بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي سلم ميزان العدل إلى أكف ذوي الألباب وأرسل الرسل مبشرين ومنذرين بالثواب والعقاب وأنزل عليهم الكتب مبينة للخطأ والصواب وجعل الشرائع كاملة لا نقص فيها ولا عاب(١) أحمده حمد من يعلم أنه مسبب الأسباب وأشهد بوحدانيته شهادة مخلص في نيته غير مرتاب وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أرسله وقد سدل الكفر على وجه الإيمان والحجاب فنسخ الظلام بنور الهدى وكشف النقاب وبين للناس ما أنزل إليهم وأوضح مشكلات الكتاب وتركهم على المحجة البيضاء لا سرب فيها(٢) ولا سراب فصلى الله عليه وعلى جميع الآل وكل الأصحاب وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الحشر والحساب وسلم تسليما كثيرا.أما بعد فإن أعظم النعم على الإنسان العقل لأنه الآلة في معرفة الإله سبحانه والسبب الذي يتوصل به إلى تصديق الرسل إلا أنه لما لم ينهض بكل المراد من العبد بعثت الرسل وأنزلت الكتب فمثال الشرع الشمس ومثال العقل العين فإذا فتحت وكانت سليمة رأت الشمس ولما ثبت عند العقل أقوال الأنبياء الصادقة بدلائل المعجزات الخارقة سلم إليهم واعتمد فيما يخفى عنه عليهم.ولما أنعم الله على هذا العالم الإنسي بالعقل أفتتحه الله بنبوة أبيهم آدم عليه السلام فكان يعلمهم عن وحي الله عز وجل فكانوا على الصواب إلى أن انفرد قابيل بهواه فقتل أخاه ثم(١) عاب عيبا فهو عائب والاسم عاب كما هنا.(٢) السرب بفتحتين الوكر والسراب الذي تراه نصف النهار كأنه ماء ولا ماء يشير المصنف إلى ما رواه ابن ماجة في سننه عن أبي الدرداء مطولا من قوله صلى الله عليه وسلم "وأيم الله لقد تركتم على مثل البيضاء ليلها ونهارها سواء".
تشعبت الأهواء بالناس فشردتهم في بيداء الضلال حتى عبدوا الأصنام واختلفوا في العقائد والأفعال اختلافا خالفوا فيه الرسل والعقول اتباعا لأهوائهم وميلا إلى عاداتهم وتقليدا لكبرائهم فصدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين.فصل: وأعلم أن الأنبياء جاءوا بالبيان الكافي وقابلوا الأمراض بالدواء الشافي وتوافقوا على منهاج لم يختلف فأقبل الشيطان يخلط بالبيان شبها وبالدواء سما وبالسبيل الواضح جردا(١) مضلا وما زال يلعب بالعقول إلى أن فرق الجاهلية في مذاهب سخيفة وبدع قبيحة فأصبحوا يعبدون الأصنام في البيت الحرام ويحرمون السائبة(٢) والبحيرة والوصيلة والحام ويرون وأد البنات ويمنعونهن الميراث إلى غير ذلك من الضلال الذي سوله لهم إبليس(٣) فابتعث الله سبحانه وتعالى محمدا فرفع المقابح وشرعالمصالح فسار أصحابه معه وبعده في ضوء نوره سالمين من العدو وغروره فلما انسلخ نهار وجودهم أقبلت أغباش الظلمات فعادت الأهواء تنشئ بدعا وتضيق سبيلا ما زال متسعا ففرق الأكثرون دينهم(١) يقال مكان جرد أي لا نبات فيه ويقال أيضا جرز بالمعجمة.(٢) هي الناقة المنذورة تسيب فترعى حيث شاءت فلا يمسها أحد بسوء والبحيرة بنتها تبحر إذنها أي تشق وتخلي مع أمها والوصيلة هي الشاة تلد سبعة أبطن عناقين عناقين أي اثنين انثنين فإن ولدت في الثامنة جديا ذبحوه لآلهتهم وإن ولدت جديا وعناقا قالوا وصلت أخاها فلا يذبحونها من أجلها ولا تشرب لبنها النساء وكان للرجال وجرت مجرى السائبة والحام فحل الإبل يضرب الضراب المعدود فإذا قضاه تركوه للطواغيت وأعفوه من الحمل.(٣) اعلم أن الشرع جاء هادما لهذه العادات القبيحة محذرا من كل سوء ناهيا عن كل شرك محببا في كل جميل فاعتنقه الكثير ودخله الناس أزواجا وأفذاذا وانتشر في جميع الأرض في أقرب وقت النتشارا لم يعهد له نظير من قبل ومن بعد. واستمر على ذلك والناس تعتنقه طوعا لا كرها إلى أن دخل فيه أفراد من اليهود والمجوس وانتسبوا إليه ظاهرا وهم في الواقع يعملون على هدمه وتقويض دعائمه فأخذوا يوقدون نار الفتنة بين أهله ويدخلون فيه أشياء من التي كان ينهى عنها يحسنونها لعامة الناس حتى شوهوا معالمه واتخذها من جاء بعدهم ممن لا يميزون بين الصحيح والسقيم والحق والباطل دينا ويتقربون بها إلى ربهم والله تعالى أعز شأنا من أن يتعبد الناس بمثل هذه الضلالات ومن ذلك نذر الغنم والبقر وغيرها للأولياء يتركونها ترعى حيث شاءت لا يمسها أحد بسوء ظنا منه بل اعتقادا أنها محسوبة لذلك الولي مكلوءة بعينه أنى ذهبت فلو منعها من زرعه لانتقم منه ذلك الولي بما شاء وهذا بعينه ما كان عليه أهل الجاهلية الأولى قال الله تعالى: {وَيَجْعَلُونَ لِمَا لا يَعْلَمُونَ نَصِيباً مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ}. اللهم وفق علماؤنا وأمراؤنا إلى رد إلى رد هذه العقائد الفاسدة التي شوهت وجه الدين وجعلت عليه غشاء من ظلماتها حجبت نوره الساطع الذي هو هدى ورحمة وبشرى لقوم يؤمنون.
وكانوا شيعا ونهض إبليس يلبس ويزخرف ويفرق ويؤلف وإنما يصح له التلصص في ليل الجهل فلو قد طلع عليه صبح العلم افتضح.فرأيت أن أحذر من مكايده وأدل على مصايده فإن في تعريف الشر تحذيرا عن الوقوع فيه ففي الصحيحين من حديث حذيفة قال كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني وقد أخبرنا أبو البركات سعد الله بن علي البزاز قال أخبرنا أحمد بن علي الطريثيثي قال أخبرنا هبة الله بن حسن الطبري قال أخبرنا محمد بن أحمد بن سهل قال ثنا محمد بن أحمد بن الحسن قال حدثنا بشر بن موسى قال حدثنا عبيد بن يعيش قال حدثنا يونس بن بكير قال حدثنا محمد بن إسحق عن الحسن أو الحسين بن عبد الله عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال والله ما أظن على ظهر الأرض اليوم أحدا أحب إلى الشيطان هلاكا مني فقيل وكيف فقال والله إنه ليحدث البدعة في مشرق أو مغرب فيحملها الرجل إلي فإذا انتهت إلي قمعتها بالسنة فترد عليه كما أخرجها.فصل: وقد وضعت هذا الكتاب محذرا من فتنة ومخوفا من محنة وكاشفا عن مستوره وفاضحا له في خفي غروره والله المعين بجوده كل صادق في مقصوده.
وقد قسمته ثلاثة عشر بابا ينكشف بمجموعها تلبيسه ويتبين للفطن بفهمها تدليسه فمن انتهض عزمه للعمل بها ضج منه إبليسه والله موفقي فيما قصدت وملهمي للصواب فيما أردت.ذكر تراجم الأبوابالباب الأول: في الأمر بلزوم السنة والجماعة.الباب الثاني: في ذم البدع والمبتدعين.الباب الثالث: في التحذير من فتن إبليس ومكايده.الباب الرابع: في معنى التلبيس والغرور.الباب الخامس: في ذكر تلبيسه في العقائد والديانات.الباب السادس: في ذكر تلبيسه على العلماء في فنون العلم.الباب السابع: في ذكر تلبيسه على الولاة والسلاطين.الباب الثامن: في ذكر تلبيسه على العباد في فنون العبادات.الباب التاسع: في ذكر تلبيسه على الزهاد.الباب العاشر: في ذكر تلبيسه على الصوفية.الباب الحادي عشر: في ذكر تلبيسه على المتدينين بما يشبه الكرامات.الباب الثاني عشر: في ذكر تلبيسه على العوام.الباب الثالث عشر: في ذكر تلبيسه على الكل بتطويل الأمل.
الباب الأول: الأمر بلزوم السنة والجماعة.أخبرنا هبة الله بن محمد نا الحسن بن علي التيمي نا أحمد بن جعفر بن حمدان ثنا عبد الله بن أحمد حدثني أبي عن ابن إسحاق نا ابن المبارك ثنا محمد بن سوقة عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر أن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما خطب بالجابية فقال قام فينا رسول الله فقال "من أراد منكم بحبوحة الجنة(١) فليلزم الجماعة فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد" أخبرنا أحمد وحدثنا جرير عن عبد الملك بن عمير عن جابر بن سمرة قال خطب عمر الناس بالجابية فقال إن رسول الله قام في مثل مقامي هذا فقال: "من أحب منكم أن ينال بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد" قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح أخبرنا عبد الوهاب بن المبارك الحافظ ويحيى بن علي المديني نا أبو محمد الصريفيني نا أبو بكر محمد بن الحسن بن عبدان ثنا أبو محمد بن صاعد ثنا سعيد بن يحيى الأموي ثنا أبو بكر بن عياش عن عاصم بن أبي النجود عن زر عن عمر بن الخطاب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد". حدثنا عبد الأول بن عيسى نا أبو القصار بن يحيى ثنا أبو الحسن علي بن عبد العزيز أنبأنا أبو عبيد نا النضر بن إسماعيل عن محمد بن سوقة عن عبد الله بن دينار عن عمر قال قال رسول الله: "من سره أن يسكن بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد" أخبرنا عبد الأول نا أبو عبد الله محمد بن عبد العزيز الفارسي نا عبد الرحمن بن أبي شريح ثنا ابن صاعد ثنا إبراهيم بن سعد الجوهري ثنا أبو معاوية عن يزيد بن مرادنبه عن زياد بن علاقة عن عرفجة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "يد الله(١) بحبوحة الدار وسطها يقال تبحبح إذا تمكن وتوسط المنزل والمقام.
على الجماعة والشيطان مع من يخالف الجماعة" أخبرنا محمد بن عمر الأرموي والحسين بن علي المقري نا عبد الصمد بن المأمون نا علي بن عمر الدارقطني ثنا أبو جعفر أحمد بن إسحاق بن البهلول حدثني أبي ثنا محمد بن يعلى ثنا سليمان العامري عن الشيباني عن زياد بن علاقة عن أسامة بن شريك قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "يد الله على الجماعة فإذا شذ الشاذ منهم اختطفته الشياطين كما يختطف الذئب الشاة من الغنم" أخبرنا ابن الحصين نا ابن المذهب نا أحمد بن جعفر ثنا عبد الله بن أحمد حدثني أبي أنبأنا أسود بن عامر ثنا أبو بكر عن عاصم عن أبي وائل عن عبد الله قال خط رسول الله صلى الله عليه وسلم خطا بيده ثم قال هذا سبيل الله مستقيما قال ثم خط عن يمينه وشماله ثم قال هذه السبل ليس منها سبيل إلا عليه شيطان يدعو إليه ثم قرأ: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ} وبالإسناد قال أحمد وثنا روح ثنا سعيد عن قتادة قال ثنا العلاء بن زياد عن معاذ بن جبل رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن الشيطان ذئب الإنسان كذئب الغنم يأخذ الشاة القاصية والناحية فإياكم والشعاب وعليكم بالجماعة والعامة والمسجد" حدثنا أحمد ثنا أبو اليمان ثنا ابن عياش عن أبي البحتري بن عبيد بن سليمان عن أبيه عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "اثنان خير من واحد وثلاثة خير من اثنين وأربعة خير من ثلاثة فعليكم بالجماعة فإن الله عز وجل لم يجمع أمتي إلا على الهدى". أخبرنا عبد الملك بن القاسم الكروخي قال أخبرنا أبو عامر الأزدي وأبو بكر العروجي قالا أخبرنا الحراجي قال أخبرنا المحبوبي ثنا الترمذي ثنا محمود بن غيلان ثنا أبو داود الحفري عن سفيان عن عبد الرحمن بن زياد الإفريقي عن عبد الله بن يزيد عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليأتين على أمتي كما أتى على بني إسرائيل حذو النعل بالنعل حتى إن كان منهم من أتى أمه علانية لكان في أمتي من يصنع ذلك وإن بني إسرائيل تفرقت(١) على ثنتين وسبعين ملة وتفرقت أمتي على ثلاث وسبعين ملة كلهم في النار إلا ملة واحدة قالوا من هي يا رسول الله قال ما أنا عليه وأصحابي" قال الترمذي هذا حديث حسن غريب لا يعرف إلا من هذا الوجه وروى أبو داود في سننه من حديث معاوية بن أبي سفيان أنه قام فقال ألا إن رسول(١) قال أبو منصور البغدادي للحديث الوارد في تفريق الأمة أسانيد كثيرة وقد رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم جماعة من الصحابة كأنس ابن مالك وأبي هريرة وأبي الدرداء وجابر وأبي سعيد الخدري وأبي ابن كعب وعبد الله بن عمرو بن العاص وأبي أمامة وغيرهم.
الله صلى الله عليه وسلم قام فينا فقال: "ألا إن من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على ثنتين وسبعين ملة وإن هذه الملة ستفترق على ثلاث وسبعين ثنتان وسبعون في النار وواحدة في الجنة وهي الجماعة وإنه سيخرج من أمتي أقوام تجاري(١) بهم تلك الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه".أخبرنا أبو البركات بن علي البزاز نا أحمد بن علي الطريثيثي نا هبة الله بن الحسين الحافظ نا محمد بن الحسين الفارسي نا يوسف بن يعقوب بن إسحاق ثنا العلاء بن سالم ثنا أبو معاوية ثنا الأعمش بن مالك بن الحارث عن عمارة عن عبد الرحمن بن يزيد عن عبد الله قال الاقتصاد في السنة خير من الاجتهاد في البدعة أخبرنا عبد الوهاب بن المبارك نا أحمد بن الحداد نا أبو نعيم الحافظ ثنا محمد بن أحمد بن الحسين ثنا بشر بن موسى ثنا محمد بن سعيد ثنا ابن المبارك عن الربيع عن أبي العالية عن أبي بن كعب قال عليكم بالسبيل والسنة فإنه ليس من عبد على سبيل وسنة ذكر الرحمن ففاضت عيناه من خشية الله فتمسه النار وإن اقتصادا في سبيل وسنة خير من اجتهاد في إخلاف أخبرنا سعد الله بن علي نا الطريثيتي نا هبة الله بن الحسين نا عبد الواحد بن عبد العزيز نا محمد بن أحمد الشرقي ثنا عثمان بن أيوب نا إسحاق بن إبراهيم المرزوي قال ثنا أبو إسحاق الأقرع قال سمعت الحسن بن أبي جعفر يذكر عن أبي الصهباء عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال النظر إلى الرجل من أهل السنة يدعو إلى السنة وينهى عن البدعة عبادة أخبرنا محمد بن أبي القاسم قال نا أحمد بن أحمد نا أبو نعيم الأصبهاني ثنا محمد بن أحمد بن الحسن ثنا بشر بن موسى ثنا الحميدي قال أنبأنا سفيان بن عيينة قال سمعت عاصما الأحول يحدث عن أبي العالية قال عليكم بالأمر الأول الذي كانوا عليه قبل أن يفترقوا قال عاصم فحدثت به الحسن فقال قد نصحك والله وصدقك أخبرنا محمد بن عبد الباقي نا أحمد بن أحمد قال نا أحمد بن عبد الله الحافظ أنبأنا محمد بن أحمد بن الحسن أنبأنا بشر بن موسى نا معاوية بن عمرو نا أبو إسحاق الفزاري قال قال الأوزاعي اصبر نفسك على السنة وقف حيث وقف القوم وقل بما قالوا وكف عما كفوا عنه واسلك سبيل سلفك الصالح فإنه يسعك ما وسعهم أخبرنا محمد بن أبي القاسم نا أحمد بن أحمد نا أحمد بن عبد الله الحافظ أنبأنا محمد بن عبد الله بن أسلم أنبأنا محمد بن منصور(١) يحذف إحدى التاءين أي تدخل وتسري تلك الأهواء أي البدع والكلب بفتح الكاف واللام داء يعرض للإنسان من عض الكلب الكلب وهو داء يصيب الكلب فيصيبه شبه جنون فلا يعض احدا إلا كلب نسأل الله السلامة.
الهروي ثنا عبد الله بن عروة قال سمعت يوسف بن موسى القطان يحدث عن الأوزاعي قال رأيت رب العزة في المنام فقال لي يا عبد الرحمن أنت الذي تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر فقلت بفضلك يا رب وقلت يا رب أمتني على الإسلام فقال وعلى السنةأخبرنا محمد بن أبي القاسم أنبأنا أحمد بن أحمد نا أحمد بن عبد الله الحافظ ثنا إبراهيم بن أبي عبد الله ثنا محمد بن إسحاق سمعت أبا همام السكوني يقول حدثني أبي قال سمعت سفيان يقول لا يقبل قول إلا بعمل ولا يستقيم قول وعمل إلا بنية ولا يستقيم قول وعمل ونية إلا بموافقة السنة أخبرنا محمد نا أحمد أبو نعيم أنبأنا محمد بن علي ثنا عمرو بن عبدوية ثنا أحمد بن إسحاق ثنا عبد الرحمن بن عفان قال ثنا يوسف بن أسباط قال قال سفيان يا يوسف إذا بلغك عن رجل بالمشرق أنه صاحب سنة فابعث إليه بالسلام وإذا بلغك عن آخر بالمغرب أنه صاحب سنة فابعث إليه بالسلام فقد قل أهل السنة والجماعة أخبرنا سعد الله بن علي نا أحمد بن علي الطريثيثي نا هبة الله بن الحسين الطبري نا محمد بن عبد الرحمن نا البغوي نا محمد بن زياد البلدي ثنا أبو أسامة عن حماد بن زيد قال أيوب إني لأخبر بموت الرجل من أهل السنة فكأني أفقد بعض أعضائي وبه قال الطبري وأخبرنا الحسين بن أحمد ثنا عبد الله اليزدجري ثنا عبد الله بن وهب ثنا إسماعيل بن أبي خالد قال ثنا أيوب بن سويد عن عبد الله بن شوذب عن أيوب قال قال إن من سعادة الحدث والأعجمي أن يوفقهما الله تعالى لعالم من أهل السنة.قال الطبري وأخبرنا أحمد بن محمد بن حنون ثنا جعفر بن محمد بن نضير ثنا أحمد بن محمد بن مسروق ثنا محمد بن هارون أبو نشيط ثنا أبو عمير بن النحاس ثنا ضمرة عن أبن شوذب قال إن من نعمة الله على الشاب إذا نسك أن يؤاخي صاحب سنة يحمله عليها قال الطبري وأخبرنا عيسى بن علي ثنا البغوي ثنا محمد بن هارون ثنا سعيد بن شبيب قال سمعت يوسف بن أسباط يقول كان أبي قدريا وأخوالي روافض فأنقذني الله بسفيان قال الطبري وأخبرنا أحمد بن محمد بن حفص نا عبد الله بن عدي ثنى أحمد بن العباس الهاشمي ثنا محمد بن عبد الأعلى قال سمعت معتمر بن سليمان يقول دخلت على أبي وأنا منكسر فقال لي مالك قلت مات صديق لي فقال مات على السنة قلت نعم قال تحزن عليه قال الطبري وأخبرنا أحمد بن عبد الله نا محمد بن الحسين ثنا أحمد بن زهير ثنا يعقوب بن كعب ثنا عبدة ثنا عبد الله بن المبارك عن سفيان الثوري قال استوصوا بأهل السنة خيرا فإنهم غرباء أخبرنا أبو منصور بن حيرون نا إسماعيل بن أبي الفضل الإسماعيلي نا حمزة بن يوسف السهمي
نا عبد الله بن علي الحافظ نا أبو عوانة ثنا جعفر بن عبد الواحد قال قال لنا ابن أبي بكر بن عياش السنة في الإسلام أعز من الإسلام في سائر الأديان.سمعت أبا عبد الله الحسين بن علي المقري يقول سمعت أبا محمد عبد الله بن عطاء يقول سمعت أبا عبد الله محمد بن عبد الله الإسكندراني يقول سمعت أبا منصور محمد الأزدي يقول سمعت أبا العباس أحمد بن محمد بن فراشة يقول سمعت أحمد بن منصور يقول سمعت الحسن بن محمد الطبري يقول سمعت محمد بن المغيرة يقول سمعت يونس بن عبد الأعلى يقول سمعت الشافعي يقول إذا رأيت رجلا من أصحاب الحديث فكأني رأيت رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أخبرنا محمد بن أبي القاسم نا أحمد أبو نعيم أخبرني جعفر الخلدي في كتابه قال سمعت الجنيد يقول الطرق كلها مسدودة على الخلق إلا من اقتفى أثر الرسول صلى الله عليه وسلم واتبع سنته ولزم طريقته فإن طرق الخيرات كلها مفتوحة عليه أخبرنا عمر بن ظفر نا جعفر بن محمد نا عبد العزيز بن علي الأزجي نا علي بن عبد الله بن جهضم نا محمد بن حابان قال سمعت حامد بن إبراهيم يقول قال الجنيد بن محمد الطريق إلى الله عز وجل مسدودة على خلق الله تعالى إلا على المقتفين آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعين لسنته كما قال الله عز وجل: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ}.
الباب الثاني: في ذم البدع والمبتدعين.أخبرنا أبو القاسم هبة الله بن محمد بن الحصين الشيباني قال أخبرنا أبو علي الحسن بن علي بن المذهب نا أبو بكر أحمد بن حمدان نا أبو عبد الله بن حنبل قال أخبرني أبي ثنا يزيد عن إبراهيم بن سعد أخبرني أبي وأخبرنا أبو غالب محمد بن الحسن الماوردي وأبو سعد البغدادي قالا نا المطهر بن عبد الواحد نا أبو جعفر أحمد بن محمد المرزبان نا محمد بن إبراهيم الحروزي ثنا لوين ثنا إبراهيم بن سعد عن أبيه عن القاسم بن محمد عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أحدث في أمرنا ما ليس فيه فهو رد" أخبرنا موهوب بن أحمد نا علي بن أحمد البسري ثنا محمد بن عبد الرحمن المخلص ثنا عبد الله بن محمد البغوي ثنا أحمد بن إبراهيم الموصلي وإسحاق بن إبراهيم المروزي قالا ثنا إبراهيم بن سعد عن أبيه عن القاسم بن محمد عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" قال البغوي وحدثنا عبد الأعلى بن حماد ثنا عبد العزيز عن عبد الواحد بن أبي عون عن سعد بن إبراهيم عن القاسم عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من فعل أمرا ليس عليه أمرنا فهو رد" أخرجاه في الصحيحينأخبرنا هبة الله بن محمد نا الحسن بن علي نا أبو بكر بن مالك ثنا عبد الله بن أحمد ثني أبي ثنا هشيم عن حصين بن عبد الرحمن ومغيرة الضبي عن مجاهد عن عبد الله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من رغب عن سنتي فليس مني" انفرد بإخراجه البخاري أخبرنا ابن الحصين نا ابن المذهب نا أحمد بن جعفر نا عبد الله ابن أحمد حدثني أبي ثنا الوليد بن مسلم ثنا ثور بن يزيد ثنا خالد بن معدان حدثني عبد الرحمن بن عمرو السلمي وحجر بن حجر قالا أتينا العرباض بن سارية وهو ممن نزل فيه: {وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ} فسلمنا وقلنا أتيناك زائرين وعائدين ومقتبسين فقال عرباض صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبح ذات يوم ثم أقبل علينا بوجهه فوعظنا موعظة بليغة
ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب فقال قائل يا رسول الله كأن هذه موعظة مودع فماذا تعهد إلينا فقال: "أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن عبدا حبشيا فإنه من يعيش بعدي فسيرى اختلافا كثيرا فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة" قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح أخبرنا ابن الحصين نا ابن المذهب نا أبو بكر بن مالك ثنا عبد الله بن أحمد ثني أبي ثنا عبد الله بن الوليد ثنا سفيان عن الأعمش عن أبي وائل وعن ابن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أنا فرطكم على الحوض وليختلجن رجال دوني فأقول يا رب أصحابي فيقال إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك" أخرجاه في الصحيحين. أخبرنا محمد بن أبي القاسم نا أحمد بن محمد نا أبو نعيم ثنا أحمد بن إسحاق ثنا عبد الله بن سليمان ثنا محمد بن يحيى ثنا محمد بن كثير عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي عمرو الشيباني عن عبد الله بن محرز قال يذهب الدين سنة سنة كما يذهب الحبل قوة قوة أخبرنا إسماعيل بن أحمد نا عمر بن عبد الله البقال نا أبو الحسين بن بشران ثنا عثمان بن أحمد الدقاق ثنا حنبل قال حدثني أبو عبد الله يعني أحمد بن حنبل ثنا عبد الرزاق ثنا معمر قال كان طاوس جالسا وعنده ابنه فجاء رجل من المعتزلة فتكلم في شيء فأدخل طاوس أصبعيه في أذنيه وقال يا بني أدخل أصبعك في أذنيك حتى لا تسمع من قوله شيئا فإن هذا القلب ضعيف ثم قال أي بني أسدد فما زال يقول أسدد حتى قام الآخر قال حنبل وحدثنا محمد بن داود ثنا عيسى بن علي الضبي قال كان رجل معنا يختلف إلى إبراهيم فبلغ إبراهيم أنه قد دخل في الإرجاء فقال له إبراهيم إذا قمت من عندنا فلا تعد قال حنبل وحدثنا محمد بن داود الحدائي قال قلت لسفيان بن عيينة إن هذا يتكلم في القدر يعني إبراهيم بن أبي يحيى فقال سفيان عرفوا الناس أمره وسلوا الله لي العافية قال حنبل وحدثنا سعدوية ثنا صالح المري قال دخل رجل على ابن سيرين وأنا شاهد ففتح بابا من أبواب القدر فتكلم فيه فقال ابن سيرين إما أن تقوم وإما أن نقوم أخبرنا المحمدان ابن ناصر وابن عبد الباقي قالا نا أحمد بن أحمد نا أبو نعيم الحافظ ثنا عبد الله بن محمد بن جعفر ثنا أبو بكر بن راشد ثنا إبراهيم بن سعيد بن عامر عن سلام بن أبي مطيع قال قال رجل من أهل الأهواء لأيوب أكلمك بكلمة قال لا ولا نصف كلمة قال ابن راشد وحدثنا أبو سعيد الأشج ثنا يحيى بن يمان عن مخلد بن حسين عن هشام بن حسان عن أيوب السختياني قال ما ازداد صاحب بدعة اجتهادا إلا ازداد من الله عز وجل بعدا أخبرنا أبو
البركات بن علي البزاز نا الطريثيثي نا هبة الله بن الحصين نا عيسى بن علي نا البغوي نا أبو سعيد الأشج نا يحيى بن اليمان قال سمعت سفيان الثوري قال البدعة أحب إلى إبليس من المعصية المعصية يثاب منها والبدعة لا يثاب منها(١) أخبرنا ابن أبي القاسم نا أحمد بن أحمد نا أبو نعيم الحافظ ثنا سليمان بن أحمد ثنا الحسين بن علي ثنا محمود بن غيلان ثنا مؤمل بن إسماعيل قال مات عبد العزيز بن أبي داود وكنت في جنازته حتى وضع عند باب الصفا فصف الناس وجاء الثوري فقال الناس جاء الثوري فجاء حتى خرق الصفوف والناس ينظرون إليه فجاوز الجنازة ولم يصل عليه لأنه كان يرمي بالإرجاء أخبرنا المبارك بن أحمد الأنصاري نا عبد الله بن أحمد السمرقندي نا أحمد بن أحمد بن روح النهرواني ثنا طلحة بن أحمد الصوفي ثنا محمد بن أحمد بن أبي مهزول قال سمعت أحمد بن عبد الله يقول سمعت شعيب بن حرب يقول سمعت سفيان الثوري يقول من سمع من مبتدع لم ينفعه الله بما سمع ومن صافحه فقد نقض الإسلام عروة عروة أخبرنا محمد بن ناصر نا أحمد بن أحمد نا أحمد بن عبد الله الأصفهاني ثنا إسماعيل بن أحمد نا عبد الله بن محمد ثنا سعيد الكريري قال مرض سليمان التيمي فبكى في مرضه بكاء شديدا فقيل له ما يبكيك أتجزع من الموت قال لا ولكني مررت على قدري فسلمت عليه فأخاف أن يحاسبني ربي عليه أخبرنا عبد الوهاب بن المبارك ويحيى بن علي قالا أخبرنا أبو محمد الصريفيني نا أبو بكر بن عبدان نا محمد بن الحسين البائع ثنى أبي ثنا محمد بن بكر قال سمعت فضل بن عياض يقول من جلس إلى صاحب بدعة فاحذروه أخبرنا ابن عبد الباقي نا أحمد بن أحمد نا أبو نعيم ثنا سليمان بن أحمد ثنا محمد بن النضر ثنا عبد الصمد بن يزيد قال سمعت فضيل بن عياض يقول من أحب صاحب بدعة أحبط الله عمله وأخرج نور الإسلام من قلبه أخبرنا محمد بن عبد الباقي نا أحمد بن عبد الله الحافظ ثنا محمد بن علي ثنا عبد الصمد قال سمعت الفضيل يقول إذا رأيت مبتدعا في طريق فخذ في طريق آخر ولا يرفع الصاحب البدعة إلى الله عز وجل عمل ومن أعان صاحببدعة فقد أعان على هدم الإسلام وسمعت رجلا يقول للفضيل من زوج كريمته من فاسق فقد قطع رحمها فقال له الفضيل من زوج كريمته من مبتدع فقد قطع رحمها ومن جلس مع صاحب بدعة لم يعط الحكمة وإذا علم الله عز وجل من رجل أنه مبغض لصاحب بدعة رجوت أن يغفر الله له سيئاته.(١) أثاب الرجل وثاب رجع.
قال المصنف وقد روي بعض هذا الكلام مرفوعا وعن عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من وقر صاحب بدعة فقد أعان على هدم الإسلام" وقال محمد بن النضر الحارثي من أصغى بسمعه إلى صاحب بدعة نزعت منه العصمة ووكل إلى نفسه وقال إبراهيم سمعت أبا جعفر محمد بن عبد الله القابني يقول سمعت علي بن عيسى يقول سمعت محمد بن إسحاق يقول سمعت يونس بن عبد الأعلى يقول قال صاحبنا يعني الليث بن سعد لو رأيت صاحب بدعة يمشي على الماء ما قبلته فقال الشافعي إنه ما قصر لو رأيته يمشي على الهواء ما قبلته وعن بشر بن الحارث أنه قال جاء موت هذا الذي يقال له المريسي(١) وأنا في السوق فلولا أن الموضع ليس موضع سجود لسجدت شكرا الحمد لله الذي أماته هكذا قولوا.قال المصنف حدثت عن أبي بكر الخلال عن المروزي عن محمد بن سهل البخاري قال كنا عند القرباني فجعل يذكر أهل البدع فقال له رجل لو حدثتنا كان أعجب إلينا فغضب وقال كلامي في أهل البدع أحب إلي من عبادة ستين سنة.فصل: فإن قال قائل قد مدحت السنة وذممت البدعة فما السنة وما البدعة فانا نرى أن كل مبتدع في زعمنا يزعم أنه من أهل السنة(٢) فالجواب أن السنة في اللغة الطريق ولا ريب في أن(١) المريسي هو أبو عبد الرحمن بشر بن غياث قال ابن خلكان في ترجمته اشتغل بالكلام وجدد القول بخلق القرآن وحكى عنه في ذلك أقوال شنيعة وكان مرجئا وإليه تنسب الطائفة المريسية من المرجئة وكان يقول إن السجود للشمس والقمر ليس بكفر ولكنه علامة عليه والمريسي بفتح الميم وكسر الراء نسبة إلى مريس قيل قرية بمصر وقيل جنس من السودان وقال بعض المحققين إن المريسي كان يسكن في بغداد بدرب المريس فنسب إليه انتهى ببعض تصرف ومعنى كلام بشر بن الحارث أن الخبر بموت المريسي أتاه وهو في السوق فلو لم يكن في السوق لسجد شكرا لله تعالى على موته والسوق غير موضع سجود لورود النهي عن الصلاة في الأسواق والسجود بعض الصلاة وهذه عادة السلف الصالح رضي الله عنهم.تنبيه: في الأصل فلولا انه كان في موضع شهرة لكان موضع شكر وسجود الحمد لله الخ. وما صححناه فمن لسان الميزان.(٢) اعلم أنه لم يقع خلاف بين الصحابة رضي الله عنهم في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم لوجود نور النبوة بين ظهرانيهم وتأثير المواعظ الحسنة فيهم والحكم البالغة من النبي صلى الله عليه وسلم فلما توفاه الله وقع الخلاف بينهم فأول خلاف كان في موته صلى الله عليه وسلم فزعم قوم أنه لم يمت بل رفعه الله إليه والثاني في دفنه عليه الصلاة والسلام فأراد أهل مكة رده إلى مكة وأهل المدينة دفنه بها وفي الإمامة فأذعنت الأنصار لسعد بالبيعة وقريش قالت إن الإمامة لا تكون إلا في قريش وفي فدك قرية بخيبر وتوريث الكلالة ومانعي الزكاة وهكذا وقد أزال هذا الخلاف كله أبو بكر الصديق رضي الله عنه بحجته القوية وعزمه المتين وبرهانه الساطع ولم تؤثر هذه الاختلافات في الهيئة الاجتماعية والقوة الرابطة لجمعهم واتحادهم إلا أنها فتحت بابا ولجه المبتدعون والزنادقة وأدخلوا الشكوك على بعض الأفراد وسنوا طرقا مضلة وزخرفوها بأقاويل كاذبة وحجج واهية ودعوا الناس إليها فقيض لهم المولى جل وعز رجالا من أهل الحديث والسنة يدحضون حجتهم ويبينون للناس عقائدهم الفاسدة ونياتهم الخبيثة وينصحون من تبعهم بأدلة قاطعة من الكتاب والسنة وهم الطائفة التي أخبر عنها النبي صلى الله عليه وسلم أنها لا تزال قائمة بأمر الله الحديث ولم تزل قائمة كذلك إلى زمننا هذا إلا أنهم قليلون اللهم وفقنا للعمل بالكتاب والسنة واجعلهما حجة لنا يا أرحم الراحمين.
أهل النقل والأثر المتبعين آثار رسول الله صلى الله عليه وسلموآثار أصحابه هم أهل السنة لأنهم على تلك الطريق التي لم يحدث فيها حادث وإنما وقعت الحوادث والبدع بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه.والبدعة: عبارة عن فعل لم يكن فابتدع والأغلب في المبتدعات أنها تصادم الشريعة بالمخالفة وتوجب التعاطي عليها بزيادة أو نقصان فان ابتدع شيء لا يخالف الشريعة ولا يوجب التعاطي عليها فقد كان جمهور السلف يكرهونه وكانوا ينفرون من كل مبتدع وإن كان جائزا حفظا للأصل وهو الاتباع وقد قال زيد بن ثابت لأبي بكر وعمر رضي الله عنهما حين قالا له اجمع القرآن كيف تفعلان شيئا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبرنا محمد بن علي بن أبي عمر قال أخبرنا علي بن الحسين نا ابن شاذان نا أبو سهل نا أحمد البرني ثنا أبو حذيفة ثنا سفيان عن ابن عجلان عن عبد الله بن أبي سلمة أن سعد بن مالك سمع رجلا يقول لبيك ذا المعارج فقال ما كنا نقول هذا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبرنا محمد بن أبي القاسم بإسناد يرفعه إلى أبي البحتري قال أخبر رجل عبد الله بن مسعود أن قوما يجلسون في المسجد بعد المغرب فيهم رجل يقول كبروا الله كذا وكذا وسبحوا الله كذا وكذا واحمدوا الله كذا وكذا قال عبد الله فإذا رأيتهم فعلوا ذلك فأتني فأخبرني بمجلسهم فأتاهم فجلس فلما سمع ما يقولون قام فأتى ابن مسعود فجاء وكان رجلا حديدا فقال أنا عبد الله بن مسعود والله الذي لا إله غيره لقد جئتم ببدعة ظلما ولقد فضلتم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم علما فقال عمرو بن عتبة أستغفر الله فقال عليكم بالطريق فالزموه ولئن أخذتم يمينا وشمالا لتضلن ضلالا بعيدا أنبأنا أبو بكر بن أبي طاهر عن أبي محمد الجوهري عن أبي عمر بن أبيحياة ثنا أحمد بن معروف ثنا الحسين بن فهم ثنا محمد بن سعد ثنا محمد بن عبد الله الأنصاري ثنا ابن عوف قال كنا عند إبراهيم
النخعي فجاء رجل فقال يا أبا عمران أدع الله أن يشفيني فرأيت أنه كرهه كراهية شديدة حتى عرفنا كراهية ذلك في وجهه وذكر إبراهيم السنة فرغب فيها وذكر ما أحدثه الناس فكرهه وقال فيه أخبرنا المحمدان ابن ناصر وابن عبد الباقي نا أحمد نا أبو نعيم سمعت محمد بن إبراهيم يقول سمعت محمد بن ريان يقول سمعت ذا النون وجاءه أصحاب الحديث فسألوه عن الخطرات والوساوس فقال أنا لا أتكلم في شيء من هذا فإن هذا محدث سلوني عن شيء في الصلاة أو الحديث ورأى ذو النون علي خفا أحمر فقال انزع هذا يا بني فإنه شهرة ما لبسه رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما لبس أسودين ساذجين.فصل: قال الشيخ أبو الفرج رحمه الله قد بينا أن القوم كانوا يتحذرون من كل بدعة وإن لم يكن بها بأس لئلا يحدثوا ما لم يكن وقد جرت محدثات لا تصادم الشريعة ولا يتعاطى عليها فلم يروا بفعلها بأسا كما روى أن الناس كانوا يصلون في رمضان وحدانا وكان الرجل يصلي فيصلي بصلاته الجماعة فجمعهم عمر بن الخطاب على أبي بن كعب رضي الله عنهما فلما خرج فرآهم قال نعمت البدعة هذه لأن صلاة الجماعة مشروعة وإنما قال الحسن في القصص نعمت البدعة كم من أخ يستفاد ودعوة مستجابة لأن الوعظ مشروع ومتى أسند المحدث إلى أصل مشروع لم يذم فأما إذا كانت البدعة كالمتمم فقد اعتقد نقص الشريعة وإن كانت مضادة فهي أعظم فقد بان بما ذكرنا أن أهل السنة هم المتبعون وأن أهل البدعة هم المظهرون شيئا لم يكن قبل ولا مستند له ولهذا استتروا ببدعتهم ولم يكتم أهل السنة مذهبهم فكلمتهم ظاهرة ومذهبهم مشهور والعاقبة لهم أخبرنا هبة الله بن محمد نا الحسن بن علي التميمي نا أحمد بن جعفر ثنا عبد الله بن أحمد قال ثني أبي ثنا يعلى بن عبيد ثنا إسماعيل عن قيس عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يزال ناس من أمتي ظاهرين حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون" في الصحيحين أخبرنا هبة الله الحسن بن علي نا ابن ملك ثنا عبد الله بن أحمد ثني أبي قال ثنا يوسف ثنا حماد بن زيد عن أيوب عن أبي قلابة عن أبي أسماء عن ثوبان قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك" انفرد به مسلم وقد روى هذا المعنى عن النبي صلى الله عليه وسلم معاوية وجابر بن عبد الله وقرة أخبرنا الكروخي النورجي والأزدي قالا نا الحراجي ثنا المحبوبي ثنا الترمذي قال قال محمد بن إسماعيل قال علي بن المديني هم أصحاب الحديث.