لسان الميزان - ت أبي غدة (ابن حجر العسقلاني)القسم: التراجم والطبقاتالكتاب: لسان الميزانالمؤلف: أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (٧٧٣ - ٨٥٢ هـ)اعتنى به: عبد الفتاح أبو غدة (١٣٣٦ - ١٤١٧ هـ)اعتنى بإخراجه وطباعته: سلمان عبد الفتاح أبو غدةالناشر: مكتب المطبوعات الإسلامية - حلبوقامت بطباعته: دار البشائر الإسلامية - بيروتالطبعة: الأولى، ١٤٢٣ هـ - ٢٠٠٢ معدد الأجزاء: ١٠ (٩ والفهارس)[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]تاريخ النشر في Ramisher: ١ يوليو ٢٠٢٦.
قَالَ الإمَامُ عَليّ بنُ المدينيّ: مَعْرفَة الرِّجَال نِصْفُ العِلْملِسَانُ المِيزَانِلِلإمَامِ الحَافِظ أَحْمَد بْن عَليّ بْن حَجَر العَسْقَلَانيّوُلدَ سَنة ٧٧٣، وتُوفِّي سَنة ٨٥٢رَحمَهُ الله تعَالىاعتَنى بهِ الشّيخُ العَلّامةعبد الفتاح أبو غدَّةوُلِدَ سَنَة ١٣٣٦ وَتُوفِّي سَنَة ١٤١٧رَحمَهُ الله تعالىاعتَنى بإخرَاجِهِ وَطبَاعَتِهسلمان عبْد الفتّاح أبو غدَّةالجزء الثانيمكتبة المطبوعات الإسلامية
كتاب حوى تراجم رواة الحديث بالأصالةوتعرض للقراء والمفسرين والفقهاء والأصوليين والشعراء واللغويين والمتصوفة والمؤرخين
مناجاة كَمْ يا أبي لك من يدٍ … عندي وكَمْ لَكَ مِن أثَرْأَنْتَ الذي ربَّيْتَني … ورَعَيْتَني مُنْذُ الصِّغَرْوَأَفَدْتَني العِلْمَ الَّذِي … هُوَ كَنْزُ مَالِيْ المُدَّخَرْهذي عَوَارِفُكَ الحِسَان … وتِلْكَ أَيْدِيكَ الغُرَرْهِيَ يا أبي دَيْنٌ عَلَيَّ … أَرُدُّهُ عِنْدَ الكِبَرْ ابنُك سَلمان
مقدمة من أقوال العلماء في الحافظ وكتابه١ - الشيخ الحافظ، المحدِّث المُتْقن المحقِّق.[الإمام سراج الدِّين البُلْقيني (ت ٨٠٥)] ٢ - الشيخ الإمام العالِم، الكامل الفاضل، المحدِّث المُفيد المُجيد، الحافظ المتقن الرَّحَّال، الضَّابط الثِّقة المأمون، جَمَع الرُّواةَ والشُّيوخَ، وميَّز بين الناسخ والمنسوخ، وجمع الموافقات والأبدال، وميَّز بين الثِّقات والضعفاء من الرجال، وأفرط بجدِّه الحثيث، حتى انخرط في سلك أهل الحديث، وحصَّل في الزَّمن اليسير، على علم غزير.[الإمام الحافظ العراقيّ (ت ٨٠٦)] ٣ - وهذا الكتابُ اختصر فيه "الميزان" للذَّهبي، وزاد عليه زيادات في أثناء التراجم، وزيادات بتراجم مُستقلَّة، وهو كتابٌ بديعٌ.[الإمام الحافظ المؤرِّخ التقى الفاسيّ (ت ٨٣٢)] ٤ - حَضَرتُ على العماد ابن كثير، وعلى غيره من شيوخ الحافظ العراقيِّ، فلم أر فيهم أحفظ من ابن حجر.[الإمام المقرئ ابن الجزريّ (ت ٨٣٣)] ٥ - وهذا الرَّجل في غاية ما يكونُ من استحضار الرِّجال والكلام فيهم، وله مؤلَّفاتٌ كثيرةٌ في تراجمهم، وله كتاب "لسان الميزان" كتابٌ حَسَنٌ فيه فوائدُ، وأما الحديث فله معرفةٌ تامةٌ برجاله المتقدِّمين والمتأخِّرين، لا أستحضرُ أنِّي رأيت مثلَه في معرفة رجاله المتقدِّم والمتأخِّر، والله أعلم.[الإمام سبط ابن العجمي (ت ٨٤١)]
٦ - الإمامُ العلَّامة الحافظ، فريدةُ الوقت، مَفخرةُ الزمان، بقيَّة الحفاظ، عَلَم الأئمَّة الأعلام، عُمدة المحقِّقين، وخاتمة الحفَّاظ المبرِّزين، والقُضاة المشهورين.كان في حال طلبه مفيدًا في زِيّ مُستفيد، إلى أن انفرد في المشبوبيَّة بين علماء زمانه بمعرفة فنون الحديث، لا سيَّما رجاله وما يتعلَّق بهم، فألَّف التواليف المفيدة، المليحة الجليلة السَّائرة، الشَّاهدة له بكلِّ فضيلة، الدَّالة على غزارة فوائده، والمُعْربة عن حُسن مقاصده، جمع فيها فأوعى، وفاق أقرانه جنسًا ونوعًا، التي شنَّفت بسماعها الأسماع، وانعقد على كمالها لسان الإجماع، ورُزق فيها الحظَّ السَّامي عن اللَّمس، وسارتْ بها الركبان سيرَ الشمس، وهو حافظٌ محقِّق، متين الدِّيانة، حَسَنُ الأخلاق، لطيف المحاضرة، حَسَنُ التعبير، عديمُ النظير.[الحافظ المؤرِّخ التقيّ ابن فهد (ت ٨٧١)] ٧ - فريدُ زمانه، وحامل لواء السُّنَّة في أوانه، ذهبيُّ هذا العصر ونُضارُه، وجوهره الذي ثبت به على كثير من الأعصار فَخَارُه، إمام هذا الفن للمقتدين، ومقدَّم عساكر المحدِّثين، وعُمدة الوجود في التوهية والتصحيح، وأعظمُ الشُّهود والحكَّام في بابَي التعديل والتجريح.[الحافظ المتفنِّن السيوطي (ت ٩١١)] ٨ - الحافظ الكبير الشهير، الإمام المنفرد بمعرفة الحديث وعِلَلِه في الأزمنة المتأخّرة، شَهِد له بالحفظ والإتقان القريبُ والبعيدُ، والعدوُّ والصَّديق، حتى صار إطلاقُ لفظ (الحافظ) عليه كلمةَ إجماع، رَحَل الطَّلَبَة إليه من الأقطار وطارت مؤلَّفاته في حياته.[العلَّامة الشوكانيّ (ت ١٢٥٠)]
تقدمة القائم على طبع الكتاب:بسم الله الرحمن الرحيمالحمد لله الحيّ القيُّوم الذي تفرّد بالبقاء، والصلاة والسلام على سيّدنا ونبيّنا محمد أفضل الأنبياء، وعلى آله وصحبه الأخيار الأطهار الأمناء، وعلى من تبعهم بإيمان وإحسان إلى يوم اللقاء، أما بعد:-فهذا كتاب "لسان الميزان " للحافظ الجِهْبِذ الشهير، والإمام الناقد النِّحرير، شيخ الإسلام أحمد بن عليّ بن محمد بن حجر العسقلانيّ المتوفى سنة ٨٥٢، رحمه الله وقدّس روحه(١): الذي كان إخراجه أملًا قديمًا في فؤاد سيّدي العلّامة الوالد رحمه الله تعالى، يلهجُ بذكره وتحقيقه، ويسعى لخدمته وتدقيقه، سعيًا دؤوبًا دائمًا، يستسهل في ذلك الصعاب، ويسترخص الغالي والعزيز(٢)، ويسابق الزمن والأجل، جاهدًا وراغبًا في إخراجه على الشكل(١) تقدمت طائفة من ثناء فحول العلماء عليه، لكن اعلم أن كلمتي الإمام البُلقيني والحافظ العراقي العاليتين الغاليتين صدرتا منهما والحافظ في شبابه (في حدود الثلاثين من عمره)! اللهم لا تحرمنا أجرهم! ولا تفتنا بعدهم! واغفر لنا ولهم! يا رحمن يا رحيم.(٢) أذكر من ذلك قوله لي، وهو طريح الفراش في مستشفى العيون، بشأن إحضار نسخة ابن قمر التي هي مسوَّدة الحافظ ابن حجر للكتاب: لا تهتم بأمر التكلفة، فإنه ينبغي إحضارها مهما كلفت، وتعدُّد سؤاله- وهو على فراش الموت- عن وصول تجارب الكتاب، أملًا منه أن يقوم بالإشراف على تصحيحه، وأن ينظر فيه النظرة الأخيرة، كما هي عادته في كتبه رحمه الله وغفر له.
اللائق بالكتاب، والميَسَّر لطلّاب العلم والباحثين.وأحمد الله عز وجل أنه لم يغادر هذه الدنيا الفانية الزائلة، إلَّا وقد متَّع ناظريه، وكحّل عينيه برؤية هذا السِّفْر الضخم العظيم مكتملًا ماثلًا للطبع.وأحمده سبحانه أن مكَّنه وأكرمه -وهو في مرضه وآلامه- من أن ينظر فيه نظرةً أولى ويهيّئه للطبع، ففارق الحياة وهو قرير العين إذ أنجز هذا العمل الضخم، وحقّق ذلك الأمل القديم، خدمةً لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورجاءَ دعوة صالحة ممن ينتفع به، إلى أن يرث الله الأرض ومَنْ عليها(١).فاللهم أنزل على قبره الضياء والنور والفسحة والسرور، وأمطر جَدَثه بسحائب رحماتك ورضوانك وعفوك وغفرانك، وتقبّل منه عمله هذا وسائر أعماله، وعظِّمها له كما يليق بجلالك وعظمتك وكرمك! سبحانك لا نحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك!وبعد وفاة والدي رحمه الله وجدت نفسي أمام مجموعة من الكتب معلقة في المطبعة تنتظر الإخراج والنظر والتنقيح، فضلًا عما لم يدفع للطبع.وكان واسطة العقد فيها هذا الكتابَ الضخم الفخم، المبسوط الموسوعي، مضافًا إليه رسالتي التي أحضِّرها لنيل درجة الماجستير في الحديث الشريف(٢)، التي كنت تأخرت فيها قليلًا بسبب مرض الوالد ووفاته وانشغالي(١) تأمل- رحمك الله- أنه كتب مقدمته قبل عشرين يومًا من وفاته! فهي كتابة من كان يعاني الآلام ويتحرَّق على كتابة كلمة أو سطر زيادة في خدمة هذا الكتاب!(٢) وعنوانها: "الكامل في ضعفاء الرجال" للحافظ ابن عدي الجرحاني (٢٧٧ - ٣٦٥) من أول ترجمة عبد الله بن معاذ الصنعاني إلى آخر ترجمة عبد الرحمن بن سعد المُقْعَد- تحقيق ودراسة. =
معه، فسألت الله العون والتوفيق، وشمّرت عن ساعد الجد والتحقيق، وصرت أقتنص أوقات فراغي في أثناء عملي بالرسالة، فأعمل فيه، قراءة وتنقيحًا وَتصحيحًا، حتى فرغت من رسالتي فتوجهت إليه بالكلية.وكان من منهج الوالد رحمه الله في إخراج الكتاب قراءتُه مرتين على الأقل، فلذا قمت بإعادة قراءته وتصحيح ما وقفت عليه من أخطاء مطبعية لم تكن لتفوت الوالد رحمه الله لولا مرضه الشديد وضعف بصره في آخر أيامه.ودأبت عليه نهارَ مساءَ متفرغًا له، قرابة سنتين، حتى انتهيت منه، والله يعلم كم تعبت وبذلت فيه من جهد ووقت، وكم سهرت عليه من ليالٍ، وواصلت فيه من أيام، مع كثرة الصوارف والعوالق، ودوام الإلحاح والطلب والاستحثاث من المحبين على سرعة إخراجه(١).لا يعرِف الشوقَ إلا من يُكَابِدُه … ولا الصبابةَ إلَّا من يقاسيها!وقد قمت بمقابلة الكتاب مرة ثانية بمخطوطة الأصل، للاطمئنان على صحة النص، وحرصت أن أدقق في خدمته وتصحيحه على النقطة والفاصلة، رغبةً وأملًا في خروج الكتاب على نحوٍ تقرُّ به عين الوالد رحمه الله، وأسأل الله أن أكون قد وفّقت لإخراجه كما كان يأمل هو، وكما يرتضيه الحافظ ابن حجر قدّس الله روحه، وكما يستحقه هذا الكتاب العجاب، إخراجًا تطيب وتنشرح به صدور أهل الحديث، وتقرّ به أعين العلماء والطلبة، وما ذكرت ذلك إلَّا رغبة في دعوة بظهر الغيب -ولو مرة واحدة- من المنتفعين به، والله يجزي المتصدقين.= وقد تمت مناقشتها وإجازتها بدرجة ممتاز بفضل الله تعالى في ١/ ١٢/ ١٤٢٠ هـ- ٢٨/ ٤/ ١٩٩٩ م من كلية أصول الدين بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض.(١) أذكر منهم: ريحانة الحجاز فقيد مكة المكرمة سيدي الشيخ العالم النقي الصفي الشريف الهاشمي المكي منصور بن عَوْن العَبْدَلي، المولود سنة ١٣٦٥ والمتوفى سنة ١٤١٩، والمدفون في البقيع الشريف قدّس الله روحه.
وأشير إلى أن الوالد غمر الله قبره بالرحمة والمغفرة جعل جُلَّ همّه في خدمته لهذا الكتاب: ضبطَ النص وإخراجه سليمًا محررًا، دون التوسع في التعليق، من تتبع الأحاديث وتخريجها وبيان مراتبها، أو الترجمة للأعلام المذكورين في أثناء التراجم، أو تحرير حال الرواة المترجمين ودراستهم بشكل مفصَّل، أو استيعاب الأقوال فيهم، أو الاستدراك على الحافظ ما فاته ونحو ذلك.وإن كان وقع له شيء من ذلك فهو قليل ونادر، والنادر لا حكم له، ولذلك أمرني رحمه الله أن أكتب على الغلاف: (اعتنى به) لا (حققه)، وكان يقول: هذا الكتاب يمكن أن يخدم على ثلاثة أوجه (درجات)، وخِدْمَتُه له كانت على نهج الإيجاز لا البسط أو التوسط.كما أشير إلى أنه رحمه الله اعتنى بشكل المُشْكِل، وما تركه منه غير مشكول فهو مما لم يقف على ضبطه.كما أودُّ أن أشير إلى أن هذا الكتاب المكنوز المليء بالفوائد والفرائد يحتاج لفهارس موسعة تخدمه وتُظهر درره المكنونة، وقد أراد الوالد رحمه الله تعالى القيام بتلك الفهارس، وأشار إلى ذلك في آخر تقدمته إلَّا أن المنية اخترمته دون أن يفعل شيئًا من ذلك، وقد قمت -بعون الله- بإعدادها وإخراجها، راجيًا من الله التوفيق والسداد، ومن المنتفعين بها صالح الدعاء.ولقد كانت حياة سيدي العلامة الوالد رحمه الله حَلْقة متقنة من العلم والعمل والدعوة والأدب والبحث والتحقيق والتأليف، وأسأل الله العلي القدير أن يوفقني ويسددني لإخراج ما بقي من كتبه المؤلفة أو المحققة مما أنجزه قبل وفاته، وعاجله الأجل قبل إخراجه.
وقد أثبتُّ بعد هذه المقدمة ترجمة موجزة للوالد طيّب الله ثراه، مرجئًا التوسُّع في ترجمته إلى كتاب مستقل أخرجه عنه إن شاء الله تعالى.وفي الختام أسأل الله أن يتقبل خير قبول من مؤلف الكتاب الحافظ ابن حجر ومن والدي رحمهما الله تعالى ومن العبد الضعيف هذا الجهد، وأن يجزي خير جزاء من ساعد في إخراج هذا الكتاب وأعان عليه، وأخص بالذكر منهم أخي الكبير الأستاذ محمد زاهد، وأخي الكريم الطبيب أيمن أكرمهما الله بالرضا والقبول، وفتح عليهما أبواب العلم والخير، وصرف عنهما أبواب السوء والشر.اللهم انفعني وارفعني بالقرآن العظيم، ووفقني لاتّباع نهجك القويم وسنة نبيك الكريم، واحشرني مع الأنبياء والعلماء والصالحين، وما توفيقي إلَّا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا وقرة أعيننا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، والحمد لله رب العالمين.وكتبهطالب العلم الفقير إليه تعالىسلمان بن عبد الفتاح أبو غدةالرياض ٥ ربيع الأول سنة ١٤٢٠(١)(١) كنت أنهيت قراءة الكتاب وكتابة مقدمته في هذا التاريخ، ثم أنهيت الفهارس في غرة رجب ١٤٢١ كما هو مذكور في آخرها. ثم ضاعت التصحيحات الأخيرة المرسلة إلى المطبعة لأمر يريده الله! وشغلت عن إعادتها فتعطل الكتاب نحو ستة شهور، حتى منَّ الله بإعادة استخراجها وتنفيذها، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات ١٣٠/ جمادى الأولى/ ١٤٢٢.
ترجمة المعتني بالكتاب: الشيخ عبد الفتاح أبو غدة بقلم ابنه سلمانمضى (والدي) حينَ لم يبقَ مشرقٌ … ولا مغربٌ إلَّا له فيه مادحُوما كنتُ أدري ما فواضلُ عِلْمِهِ … على الناسِ حتى غيَّبَته الصفائحُفأصبح في لحدٍ من الأرض ميِّتًا … وكانت به حيًا تضيقُ الصحاصحُسأبكيك ما فاضت دموعي فإِنْ تَغِضْ … فَحسبُك منِّي ما تُجِنُّ الجوانحُفما أنا من رزءٍ وإن جَلَّ جازعٌ … ولا بسرورٍ بعدَ موتِكَ فارحُكأَنْ لَمْ يمت حَيٌّ سواك ولم تَقُمْ … على أحدٍ إلَّا عليك النوائحُلئنْ حَسُنَتْ فيكَ المراثي وذكرُها … لقد حسُنَتْ من قبلُ فيك المدائحُ(١) * اسمه وكنيته ونسبه ونسبته:هو أبو زاهد وأبو الفتوح عبدُ الفتاح بنُ محمدِ بنِ بشيرِ بنِ حسنِ أبو غدة، الحلبيُّ بلدًا، الحنفي مذهبًا، القرشي المخزومي الخالدي نسبًا، المنسوب إلى سيدِنا خالد بن الوليد المخزومي رضي الله عنه ونفعنا بحبه، والسير على نهجه ودربه. وذلك كما جاء في شجرة النسب التي تحفظ نسب الأسرة، وكما سمعته منه مرارًا وتكرارًا. * ميلاده:وُلد رحمه الله في منتصف رجب عام ١٣٣٦ هـ، الموافق ١٩١٧ م، كما سمع من والدته رحمهما الله تعالى، وذلك بمدينة حلب الشَّهْبَاء.(١) الأبيات للأشجع بن عمرو السُّلمي بتصرف يسير، كما في "الحماسة" لأبي تمام ١: ٤١٣.
* أسرته:كانت أسرتُه متوسطة الحال، ذاتَ بُروزٍ في محيطها.وكان والده وجده رحمهم الله تعالى يحترفان التجارة بصنع المنسوجات الغَزْلِيَّة، التي كانت تسمَّى (الصَّايَات) وهي قماشٌ ينسج بالنَّوْل اليدوي، تارة لُحْمَتُه وسَدَاه غَزْل، وتارة لحمته وسداه حرير.وكانت منتوجاتُهما أعلى المنتوجات جودةً وإتقانًا ورونقًا ومتانة، فكانت تُطْلب من السوق بعينها لذاتها، ويُصدَّر منها المئات إلى تركيا في الأناضول، فكان أهل بر الأناضول رجالًا ونساءً يلبسون منها.كان والدُه وجدُّه يتَّجران بهذه الصناعة والتجارة، وكانا يعدان من أهل اليسر المحدود لا الغنى الطافح المشهود، وكانا من أهل السِّتر والعفاف وأهل التمسك بالدين وشعائره والمواظبة على الذكر وقراءة القرآن، ونَشَّأوا أبناءهم على ذلك، فجزاهم الله عنهم خير الجزاء.وبعد كساد صناعة (الصَّايَات) بسبب تحول اللباس عند الأتراك من الثياب إلى (البدلة) الإفرنجية، تحوَّل والده إلى متجر في سوق الزَّهْر بحلب المتفرع من شارع بَانْقُوسَا، كان يبيع فيه الأقمشة المختلفة مما يلبسه أهل الريف الحلبي.ومن الطريف أنه يوم وُلد والدي رحمه الله باعا (جده ووالده) ألفَ صَايَة (دَرْجَة) ففرحا كثيرًا. وأطلقا على المولود اسم عبد الفتاح لما فتح الله عليهما به يوم مولده.وقد كان أساس سُكنى العائلة بحي الجُبَيْلَة، وقد كانت هناك أرض عليها دارٌ متواضعةٌ، وهي بالأصل لآل غدة وبعض أقاربهم وِرْثَة، فأخذ جده بشير - وقد كان من الوجهاء العقلاء الفصحاء النبلاء الفطنين الرزينين- هذه الأرضَ
مراضاةً، حيث أتى بكاتب شرعي من المحاكم الشرعية، وبعضِ الوجهاءِ، ثم دعا من له حصة في هذه الأرض، وأعطاهم ما طلبوا حتى أرضاهم واستملك الأرض، ثم جَدَّد هذا البيت وعَمَره عِمَارة جميلة، فأصبح فيه سبعُ غُرَف وأربعةُ أَقْبَاء (جمع قبو وهو الغرفة التي تكون تحت مستوى الأرض)، وكان واسعًا رحبًا جميلًا حتى إن بعض الناس كان يقيم الأعراس فيه لجماله ورحابته، وقد أدرك والدي عملية التملك هذه وهو بين ٦ - ٨ سنين.وقد قال والدي عن جده بشير: إنه كان أبعد نظرًا من ابنه محمد.وقد توفي جده عن قرابة ٨٥ سنة، وكان عمر والدي قرابةَ عشرين سنة، وكان برًا بجده يحمله إلى حيث يريد بعدما أُقعد، ولما توفي كان والدي في مبدأ طلبه العلم، وقد طلب والدي العلم متأخرًا وعمره ١٩ سنة تقريبًا.وتوفي والده رحمهم الله جميعًا ليلة الامتحان وهو في المدرسة الخُسْرُوية قبل ذهابه إلى الأزهر بسنتين، وعمره قرابة ٢٥ سنة، أي سنة ١٣٦١ هـ- ١٩٤٢ م.وكان لجدي رحمه الله خمسة أولاد: ثلاثة أبناء وابنتان، فأما الأبناء فهم: عبد الكريم وهو أكبرهم وكان ممن قاوم الفرنسيين ودوَّخهم، ومن أولاده الدكتور عبد الستار له مؤلفات ومشاركات في العلم الشرعي، وبخاصة في قضايا المعاملات والبنوك الإسلامية.وعبد الغني ومن أولاده الدكتور حسن صاحب كتاب "أحكام السجن ومعاملة السجناء في الإسلام" أول مؤلف في هذا الباب، وغيره من الكتب.ووالدي رحمهم الله جميعًا.وأما البنات فهما شريفة وزوجها الحاج محمد سالم بيرقدار رحمه الله، ونَعِيْمَة وزوجها الحاج علي خيَّاطة متعهم الله بالصحة والعافية.
* نشأته وتحصيله العلمي:نشأ والدي في حِجْر والده الذي كان كثير تلاوة القرآن والمحافظة على قراءته في المصحف، والمحب للعلماء المتقصد لحضور مجالسهم ودروسهم، والاقتباس من علمهم وإرشادهم.ثم لما دخل في السنة الثامنة من العمر أدخله جده رحمه الله المدرسة العربية الإسلامية الخاصة، وكانت ذات تكاليف وأقساط مرتفعة، كما كانت ذات سمت عال، وإدارة حازمة، ومتانة في التعليم والأخلاق، فكان لا يدخلها إلَّا عِلْية القوم، ووجهاؤهم.فدرَس فيها من الصف الأول حتى الرابع دراسة حسنة، وتعلّم فيها ما محا منه الأمية، وأكسبه صحة القراءة والكتابة مع ضعف الخط عنده.وكان لحسن قراءته وسدادها الفِطْري يدعوه كبارُ أهل الحي ووجهاؤه إلى سهراتهم الأسبوعية الدورية ليقرأ لهم من كتاب "تاريخ فتوح الشام" المنسوب للواقدي وغيره من الكتب التي كان الناس يسمرون على قراءتها، فحظي بصحبة الكبار الوجهاء والنخبة العقلاء الفضلاء، وهو في سن العاشرة وما بعدها، يعد من صغار أولاد الحي.فكان يجلس في مجلس سَمَر كبارهم لحسن قراءته وخِفَّة ظِلِّه (لصغر سنه)، ورفعة مقام جده ووالده في الحي.وبعدما ترك المدرسة توجّه إلى تعلُّم الخط الحسن، فدخل مدرسة الشيخ محمد علي الخطيب بحلب، وكان شيخًا صاحب مدرسة خاصة تُعَلِّم القرآن والفقه وحُسن الخط فقط، فتحسَّن خطه بعض الشيء، لكنه لم يصبر على الاستمرار في تعلم تحسين الخط طويلًا، فترك المدرسة بعد أشهر.فرأى جدُّه ووالدُه -وكان قد صَلُب عوده- أن يتعلم حِرْفَةً أو صَنْعَةً،