بسم الله الرحمن الرحيمإن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا، أما بعد:فإن من أكبر أسباب هلاك ابن آدم ومحادته لربه وخالقه تسلط عدو الله إبليس عليه، ومكره الذي توعد به هذا المخلوق، كما قال الله تعالى عنه: {قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١٦) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ} [الأعراف: ١٦ - ١٧].وقد كان من دأب العلماء والوعاظ التحذير من مكائد إبليس وصنوف غروره، وكان أول ما ألف بهذا الشمول كتاب "تلبيس إبليس" للإمام ابن الجوزي رحمه الله المتوفى ٥٩٧ هـ، ولما اعترى طبعاته المختلفة من نقص وتحريف حرصنا على تحقيقه ودراسته في أطروحتنا للدكتوراه.وهذه الطبعة في أصلها أطروحتان لنيل درجة الدكتوراه في العقيدة والمذاهب المعاصرة:الأطروحة الأولى: أ. د. أحمد بن عثمان المزيد، وتبدأ من أول الكتاب إلى "فصل في ذكر أحاديث تبين خطأهم في أفعالهم" من الباب العاشر (ص ٥٢٧).والأطروحة الثانية: أ. د. علي بن عمر السحيباني، تبدأ من "ذكر تلبيس إبليس على الصوفية في الرقص والسماع والوجد" من الباب العاشر، إلى الباب الثالث عشر نهاية الكتاب.
وأما قسم الدراسة فقد اختير من أطروحة أ. د. أحمد المزيد، ويشتمل على ثلاثة فصول مختصرة: ترجمة المؤلف، عقيدته، التعريف بالكتاب. ويجدر التنبيه إلى أن الفصل الثاني (عقيدة المؤلف) أوردناه كما هو في الأصل دون اختصار؛ نظرًا لأهميته.كما اختصرَتْ هذه الطبعةُ كثيرًا من حواشي الأطروحتين، إلا التعليقات العقدية فأبقيناها كما هي في أصلها، فأوجزنا في التخريج والتوثيق والاستشهاد غاية الإيجاز، وحذفنا جلّ التراجم وفروق النسخ والتعليقات غير العقدية.وقد طُبعت أطروحة أ. د. أحمد بن عثمان المزيد من قبل كاملة في ثلاثة مجلدات، والأطروحتان متوافرتان على الشبكة العنكبوتية لمن أراد الوقوف على الحواشي وقسم الدراسة كاملا.
المقدمةوفيها ثلاثة فصول:الفصل الأول: ترجمة المؤلفالفصل الثاني: عقيدتهالمبحث الأوّل: منهجه العام في العقيدةالمبحث الثاني: عقيدته في التوحيدالمبحث الثالث: عقيدته في الإيمانالمبحث الرابع: موقفه من الفِرقالفصل الثالث: التعريف بالكتابالمبحث الأول: اسم الكتاب ونسبته للمؤلفالمبحث الثاني: مصادر المؤلف ومنهجه في الكتابالمبحث الثالث: قيمة الكتاب العلميةالمبحث الرابع: وصف النسخ الخطية
الفصل الأول: ترجمة المؤلفهو أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد بن علي بن عبيد الله بن عبد الله بن حُمَّادي -بضم الحاء المهملة وتشديد الميم وفتحها- بن أحمد بن محمد بن جعفر الجوزي. ولد ابن الجوزي بدرب حبيب في بغداد(١)، واختلف في تاريخ ولادته. فقيل: سنة ثمان وخمسمائة، وقيل: سنة تسع وخمسمائة، وقيل: سنة عشر وخمسمائة، أو قبلها.نشأ ابن الجوزي رحمه الله يتيمًا في بيت عريق، وأسرة كريمة، وتوفي والده وله من العمر ثلاث سنوات(٢)، وكان والده موسرًا فخلَّف له مالًا يستعين به في حياته.وكفلته بعد ذلك أمه، ثم قامت عمته بتربيته، وحملته إلى خاله أبي الفضل محمد بن ناصر الذي حمله إلى الشيوخ فأسمعه المسند وغيره من الكتب الكبار.وكان حريصًا على انتقاء الشيوخ الكبار والإفادة منهم، ولم يرحل ابن الجوزي رحمه الله في طلب العلم، بل اكتفى بما حصل عليه من علماء ومشايخ بغداد ومن وفد عليها، ولا يخفى أن بغداد آنذاك كانت عاصمة العلم والعلماء، ونقطة التقائهم وتنقلهم بين البلدان، بالإضافة إلى ما وقع له من كتب كثيرة سمعها من مشايخه الكبار بالأسانيد المتصلة.تعرّض ابن الجوزي رحمه الله في آخر حياته لمحنة عظيمة أوردها معظم من ترجم له، وذلك أنه وُشي به إلى الخليفة الناصر بأمر اختلف في حقيقته، فشفعت له أم الخليفة الناصر لدين الله لدى الخليفة، فأطلق سراحه، وعاد إلى بغداد.(١) مرآة الزمان (٨/ ٤٨١)، الذيل على طبقات الحنابلة (١/ ٤٠٠).(٢) الذيل على طبقات الحنابلة (١/ ٤٠٠).
ولم تطل حياة ابن الجوزي بعد خروجه من سجنه بواسط ورجوعه إلى بغداد، فقد توفي ليلة الجمعة بعد المغرب، في الثاني عشر من شهر رمضان المبارك، سنة سبع وتسعين وخمسمائة (٥٩٧ هـ)، بالجانب الغربي من مدينة السلام، بدار له قريبة من قبر معروف الكرخي، وله من العمر سبع وثمانون سنة تقريبًا.قال ابن خلكان: "كان علّامة عصره، وإمام وقته في الحديث، وصناعة الوعظ، وصنّف في فنون عديدة"(١).وقال الذهبي: "الواعظ المتفنن، صاحب التصانيف الكثيرة الشهيرة في أنواع العلم، من التفسير والحديث والفقه والوعظ والأخبار والتاريخ وغير ذلك … وعظ من صغره، وفاق فيه الأقران، ونظم الشعر المليح، وكتب بخطه ما لا يوصف، ورأى من القبول والاحترام ما لا مزيد عليه"(٢).وقال ابن رجب الحنبلي: "الحافظ المفسر، الفقيه الواعظ، الأديب جمال الدين أبو الفرج، المعروف بابن الجوزي، شيخ وقته، وإمام عصره"(٣).من مؤلفاته: أحكام النساء، أخبار الظراف والمتماجنين، الأذكياء، البر والصلة، بستان الواعظين ورياض السامعين، تبصرة المبتدئ وتذكرة المنتهي، تلقيح فهوم أهل الأثر، ذم الهوى، زاد المسير في علم التفسير، صيد الخاطر، العلل المتناهية في الأحاديث الواهية، غريب الحديث، فنون الأفنان في عيون علوم القرآن، كتاب الحمقى والمغفلين، كتاب الضعفاء والمتروكين، كتاب القصاص والمذكرين، المنتظم في تاريخ الملوك والأمم، الموضوعات من الأحاديث المرفوعات، نزهة الأديب.(١) وفيات الأعيان (٣/ ١٤٠).(٢) العبر للذهبي (٣/ ١٨٠ - ١١٩).(٣) الذيل على طبقات الحنابلة (١/ ٣٩٩).
الفصل الثاني: عقيدتهالمبحث الأول: منهجه العام في العقيدةلما كان موضوع عقيدة الحافظ ابن الجوزي رحمه الله من الموضوعات الشائكة؛ نظرًا لمكانته العلمية من جهة، ونظرًا لما صدر عنه من مخالفة لمنهج السلف في تقرير بعض المسائل العقدية -فإنه يتحتم عليَّ الرجوع إلى أقوال الرجل المثبتة في كتبه التي تعتبر هي المصادر الأصلية لهذه الدراسة؛ ليكون الكلام على عقيدته بالعدل والإنصاف. خلاصة في عقيدة ابن الجوزي عمومًا:وبعد اطّلاعي على عدد كبير من مؤلفات الشيخ رحمه الله المطبوعة والمتيسر من مخطوطاته في العقيدة، فإني خلصتُ إلى نتيجة وقناعة أن الشيخ رحمه الله موافق لأهل السنة عمومًا، عدا في مسألتين هما: مسألة الصفات الإلهية، ومسألة التبرك بالقبور؛ فإنه جانب الصواب فيهما، بل هو في المسألة الأولى مضطرب لم يثبت على رأي واحد، فهو تارة يقول بالإثبات، وتارة يقول بالتفويض، وأخرى بالتأويل، وقد بينتُ هذا بصورة تفصيلية في موضعه. انتساب ابن الجوزي:إن ما وقع فيه ابن الجوزي رحمه الله من أخطاء عقدية هي -في نظري- زلة عالم، لا يتّبع عليها، ولا يُقتدى به فيها، غير أن هذه الأخطاء لم تصدر عنه من واقع انتساب إلى مذهب بدعي أو فرقة ضالة، بل ابتلي بذلك بسبب تقليده لبعض العلماء كابن عقيل وغيره، زيادة على أن الخطأ من سمات البشر، والعصمة للأنبياء؛ لذلك لا ندّعي العصمة لابن الجوزيء رحمه الله، وما وقع منه من خطأكان سببه الغلوّ الذي كان من بعضهم في الإثبات، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "وقع الاعتداء في
النفي والإثبات في الحنابلة مما دبَّ إليهم من غيرهم الذين اعتدوا حدود الله بزيادة في النفي والإثبات"(١).وهذه بعض الملامح العامة لمنهج الإمام ابن الجوزي في التلقي والاستدلال على العقيدة، وبعد ذلك يكون الحكم للأغلب، ويُحمل الخطأ على القصور البشري وتأثير الشيوِخ على التلاميذ سلبًا وإيجابًا، والله يعفو عن الجمع بمنّه وكرمه.١ - حثَّه على لزوم السنة واجتناب البدعة.٢ - ذمُّه للكلام وأهله(٢).٣ - تعظيمه للنقل.٤ - الإيمان بكل ما نُخبر به عن الصادق المصدوق.٥ - التسليم وترك التأويل(٣).والخلاصة هي ما فصَّل فيه الحكم بالحق والعدل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله إذ قال: "إن أبا الفرج -يعني ابن الجوزي- نفسه متناقض في هذا الباب، لم يثبت على قدم النفي ولا على قدم الإثبات؛ بل له كلام في الإثبات نظمًا ونثرًا ما أثبت به كثيرًا من الصفات التي أنكرها في هذا المصنَّف(٤). فهو في هذا الباب مثل كثير من الخائضين في هذا الباب من أنواع الناس، يثبتون تارة وينفون أخرى في مواضع كثيرة من الصفات، كما هو حال أبي الوفاء ابن عقيل وأبي حامد الغزالي"(٥).(١) مجموع الفتاوى (٤/ ١٧٠).(٢) قد يقول قائل: إن ابن الجوزي رحمه الله قد خاض في بعض الكلام. والجواب عن هذا أنه كان يرى استعمال ذلك الأسلوب من العالم العارف بمزالق الكلام يسوغ ويجوز للحاجة، من باب الردّ على أهل الاصطلاح باصطلاحهم، ولم يجعله منهجًا مطّردًا، وطريقة متبعة. انظر: أبو الفرج ابن الجوزي آراؤه الكلامية والأخلاقية للدكتورة آمنة نصير (ص ٥٥، ٥٦).(٣) غير أن الشيخ ابن الجوزي رحمه الله خرم هذه القاعدة، واستعمل التأويل في توجيه جملة من نصوص الصفات. وهذا المسلك خطأ من الشيخ رحمه الله؛ ولهذا ردّ عليه كثير من العلماء في عصره وبعده.(٤) يعني كتاب "دفع شبه التشبيه".(٥) مجموع الفتاوى (٤/ ١٦٩).
المبحث الثاني: عقيدته في التوحيدالمطلب الأول: توحيد الربوبيةاهتم ابن الجوزي رحمه الله بهذا القسم من التوحيد، وساق لإثباته أنواعًا عديدة من الأدلة، إما تقريرًا له أو ردًّا على شبه الملحدين، من دهرية وطبائعيين.وكان سلاحه في ذلك الجهاد العظيم آيات القرآن العظيم التي عوّل عليها متأمِّلًا فمفسِّرًا، كما كان يحث دائمًا على استعمال نعمة العقل للتدبّر والتفكر والاستدلال على وجود الباري تعالى، وأنّه تعالى المتفرّد بالخلق والتدبير، وفي مقابل ذلك ينفي أن يكون الحسُّ أداةً صالحة للتعرّف على وجود الله تعالى، حتى قال في ذلك: "وإنما تخبّط الجاحد لأنه طلبه من حيث الحسّ"(١).وقد تضمّن تقريره لتوحيد الربوبية وردّه لشبهة الدهرية والطبائعيين جملة من الأدلة، أطلق عليها المتكلّمون مصطلحات معيَّنة، لكنّ ابن الجوزي خالفهم في ذلك منهجًا وتطبيقًا:فمن حيث المنهج نجد أن الإمام ابن الجوزي رحمه الله جعل المجادلة والردّوسيلة لتقرير العقيدة الصحيحة التي تليق بمقام الربّ جل وعلا، واستعمل لذلك الآيات الباهرة من الكتاب المتلو، ومن الكون المنظور، أما المتكلمون فقد كان أكثر همّهم الجدل والمراء، وإبطال أدلة الخصم وإن كانت صحيحة!أما من حيث التطبيق فلم يُطلق عليها تلك الأسماء؛ وقد تضمن منهجه الأدلة التالية:(١) انظر (ص ١٦٦).
أولًا: إثباته لحقيقة دور العقل السليم:وهو الاستدلال على وجود الحق تبارك وتعالى، لا أن يكون وسيلة للضلال والانحراف؛ فقال عن فضيلة العقل من جهة الاستنباط: "إنما تتبين فضيلة الشيء بثمرته وفائدته، وقد عرفت ثمرة العقل وفائدته، فإنه هو الذي دلّ على الإله، وأمر بطاعته وامتثال أمره، وثبت معجزات الرسل وأمر بطاعتهم، وتأمّل العواقب فاعتبرها فراقبها وعمل بمقتضى مصالحها، وقاوم الهوى .. وحثّ على الفضائل ونهى عن الرذائل"(١).وقال عن الدهرية ناعيًا: "وهؤلاء لا لم يدركوا الصانع بالحس ولم يستعملوا في معرفته العقل جحدوه، وهل يشك ذو عقل في وجود صانع؟! "(٢). ثانيًا: الخَلْق دليل على الخالق: "أو دليل الخلق والاختراع":وقد ملأ تفسيره بالرّدود على الطبائعيين ومن على شاكلتهم ممن يشكّ في الخالق جلّ وعلا أو يجحده: فعند تفسيره لقول الله تبارك وتعالى: {قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [يونس: ١٠١] قال: "قل للمشركين الذين يسألونك الآيات على توحيد الله: انظروا بالتفكر والاعتبار ماذا في السماوات والأرض من الآيات والعبر التي تدل على وحدانيته، ونفاذ قدرته، كالشمس، والقمر، والنجوم، والجبال، والشجر، وكل هذا يقتضي خالقًا مدبِّرًا"(٣).(١) ذم الهوى (ص ١٧).(٢) انظر (ص ١٦٥).(٣) زاد المسير (٤/ ٦٨). وانظر كذلك في هذا الموضوع: زاد المسير (١/ ١٦٨)، (٤/ ٦٨)، (٨/ ٣٣)، اللطائف (ص ١٤٢ - ١٤٣)؛ تنبيه النائم الغمر (ص ٨٣)؛ أحكام النساء (ص ١٣٠)؛ المنتظم (١/ ١١٨ - ١١٩)، صيد الخاطر (ص ٤٦٧).
ومما ذكره في كتابه التلبيس قوله: "فإن الإنسان لو مرّ بقاع ليس فيه بنيان، ثم عاد فرأى حائطًا مبنيًّا علم أن لابدّ له من بانٍ بناه، فهذا المهاد الموضوع، وهذا السقف المرفوع، وهذه الأبنية العجيبة والقوانين الجارية على وجه الحكمة، أما تدلّ على صانع؟! "(١). ثالثًا: تدبير الأمر دليل على ربوبية الخالق: "أو دليل العناية":فالباري جلّ وعلا لم يترك خلقه سُدًى، بل ربّاهم ورعاهم من أضعف مخلوق إلى أعظم، إمّا بالتنشئة والخلق، وإمَّا بالرزق والهداية.وللتنبيه على هذا الدليل قال ابن الجوزي: "من تأمّل تحديد الأسنان لتقطع، وتعريض الأضراس لتطحن، واللسان يقلّب الممضوغ، وتسليط الكبد على الطعام ينضجه ثم يُنفذ إلى كل جارحة قدر ما تحتاج إليه من الغذاء … والعقل الذي يرشد إلى المصالح، وكل شيء من هذه الأشياء ينادي: أفي الله شك؟! "(٢).وقال أيضًا: "لما تلمّحت تدبير الصانع في سَوْق رزقي بتسخير السحاب وإنزال المطر برفق، والبذر دفين تحت الأرض كالموتى قد عفن ينتظر نفخة من صور الحياة، فإذا أصابته اهتز خضرًا، وإذا انقطع عنه الماء مديد الطلب يستعطي، وأمال رأسه خاضعًا ولبس حلل التغير، فهو محتاج إلى ما أنا محتاج إليه، من حرارة الشمس، وبرودة الماء، ولطف النسيم"(٣). رابعًا: دليل النفس:وقد استدلّ ابن الجوزي رحمه الله بهذا الدليل ليثبت به أمريْن:(١) انظر (ص ١٦٥).(٢) انظر (ص ١٦٦).(٣) صيد الخاطر (ص ١٢٧).
الأول: وقد مرَّ معنا في دليل الخلق والعناية، وقد ذكر هذا عند تفسيره لقوله تعالى: {وَفِي أَنْفُسِكُمْ} [الذاريات: ٢١]، فقال: "آياتٌ إذ كنتم نُطفًا، ثم عظامًا، ثم علقًا، ثم مُضغًا … "(١)، ولا داعي للتفصيل في هذا دفعًا للتكرار.الثاني: ومضمون هذا الدليل أن النفس مقطوع بوجودها، رغم أن الحس لم يثبت ذلك فضلًا عن أن يحيط بها علمًا؛ فإذا صحّ هذا في النفس وهي مخلوقة أفلا يكون الخالق عز وجل أولى ألّا تدركه الحواس! وهذا من أعظم الأدلة التي حاجّ بها ابن الجوزي عقول الملحدين المعاندين.وهذه بعض أقواله الجامعة في ذلك: "لنا أشياء لا تدرك إلا جملة كالنفس والعقل، ولم يمتنع أحدٌ من إثبات وجودهما"(٢).وقال أيضًا: "من أكبر الدليل على وجود الخالق سبحانه هذه النفس الناطقة المميزة المحركة للبدن على مقتضى إرادتها، فقد دبّرت مصالحها، وترقت إلى معرفة الأفلاك، واكتسبت ما أمكن تحصيله من العلوم .. فلم يحجبها سترٌ وإن تكاثف، ولا يُعرف مع هذا ماهيتها، ولا كيفيتها، ولا جوهرها، ولا محلها .. وهذا كله يوجب عليها أن لها مدبِّرًا وخالقًا، وكفى بذلك دليلًا عليه! إذ لو كانت وُجدت بها لما خفيت أحوالها عليها، فسبحانه سبحانه! "(٣). خامسًا: دليل حلول الحوادث:استدل ابن الجوزي رحمه الله للمرة الوحيدة -فيما وقفتُ عليه- بهذا الدليل الكلامي على وجود الخالق تعالى، وقد علَّقتُ على هذا في موطنه، وبيّنتُ حقيقة(١) زاد المسير (٨/ ٣٣).(٢) انظر (ص ١٦٦).(٣) صيد الخاطر (ص ٣٤٠ - ٣٤١).
هذا الدليل وما يترتّب عليه عند أهل الكلام(١)، غير أن ابن الجوزي قد خالف المتكلمين -كما قدّمتُ سابقًا- في الاستدلال به، فلم يتماد في ذكر لوازمه الباطلة: من نفي الصفات عن المولى تعالى ذكره، ومن نفي قدرته تعالى على الفعل .. في تفاصيل خطيرة، بل اختصره فقال: "ومن الأدلة القطيعة على وجوده: أن العالم حادث، بدليل أنه لا يخلو من الحوادث، وكل ما لا ينفك عن الحوادث حادث، ولابدّ لحدوث هذا الحادث من سبب وهو الخالق سبحانه"(٢).وهذه طريقة ابن عقيل فيما ذكره عنه شيخ الإسلام ابن تيمية(٣). المطلب الثاني: توحيد الألوهية:لا شكَّ أن اعتناء الإمام ابن الجوزي بعلوم الكتاب والسُّنة والتصنيف فيها قد ترك أثرًا قويًّا لديه من حيث الاعتقاد والتمسك بمقتضى تلك العلوم، فوجدته موافقًا للكتاب والسنة ومنهج السلف الصالح فيما وقفتُ عليه من موضوعات هذا التوحيد، عدا كلامه في موضوع التبرك كما سيأتي.وسأورد بعض ما وقفتُ عليه من كلامه وتحريراته في ذلك الخصوص: أولًا: استحقاق الربّ جلّ وعلا للعبادة وحده، دون سواه؛ لكونه خالقًا:فالذي يَخلق هو الذي يُعبد، قال ابن الجوزي عند تفسيره لقوله تعالى: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ} [الأنبياء: ١٦]: "أي: لم نخلق ذلك عبثًا، إنما خلقناهما دلالة على قدرتنا ووحدانيتنا؛ ليعتبر الناس بخلقه، فيعلموا أن العبادة لا تصلح إلا لخالقه … "(٤).(١) انظر (ص ١٦٧).(٢) انظر (ص ١٦٧).(٣) درء تعارض العقل والنقل (٩/ ١٦٠).(٤) زاد المسير (٥/ ٣٤٣).
ثانيًا: استحقاق الربّ جل وعلا للعبادة وحده، دون سواه؛ لكونه رازقًا:قال رحمه الله في تفسير قول الله جلّ وعلا: {قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ} [سبأ: ٢٤]: "إنما أُمر أن يسأل الكفار عن هذا احتجاجًا عليهم بأن الذي يرزق هو المستحق للعبادة، وهم لا يثبتون رازقًا سواه؛ ولهذا قيل له: {قُلِ اللَّهُ} لأنهم لا يجيبون بغير هذا"(١). ثالثًا: عدم جواز اتخاذ معبود غير الله:قال في معنى قوله تعالى: {هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي} [الأنبياء: ٢٤]: "المعنى: هذا القرآن وهذه الكتب التي أُنزلت قبله، فانظروا هل في واحدٍ منها أن الله أمر باتخاذ إله سواه؟! فبطل بهذا البيان جواز اتخاذ معبود غيره من حيث الأمرُ به"(٢).كما تكلم الإمام ابن الجوزي رحمه الله في بعض التفاصيل المتعلقة بتوحيد العبادة، ومن ذلك: ١ - النهي عن تعظيم القبور، والصلاة عندها:ففتنة القبور من أعظم ما كاد به إبليسُ بني آدم؛ إذ سوّل لهم الغلوّ في القبور بدعاء الموتى، والطواف حول قبورهم، فهوَوْا في دركات الشرك؛ ولهذا لَعن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في نزعات الموت -بأبي هو وأمِّي! - اليهود والنصارى(٣)؛ لأنهم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، والغاية من ذلك هي: التحذير من صنيعهم.(١) زاد المسير (٦/ ٤٥٤).(٢) زاد المسير (٥/ ٣٤٦).(٣) أخرجه البخاري في الصلاة (١/ ٥٣٢) برقم (٤٣٥ - ٤٣٦)، ومسلم في المساجد ومواضع الصلاة (١/ ٣٧٧) برقم (٥٣١) من حديث عائشة وابن عباس.
قال ابن الجوزي رحمه الله: "وأمّا نهيُه عن اتخاذ القبور مساجد فلئلا تُعظَّم؛ لأن الصلاة عند الشيء تعظيم له، وقد أغرب أهل زماننا بالصلوات عند قبر معروف(١) وغيره؛ وذلك لغلبة الجهل وملكة العادات"(٢).وقال رحمه الله: "أصل عبادة الأوثان والأصنام من تعظيم قبور الأولياء والصالحين؛ ولهذا نهى الشارع صلى الله عليه وسلم عن تعظيم القبور والصلاة عندها والعكوف عليها؛ فإن ذلك هو الذي أوقع الأمم الماضية في الشرك الأكبر.ولهذا نجد أيضًا في هذا الزمان أقوامًا من الضُّلال الذين استحوذ عليهم الشيطان يتضرعون عند القبور، وعند سماع ذكر مشايخهم ويخشعون عندها، ويعبدونهم بقلوبهم عبادة لا يفعلونها في المسجد ولا في السَّحَر، ومنهم من يسجد للقبر، فهذا هو الشرك بالله نعوذ بالله! "(٣). ٢ - منع الحلف بغير الله:علّل ابن الجوزي رحمه الله النهي عن الحلف بغير الله لما فيه من تعظيم لذلك الشيء المحلوف به، فقال في معرض تعليقه على قول النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم"(٤): "كان من عادة العرب أن يحلفوا بآبائهم. والحلف بالشيء تعظيم له، فنهى رسول الله عن تعظيم غير الله بالقسم به"(٥). ٣ - النهي عن سبّ الدهر:بيَّن ابن الجوزي رحمه الله أن العرب كانوا إذا أصابتهم مصيبة يسبّون الدهر، وينسبون ذلك إليه، ويرونه الفاعلَ لتلك الأشياء، ولا يرونها من قضاء الله عز وجل.(١) أي: الكرخي.(٢) كشف المشكل (٢٠/ ٥٠). انظر المصدر نفسه (٣/ ٣٣٤).(٣) تذكرة أولي البصائر في معرفة الكبائر لابن الجوزي (مخطوط) (ق ٤).(٤) البخاري (١١/ ٥٣٠ رقم ٦٦٤٧)، ومسلم (٣/ ١٢٦٦ رقم ١٦٤٦).(٥) كشف المشكل (١/ ٥١).
وقال في معنى حديث: "لا تسبوا الدهر؛ فإن الله هو الدهر"(١)، أي: هو الذي يصيبكم بهذه المصائب، فإذا سببتم فاعلها فكأنكم قصدتم الخالق"(٢). ٤ - النهي عن قول: مُطرنا بنوء كذا:نقل أقوال العلماء في الأنواء وهي النجوم، وأن العرب كانت تنسب كل غبث يكون بعد طلوع نجم وسقوط آخر إلى ذلك النجم الساقط، فيقولون: مُطرنا بنوء كذا. ولا شك أن هذا شرك عظيم بربّ العالمين.ثم بيَّن الضابط الصحيح في ذلك فقال: "ومن لم يكن اعتقاده أن الكوكب يفعل لم يضرّه هذا القول. وقد أجاز العلماء أن يُقال: مُطرنا في نوء كذا، ولا يقال: بنوء كذا"(٣). ٥ - النهي عن التطيّر:عرّف التطيّر بقوله: "الطيرة: من التطيّر، وهو التشاؤم بالشيء تراه أو تسمعه وتتوهّم وقوع المكروه به"(٤).وعلّل نفي النبي صلى الله عليه وسلم للعَدْوى بقوله: "لا عدوى" بأنه إنمّا أراد إضافة الأشياء إلى القدر؛ لئلا يقف الإنسان مع السبب وينسى المسبِّب، والله تعالى قد يعمل الأسباب وقد يبطلها؛ فأراد النبي صلى الله عليه وسلم إضافة الواقعات من الضرر والنفع إلى الله عز وجل(٥).(١) رواه مسلم (٤/ ١٧٦٢ رقم ٢٢٤٦).(٢) كشف المشكل (٣/ ٣٤٦ - ٣٤٧). وانظر في هذا الموضوع: صيد الخاطر (ص ٥٠٣ - ٥٠٤).(٣) كشف المشكل (٢/ ٢٦٢).(٤) كشف المشكل (٢/ ٤٧٢). وانظر: (١/ ٤٨٢).(٥) انظر: المصدر السابق (٢/ ٤٧١ - ٤٧٢)؛ (٢/ ٢٦٨)؛ (٤/ ٣٧٦ - ٣٧٧).