهم الاختيارية وكل ذلك باطل مخالف لمذهب أهل السنة والجماعة كما هو مقرر في محله أن علماء الإسلام ما صنفوا كتب القواعد ليثبتوا في أنفسهم العلم بالله تعالى وإنما وضعوا ذلك ردعاً وسلم بالخصوص وإعادة الأجسام بعد الموت ونحو ذلك مما لا يصدر إلا من كافر فطلب علماء الإسلام إقامة الأدلة على هؤلاء ليرجعوا إلى اعتقاد وجوب الإيمان بذلك فكان البرهان عندهم كالمعجزة التي ينساقون بها إلى دين الإسلام.الأدلة على وجود الصانع وتوحيده تجري مجرى الأدوية التي يعالج بها مرض القلوب والطبيب أن لم يكن حاذقاً مستعملاً للأدوية على قدر قوة الطبيعة وضعها كان إفساده أكثر من إصلاحه كذلك الإرشاد بالأدلة إلى الهداية إذا لم يكن على قدر إدراك العقول كان الإفساد للعقائد بالأدلة أكثر من إصلاحها وحينئذ يجب أن لا يكون طريق الإرشاد لكل أحد على وتيرة واحدة فإن الناس تتفاوت بحسب مراتبهم واستعدادهم.فمن آمن بالله وصدق الرسول واعتقد الحق وأضمره واشتغل بعبادة أو صناعة فلا ينبغي أن تحرك عقيدته بتحرير الأدلة فإنه عليه الصلاة والسلام لم يطالب العرب في مخاطبته أياهم بأكثر من التصديق ولم يفرق بين أن يكون ذلك بإيمان وعقد تقليدي أو يقين برهاني وغير المؤمن الجافي الغليظ الضعيف العقل الجامد على التقليد المصر على الباطل لا تنفع معه الحجة والبرهان وإنما ينفع معه السيف والسنان إن كثير من الكفرة أسلم تحت ظلال السيوف ومن استقرأ التاريخ لم يصادف ملحمة بين المسلمين والكفار إلا انكشفت عن جماعة من أهل الكفر مالوا إلى الانقياد. وأما الشاكون الذين فيهم نوع الذكاء ولا تصل عقولهم إلى فهم البرهان العقلي فينبغي أن يتلطف في معالجتهم بما أمكن من الكلام المقنع المقبول عندهم بالأدلة البرهانية لقصور عقولهم عن إدراكها.وأما الفطن الذكي لا يقنعه الكلام الخطابي فتجب المحاجة معه بالدليل القطعي البرهاني فقد تبين أن أقسام الخلق أربعة وكل منهم له مرتبة في طريق الإرشاد يخاطب بحسبها فيما يناسب حالة فلا ينبغي أن يساوي بين الناس بالخطاب بالإرشاد كما هو دأب أهل التعصب الذين نصبوا للناس شرك التزلزل في عقائدهم ونظروا إلى ضعفاء الخصوم بعين التحقير
والازدراء فثارت من بواطنهم دواعي المعاندة والمخالفة ورسخت في نفوسهم الاعتقادات الباطلة حتى عسر على العلماء المتلطفين محوها مع ظهور فسادها.إذا تمهد هذا فعلينا أن نلتزم طريقة سهلة المأخذ جديرة في النفع واضحة البرهان ظاهرة الحجة ونتباعد عنا يشوش عقائد العامة ويدخل عليهم الريب من نشر الشبه والرد عليها إذا لا يلزمنا أن نطيل المشاغبة في اللوازم إلا عند الاقتضاء وقصارى مطلوبنا تقرير الأدلة الإقناعية والقطعية فالأولى للقسم الثالث والثانية للقسم الرابع:
الفقه والفقهاءكلمة في الفقه والفقهاء(من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين) منقبة جليلة، ومأثرة عظيمة، ذكر كريم، ووصف جسيم، اعتناء باهر، وإكرام ظاهر، مجد شامخ، وفضل باذخ، خص به فقهاء الدين وحملة الشرع القويم على لسان أفضل البشر وسيد المرسلين عليه من الله أذكى صلاة وأتم تسليم.نوهت هذه الجملة بفضل المتفقهين وأبانت مركزهم في هذه المجتمع بأنهم خيرته من أفراده، وصفوته من رجاله، وهم (والحق يقال) جديرون بهذه المكانة، حقيقيون بتلك المرتبة لما لهم من الأيادي البيضاء في خدمة الدين بتأسيس قواعده وتشييد مبانيه واستخراج فروعه من أصوله وأحكام أبوابه وفصوله إلى غير ذلك من الأعمال التي دأبوا عليها الأزمنة التي لا تنحصر والأوقات التي لا تعد حتى بينوا محاسن الشريعة كالأنجم الزهر، أو كالغرة في جبين الدهر، فجزاهم الله خيراً.خلفهم خلف (وبئس الخلف هم) غمصوا حقوقهم وغضوا من فضلهم وجاوزوا إلى تزييف آرائهم وإبطال أقوالهم زاعمين أن غالبها لا مأخذ له من كتاب، ولا استناد به إلى سنة، ولا تعويل فيه على إجماع ولا اعتماد به على قياس، لا يوافق المعقول ولا ينطبق على المدنية بل هو خيالات تخيلوها وأكاذيب أفتروها حتى أخذوا يزينون لكل من علت رتبته في العلم أو نزلت أن يستقل بنفسه ويأخذ الأحكام التي تتعلق به من أدلتها ويرمي بأقوال أولئك الأئمة عرض الحائط وهناك والله الطامة الكبرى من محو الشريعة وتفريق الأمة (حمانا الله من ذلك) نقول هذا ولا نرتاب في أن فتح هذا الباب (باب الاجتهاد) وترك أقوال أئمة عظام وجهابذة فخام أحاطوا بالعلوم العربية من جوانبها وعلموا أصول الشرع وقواعده واستظهروا الكتاب وتأويله وحفظوا المائة ألف والمائتين منم أحاديث السنة بأسانيدها وتراجم رجالها وعرفوا الناسخ والمنسوخ ووقائع الأحوال وأسباب النزول مع ذكاء باهر، وفطنة متوقدة، نعتاض عنها بأراجيف من علم من الصرف الثلاثىَّ المجرد ومن النحو الفاعل والمفعول ومن غامض اللغة مادة أو مادتين ومن تفسير الكتاب تفسير آية أو آيتين ومن الأحاديث نزراً تلقفه من الأفواه لم يعلم سنده، ولا حال رجاله، لا أطلاع له على شيء من باقي العلوم إلا ما كان من شعر ينشده ونثر يسرده (وهذه حالة فغالب مدعى العلم في
هذا العصر المؤهلين أنفسهم لهذا الشأن) خرق كبير في الدين، وجناية على الأمة غفرانك اللهم، هذا وأن مجلتنا هذه بما هي معترفة به من العجز ومذعنة فيه من القصور متكلفة بالجواب عما يرد إليها من الأسئلة عن أدلة الأحكام الشرعية التي نقلت عن الأئمة الأربعة أو أحدهم نأتى بها من الكتاب أو السنة أو الإجماع أو القياس مطبقة على المعقول مشيدة على أصول المدنية وبالله التوفيق ومنه المعونة.
اللغة العربيةمجلة الحقائقلا يخفى مسيس الحاجة إلى مزيد العناية بشأن هذه اللغة الشريفة التي اختصت بمزايا ترتاح إليها النفوس الزكية والأحلام الراجحة وحسبها شرفاً مخلداً أنه قد ورد الذكر الحكيم وحديث أفصح من نطق بالضاد وأوتي جوامع الكلم عليه الصلاة والسلام، ولم يزل المولى سبحانه وسعدانه يقيض لهذه اللغة الكريمة من رجال العلم والأدب من يعني بضبط أصولها وفروعها وحفظ قواعدها وشواذها وبيان فصيحها وأفصحها مع التنبيه على ما يطرأ عليها من تحريف أو تصحيف أو تغيير وتبديل حتى بلغت العناية ببعض حفاظها من رجال السلف أنه بينما كان هائماً في بعض القفار هرباً من بأس الحجاج التقفى إذ سمع أحد فصحاء العرب من الثقات الإثبات يقول مات الحجاج ويتمثل بهذين البيتين:لا تضيقن في الأمور فقد تك … شف غماؤها بغير احتيالربما تجزع النفوس من الأم … ر له فرجة كحل العقالفقال ما أدري بأيهما أنا أشد فرحاً أبموت الحجاج الذي تخلصت من شره أم بسماعي هذه الكلمة (فرجه) بالفتح ممن يوثق بكلامه ويعتد به بعد أن طال ترددي فيها والتماسي للوجه الأفصح من هذه الوجوه الثلاثة (فتح الفاء وكسرها وضمها) فتأمل يا رعاك الله هذا التجرب في تلقي الكلمات العربية وقايس بين هذا الاعتناء وبيت التهاون الذي بلغ في زمانناً مبلغاً يقضى بالأسى والأسف ويكاد المرء ييأس معه من تصحيح الأغلاط المتداولة على الألسنة وتنفتح هذه اللغة الكريمة مما شوه وجوه كرائمها وأوشك أن يودي بنضارة محاسنها فترى بعضناً تعرض له الألفاظ العويصة والكلمات التي تستبهم وتستغلق عليه فيقدم على سردها ويلوكها بلسانه غير مبال بضبطها ولا مكترث بتحقيقها وربما كانت معاجم اللغة إلى جانبه وعلى طرق الثمام منه ولا يمنعه منها إلا تكاسله وإلقاؤه الكلام على عواهنه خطأ كان أو صواباً وقد أخذ هذا الداء يفشو وينتشر حتى سري إلى بعض الخواص الذين لا يتنازلون إلى كراجعة قواميس العربية فإذا وقع لأحدهم أشكال في لفظ أو التباس في كلمة طفق يكررها ويعيدها ويعرضها على لسانه كأنها أكلة يذوقها أو لقمة يتطعمها ثم يقول مثلاً الفتح عندي هو الصواب أو الضم أخف وأرشق أو الكسر الطف
وأسلس وما أشبه ذلك مما يدل على دعوى الاجتهاد فيما هو من العلوم النقلية التوقيفية التي لا مجال للعقل فيها وقد كان أبو علي القالي وهو من هو علماً وأدباً وفضلاً إذا استعجمت عليه كلمة فزع إلى كتب اللغة ولم يجسر على الحكم فيها برأيه شأن الموثوق بهم من علماء اللغة وأئمة العربية ومما يحكى عن أبي علي هذا أنه كان يقتني نسخة من الجمهرة بخط مؤلفها أبي بكر بن دريد وكان قد أعطى بها ثلاثمائة مثقال فأبى ولم يقبل ثم اشتدت به الحاجة حتى اضطرته أن يبيعها بأربعين مثقالاً إلا أن الذي اشتراها أعادها له ومعها أربعون ديناراً منحه أياها بباعث الشهامة والمروءة ومكارم الأخلاق حيث رأى عليها بخطه هذه الأبيات:أنست بها عشرين عاماً وبعتها … وقد طال وجدي بعدها وحنينيوما كان ظنى أنني سأبيعها … ولو خلدتني في السجون ديونيولكن لعجزي وافتقاري وصبيةٍ … صغار عليهم تستهل شؤنيفقلت ولم أملك سوابق عبرتي … مقالة مكوي الفوآد حزينلقد تخرج الحاجات يا أم مالك … كرائم من رب بهن ضنينهكذا كان حرص علماء السلف على كتب اللغة ومراجعتها وقد قام اليوم من نوابغ العصر قوم أخذوا يحمون حوزة هذه اللغة ويذبون عنها باسنة أقلامهم وأسلات ألسنتهم فعسى أن تعود بهم إلى سابق عها وسامق مجدها حيث نحظى بطيب نشرها الجميل ونتعزز بها على فهم أسرار الحديث والتنزيل والله المرجو لتحقيق ذلك وعليه التكلان ومنه التوفيق.هذا وقد رأينا أن ننشر في هذه المجلة ما يقتضيه الحال من المباحث اللغوية مفتتحين ذلك بتحقيق معني هاتين الكلمتين (مجلة الحقائق) نقلاً عن أمهات كتب اللغة.(المجلة) بفتح الميم والجيم واللام المشددة بعدها تاء مربوطة. هي الصحيفة تكتب فيها الحكمة وكل كتاب عند العرب مجلة وفي حديث سويد بن الصامت رضي الله عنه أنه قال لرسول الله عليه الصلاة والسلام لعل الذي معك مثل الذي معي قال وما معك قال مجلة لقمان أي كتاب فيه حكمة لقمان وقال ابن الإعرابي أحد أئمة اللغة قلت لإعرابي ما المجلة وكانت في يدي كراسة فقال هي التي في يدك وكان ابن عباس رضي الله عنهما إذا أنشد شعر أمية قال مجلة أبي الصلت قال الراغب ويسمي المصحف محلة وقال النابغة الذبياني:
مجلتهم ذات الآلة ودينهم … قويم فما يرجون غير العواقبأي كتابهم طاعة الآله والمراد أنه مشتمل على طاعة الآلةوقال رجل من بني يربوع بعد أن ذكر داراً قد أندرست وعفت ولم يبق إلا آثار أطلالها.(مثل الكتاب لاح في المجلة)وقد ورد جمع المجلة على مجال بوزن مسرة ومسار ومضرة ومضار والشائع في الاستعمال اليوم مجلات وهو سائغ مطرد في القياس والمجلة قيل معربة وأصلها عبرانية وقيل هي عربية محضة وعلى هذا فهي مفعلة من الجلال بمعنى العظمة والوقار والفخار والرفعة وإنما سميت المجلة كذلك لأن ما يكتب فيها من الحكم والآداب والمواعظ والأحكام ونحوها حقه أن يكون موضع الإجلال والإعظام وأما (الحقائق) فهي جمع الحقيقة على القياس المطرد في جمع كل ما كان وزنه فعيلة على فعائل وهي بمعنى اسم الفاعل أو اسم المفعول من حق الأمر إذا ثبت وتقرر أو من حقه إذا ثبته وقرره وهذا من الأفعال التي تستعمل لازمة ومتعدية ولذلك يقال حق لك أن تفعل كذا وحق لك بالبناء للمعلوم والمجهول والقياس في هذا الفعل ونحوه من ذوات التضعيف أن يكون متعديه من الباب الأول كمد ورد ولازمه من الثاني كخف وعف وصنيع القاموس يقتضي أن كلاً من حق اللازم والمتعدي قد ورد من كلا البابين الأول والثاني وعليه فمجيء لازمه من الأول شاذ في القياس دون الاستعمال ومجيء متعديه من الثاني كذلك وبما تقدم ظهر أن الحقائق بمعنى الأمور الثابتة المتقرره أو المثبتة المقررة ومنه حقيقة الشيء بمعنى ماهيته وما به هو ومنه أيضاً الحقيقة من الألفاظ بمعنى الثابت المستقر على معناه الأصلي الذي وضع له ومنه قولهم فلان حامي الحقيقة بمعنى ما يلزمه الدفاع ويحق عليه حفطه وحياطته قال لبيد:أتيت أبا هند بهند ومالكاً … بأسماَء أني من حماة الحقائقوقال عامر بن الطفيل:لقد علمت هوازن أنني … أنا الفارس الحامي حقيقة جعفروقال أبو المثلم يرثى صخراً الهذلي:أبي الهضيمةِ ناءٍ بالعظيمة مت … لاف الكريمة جلد غيرُ ثنيانحامي الحقيقة نسال الوديقهِ مع … ناق الوسيقة لا تكس ولاواني
فمعني الحقائق في هذه الأبيات ما يحق على الرجل أن يحميه ويحافظ عليه وتاء الحقيقة كتاء علامة ونسابه وفهامة ونحو ذلك وهي للتأنيث اللفظي الذي يراد منه المبالغة في أصل المعنى وحينئذ يكون معنى الحقيقة من الأمور ما ثبت ثبوتاً قطعياً بحيث لا يشك فيه وأصل هذه المادة كلها هو الحق الذي يدحض الباطل ويدفعه نسأل الله سبحانه وتعالى أن يرينا الحق حقاً ويرزقنا أتباعه ويرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه أنه ولي التوفيق والهادي إلى أقوم طريق.
العلماءعلماء الدين في الإسلامما الفخر إلا لأهل العلم أنهم … على الهدى لمن استهدى أدلاءوقد كل أمرئ ما كان يحسنه … والجاهلون لأهل العلم أعداءففز بعلم تعش حياً به أبداً … فالناس موتى وأهل العلم أحياءُالعلماء حياة الشعب وظل الله في الأرض وركن الدولة. وفريق الهدى، وأعضاد الملة، وحضنة الإسلام. قال الله تعالى (أنما يخشى الله من عباده العلماء).حكمة بالغة تعجز أفاضل الكتاب عن أن يلموا باطرافها أو يصوروا بعض معانيها أولو دأبو السنين العديدة. وكتبوا المجلدات الضخمة. تنزيل من رب العالمين.تصور أيها القارئ ما أفادته هذه الآية من تعظيم أمر العلماء وتبين مقامهم المحمود. حصرت خشية الله بهم ومعنى الخشية الرهبة من الله والخوف من عقابه.صفة جليلة إذا تخلق بها الإنسان ائتمر بأوامر الله. وانتهى عن مناهبه. وهناك الخير العظيم. والنفع العميم. ثم أرجع البصر إلى ما الزم الله به عباده. وما فرض عليهم التباعد عنه تجده غاية في الرقيّ. ونهاية في المدنية. وقانوناً كافلاً لسائر أسباب النجاح.لنأت بهذا الرجل الذي خصه الله بخشيته وآتاه الحكمة. وعلمه مما يشاء. ثم لنجله في هذا المجتمع الإنساني مجده هو (والله) حامل تلك الصفات التي يتلمسها علماء العمران. طهارة وجدان. وبراءة ذمة. وأناة وحلم. وأنصاف وعدل. ورفق وإحسان وتباعد من الظلم. واستنكاف من الباطل. ونبذ للرشا. ومحافظة على الحقوق قدر الجهد ونهاية الاستطاعة إلى غير ذلك مما نتصوره من الصفات العالية والأخلاق الفاضلة الكبيرة. وهي كلها على التحقيق فرع لخشية الله والإئتمار بأوامره. اللهم علمنا مدارك التأويل.كان الصدر الأول أيام كان الإسلام يشرف من أعلى قمم المجد ويخضع لسلطانه كل جبار عنيد. ظرفاً لإعزار العلماء ونفوذهم حتى أن الخلفاء كانوا يغشونهم في دورهم لسماع الوعظ وافرشاد كما وقع للرشيد مع ابن عبينة. وكان حكمهم فوق كل حكم. وكلمتهم تعلو كل كلمة. تدنو لهم رقاب الملوك. وتعنو لهم الخاصة والعامة وشواهد هذا في التاريخ كثيرة فقد حكى المؤرخون أن بني أمية لم يكونوا ليقطعوا أمراً إلا برأي علماء المدينة وذكر
الفخري أن الرشيد قد صب الماء على يدي أبي معاوية الضرير وهو يغسل وروى صاحب طبقات الأدباء أن الأمين والمأمون ولدي الرشيد تنازعاً في حمل نعل أستاذهما الفراء وتقديمها له حتى اصطلحا على أن يقدم كل منها واحدة.كذلك كانوا يكرمون العلماء الحقيقيين ويجلونهماستقام الأمر على ذلك مدة مديدة ثم طرأ على مركزهم التزلزل والانحطاط كما طرأ على المسلمين. وكان العامل الأقوى في هذا السقوط انخراط شرذمة من الجهلاء وأهل الأهواء في هذا السلك الشريف. أخذوا يدجلون على العاملة ثم التفوا حول المراء والملوك فجاورهم في أهوائهم وزينوا لهم سيئاتهم وقضوا لهم فيما يشتهون.أضف إلى ذلك ما جرت عليه الأمة من ذلك الحين. وأنها كانت إذا مات العالم وخلفه جاهل أفضت بالأمر إليه وأفرغت الدروس عليه كان العلم عقار أو مال أو متاع، وهكذا أخذ الجهال وظائف العلماء ولم يبق مرغب في العلم ولا داع إليه ولا حامل عليه.فسدت الأخلاق. وراج النفاق. وانقلب العز ذلاً، والعلم جهلاً. وصارت علماء الدين مرمي للسهام. ومشحذة للأقلام. بعدما كانوا في منزلة تقر بها عيون الدين. وتنشرح لها صدور المسلمين عظم الأمر وعم الخطب وبلغ التحامل على العلماء مبلغاً لم يعهد من قبل حتى قام بعض الكتاب ممن أولعوا بالتقليد العمى للغربيين ينددون بالسلطة الدينية. ويطلبون فصل السلطتين الدينية والسياسية. مدّعين أن الدين إذا خالط السياسية أفسدها إلى غير ذلك من المزاعم الباطلة وخزعبلات القول ذلك لأنهم رأوا أن الغربيين ينتقدون السلطة الدينية ويطلبون القضاء عليها لأنهم ذاقوا من تلك السلطة ما أظهر لهم أنها تحول دون رقيهم العقلي فقلدوهم على غير هدى. (وهكذا الأمم المنحطة تتشبه بالأمم الراقية. ولو فيما لا ينطبق على مصالحا) اللهم أرزقنا استقلالاً في الفهم على رسلكم أيها الكتاب لا سلطة في الدين الإسلامي إلا للشرع، أن العالم ليقضى بين الناس ويصدر الفتاوي (هذا حلال وهذا حرام) ويأمر بالمعروف. وينهى عن المكر. ويهذب العامة. ويرشد الخاصة. وهو المرجع في الحيرة والمرجو لدفع الشبه عن المسلمين.لا سلطة ولا تسلط. ولا غفران ولا حرمان إنما هي رتبة خوله إياها العلم. وقضت له فيها الحكمة.
أيها الكاتبون: أن الدين الإسلامي هو دين الشورى دين المدنية، دين الحضارة. هو الدين وحده الذي يصلح أن يكون شريعة دائمة. وهداية عامة للبشر فكونوا يداً واحدة على نشر هذا الدين المبين. والصراط المستقيم. وما نشره إلا بإعزاز علمائه والسعي وراء رقيهم وإيجاد الوسائل لنشر التعليم الديني بين طبقات الأمة ليذوقوا طعم الإسلام وينبذوا من يريد تفريق حكمتهم باسم الدين تارة وباسم الجنس أخرى وليعلموا أن الشريعة الغراء تقضي بالاتحاد والائتلاف. والتكافل والتضامن. لتعيش الناس وادعين آمنين وفق الله الأمة لما فيه صلاحها.