نهاية المطلب في دراية المذهب (الجويني، أبو المعالي) القسم: الفقه الشافعي الكتاب: نهاية المطلب في دراية المذهب المؤلف: عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، أبو المعالي، ركن الدين، الملقب بإمام الحرمين (ت ٤٧٨هـ)حققه وصنع فهارسه: أ. د/ عبد العظيم محمود الدّيب الناشر: دار المنهاج الطبعة: الأولى، ١٤٢٨هـ-٢٠٠٧م[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]تاريخ النشر في راميشر: ١ يوليو ٢٠٢٦.
بسم الله الرحمن الرحيمالطبعة الأولى١٤٢٨ هـ-٢٠٠٧مجميع الحقوق محفوظة للناشر
بسم الله الرحمن الرحيم قال الشيخُ [الإمام الأجل فخر الإسلام، إمام الحرمين، والأئمة، مقدَّمُ أهل السنة] (١). أبو المعالي عبدُ الملك بنُ عبد الله بن يوسف الجويني، رضي الله عنه:١ - أحمد الله عزت قدرتُه حقَّ حمده، وأصلي على محمّد نبيّهِ، وخاتم رسله، وعبدِه، وأبتهل إليه في تيسير ما هممتُ بافتتاحه من مذهبٍ (٢) مُهذَّبٍ، للإمام المُطَّلِبي الشافعي رضي الله عنه، يحوي تقريرَ القواعد وتحرير الضوابط [والمعاقد] (٣)، في تعليل الأصول، وتبيين مآخذ الفروع، وترتيب المفصَّل منها والمجموع، ومشتملٍ على حل المشكلات، وإبانة المعضلات، والتنبيه على المَعاصات والمُعْوِصات (٤)، ويُغني عن الارتباك في المتاهات، والاشتباك في العمايات.ولستُ أُطنب في وصفه، وسيتبين شرفَه من يوفّق لمطالعته ومراجعته، وهو على التحقيق نتيجةُ عمري، وثمرةُ فكري في دهري. لا أغادر فيه بعون الله أصلاً ولا فرعاً إلاّ أتيت عليه، مُنتحياً سبيلَ الكشف، مؤثراً أقرب العبارات في البيان، والله المستعان وعليه التُّكلان.(١) زيادة من (م) و (ل).(٢) عبارة (م): تهذيب مذهب الإمام.(٣) في الأصل: المقاعد، وهذا تقدير منا، صدقته (م)، (ل) بعد حصولنا عليهما مؤخراً.(٤) عاص الكلامُ وعَوِصَ خفي معناه، وأعْوص في الكلام أتى بالعويص منه، (المعجم) والمعنى أنه ينبه على المواضع الخفية، والتي يصعب فهمها من الكلام، وفي (ل): على المغاصات في المعوصات.
٢ - وسأجري على أبواب " المختصر " ومسائلها جهدي، ولا أعتني بالكلام على ألفاظ [السواد] (١)، فقد تناهى في إيضاحها الأئمةُ الماضون، ولكنّي أنسبُ النصوصَ التي نقلها المزني (٢) إليه، وأتعرض لشرح ما يتعلق بالفقه منها، إن شاء الله تعالى.٣ - وما اشتهر فيه خلافُ الأصحاب ذكرتُه، وما ذُكر فيه وجهٌ غريبٌ منقاسٌ، ذكرت ندورَه وانقياسَه، وإن انضم إلى ندوره ضعفُ القياس، نبهتُ عليه، بأن أذكر الصوابَ، قائلاً: " المذهب كذا "، فإن لم يكن له (٣) وجهٌ، قلتُ بعد ذكر الصواب: وما سوى هذا غلط.وإن ذكر أئمةُ الخلاف وجهاً مرتبكاًً (٤) أنبه عليه بأن أقول: اتفق أئمةُ المذهب على كذا، فتجري وجوهٌ من الاختصار، مع احتواء المذهب (٥) على المشهور والنادر.وإن جرت مسألةٌ لم يبلغني فيها مذهبُ الأئمة خرّجتُها على القواعد، وذكرت مسالك الاحتمال فيها، على مبلغ فهمي.(١) في الأصل: السؤال. والصواب: "السواد" كما في النسخ الأخرى كلها، والمراد بالسواد (الأصل) أو (المتن) هكذا يُستخدم هذا اللفظ من قبل الأئمة والمؤلفين القدماء في كتبهم ومؤلفاتهم. وسيرد هذا الاستعمال كثيراً في كلام الإِمام، وهو غير موجود في المعاجم.(٢) المزني، إِسماعيل بن يحيى بن إِسماعيل، أبو إِبراهيم، صاحب الشافعي، وأعرف من أن يعرّف، ومن تصانيفه المختصر الذي يجري إِمامُ الحرمين على منواله في النهاية. توفي بمصر: ٢٦٤ هـ.(٣) أول الموجود من نسخة (د ٣).(٤) كذا في الأصل، (د ٣): (مرتبكاًً) ولما أصل إِلى المقصود (بالمرتكب) مع طول بحثي. هذا. وعبارة (د ٣): " … وجهاً مرتبكاًً إِجماليا بأن أقول"، وفي (م): (مرتبكاً)، و (ل): (مرتبكاً)، كأختيها، وواضح أنه أحد مصطلحات علم الجدل، وسيأتي توضيح لهذا المصطلح فيما نستقبل من أبواب الكتاب وفصوله.(٥) المذهب: يريد به كتابه هذا.
وتعويلي في متصرفات أموري على فضل الله تعالى. وقد استقرّ رأيي على تلقيبه بما يُشعر بمضمونه، فليشتهر بـ(نهاية المطلب في دراية المذهب)والله ولي التوفيق، وبيده التيسير، وهو بإسعاف راجيه جدير.***
وسنذكر الأخبار الواردة في تفصيل الصلوات على حسبِ الحاجة في مظانها.والأمة مجمعة على أنّ الصّلاة ركن الإِسلام.ثم كان المسلمون متعبدين بصلاة الليل في ابتداء الإِسلام على ما يُشعر بها {يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ} [المزمل: ١]، ثم لما عُرج برسول الله صلى الله عليه وسلم، افترض الله عز وجل الصلوات الخمس، في قصة مشهورة، ونسخت فرضية صلاة الليل عن الأمّة، وقيل: إِن فرضيتها باقية على الرسول عليه السلام، والله أعلم.وليس في القرآن تنصيصٌ على أعيانها وتصريحٌ، ولكن فيه تلويحٌ وإِيماء إِليها، ومما تكلم العلماء عليه منها، قوله تعالى: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى} [البقرة: ٢٣٨]. وقد اختلف العلماء في الصّلاة الوسطى، فالذي اختاره الشافعي أنها صَلاة الصُّبح؛ فإِنها محتوشة بصلاتين ليلتين قبلها، وصَلاتين نهاريَّتين بعدها، وهي حَرِيَّة بمزيد الاستحثاث، من حيث إِن وقتها يُوافي الناسَ وأكثرهم في غمراتِ النّوْمِ والغفلاتِ. ثم الذي ذَكَره الشافعي وإِن كان ظَاهراً، فهو مظنون، والذي يليق، بمحاسن الشريعة، ألا تتبين على يقين؛ حتى يحرص الناسُ على جميع الصّلوات، حتى توافقَ الصّلاة الوسطى، كدأب الشريعة في ليلة القدر. وقد ورد خبرٌ في غزوة الخندق يدل على أن الصلاة الوسطى هي: صلاة العصر (١) والله أعلم.= وسلم، وفي الباب عن أبي هريرة، رواه ابن حبان، في الضعفاء .. وأصح ما فيه حديث جابر، بلفظ "بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة" رواه مسلم، والترمذي والنسائي، وابن حبان .. ا. هـ. ملخصاً (ر. تلخيص الحبير: ٢/ ١٤٨ ح ٨١١، ومسلم: الإِيمان، باب بيان إِطلاق اسم الكفر على من ترك الصلاة، ح ٨٢، الترمذي: الإِيمان، باب ما جاء في ترك الصلاة ح ٢٦١٨ - ٢٦٢٠، النسائي: الصلاة، باب الحكم في تارك الصلاة ح ٤٦٥، صحيح ابن حبان: ح ١٤٥١) وسيأتي في (باب تارك الصلاة).(١) يشير إِلى حديث علي رضي الله عنه، قال: "كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم الخندق، فقال: ملأ الله قبورهم، وبيوتهم ناراً، كما شغلونا عن صلاة الوسطى حتى غابت الشمس، وهي صلاة العصر". وهو متفق عليه (البخاري: الدعوات، باب الدعاء على المشركين، ح ٦٣٩٦، وانظر: ٢٩٣١، ٤١١١، ٤٥٣٣. مسلم: المساجد، باب الدليل لمن قال: الصلاة الوسطى هي صلاة العصر، ح ٦٢٧) ولمسلم أيضاً من حديث عبد الله بن مسعود، وجابر بن عبد الله رضي الله عنهما، ح ٦٢٨، ٦٣١.
كتاب الطهارةقال الشافعي رحمه الله: " قال الله تعالى: {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا} (١) [الفرقان: ٤٨] … إلى آخره ".٤ - ومقصود هذا الباب تفصيلُ القول في الماء الطاهر، الذي يتغير ببعض الأشياء الطاهرة.فأقول: اختلف طرق الأئمة في ضبط مقصود الباب، فالذي أراه المسلكَ المرضي أن اختصاص طهارات الأحداث بالماء يُتَّبع فيه موردُ الشرع، ولا يُطلب له معنى وعلّة؛ فإنّ طُهْرَ الحدث، واختصاصَه بالماء غيرُ معقول المعنى، وإذا كان كذلك، فالوجه اتباعُ لفظ الشارع، وربطُ الحكم به، وقد مَنّ الله تعالى على عباده بإنزال الماء الطهور؛ فقال عزّ من قائل: {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا} [الفرقان: ٤٨] وتكرّر ذكرُ الماء في الأخبار المأثورة، عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ فممّا روي قوله صلى الله عليه وسلم: " خُلقَ الماءُ طهوراً " (٢)، وغيرُه.(١) ر. المختصر: ١/ ٢.(٢) حديث: "خُلق الماء طهوراً". قال الحافظ في التلخيص: " لم أجده هكذا "، وهو في حديث أبي سعيد الخدري، " أنه صلى الله عليه وسلم توضأ من بئر بضاعة "، فقيل له: يا رسول الله، أتتوضأ من بئر بضاعة، وهي بئر يُلقى فيها الحيض، ولحوم الكلاب والنتن؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الماء طهور لا ينجسه شيء" وقد رواه الشافعي: ١/ ٢١ (السندي)، وأحمد ٣/ ١٥، ١٦، ٣١، ٨٦، وأبو داود: الطهارة، باب ما جاء في بئر بضاعة، ح ٦٦، والترمذي: الطهارة، باب ما جاء أن الماء لا ينجسه شيء، ح ٦٦، والنسائي: المياه، باب ذكر بئر بضاعة، ح ٣٢٦، والدارقطني: ١/ ٣٠، والبيهقي: ١/ ٤. وروى ابن ماجة عن جابرٍ رضي الله عنه: " إِن الماء لا ينجسه شيء " ا. هـ مختصراً من تلخيص الحبير: ١/ ١٣ - ١٥. وراجع ما كتبه ابن حجر لترى تصحيحه لحديث =
فالوجه أن يقال: كل ما يسمى ماءً على الإطلاق، ويُفهم من لفظ الماء، فهو على الإطلاق صالحٌ للطهارات، (١ إذا كان طاهراً، وما يتغيرُ تغيُّراً يخرجُ بسببه عن اسم الماء مطلقاً، فهو غير صالحٍ للطهارات ١).وإذا لم يتجه معنىً، ولزم اتباعُ اللفظ، والاقتصارُ على مقتضاه، فموجَب ذلك تحكيم معنى الاسم في النفي والإثبات.هذا بيان ما يضبط مقصودَ الباب، وسنفصله بتخريج المسائل عليه.٥ - فإذا تغيّر الماء بوقوع طاهرٍ فيه، نُظر: فإن تغير ريحُه بمجاورة الواقع فيه، مثل أن يقع فيه كافورٌ صلب، أو ما في معناه من الأدهان ذوات الروايح الفايحة، وهي لا تخالط الماء، بل تعلوه طافيةً، فإذا تغيرّت رائحةُ الماء بهذه الأشياء؛ فالماء طهورٌ؛ فإنه يسمى ماءً مطلقاً، والمتبعُ الاسم.٦ - وإن تغير الماء بمخالطة الواقع فيه، فهو ينقسم على ما رسمه الأصحاب، إلى ما يمكن صونُ الماء عنه، وإلى ما لا يمكن صونُه عنه.فأما ما يمكن صون الماء عنه كالزعفران والدقيق وغيرِهما، فإذا خالط شيءٌ منها الماءَ ولم يغيره، فالماء طهورٌ، مفهوم من مطلق اسم الماء.وإن غيّره، نُظر: فإن تفاحش التغيرُ، بحيث يستجد ذلك المتغير اسماً، بأن يسمى صبغاً أو حبراً؛ فقد خرج عن كونه طهوراً؛ لسقوط اسم الماء المطلق عنه، ولا فرق بين أن يُعرَض على النار أو لا يُعرَض عليها.وإن حصل أدنى تغيّر، ولم يَصِر الماءُ بحيث يتجدد له اسمٌ سوى الماء، فهو على موجب هذه الطريقة طهورٌ؛ فإنه يسمى ماءً على الإطلاق.وما ذكرتُه من تفصيل القول في التغيّر ذكره شيخُنا أبو بكر الصيدلاني (٢) فيما= "أبي سعيد"، وما قاله في إِسناد حديث " جابر " رضي الله عنهما.(١) ما بين القوسين ساقط من نسخة: د ٣.(٢) الصيدلاني، محمد بسن داود الداودي، أبو بكر، تلميذ أبي بكر الققال المروزي، شارح المزني، وشرحه هذا يسمّى عند الخرسانيين "بطريقة الصيدلاني" (طبقات =
جمعه من طريقة القفال (١)، ولا [يستدّ] (٢) في المذهب والخلاف غيره.٧ - فأما إذا كان المغيِّرُ بحيث لا يمكن صونُ الماء عنه، فمعظم ما وقع في هذا القسم يجاورُ الماءَ، كالكبريت في منبع الماء، ومجراه، وكذلك [النُّوْرة في مجرى الماء] (٣) والقطران الخاثر، الذي فيه دهنيّة.وقد تقدم أن تغتر المجاورة لا أثر له.فأما ما يخالط كالأوراق الخريفيّة إذا انتثرت في الماء وتعفنت، وبليت فيه، فمقتضى هذه الطريقة أن الماء طهورٌ، وإن تفاحش التغيُّر؛ لأن أهل اللسان لا يسلبون عن مياه الغُدران والأنهار اسمَ الماءِ عند تغيرها بما وصفناه، وقد تقرر أن التعويلَ على بقاء الاسم المطلق، ولعل العرب فهمت تعذرَ الاحتراز، وعلمت أن آلةَ الغَسل (٤)= الشافعية الكبرى: ٤/ ١٤٨، ١٤٩)، وانظر أيضاً: (طبقات الإِسنوي: ٢/ ١٢٩، ١٣٠)، ولم يتعرض السبكي ولا الإِسنوي لتاريخ وفاته، لكن ذكر ابن هداية في طبقاته أنه توفي في نحو سنة ٤٢٧ هـ.(١) القفال، المراد به القفال الصغير، أبو بكر عبد الله بن أحمد بن عبد الله. توفي سنة ٤١٧ هـ وهو ابن تسعين سنة، وهو أكثر ذكراً في كتب الفقه، أما الكبير، فهو أكثر ذكراً في كتب التفسير والحديث، والأصول، والكلام، والجدل. واشترك القفالان في أن كل واحد منهما أبو بكر القفال الشافعي، لكن يتميزان بما ذكرنا من مظانهما، ويتميزان أيضاً بالاسم والنسب، فالكبير شاشي، والصجر مروزي، والشاشي اسمه محمد بن علي بن إِسماعيل.وصاحبنا عبد الله بن أحمد بن عبد الله.وهناك قفالٌ صغير آخر يشتبه مع صاحبنا القفال المروزي، وأعني به " القاسم بن محمد بن علي بن إِسماعيل " وهو ابن القفال الكبير الشاشي.والقفال المروزي صاحبنا، هو أحد أئمة الدنيا، وشيخ الخراسانيين، وإذا ذكر القفال مطلقاً، انصرف إِليه.(راجع: طبقات الشافعية الكبرى: ٣/ ٢٠٠ - ٢٠٢، ٤٧٢ - ٤٧٤، ٤/ ١٤٨، ١٤٩، ٥/ ٥٣ - ٥٦، تهذيب الأسماء واللغات للنووي: ٢/ ٢٨٢، ٢٨٣).(٢) في الأصل، (د ٣): يستمرّ، وقدّرنا أنه تصحيفٌ عن (يستدّ) بمعنى يستقيم؛ فهي أوفق للمعنى، وهذا اللفظ يدور كثيراً على لسان إِمام الحرمين، وفي (م)، (ل): يستمر أيضاً.(٣) زيادة من (م).(٤) غسل من باب ضرب، والاسم الغُسل، بضم فسكون، وقد تضم السين أيضاً، هذا وقد ضبطت في الأصل بضم الغين.
الماءُ، فأدامت على ما يتغير بهذه الجهة اسمَ ما هو مُعدٌّ للغسل، فالتعليل ببقاء الاسم، والمظنونُ أن سبَب بقاء الاسم تعذُّرُ التحرّز، فليفهم الفقيه مراتبَ الكلام.٨ - وأما الماء المتغير بالتراب أوانَ المدّ (١)، فقد قيل: إن التراب لا يخالط الماء، بل يجاورُه باجزائه المنتثرة فيه، وآيةُ ذلك أن الماء المتغيّر به لو سكن في إناءٍ، لتميّزت أجزاءُ التراب راسبةً.وإن اعترض متكلفٌ من أهل الكلام (٢) على فصل الفقهاء بين المجاورة والمخالطة، فزعم أن الزعفران ملاقاته مجاورة أيضاًً؛ فإن تداخل الأجرام محال.قيل له: مدارك الأحكام التكليفية لا تؤخذ من هذا المأخذ، بل تؤخذ ممّا يتناوله أفهامُ الناس، لا سيما ما يُبنَى الأمر فيه على معنى اللفظ.ولا شك أن أرباب اللسان لغة وشرعاً قسّموا التغيُّر إلى ما يقع بسبب المجاورة، وإلى ما يقع بسبب المخالطة، وإن كان ما يسمى مخالطة في الإطلاق مجاورة في الحقيقة، فالنظر إلى تصرف اللسان.ومنتهى هذه الطريقة النظر إلى الاسم، وهذا لا انقسام فيه، وإنما الانقسام في أسباب بقاء الاسم وزواله، فهذه هي الطريقة الصحيحة، ونصُّ الشافعي (٣) في آخر(١) أي زمان (المدّ) المقابل (للجَزْر)، وهما يتعاوران البحار، كما هو معروف.(٢) نلمح هنا تبّرم إِمام الحرمين بأهل الكلام، ولكن الذي نؤكده هو: أنه رفض أن تؤخذ الأحكام التكليفية من غير (ما يتناوله أفهام الناس) ومن غير (ما يقصده أرباب اللسان).(٣) يشير إِلى نص الشافعي في الأم في آخر حديثه عن المياه، حيث قال: "وإذا وقع في الماء شيء حلال فغير له ريحاً أو طعماً، ولم يكن الماء مستهلكاً فيه، فلا بأس أن يتوضأ به، وذلك أن يقع فيه البان أو القطران، فيظهر ريحه أو ما أشبهه.وإِن أُخذ ماء فشيب به لبن أو سويق أو عسل، فصار الماء مستهلكاً فيه، لم يتوضأ به، لأن الماء مستهلك فيه. إنما يقال لهذا: ماءُ سويق ولبن وعسل، مشوب، وإِن طرح منه فيه شيء قليل يكون ما طرح فيه من سويق، ولبن وعسل مستهلكاً فيه، ويكون الماء الظاهرَ، ولا طعم لشيء من هذا فيه، توضأ به، وهذا ماء بحاله". ثم ضرب عدة أمثلة أخرى لتغير الماء وعدم تغيره، ثم ختم كلامه بالجملة التي أشار إِليها إِمام الحرمين، وذلك إِذ قال: "وهكذا كل ما ألقي فيه من المأكول من سويق أو دقيق ومرق وغيره إِذا ظهر فيه الطعم والريح مما يختلط فيه، لم يتوضأ به، لأن الماء حينئذٍ منسوب إلى ما خالطه منها (الأم: ١/ ٦ - دار الشعب- القاهرة). =
الباب موافقٌ لهذه الطريقة؛ فإنه قال في ذكر ما لا يجوز التَوضؤ به، أو غير ذلك، مما لا يقع عليه اسم ماء مطلق: "حتى يضافَ إلى ما يُخالطه أو خرج منه" وهذا ظاهرٌ في أن أدنى تغيّر لا يُؤثر.٩ - وذكر طوائفُ من أئمتنا مسلكاً آخر في ضبط مقصود هذا الباب، ونفتتحه بالقول في المتغير بمخالطة ما يمكن صون الماء عنه.ذهب أئمّةُ العراق إلى أن الماء إذا تغيّر بالزعفران وما في معناه أدنى تغيّرٍ، خرج عن كونه طهوراً، وهذا ما كان ينقله شيخي (١) عن القفال (٢).ولست أرى لهذا المسلك وجهاً سديداً، لكنّي أذكر الممكنَ في توجيهه، فأقول: لعلّ هؤلاء يقولون: المكلّفون فهموا من ذكر الماءِ في الطهارات أنه شيء لطيفٌ عامُّ الوجود، يقلع آثار النجاسات، ولا يُكسب ما يُغسَل به صفةً في نفسه، وقوله تعالى: {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا} [الفرقان: ٤٨] يشير إلى الماء الباقي على صفاتِ فطرته، والماءُ المتغيّر -على هذا التقدير- خارجٌ عمّا فُهم من صفة الماء، والماء الكثير الذي لا يقبل النجاسة ما لم يتغيّر، إذا تغيَّر بها أدنى تغيّرٍ، صار نجساً، فتغيُّرُ الماء القليل بمخالطة الطاهرات، كتغيّر الماء الكثير بالنجاسة على موجَب هذه الطريقة.فأمّا ما يتغيّر بالمجاورة، كالماء المتغيّر برائحة الكافور الصلب وغيرِه، فيجوز التوَضؤ به عند هؤلاء، وإن كانوا يكتفون في المخالطَة بادنى تغيّر؛ فإنّ اكتساب الماءِ رائحةَ الكافور الواقع فيه كاكتسابه رائحة الكافور بالقرب منه غيرَ واقعٍ فيه.(١) شيخي: يريد والده رضي الله عنهما، فهو أستاذه الأول، وهو أبو محمد: عبد الله بن يوسف الجويني إِمام عصره، تفقه على أبي الطيب الصُّعلوكي، وقدم " مرو " قصداً لأبي بكر بن عبد الله بن أحمد القفال المروزي، شرح المزني، وشرح الرسالة للشافعي، كان ورعاً، دائم العبادة، مبالغاً في الاحتياط، توفي سنة ٤٣٨ هـ (سير النبلاء ج ١١ ورقة ١٣٧، طبقات السبكي ٥/ ٧٣ - ٩٣).(٢) سبقت ترجمته، وقلنا: إِن المراد به القفال المروزي، المعروف بالصغير، وهذا عند الإطلاق دائماً.
١٠ - وذكر شيخي: أن صاحب التلخيص (١) ذكر قولاً في أنّ الماءَ المتغيّر بمجاورة ما وقع فيه ليس بطهورٍ، وهذا غريب مزيفٌ.ثم قال هذا الفريق: "لو تغيّر الماءُ بمخالطة ما لا يمكن صونُ الماءِ عنه، كالأوراق الخريفية وغيرها، فيجوز التوضؤ به؛ لمكان التعذّر، وهذا كعفونا عمّا يتعذّر الاحتراز منه من النجاسات، كدم البراغيث وغيره".فالماء المتغير إذاً ينقسم إلى ما يتغيّر بالمجاورة، وإلى ما يتغيّر بالمخالطة، فأما ما يتغير بالمجاورة، فطهورٌ على ظاهر المذهب، وفيه القول الغريب الذي ذكره صاحب التلخيص.وأمّا ما يتغيّر بالمخالطة، فإنه ينقسم إلى ما يمكن صونُ الماءِ عنه، وإلى ما يتعذر الاحتراز منه.فأمّا ما لا يمكن التحرّز منه، فإذا حصل التغيّر به؛ فالماء طهورٌ.وما يمكن التحرز منه إذا خالطه، نُظر، فإن لم يُغيّر الماءَ أصلاً، جاز التوضؤ به، وإن غيّره أدنى تغيّرٍ، لم يجز التوضؤ به.١١ - وذكر الشيخ أبو بكر الصيدلاني طريقةً ثالثةً لبعض أصحابنا، وهو النظر إلى التغير بالمخالطة، [قال هؤلاء: كل ما يتغير بالمخالطة] (٢) فلا يجوز التطهر به، وإن كان مما يتعذّر الاحتراز منه في بعض المياه.ونظر (٣) أصحابُ هذه المقالة إلى أن التغيّر بالاختلاط في حكم انقلاب الجنس، فكأنّ الماء خرج عن كونه ماءً إذا غيّره ما خالطهُ، من حيث لا يُتوقَّع تميّز أحدهما عن الثاني، واتحد كل واحد من المخالطَيْن بصاحبه.(١) صاحب التلخيص هو أحمد بن أبي أحمد الطبريّ، الشيخ الإِمام، أبو العباس، ابن القاصّ، إِمام عصره، وصاحب التصانيف المشهورة " التلخيص " و" المفتاح " و" أدب القاضي " وغيرها، وهو تلميذ أبي العباس ابن سُريج، أقام بطبرستان، وأخذ عنه علماؤها، ثم انتقل إِلى طرسوس، ومات بها في سنة ٣٣٥ هـ. (طبقات الشافعية الكلبرى: ٣/ ٥٩ - ٦٣).(٢) زيادة من نسخة: (د ٣) وهي في (م) أيضاً، ثم وجدناها في (ل) كذلك.(٣) في الأصل: ولكن نظر … والمثبت عبارة (م)، (ل).
والمجاورة لا تقتضي هذا المعنى، ثم معظم ما لا يتأتى التصوّن منه [مجاورٌ] (١)، والأوراق الخريفية، كالخشب تجاورُ، وليس فيها رطوبات تخالط، حتى لو انتثرت وفيها رطوبة، فخالطت وغيّرت، سلبت الماءَ طهوريَّتَه.فهذا تحصيل طرق الأصحاب، في مقصود هذا الباب.ونحن نرسم الآن فروعاً نذكر فيها مقالات الأئمّة، ونُخرِّجُها على الطرق، فتتهذّب بذكرها القواعد والأصول.فرع:١٢ - الماء إذا ألقي فيه ملح، صودف منعقداً عن الماء الأُجاج، فتفاحش تغيُّره به، فقد ذكر أئمّة المذاهب فيه خلافاً، وقالوا: من أصحابنا من جوّز التوضؤَ به؛ لأن الملح انعقد من ماءٍ، فإذا ذاب في ماء عذبٍ، كان [كالجَمْد] (٢)، يذوب في الماء، وأيضاًً فلا خلاف أن الماء الملح -الذي ينعقد منه الملح- لو انصبَّ في ماء عذبٍ وظهرَ تغيُّره [به] (٣)، يجوز التوضؤ به؛ فليكن الملح بنفسه (٤) بمثابته.ومن أصحابنا من قال: لا يجوز التوضؤ بالماء الذي ظهر تغيُّره بالملح الواقع فيه؛ فإنه مع العلم به لا يسمى ماء مطلقاً، إذا تفاحش تغيُّرُه، وليس الملح من أجزاء الماءِ وجوهره؛ فإن المياه نزلت من السماء عذبة، ثمّ سلكها الله سبحانه وتعالى ينابيعَ في الأرض، فاكتسبَ ما انسلك في السبخات صفاتِها، ثم الملح المنعقد هي أجزاء السبخة تتجمع، وليست أجزاء الماء، ولذلك لا ينماعُ الملحُ في الشمس.وأما انصباب الماء الأُجاج على العذب، فالمتبع فيه الاسم في مجاري الكلام؛ فالناس يقولون: " ماءٌ انصب على ماء "، وكان يجوز التوضؤ بالماء الأجاج عند انفراده، وإذا (٥) ذاب ملحٌ في ماءٍ يظهر تغيّره به، فيمتنع أهلُ اللسان من تسميته ماء على الإطلاق.(١) في الأصل: مجاورة الأوراق، والمثبت عبارة (د ٣)، (م)، (ل).(٢) في الأصل: " كالجامد " والمثبت من: د٣، (م)، (ل) والجَمْد بفتح الميم وسكونها: الماء إِذا تجمد، (المعجم والمصباح).(٣) مزيدة من (م).(٤) في (م): نفسه، وكذا في (ل).(٥) في (م): بخلاف ما إِذا ذاب ملح في ماء، فيظهر تغيره به. =
وما ذكرناه في الملح المنعقد من الماء، فأما الملح المنتقَر (١) المحتفر من الجبال، الذي لم يُعهد منعقداً من الماء، فإذا ظهر تغيّر الماءِ به، قطعنا بزوال طهوريته، ولم ندرجه في الخلاف أصلاً، ومن ظنّ فيه خلافاًً، فهو غالط.فرع:١٣ - إذا وقع في الماء كافورٌ صلبٌ، وغيّر رائحة الماء، فقد ذكرنا أن الماء طهورٌ عند الأئمة، والمجاورة لا أثر لها، فلو كان كافوراً رَخواً (٢)، فذاب في الماء، وخالطه، وظهرت رائحتُه، والكافور قليل، وسبب تغيّر الماء ظهورُ الرائحة الفائحة الغالبة، فمن لم يكتف من أئمتنا بأدنى تغيّرٍ، واتبع الاسم، حكم بأن هذا الماء طهور.ومن صار إلى أن التغيّر اليسير بالزعفران يسلب تطهير الماء، فقد اختلفوا في الصورة التي ذكرناها، فذهب بعضهم إلى أنه لا يجوز التوضؤ به؛ فإنّه متغيّر والكافور مخالط في محل التصوير.وذهب الأكثرون إلى جواز التوضؤ به، فإن الكافورَ وإن كان مخالطاً، فليست المخالطة سببَ التغيّر، وإنما سببُ التغيّر قوة ريح الكافور، فالماء في معنى ما يتغيّر بمجاورة الكافور.فرع:١٤ - إذا جرت رياح في الربيع (٣)، ونثرت الأوراقَ الرطبة، وتغيّرت المياه بها، فمن اتبع المخالطة والمجاورة، منع التوضؤ به إذا تغيّرت المياه بمخالطة الأوراق إياها.ومن اعتبر في أصل الباب التعذّر والتيسُّر في الاحتراز، اختلفوا في هذه الصورة؛ وسبب الاختلاف أن ما تعلق بالأعذار، فكل عذر يعمّ وقوعُه أثّر، وكل(١) المنتقر: من انتقر الشيء: احتفره. (المعجم) فالمحتفر هنا عطف بيان للمنتقر.(٢) رخواً بفتح الراء وكسرها، أي هشّاً. (المختار).(٣) ذِكْرُ (الربيع) هنا له معنى مقصود؛ إِذ تختلف أوراق الربيع عن أوراق الخريف، بما فيها من (رطوبات) تجعل عصيرها مخالطاً للماء، بعكس أوراق الخريف الجافة، التي لا تخرج عن كونها (مجاورة).